(الفصل السابع)
ها هو الفجر يتنفس .. وقد طال به السهر للحد الذي لم يغمض له جفن .. قاده تشتته للسير خارج أسوار القصر .. الصمت المطبق يفرض سطوته في سرمدية الليل الا من دبيب خطواته .. مضى إلى حيث اللاوجهة .. يقوده منفى العشق إلى طرق ما خطى بها يوماً .. بدأ الظلام الدامس ينقشع مع ظهور الخيط الابيض للفجر .. علا صوتٌ دبَّ في أوصاله الرعشة .. فنظر إلى حيث مصدره على بُعد خطوات منه .. خطى واقترب حتى وصل اليه .. حدّق قلبه بالمكان وقد أصابته بحبوحة مشاعر متضاربة ارتجف لها فؤاده .. الا أنها سرعان ما تبددت تحت وطأة الأرستقراطية التي شبَّ عليها فتجاوز المكان بخطوات متلاحقة .. وكأنه بذلك يهرب من تأثيرها اللحظي عليه .. وعندما صدح الصوت هاتفاً :-
- حيّ على الصلاة
لم يستطع ان يغض الطرف عن الرعشة التي عادت تفتك بأوصاله .. فتوقف وأدار رأسه للخلف إلى حيث المسجد .. للحظة شعر أن النداء يعنيه هو .. وكأنه المخاطَب للدعوة فحمله قلبه للإستجابة .. عاد أدراجه إلى المسجد .. وتوقف هنيهة قبل أن يدلف للداخل بعد أن خلع نعليه على عجل .. ولج اليه مرتجف الجسد متسارع النبضات مهتاج الأنفاس .. في عينيه ومضة دموع آثرت الصمود .. ولربما سلوكه الفسيولوجي هذا قد لفت الأنظار اليه فآتاه رجل كبير بالسن قمحي البشرة بشوش الوجه ذو لحية بيضاء خالطها بعض السواد .. ارتبك ميران على غير عادته وكأن هذا المكان قد سلبه قواه .. ام أن التيه الذي يناكفه هو السبب !؟
قال الشيخ بحنوِ أب لم يلمسه يوماً :-
بني ... اهلاً بك في بيت الله ..
نظر اليه ميران بتشتت دون أن ينبس ببنت شفة فقد ضاعت الكلمات .. وتاهت الحروف .. وفقد القاموس خاصته أبجدياته .. فرسم على شفتيه طيف ابتسامة سرعان ما تبددت .. فأردف الشيخ قائلاً :-
استرخي بني .. واستعد معنا للصلاة ..
أشار إلى الركن الأيسر من المسجد ثم تابع :-
يمكنك الوضوء هناك ..
سار ميران إلى حيث أشار اليه الشيخ .. ثم توقف أمام حوض الغُسلْ ليزداد اضطراباً .. هو يعلم الأعضاء الواجب عليه غسلها في الوضوء الا أنه نسي بأيها يبدأ وأيها يسبق الآخر .. فتابع رجلاً كان قد بدأ لتوه بالوضوء .. راقبه بذاكرة عيناه متفحصاً مدققاً لكل خطوة يقوم بها .. وعندما انتهى الرجل بدء هو بالوضوء وكم كان يشعر بالحرج من نفسه .. فمنذ عهد البراءة والطفولة لم يتوضأ ولم تطأ قدماه أرض مسجداً من قبل ..
أنعشه الوضوء فكان وكأنه توضأ بماء من نهر الجنة .. وبعد برهة من الزمن كان يقف خلف صفوف المصلين .. أسلَم قلبه لله ووقف بين يديه .. فأي وقفةٍ كانت هذه الوقفة !؟ وقفة جمعت جوارحه جميعها وألقتها بين يدي الله فكانت حلقة وصل بينهما .. ازالت خلالها صدأ روحه وانجلى الران عن قلبه وجادت الدموع سكباً على ضفاف وجنتيه وتفشى السرور الروحي كفيضٍ في خلجات فؤاده .. وأتم ركعاته وأطال السجود .. كان سجوداً مليئاً بالأمنيات .. مشبعاً بالرغبات .. محملاً بالدعوات ..
