(الفصل التاسع)
عندما استيقظ ميران في اليوم التالي ، أخذ حماماً دافئاً وارتدى ملابسه بِهِمّة عالية وقصد المطبخ .. بحث بعينيه عن راوية وتسائل مخاطباً السيدة ( إيلاف ) :-
هل استيقظت راوية ؟!
أجابت بابتسامة رقيقة :-
نعم .. انها في الخارج .. تعتني بما تبقى من الأزهار ..
:- ولكن الطقس باردٌ في الخارج ! ممممم حسناً سأذهب لأراها ..
خرج إلى الحديقة وأصدر همهمة حتى لا يفاجئها بقدومٍ مباغت وقال :-
صباح الخير راوية
ابتسمت بخجل وأجابت :-
صباح الخير
:- ما الذي تفعلينه هنا في هذا البرد القارص ؟
:- كما ترى .. اهتم بالزهور ..
نظر اليها بحنيّة والندم يتآكله عندما تذكر كيف كان يجبرها على القيام بأعمال لا تليق بآنسة .. فكيف براويته !!
قال بنبرة حازمة :-
ليس عليكِ أن تقومي بأي عمل بعد اليوم راوية ..
ابتسمت ابتسامة جانبية وردت :-
ألا يليق بخطيبة السيد ميران أن تهتم بحديقة بيته ؟!
قال ببعض الحدة :-
أُفٍّ راوية .. لا أعلم كيف يفسر عقلك الأمور .. ولكنه قطعاً مخطئ .. الأجدر بكِ أن تحضّري القهوة لخطيبك وتهتمي به كما يجب !
:- وهل أنت طفلٌ صغير كي اهتم بك .. الا تُجيد الاهتمام بأمور نفسك !؟
قال بمكر :-
احتاج اهتماماً من نوع خاص جميلتي !!
:- ماذا ؟ أتريد أن أطعمك الطعام وأعِد لك القهوة ! اعتقد أن السيدة ( إيلاف ) تفي بالغرض عزيزي
:- بالطبع تستطيع أن تقوم السيدة إيلاف بذلك على أتمّ وجه ولكنها لا تستطيع أن تطعمني بأناملها .. ولا تستطيع أن تداعب شعري .. ولا يجوز أن تبادلني عناقاً رقيقاً .. هي لا تستطيع أن تهتم بي كما تهتم إمرأة بشريك حياتها صغيرتي .!!
تدفقت الدماء في وجنتيها حرجاً وشعرت بحرارة تَدبُّ في جسدها مناقضة تماماً لبرودة الطقس وقالت بتلعثم تداري به تشتتها وتوترها :-
أنا احب الاهتمام بالأزهار كثيراً .. انها هوايتي المفضلة منذ الصغر ..
قال بابتسامة مشاغبة :-
ليتني إذن أحد أزهارك لأحظى بسحر أناملك الرقيقة عليها ..
:- أنا .. لقد انتهيت .. سأذهب لأبدل ملابسي واستعد .. لل .. للفحوصات ..
دلفت إلى الداخل بخطى متحفزة للهروب .. وقد اجاد التلاعب بأوتار قلبها الخافقة .. خاطبت نفسها قائلةً :-
لماذا تترك كلماته اثراً صريحاً في نفسي ؟؟ ما الذي يحدث لي ؟ هذا الميران يملك خليطاً عجيباً في شخصه يجعلني محاصرة في الزاوية .. ما بالك راوية ؟! تماسكي وإلا افترسك ذاك الميران ..
بدلت ملابسها كيفما اتفق بعد أن انتهت نوبة الفوضى التي اعترتها .. وخرجت بشكل مغاير لدخولها .. متسلحة بالتصنع والعناد ومتكلفة بغرور لم يكن أبداً جزء من شخصها ..
بعد ما يقارب الساعة والنصف كانت راوية تنتقل من غرفة إلى أخرى ومن فحص إلى آخر .. وكم كانت خائفة في البداية الا أن وقوف ميران إلى جانبها قد بث في روحها بعض الطمأنينة فما فتئ من دعمها والتربيت على كفها فمضت الأمور على خير ما يرام .. مضت بسلام مخلِّفة ورائها وفاقاً وتآلفاً جمع بينهما ..
