قصة ياميرا وشردوخ كامله بقلم مصطفي مجدي

قصة ياميرا وشردوخ كامله بقلم مصطفي مجدي

    ياميرا وشردوخ | القصة كاملة♕ مستوحاة من احداث حقيقية " حقًا مكائد النساء عظيمة
    .................
    لم اتوقع قط فكرة ان نعود للحياة مرة آخرى ، فكهنة الآله امون رع تؤكد ذلك ، ويؤكدون ايضًا ان امون رع هو الوحيد الذى يستطيع فعل ذلك ، فاثناء مرورى من امام معبد الاله امون ، كنت ارى النواميس التى اخترعها الكهنة لحفظ الروح لحين الخروج فى الوقت المناسب ، بعد استحضار روح الاله امون رع ، النجمة الثمانية التى كانت تخص الاله عشتار فى العراق ، والذى يرمز لها بإله الحرب ، كانت هي الرمز مع الدائرة الشمسية لاستحضار روح الاله ، تعلقت بالفكرة كثيرًا ولكن خوفى من طقوس التحنيط  دائمًا ماكان يبعدنى عن تنفيذها .

    زوجتى "ياميرا" كثيرًا ماكانت تحلم بحكمى للبلاد وتدوين اسمى واسمها بحروف من نور فى تاريخ الحضارة المصرية ، فكانت تحادثنى دائمًا قائلة :
    = ارى التاريخ يذكرك الملك اوناس وزوجته ياميرا ملوك الدولة المصرية

     فاحيانا النساء يشكلون دافع كبير للنجاح واحيانًا اخرى يصبحون محطة من محطات الهلاك.
    ففى عهدنا عهد الأسرة الخامسة الكل يحكم بالدم ، فقد بدأت العادة حينما انتقل الحكم من اوسر كاف الى ساحورع بعدما تم تدبير قتله حتى يتولى مقاليد الحكم ، والسبب كانت امرأته فقد كانت تقع فى غرام ساحورع وبالرغم من تحذير المقربين من الملك اوسر كاف له ، ولكنه لم يُصدق ولم ينصاع الا لقلبه فقُتل ، وقتها ادركت انه ربما يكون قلب الإنسان سبب رئيسى فى قتله .

    وكأن القدر اراد ان يُعطى درسًا قاسيًا لساحورع ، الذى بدأ فى تعذيب وترهيب ابن عمومته نفر ابن كارع ، خوفًا من انقلابه عليه وتدبير مكيدة لازاحته من الحكم ، فاستشاط نفر ابن كارع غضبًا رغم اشتهاره بالطيبة والأخلاق السوية ، وبدأ فى مغازلة ومواعدة خادمة الملك "سومارا " ، بل انه وعدها اذا ساعدته فى الحصول على المُلك ان يعتقها ويتزوجها ويجعلها ملكة متوجة فوق روؤس الجميع .
    لم تخذله سومارا الطامعة فى المُلك ووضعت السم الذى احضرته من احد السحرة فى طعام الملك ساحورع ، حتى فارق الحياة .

    لكن بعد ان نفذت سومارا ما أراد نفرابن كارع وتسيد الدولة المصرية ، تراجع عن قراره ، فكونها خادمة جعله ترَفع عن الزواج منها وتملص منها بل قام بتهديدها بالقتل إذا طلبت منه هذا الأمر مرة آخرى ، ومنعها تمامًا من تحضير طعامه، ثم قام بإهدائها الى الطفل  نى اوسر رع  الذى يبلغ 10 اعوام حتى تقوم سومارا على تلبية رغباته.
    مرت السنوات وتعلق ني اوسر رع بسومارا بشدة  وعندما اشتد عوده بعد 10 سنوات اخرى  رفضت الخادمة ذات الثلاثون عاماً ، الدخول معه فى علاقة الا حينما يرد لها اعتبارها ويتخلص من نفر ابن كارع ويعلنها زوجة له وملكة متوجة فوق الجميع .