أنهى صلاته وقد طاب له البكاء مطولاً في ركعته الأخيرة .. فشعر وكأنها أحيته مجدداً بعد ان كان ميتاً على قيد الحياة !! وكأن صلاته قد ذهبت به في رحلة عبر الزمن .. فكسرت أقفال ابوابه المغلقة وأصبحت طوق النجاة ..
بعد نوبة البكاء وإنجلاء الحزن انزوى في احد أركان المسجد وجلس يقرأ القرآن فكان هذا الاعجاز الكوني الذي بين يديه طريق حق ودرب أمان .. سكنت اليه نفسه واهتزت به روحه وندى به قلبه وانحنت بين أحرفه المآقي وانقشع ضباب التيه عن صدره .. وجد بين صفحاته لذة منسية في المناجاة والمواساة فأتقن خلالها فن المخاطبة مع الله .. وتلك التساؤلات حول القوة التي تتسلح بها ( راوية ) باتت منجلية أمامه ، وجد إجاباتها عندما اقشعرَّت أوصاله بين يدي خالقه .. فعرف سر ثباتها والحصن الذي يغلف قلبها والغنيمة التي اكتسبتها في العبودية ..
عاد إلى قصره بَشوشَ الروح مبتهج الفؤاد فكان هذا اللقاء القصير مع البارئ بمثابة البوصلة التي دلته على الطريق بعد أن أنهكت الذنوب صدره وغلفت الاحزان قلبه .. فلم يتخاطر هذه الليلة مع طيفها .. كما لو أن متلازمة الحب قد شُفِيَّ منها ولو مؤقتاً !! و صمت صوته الداخلي الذي كان يؤرِّقه كل ليلة .. فنام قرير العين .. سلامٌ قلبيٌّ يغلِّفه .. وهناءٌ عقليٌّ يلفُّه ..
***************************************
ألقى الخال ( أرغد ) بالبطانية الرقيقة على التراب وجثى فوقها ومقابله جلست راوية التي بدأت بإخراج محتويات سلة القش التي تحتوي على أصنافٍ متنوعة من الأطعمة ووزعتها بشكل عشوائي .. كان الجو مغرٍ للتنزه والترفيه عن النفس .. وحلت الشمس ضيفاً لطيفاً طال غيابه واشتاقت له جميع الأفئدة لكل المخلوقات في شتاء بات فصله حابساً للأنفاس .. فَرَهَفَ القلب في استشعار دفء قرصها الذهبي في الطبيعة التي تُشبِع الروح صفاءً فلم تخرج كعادتها على استحياء إنما حلت أشعتها حاملة الدفء والحنان والاحتواء ..
قالت راوية بلهفة :-
صف لي المكان خالي ؟
أشار الخال ( أرغد ) بيديه فأسهب قائلاً :- هنالك في اتجاه اليسار تتكدس السلاسل الجبلية بجانب بعضها بلونها الرملي .. وهنا باتجاه اليمين تحلق طيور الحبارى المهاجرة ..
أشار إلى الأسفل وأردف قائلاً :-
وهذه التلة بمنحدراتها تتدرج بين اللون الأخضر والرملي وتمتد إلى مساحات واسعة من الأسطح المستوية والسفوح المنحدرة ..
توقف قليلاً ثم أردف قائلاً :-
السماء صافية اليوم يا صغيرتي كصفوِ زرقة عينيكِ .. والشمس كاللمعة التي تغلف عدستهما ..
أطرقت راوية رأسها خجلاً وابتسمت ابتسامة رقيقة مشرقة حملت أسمى معاني الطمأنينة والفرح .. وما كادت أن تشرق هذه الابتسامة وجنتيها حتى تلاشت بنفس السرعة التي ارتسمت بها وحلت ملامح الحزن على قسمات وجهها وعندما لاحظ خالها ذلك تسائل مستفسراً :-
لما هذا الحزن صغيرتي ؟
ردت بانكسار :-
قلبي مكتظ بالاشتياق و عبثاً احاول تجاهل ذلك . اخبرني كيف السبيل لإصلاح الخراب الذي أحدثه ابي و أيلول في قلبي ؟!