هي أيام معدودات تأججت خلالها جذوة القلب .. فارتقى هو بحبها وتهذبت روحه معها . فأسرف في هواها وصرخ قلبه اشتياقا لإغداقها من ينبوع حبه الوارف الا أنه ألجمه .. وكبح جماحه وردع تلك العاطفة القوية التي كانت تسيطر عليه .. كان يصغي اليها بقلبه .. بعيني قلبه .. فشغفته عشقاً .. وتعلق بكل ما يعنيها .. ضحكتها الرنانة التي كانت كتفتح أزهار الربيع .. ابتسامتها المحتشمة .. نظرتها الدافئة المغايرة لتلك التي عذبته في الماضي .. خجلها الفاتن الذي يترك توهجاً آسراً في وجنتيها .. اضطرابها وحركة يديها المتوترة عندما يعسلها بكلماته .. تهربها المستمر كلما قصد التغزل بها .. وتلعثم الحروف على ضفة شفتيها .. واخيراً وليس آخراً عيناها الحالمتان العميقتان ..
أما هي فكانت مشاعرها عميقة تفوق الوصف .. هناك عاطفة تولدت في صدرها .. عاطفة تنمو يوماً بعد يوم .. عاطفة متأصلة مهدت طريق الحب اليها .. فكان صاحب الرجفة الأولى لقلبها .. فما لبثت ان وقعت في شراك غرامه عندما دغدغ القلب حباً .. مينائها الوحيد الذي رست عليه !! هكذا كانت تراه .. جردته أفعاله الحاضرة من ماضي الإدانة فأتى بهيبته الأرستقراطية وقلب موازين حياتها وناغم الروح .. حينما رفضها الجميع احتواها هو .. وجودها معه كان اسراً فكان هو السجّان الذي وقعت في شراك عشقه فأصبح الأسر أحب اليها من الحرية !!
بعفويته وصراحته وصدقه احدث داخلها معركة من المشاعر المتضادة .. مشاعر نقيّة جعلت الروح تندفع اليه كلما باغتتها نوبة شوق .. فتجلس برفقته متسامرة مناكفة له في أي موضوع يُطرح بينهما .. لم تجد بَداً من معاندته وكأن هناك يد خفية تدفعها لذلك .. الا أنه كان يبرع بإذابة جمودها المصطنع وصهر شموع عنادها المُفتعل .. فكانت أمامه مكشوفة ككتاب مفتوح على مصراعيه .. فما فتئ من حصرها في الزاوية ودفعها للفرار كما كانت تفعل في كل مرة يعبّر لها عن حبه تلميحاً أو تصريحاً ..
احتارت في وصفه .. احتارت كثيراً بمكانته في قلبها .. الا أنه اجبرها على الاعتراف لنفسها بالوقوع في حبه .. وقوعاً ليس بعده نهوض .. حتى الغرق !! وكأنها غرقت في بحر لا قرار له ..
أحبت شخصه كثيراً وكان صوته نافذة الروح وبوابة القلب .. كان هو العين التي تبصر بها .. اشتاقت أن تكحل عيناها برؤيته .. وتضرعت لله مناجية لأجل ذلك .. لأول مرة منذ سنتين ويزيد ترغب باستعادة بصرها بشدة .. تريد أن ترى من اكتفت به عن الدنيا .. خطيبها المبجل !! خطيبها !! كم كانت تجد صعوبة بتقبل كونه خطيبها .. ربما لأنّ وقائع خطبتهما جُبِلت على الاجبار .. فكان عصياً على ذاكرة قلبها نسيان ذلك .. لربما هي نسيت ذلك فعلاً ولكنها تذكّر نفسها باستمرار في محاولة لردع مشاعرها المتمردة والمندفعة نحوه بلا هوادة .. دوامة القلوب !!!! هذا هو الوصف الأدق لما يحدث لها .. دوامة بعثرت قلبها وأحدثت فوضى حسية عارمة غير قابلة للإصلاح !!!
***************************************
فيض المشاعر التي ملأت الفؤاد دفعت به إلى مكتبه .. المشاعر المتوهجة التي ألمّتْ به جعلت مسامرة القلم وشيكة ومحتّمة .. و لزام البوح آن أوله .. فالفيض قد أُتخِم واجثم على صدره ، فاحتضن القلم بين أصابعه الولهة يبث من خلاله امتداد الحب الذي غمره بشدة ..