    حُب نى اوسر رع الشديد لسومارا جعله يرضخ الى مطلبها ، ويبدأ فى وضع خطة التخلص من نفر ابن كارع وتولي مقاليد الحُكم ولانه ليس الوريث الشرعى للحكم ، كان لابد ان يتخلص من جميع الورثة بضربة واحدة ، وتحت تخطيط ومكائد سومارا ، استطاع ان يُقنع نفر ابن كارع بأن  "من كاو حور" و "جد كا رع " يرغبون فى الحُكم ويدبران المكائد له ، ولانه من الملوك التى يغلب عليهم طابع الشك ، فضل التخلص منهم سريعًا ، وقتلهم دون سبب معلوم ، وهنا استغل نى اوسر رع ذلك واعلن عصيانه لنفر ابن كارع لأنه قاتل وغير امين على الدولة ، وصنع له العديد من الأفخاخ وتمكن من قتله أثناء احتفال رياضى سنوى وأعلن نفسه ملكًا على الدولة المصرية ، ولكنه لم يخذل سومارا كسابقه وأعلنها زوجة له وشريكة فى المُلك .

    استقر المُلك فى ايدى نى اوسر رع وزوجته سومارا سنوات عدة ، وكان حظهما وفيرًا من إنجاب الأطفال ، فأنجبت اربع اولاد وبنتين فى 9 سنوات فقط .
     وفى كل ولادة جديدة لها كان ذلك يزيد من احباط زوجتى ياميرا ، ولكنها لم تصل لمرحلة اليأس بعد ، فذات يوم اوقظتنى من منامى ليلًا قائلة :
    = استيقظ يا اوناس فقد اتيت لك بالحل والخبر اليقين
    تنبهت لها ونصت إليها من شدة جديتها فى الحديث ، واجبتها قائلًا :

    .. ارى وجهك يخرج منه نورًا ، اهو خير؟!
    = نعم خير يا اوناس ، لقد وصل الى مصر اليوم الكاهن "شردوخ "
    .. من هو ؟
    = الكاهن شردوخ هو الكاهن والساحر الأكبر لمعبد الاله عشتار ، وقد حاولوا قتله فى العراق لمناداته باتباع إلهنا امون رع ، وعندما تناثرت الأنباء عن حضوره مصر قرر الملك ني اوسر رع ضمه لكهنة المعبد ، والاستفادة من مهاراته فى فنون السحر وقدرته الفائقة على اقامة شعائر عودة روح الإله آمون رع .
    .. وما الذى يعنينا فى ذلك ؟
    = اذا نجحنا فى الوصول اليه والتقرب منه ، ربما يساعدنا فى تحقيق الحلم
    .. كيف ذلك ؟

    = اترك هذا لي ، فقط اتبعنى وحسب
    عقب عدة ليالٍ ، تبدلت احوال ياميرا ، فأصبحت تتغيب عن المنزل كثيرًا ، وحينما أقوم بسؤالها عن تغيبها الذى بات معتادًا تتحجج بذهابها الى بنات عمومتها ، تارة لأن احدًا مريض وتارة آخرى لتجالسهم فقد اصابها الملل من المنزل.
    ليلة تلو الآخرى وحال ياميرا يسوء ، حتى جاء اليوم الذى اوقفتها فيه بحزم وقلت لها بغضب :
    = اذا كنتى تسعين خلف المُلك مقابل التضحية بأى شئ ، فتأكدى ان القتل سيكون مصيرك
    .. اتقوم بتهديدى يا اوناس
    = لا اقوم بتهديدك فحسب ، بل اُطلعك على ماسأفعله
    عادت نغمة الحنان الى صوتها ، فقالت :
    .. ارى انك تتسرع كثيرًا فى الحُكم علي ، قلت لك اتبعنى ولم اقل لك ان تشُك فى الأمر ، سأجلب لك الخبر اليقين غدًا
    انتظرت الليلة التالية على احر من الجمر حتى اعلم سبب تغيبها هذا والحيلة التى توصلت لها حتى نستوى على عرش الدولة المصرية.

    دخلت ياميرا الى غرفتنا فى المساء واحتضنتنى بشدة ، ثم قالت مبتهجة :
    .. ابشر يا اوناس ، فقد اقتربنا كثيرًا من الحُلم الذى يراودنا ، فلدينا جلسة مع شردوخ سيشرح لنا الامر برمته
    لم التفت الى حديثها بقدر ماصببت اهتمامى بالمقابل الذى سنقدمه لشردوخ حتى يساعدنا على ذلك ، فسألتها فى ترقب:
    = ما مقابل ذلك ؟
    نظرت لي مليًا ثم قالت :
    .. غدًا ستعلم كل شئ
    ذهبنا الى كهف شردوخ وجلسنا امامه ، فهو رجل ذو طول فارع وعود نحيل وشعر طويل ، لايشبه السحرة الذين رأيتهم من قبل ، جلسنا فى صمت وبدأ هو بالحديث قائلًا :
    = ادرك ماتطلع الى معرفته يا اوناس
    ارتبكت قليلًا ولكن سرعان ماعُدت لصوابى متسائلًا:
    .. ما المقابل ؟