قال بصوت حاني مشبع بالأسف :-
لعله خيراً يا ابنتي ..
قالت وقد فرت دمعة يتيمة من عينها :- احاول أن ألتمس عذراً واحداً من بين السبعين الا أنني في كل مرة اجدهما قد ركلا قلبي بدم بارد .. وبنيا في وجهي باباً مؤصداً مشمَّعاً بالفولاذ !
تحدث بهدوء يعكس الاضطراب الذي حل في صدره :-
لا تطلقي الاحكام جزافاً بنيتي .. لا بد أن لديهما الأسباب لما فعلاه فصبرٌ جميل والله المستعان ..
صمتَ هنيهة ثم اردف قائلاً :-
هيا يا بنيتي ابتسمي وهوني عليكِ .. نحن خرجنا للتنزه والترفيه عن أنفسنا فلا تُقلِّبي المواجع على هذا القلب المسكين .
ابتسمت وقالت بصوت خفيض :-
اعذرني خالي .. لم أقصد ذلك ..
تناولا الطعام على صوت الطبيعة الهادئ غافلين عن عيني الصقر التي كانت تراقبهما من بعيد متوارية خلف شجرةٍ ضخمة ما كان صاحبهما سوى ( إيفان ) الذي استمر ثلاثة أيام في البحث عنهما حتى وجدهما اخيراً و بمحض الصدفة البحتة بينما كان في طريق عودته للمنزل .. انتظرهما حتى انتهيا من نزهتهما وسار خلفهما بحذر وتعقبهما حتى وصلا إلى كوخٍ مستقلٍ منعزل عن القرية والمدينة وبعد ذلك عاد إلى قصره منفرج الأسارير باسم الثغر متسلحاً ببشرى الخلاص لأخيه ..
***************************************
كان ميران كعادته قابعاً أمام مكتبه مستغرقاً في تخيلاته متعمقا بتفكيره متصيداً في بواطنه جرعة أمل بتلك التي شغفته حباً وأهامته عشقاً وولهته غَراماً .. فاهترأ قلبه حنيناً وتلظى صدره شوقاً فلجأ إلى رفيق الشِدّة قلمه الذهبي وصديقة المحنة ورقته الصمّاء وبدأ ببث ما فاض في جعبته وامتلئ في جوفه :-
خاطرتي الثالثة ..
فاتنتي راوية .. عزلتي تبلغكِ السلام وجدران غرفتكِ تُقرِئكِ الشوق أفلا يحنُّ نبضكِ المتحجر الجلف ذاك أم أن الحنين متفرداً بي وحدي .. يقتص مني بلا وجه حق .. فَغَدتْ روحي متعبة منهكة تنخرها اللهفة ويحرقها الاشتياق .. لم اعد بقادرٍ على الصمود أمام عته الحب وجبروته .. أنا ها هنا على شفير الجنون مقرفصاً بخنوع خاضعاً بإذعان مستجيباً بإنكسار .. ولا سبيل أمامي للنجاة منكِ الا بكِ .. ولا طريق للخلاص من سجنكِ الا أسرُكِ ..
آهٍ يا زرقاء العينين أيُّ تعويذةٍ ألقيتِها عليَّ فأكون قيد الاعتقال بالغرام وأُجرّم بالعشق وأُدانُ بالحب وأُقاصص بالفراق ويصدر حكماً مؤبداً باللوعة في حقي مع المشاعر الشاقة .. فلا سبيل يا محبوبتي للإستئناف ولا مجال للطعن ..
لقد أضناني البعد يا معذبتي وأنين الاشتياق شقَّ صدري .. وكلي ينطق بالرأفة ، فأين اختفيتِ ؟ أما زلتِ ها هنا في رحاب الأرض تزينيها بكينونتكِ النقية .. أم أن الروح فاضت وفارقت دنيتي ؟! أسألكِ بالله أن .......