خاطرتي الخامسة :-
أيا لهيب العشق المشتعل في صدري رفقاً بي فالقلب غير مصدقٌ .. يا بهية كالحور ها قد أوقعني حبك في مهب الهوى طريحاً فدُمِر اتزان القلب .. وحدود العقل غادرت .. في أوج ثورةٍ قلبيةٍ اندلعت داخلي بقربك أُغادركِ مرغماً وأُعارض رغبتي في ضمكِ حتى لا أؤذيكِ ، فأقف مسلوب الإرادة فما زلتِ في فن الغرام طفلةً !!
يا مليكة رعشتي الداخلية لي في مقلتيكِ أحلام كثيرة .. وحبٌ غير مشروط .. و لي رغبة جامحة للهمس بين ذراعيكِ بنوبات عشقي .. مرددةً في حجرات القلب كمعزوفة نرقص كلانا على أنغامها .. ولي نهمٌ للعبث بخصلات شعرك المحرمة على عيناي ومعانقتها لأناملي الجائعة للغوص فيها .. فرفقاً بي يا عاتية ..
لأنّ لحظة واحدة بقربكِ كفيلة بالعبث بالخلايا الحسية في جسدي .. وإخلال سيرها ..
يا صاحبة الابتسامة الملائكية ابتسمتي لي مبددة غيوم الغربة بين شفتيكِ ووجنتيكِ .. فتدفق طوفان البهجة في صدري كسيّلٍ جارف أشاع في الجسد توقٌ لا سبيل لإخماده سوى الهروب .. الهروب من سطوتك لأواجه عواقب قربكِ المعذِّبة .. فلا الصمود يسعفني ولا السقوط يردعني !!
آهٍ يا لذيذة العناد ويا متطرفة المشاعر .. كفاكِ مراوغةً .. وكفاكِ تهرباً فأنفاسك المضطربة وأطرافكِ المرتعشة برهانٌ فاضح للغرام داخلكِ .. كجَسور في الهوى مثلي أشعره نُصب عينيكِ شامخاً بائناً كالشمس في وضوحها .. فلا الإنكار حليفكِ ولا الإفصاح حليفي !!
غداً يومٌ مشهود .. يومٌ أرجو الله فيه أن تلتقي العيون .. وتطفئ نيران اللُقى .. يومٌ أتضرع فيه إلى القادر أن تشاهدي حبي الساكن في نظراتي .. في مرتع مقلتيّ .. فيا رب زُفّ إلي البشرى وأرني عجائب قدرتك ..
المتيّم ميران
***************************************
بملامح هادئة وقلب مضطرب ركبت راوية السيارة بجوار ميران الذي كان الهدوء ايضاً طاغياً عليه على غير العادة .. ومضيا المسير بسيطرة بحتة للسكينة .. و الوجل كان سيد الموقف .. والطريق بات موحشاً متلاعباً بوتيرة الجسد فتركه مرتجفاً !! أطرافٌ مرتجفة ونبضات متلاحقة بعنف وأنفاس مضطربة وافكار متضادة بين نيران الخيبة و بِحار الأمل .. كلها تجمعت في شخص راوية في هذه اللحظات المصيرية .. فامتدت كفه تحتضن أناملها بتشابك داعم وعَضد مؤازر ودفء مساند .. وقبلة مطمئنة لباطن كفها .. وكلمات خرجت من صميم القلب :-
سيمضي بإذن الله .. أنا هنا معكِ ولأجلكِ ..
صمت قليلاً ثم أردف :-
ربما ما تشعرين به الآن مُرهق وعصيب .. لكنه ليس أشد صعوبة من بقاءك في وضعك الحالي راوية ..
اكتفت راوية بأخذ نفس ملء رئتيها وتنهيدة ملؤها الرجاء وتعابير امتزج فيها الامتنان والتقدير ..