    ابتسم شردوخ بسماجة ثم اجابنى قائلًا :
    = المقابل هو الإنتقام
    .. انتقام؟! .. ممن؟
    = من نى اوسر رع ، فأثناء حربه بإسم الإله امون رع لكهنة الإله عشتار ، قتل زوجتى واطفالى ، وبات بينى وبينه ثأرًا لن ينتهى سوى بنهايته ، فمن زرع الدم ، حصد القتل .
    صمتُ قليلًا من مفاجأة الموقف ، ثم عُدت بالحديث متسائلًا:
    .. ماذا سنفعل؟
    اشار بيديه الى ناووسين متكئين على جدار الكهف ، ثم عاد بالنظر لنا قائلًا:

    = هنا فى الدولة المصرية  قد صنعوا النواميس لتحنيط  بعض المُقربين المطيعين للإله امون رع املًا فى اختيار الاله لجسد احدهم حتى يعود مرة آخرى فى صورة بشري ويحكم العالم ، وهذا تحديدًا ماسنفعله.
    ازددت دهشة وسألته فى شغف كيف ذلك؟
    =  بعد ان تضافوا الى القائمة الناووسية الخاصة بالإله  آمون رع ، سأستخدم السحر لكى ازيد الامر سوءا فى الدولة ، فستبور الأرض ، والآبار ستنهار وتعلن عن جفافها ، والبحيرات ستحتوى على المزيد والمزيد من التماسيح وغيرها فلن يستطيع احد الإقتراب منها ، وهنا سأعلن ان هذه المؤشرات ، هى دعوة لعودة الإله آمون الى الحياة وتخليصهم من هذا العذاب .

    .. وكيف ستتخلص من نى اوسر رع؟
    = لإعادة الإله لابد من تضحية ملك
    لم تُقنعنى فكرة الإنتقام من الملك فحسب فتسائلت مرة آخرى:
    .. ما الذى ستجنيه جراء ذلك بخلاف الإنتقام ، الم تخشى ان نغدر بك وننقُض العهد؟
    = فى اعراف الدولة المصرية ، لابد من مقيم لشعائر اعادة روح الإله آمون ، ومن يفعل ذلك يتولى الحكم فى اجزاء كبيرة بالبلاد تحت رعاية الإله  والملك امون رع ، وأنا من سيُقيمها ، ومثلما استطعت اقامة الشعائر ، فأستطيع تكذيب ذلك وفضح الأمر وخسارتنا جميعًا ، لذا فإتجاهنا واحد .
    اومأت رأسى بالفهم  واتفقنا على التنفيذ بعد مرور يومين من تلك اللحظة وسط سعادة غامرة من ياميرا ، وهممنا بالذهاب ولكن الساحر شردوخ قاطعنا قائلًا :
    = يجب ان تُقدما الكثير من القرابين خلال الليلة المقبلة حتى يرى الجميع مدى امانة ونقاء روحكما

    تعاهدنا انا وياميرا على الصمود حتى نستطع تحقيق حُلم الحكم ، وبالفعل قدمنا الكثير من القرابين وها قد وصلنا للحظة الحاسمة ، احضر لنا شردوخ الناووسين ولكن زود كُلًا منها ببعض من فتحات الهواء  حتى نستطيع التنفس ، وقام بغطاء اجسادنا بالقطن وبعض الاوراق الطبية المستخدمة فى التحنيط ، ولم يترك لنا شيئًا سوى فتحة صغيرة فى الانف ، وتعهد لنا بإمداد اجسادنا بما يلزم للحياة حتى يعلن عن اقامة الشعائر ، واغلق الناووسين علينا وقدمنا للمعبد كروحين نقيين.
    مرت ايام قليلة وشردوخ مُلتزم معنا بالعهد ، فنحن الى الآن على قيد الحياة، ونشعر بكل شئ يدور حولنا فى معبد الآله امون رع ، وأنا ايضًا اشعر بهمس وزوم زوجتى ياميرا داخل ناووسها وهذا اكثر ماطمأننى ، وقبل ليلة الحسم  سمعت احد المُتعبدين يناجي الاله امون رع ، بأن يصحح الأوضاع فى البلاد ويُعيد الحياة الى مسارها الطبيعى من جديد ، وحينها علمت ان الكاهن والساحر شردوخ تسير خُطته فى الطريق الصحيح .