عند هذا الحد انقطعت خلجات القلب .. وتوقف القلم غاضباً من مقتحم الخلوة ومبعثر العزلة الذي ولج إلى الداخل بشكل مباغت أثار حنقه فقال بانزعاج وعبوس :-
ليس الآن ( إيفان ) ألا ترى أني مشغولٌ ؟! عُد لاحقاً .
هتف إيفان بلهفة قائلاً :-
لقد وجدتها !
تسائل ميران بعدم فهم :-
عن أي شيءٍ تتحدث ؟!
:- راوية !!!!!!
سقط القلم من بين يديه وخيِّلَ اليه للحظة انها خرجت من مخيلته ولبت نداء القلب .. أهو سمع اسمها أم أن هوسه العشقي بها هو من ردده .. هو لا يعلم ولم يعد يميز بين الحقيقة والوهم .. فبقي صامتاً لبرهة ثم قال حازماً ببرود :-
قلتُ لكَ عد لاحقاً !
هتف به إيفان بإندفاع قائلاً :-
لقد وجدت راوية يا اخي وجدتها .. وجدت ضالتك يا هذا !! ألا يعني لكَ ذلك شيئاً !؟
تحفز القلب وغامت العيون وتلعثمت النبضات وتسارعت في سباقها مع الزمن .. وارتعدت الأطراف واختلطت الاحاسيس !! أهو الخلاص أخيراً !؟ لم يتمكن من تمالك نفسه ففرت دموع الأمل من عينيه مختلطة بضحكاتٍ مكبوتة آن لها الأوان أن تضيء وجهه .. ولأول مرة على مرأى من أخيه يبكي .. في لحظات للنسيان .. في لحظات للانهيار والاستسلام بكى فرحاً وهو يرى لانطفاء الشوق سبيلاً متمثلاً في ( إيفان ) !!
قال بتلعثم بعد ان التقط انفاسه الهاربة :-:-
خذني إليها ..
قال إيفان متعجباً :-
الآن !!
:- نعم الآن .. لا استطيع الانتظار للغد ..
مضى معه بلهفة مراهقٍ في موعده الأول وقد عصف الشوق صدره .. وكم كان الطريق اليها طويلاً او ربما هَيّأ له الحنين ذلك الا انه وصل في النهاية وقد كانت خيوط الشمس تسدل ستارها عن صفحة السماء فانقشعت أشعتها الذهبية معلنة عن الغروب .. غروب الشمس وغروب الحزن في قلبه .. وما ان لمح طيفها من البعيد القريب حتى انعزل عن الواقع برهةً .. توقف الكون عن الدوران .. الا أن قدميه لم تتوقف واقتربت واقتربت حتى توقفت مقابلها .. زُلزِل الكيان وتحشرجت الأنفاس ووَقْعُ خفقاته اختلف عن كل الخفقات .. وهذه الأطراف ترتعش وترتعش حتى شعر انه سيخرُّ معانقاً الأرض .. زرقة عينيها بثت فيه الروح وكأنه برؤيتها قد تعاطى جرعة الحياة فانتشت السكينة في أوصاله .. كانت تلتفح شالاً عكس ضوء مقلتيها متدثرة به من النسمة التي أبت الا ان تكون شاهدة على اللقاء .. يفصل بينهما بضع خطوات سمحت له باستراق النظر والتملي بصورتها داخل حدقتيه ، مدَّ يده في الهواء راسماً حدود وجنتيها دون أن يلمسها .. عانقها بعينيه عناقاً أثلج صدره حتى شعر أن عظامها تفتتت في رحب صدره عندما عجزت يديه عن فعل ذلك ، فمن فرط الحب أبى أن يطفئ نيران شوقه ويدنِّس عفتها بعناق .. والتزم عتبة العفاف والأدب .. فخرجت آهة منكسرة متحشرجة من فمه لتصل إلى مسمعها فانتفضت قائلة بذلك الصوت الذي تاق للحد الذي لا حد له لسماعه :-
أهذا أنتَ خالي ؟!