    وفى الليلة التالية سمعتُ ضجيجًا واسعًا واصواتًا تُنادى بعودة الإله امون رع لحكم البلاد وتخليصهم من الأذى الذى لحق بهم وطال ابنائهم ، وهنا ظهر صوت الكاهن شردوخ الذى خطب فيهم قائلًا:
    = ملككم نى اوسر رع ، قد اعلن تسليم روحه للإله آمون رع ، فسيدخل الى ناووس جديد ، وبعدها سنُقيم شعائر عودة الإله آمون رع ، لكي يختار انقى واطهر الأجساد حتى تستقيم اموركم وتدُب الحياة الى ارضكم كما كانت فى السابق.
    دخل الكهنة فى غرفة النواميس المصرية بصحبة الكاهن والساحر الأكبر شردوخ لبدء إقامة الشعائر وسط انتظار حارٍ من اهالى البلاد ، وانا بداخل الناووس اسمع كل شئ ولكن لا استطيع التحدث ، كل ما استطيع فعله هو انتظار لحظة فتح شردوخ لناووسى واعلانى ملكًا للدولة المصرية.

    بدأ شردوخ فى تلاوة شعائر عودة الاله امون رع ، وعقب انتهائه لتلاوة الشعائر خرج على الناس خارج المعبد ، واستطيع ان اشعُر ان بعضًا من الكهنة  يحملون ناووسًا الى الخارج ، امر شردوخ كهنة المعبد بفتح الناووس ، وهاهو صوت زوجتى ياميرا ، استطيع تمييزه من وسط الحشود ، ولكن سرعان ماصمتت الحشود قليلًا وخطب شردوخ فيهم قائلًا :
    = اليوم اُعلمكم بأن ازمتكم قد انتهت ، اردتم الاصلاح واعطاكم الَهكم ذلك حينما اقمنا الشعائر ، ارشدنا الاله امون رع على سبب سخطه علينا وهو تولي نى اوسر رع مقاليد الحكم الغير عادلة ، واراد الاله تعديل هذا الخطأ البشري لكى نقوم بتصحيحه بأنفسنا ، وارشدنا ايضًا على اكثر الارواح نقاءً وهي الأنثى ياميرا ، فبث الروح فيها لتصبح رمز النقاء فى دولتنا العظيمة ، وكما اُمرت يجب ان اتزوجها وادير شئون البلاد حتى يعُم الرخاء وتسود الطمأنينة والسلام.
    بإنتهاء خطاب شردوخ ، علمتُ جيدًا اني القيت بنفسي فى الهلاك وان ماطمحت اليه اطاح بي شر اطاحة ، ولكن كان لدي بصيص من الأمل ان تصون ياميرا ماحيينا معًا لأجله ، وتأتى لإنقاذى من هذا الناووس المُميت ، وبالفعل هذه المرة اصبتُ فى اعتقادى ، هاهو صوت ياميرا قادم نحوى ، من المؤكد انها ستقوم بتخليصي من هذا الكابوس.

    مدت ياميرا فمها عبر الفتحات ثم همست لي قائلة:
    = اعلم انك حي هنا ، ووددت ان اُعلمك سبب غيابي المتكرر عن المنزل فى الفترة الماضية  قبل ان ترحل ، عندما ذهبت لشردوخ فى المرة الأولى واخبرته بما اُريد ، وضع حملي لطفله وقتلك فى الكفة المواجهة لجلوسى بجانبه على عرش الدولة المصرية ، وقد راق لي ذلك كثيرًا ، لقد اخذت حذرك كثيرًا من الساحر ولكنك لم تحذر من كيد وخبث وطموح النساء.

    واستطردت حديثها بتوجيهه لكهنة المعبد قائلة :
    = هناك خرق فى هذا الناووس يجب ان تسدوه
    ثم عادت لى مرة آخرى قائلة :
    = فلترقد روحك فى سلام
    الآن بعدما ادركت مصيرى المحتوم وهو الموت ، ادركُت ايضًا ان للطيبين النعيم ، وللطامعين الجحيم .

    تمت بحمد الله تعالى

    إرسال تعليق