( آهٍ يا راوية وألف آه .. دعيني أعيش اللحظة .. دعيني أُحيي النبض القابع في صدري .. دعيني أُعَبّر بلغة العشق الصامتة .. فالنظرة في تفاصيلك ابتسامة لفؤادي .. وها هي النسمة تحمل في ذراتها رائحتكِ وتنثرها لتتخلل داخل أوردتي وشراييني .. ومعزوفة صوتكِ الرقيق تلعب على أوتار قلبي فأقتبس من صداه طمأنينتي .. اصمتي راويتي ودعيني أطفأ لهيب الغرام العذري لتفاصيلك الملائكية )
:- مَنْ هناك ؟!
عندما لم تجد راوية إجابة إضطربت و بدأ الخوف يتسلل اليها فقالت بصوت خفيض متسائلة :-
ميران ؟!!!
استيقظ قلبه من سباته اللحظي على وَقْعِ اسمه من بين شفتيها .. وكأنه صحى من نوبته العشقية فتجلى في عينيه عتاب صامت حمل كل الشهور الذي مضت بثقلها وكأنها دهر ! بانكساره بضعفه بانهياره وسقوط كبريائه .. كل ذلك تجلى في نظراته التي كانت عصيةً للتجسد أمام انطفاء عينيها ..
اجتاحها الرعب فعادت للوراء بخطوات مرتعشة .. الا أن صوته الذي جاهد لإخراجه متوازناً أوقفها عندما قال :-
يالحظي ! ما هذا الامتياز الذي تمنحيني إياه فأحتل تفكيرك وأكون صاحب الشرف للاسم الذي تنطقينه !؟
ابتسمت راوية بحبور واجابت بامتعاض :-
ما زلتَ كما عرفتك معتداً بنفسك بامتياز !!
كل الذي جال بباله في هذه اللحظة ردٌ لاذع وتوبيخ مُوْجِع نَصرَةً لنكبته العشقية التي عايشها قسراً بسببها الا أن عاصفة الحنين قد زعزعته وبريق الملائكية اللامع في حدقتيها البحريتين قد شفع لها .. وخفقات قلبه النابضة باسمها ولأجلها قد ألجمت لسانه !!
قال معاتباً :-
لماذا هربتِ ؟!
رددت بتعجب :-
هربتُ ؟! ذلك المكان لم يكن مسكني لأبقى فيه .. أنا عدت إلى حيث انتمي .. إلى حيث يجب أن أكون .. !!
قال حازماً :-
مكانك حيث أكون أنا ..
قالت بلهجة حادة بعد ان التقطت نفساً عميقاً :-
كُفَّ عن هذا الوهم الذي تعيشه ! فمحور الكون لا يدور حولك ..
كان ( إيفان ) يتابع اللقاء الناري بابتسامة ماكرة وقد تراءت له صورة أخيه كأسد زائر انقض على قطة شرسة تجسدت براوية .. كلاهما عنيد .. كلاهما ناري .. يستعصى وجود السلام في حضرتهما .. كقطبي المغناطيس المتساويين في الشدة يجذبهما إلى بعضهما اختلافهما !! الا ان هذه الابتسامة تلاشت اندهاشاً على وقع ما صرَّح به ميران عندما قال :-
ستأتين معي الآن طواعية بلا ادنى اعتراض وبلا أي احتجاج ..
ضحكت راوية وقالت باستهزاء :-
أتعلم لقد نلتَ إعجابي للتو بهذه الثقة التي تتفاخر بها أمامي !! لا تُثِر أعصابي و عُدْ من حيث اتيت !!!
تحدث ميران بلهجة جادة بعد أن استل مسدساً كان يخفيه داخل حِزام بنطاله و أشهره للأعلى في وجه السماء التي اكتست ثوباً حزيناً في هذه المواجهة الضارية وأطلق رصاصةً هزت سكون المساء :-
إذا كنتِ ترغبين بأن يبقى قريبكِ على قيد الحياة فستأتين معي بصدرٍ رحب !!
هي دمعة واحدة فرت من عينيها وأطلقت العنان لمثيلاتها بالانطلاق فسقطت الدموع من محجرها كصنبور ماء وفير وهي توقن أن
الرحمة نُزِعتْ من قلبه ..
أما هو فقد وضع عشقه وحبه وضميره على وضع الصامت وألغى الاهتزاز فكان لا بد له من المثول لرغبات قلبه حتى لو كانت اجباراً !! فلا سبيل أمامه الا الوعيد والتهديد .. الا انه عاهد نفسه أن يصلح كل ما دفعه حبه للإقدام عليه ..
خرج الخال ( أرغد ) مذعوراً على أزيز الرصاصة الذي دوى بشكل نادرٍ فنَخَعَ السكون المعهود في مسكنه ليدوي معه قلبه عندما شَهِد بكاء راوية الهستيري ووقوف شخص دفعته فطنته أن يعلم انه ليس سوى ميران الذي كان كابوس صغيرته الدائم وسبب شقائها فنظر اليه بازدراء وقال بوجه متجهم :-
من المشين أن ترفع سلاحك أمام إمرأة !!
بقي ميران صامتاً وفي داخله غضب قامع من نفسه كان عليه ان يكبته حتى لحظة الاختلاء حينها سيدعه ينفجر ، سيلوم نفسه لاحقاً ويقتص منها وسيترك زبانية الضمير تعذبه كيفما تشاء وسيستقبلها بأيدي مشرعة مستسلمة .. كان عليه أن يؤجل غَرامه الذي ينمو في أوردته حتى يحين قطافه .. كل ما عليه الآن أن يرتدي شخصه الرديء ووجهه الدنيء من اجل راويته .. أفلا يقولون دوماً ان كل شيء مباحٌ بالحب والحرب .. إذن سيبدأ بنيران حبه اللاسعة التي ستحرقهما معاً لا محالة وسيطفئها بما يغدق في جُبِّه لاحقاً !!!
وجَّه حديثه إلى راوية محاولاً أن يهدّأ من روعها :-
ما يبكيكِ ؟!
وعندما لم يجد رداً منها قال متابعاً :-
لن يصرفني ذلك عن ابتغاء ما جئت لأجله !!
ثم أكمل قائلاً :-
هيا راوية الوقت يداهمنا ..
نظر إلى خالها ثم أردف قائلاً :-
وأنت أيها العم ستأتي معنا .
نظر اليه السيد ( أرغد ) نظرات محتجة وما كاد يتحدث حتى قمعته كلمات راوية عندما قالت مقاطعة إياه ومخاطبة ميران :-
أمهلني بعض الوقت حتى اجمع حاجياتي
أصابت الدهشة السيد ( أرغد ) فقال متسائلا :-
ما الذي تقولينه صغيرتي ؟
فأجابت بانكسار :-
عين الصواب خالي
ثم دلفت إلى الداخل فتبعها خالها بخطوات متحفزة فرأى صغيرته دُكَّت أرضاً وقد حيلت إلى فتات ملاك تهشم قلبها .. هي تعلم أنها سقطت في جُبِّ اللامفر السحيق ومهما حاولت التقاط أنفاسها وتسلقه حتى تسقط فيه من جديد فيكون سقوطها في كل مرة أشد بأساً وأعنف وقعاً ..
هي أقنعت السيد ( أرغد ) بالتخلي كمن وقع عليه الاختيار بين أهون الشريّن فاختار أن يساند قرارها نحو الهاوية ووافق على مضض .. واستعد هو الآخر كما طلب منه ميران أن يفعل .. ومضوا إلى حيث عبَّد القدر طريقهم وكانت رحلتهم طويلة ألقت وُعُورَتها بأطياف النعاس على العيون المتواجدة في المركبة رباعية الدفع فغطّوا في سبات سحيق الا ميران الذي كان يقود مصيره بيديه إلى أسوار المدينة التي كانت تبعد عن بلدتهم مسافة كبيرة جداً لم يصلو اليها الا في صبيحة اليوم التالي ..
عندما ترجّل ميران من السيارة كان الجميع نيام فخرج منها يتمطى وقد تقلصت عضلاته من القيادة لوقت طويل وتوقفت عيناه على رؤية معذبته التي وفدت الى قلبه كبلسم أزال الكرب وليّن انقباضات الصدر .. نور وجهها قد أضاء فؤاده .. رآها كلوحة نقشها الجمال فأبى الا أن ينثر السحر في كل تفاصيلها .. أهدابٌ مسبلة بسلام وأنفٌ دقيق لا يعرف الاستعلاء وشفاه كرزية حنَّ إلى قطافها ووجنتين وضّائتين كبدرٍ في ليلة اكتماله .. راقدة بملائكية كرضيعٍ في المهد .. بهية الأوصاف يزينها وشاح كالسندس في رقته .. طابت بعموم أحوالها ..
ليصحو من نوبته العشقية أغلق باب السيارة بقوة فتحفزت جميع العيون وتيقظت كل الابدان واستفاقت الحياة لتدور الأرض حول نفسها وتعقِّب النهار معاشاً ..
خرج الجميع من السيارة ليجدوا أنفسهم أمام المحكمة الشرعية .. الدهشة هي أقل ما يمكن أن نطلقه على ملامح إيفان والسيد ( أرغد ) .. أما راوية فكانت كالطائر الذي فقد عينيه وتركها مصيرها في قفص آسرِها يسيرها داخله كيفما يشاء ..
فقط نصف ساعة من الإجراءات داخل جدران المحكمة كانت كفيلة بتغيير حياتها كلياً .. فقد باغتها بخِطبةً لم تكن بالحسبان .. باغتها بقرار لم تجرأ من قبل على طرحه في دهاليز مخيلتها فوقفت أمام موثق عقود الزواج وابتسمت بوجع وهي تنطق بحكمِ المؤبد قائلة :-
نعم موافقة
أن تبتسم وأنت تواجه أنياب الموت فأنت مغمور الصلابة .. مصيرها المفجِع أصبح ميران وهي تعترف أنه استطاع كسر شوكتها بضراوة .. لذلك أبت الدموع أن تفر من عينيها
أفلا يجدر بنا ان نتبع العقل عندما ينفطر القلب ؟! وهي فعلت ذلك .. رأت بتلك المسرحية التي حدثت منذ قليل ملجأً يحميها مما قد ينتظرها من رجل أبرع في فَجعِ قلبها في جميع لحظاتهما .. رجلٍ أقدم بجدارة بِنَحر روحها و الفتك بمشاعرها بشراسة ..
هي لم تستطع ردعه فكان ما كان وخرجت من تلك القلعة التي شهدت سَكرة موتها ببرهان قلم !! تشبك أناملها الرقيقة مُكْرَهة بين أصابعه الغليظة وكم كانت تشعر بالقهر والانقباض والنفور كغريقٍ أعرض كبريائه أن يتعلق بقشة عدوه الا أن احتضار الحياة على شفاه أنفاسه أبى الا أن يحتضن تلك القشة بيأس أخرس الكبرياء !!
أما هو فكان في ذروة التَوْق وصَبْوَة اللهفة وهو يضمن أخيراً بقائها قربه حتى لو كان ذلك إكراهاً فهو سيُكَرّس كل ما باستطاعته ليكسب قلبها ويفوز بحبها ..
مضوا رحلة العودة بصمت القبور لا يُسمَعُ سوى حسيس أنفاسهم الهادئة و عجلات المركبة التي تدوي في الطرقات فيدوي معها قلبه فكان يجول ببصره بين جنبات السبيل وبين عينيها الغريبتين التي جمعت نقيضين !! الألم والشراسة .. الانهيار والصلابة !! فيخاطب تلك العينان التي انعكست صورتها في المرآة أمامه سراً :-
لو تعلمين كم المشاعر التي تتفردين بها في قلبي الذي لا ينبض الا بها ولا تحيا النفس الا بجريانها في الأوردة .. لو تسمعين صوت قلبي وحديث خفقاته ربما حينها لن أُقابَل بالجفاء والصدود .. صبرٌ جميل راويتي .. وانتَ أيها القلب تريث قليلاً فالفيض سينفجر في أوانه ..