على سرير فاقدٍ للانتماء ركدت راوية بابتهال وتضرع ودموع عالقة في محجريها وتوسل حار أدمى قلب ميران في بقائه الممنوع بجوارها .. ومع بدء تأثير المخدر سكن رجائها وهدأت حروفها المستعطفة وصمت ندائها المستغيث بإسمه .. خرج بخَفقٍ متلعثم و نَفَسٍ مقبوض يتملكه شعور رمادي .. وكأن لخوفه لون !! ليس بأبيض ولا بأسود .. ليس قطعي كرمزياتهما .. هو رمادي تائه عالق بينهما .. لم تسعفه احرفه لترديد دعاء مبتهل لله بل صمت صمتاً شاحباً يملك في سريرته تناقضاً حسياً لم يَخْبَرهُ من قبل .. ومرت الدقائق ساعات والساعات ساعات وطال الانتظار وطال تدفق المشاعر في صدره وكأنه أعدّهُ على نار هادئة وتركه يغلي ويغلي ويغلي حتى فار تنوره وتلفت أعصابه واهتزت الارض مراراً على وقع معافرته ذهاباً واياباً لسطحها اللامع في ممر الانتظار بأقدامه المتحفزة الملتمسة الخلاص في كل ثانية تمر .. تلك الثواني التي كانت عصيّة على أنفاسه متلاعبة بنبضاته وكأنه في سباق مع الزمن .. لاهث الفؤاد منعقد اللسان منكسر الوجدان متعلقاً ببصيص الامل كما لو كان عالقاً بين الحياة والموت .. وأبى الزمن إلا أن يتلاعب بأفكاره ويتركه ضحية هواجسه اللعينة ..
وفي غمرة التَفكُّر نادى منادٍ أن العملية تمت .. وفي انتظار نتائجها عند عودة راوية الى وعيها .. و بعد مرور ساعة دخل الطاقم الطبي الى غرفة راوية يرافقهم ( ميران ) و ( إيفان ) وعيون الجميع محدقة براوية الجالسة على سريرها معصوبة العينان في انتظار مصيري لقدرها القادم .. فَجعل الطبيب يفك الضمادة بحركات بطيئةٍ مدروسة حُبِست معها الأنفاس وانعقدت الألسن ..
طلب الطبيب الى راوية أن تفتح عينيها ببطء فامتثلت لأمره بقلبٍ يكاد يخرج من بين ضلوعها .. ومرت دقيقة .. اثنتان .. وأضحوا ثلاثة .. و ردود الفعل ساكنة .. وكأن الكون توقف عن الدوران برهةً .. ومن فرط الخوف كاد إيقاع قلب ميران أن يتكسر ! نظرت اليه نظرات منهكة لخافقه وحدقت به بعينيها العميقتي الفحوى .. وابتسمت ثم جعلت تبكي بحرقة .. ثم عادت للابتسام وامتزجت دموعها بضحكةٍ خرجت من الصميم .. ونطق قلبها المغرم بنظرةٍ عرفت طريقها الى صاحبها قائلة :-
أنا أراك !!!
دمعة غادرة فرت من محجريه وفرحة عارمة لم تسع قلبه المرتجف فخرج مداها الى بقية المتواجدين في الغرفة .. نعم ! ستارة عينيها فُتِحت وظلامها أضحى نوراً أضاء في صدره شرارة العشق .. فوَدَّ أن يغمرها معانقاً الا أن وجود الآخرين منعه فاكتفى بذلك القدر من عناقِ عيونٍ صاخب ينبض شوقاً ويتنفس عشقاً ..
تحدث الطبيب قائلاً :-
حمداً لله على سلامتكِ راوية .. كيف تشعرين ؟
:- سلمتْ دكتور .. اشعر بأني قد انتهيت للتو من تقطيع البصل ..
انبسطت اسارير الطبيب فرحاً بإنجازه الطبي والانساني وقال :-
هذا طبيعي .. سيزول ذلك قريباً ..
:- أشكرك دكتور لكل ما فعلته لأجلي ..
أجاب الطبيب :-
لست انا من يستحق الشكر راوية .. هناك شخص آخر يتوجب عليكِ شكره .. شخص أربك الطاقم أجمعه بإلحاحه وخوفه طوال الوقت ..
تلقائياً انتقلت عيني راوية الى ميران الذي بدى لها تائهاً مرتبكاً .. فخرج الطبيب برفقة طاقمه وتبعهم إيفان بعد أن قدّم لراوية وأخيه التهاني .. وعمّ السكون الذي لا يشوبه سوى نبضاتهما الخافقة في تناغمٍ متسارع متلهِّف تلاعب باتزان القلب فأربكه .. وتركه ضحيّة التخبط ..
خَجِلَ هو من نظراتها المتفحصة فأضحى كمراهقٍ يحظى بالنظرة الاولى فبدد عيون قلبه عن سيف نظراتها التأمُّلية الحادة .. الودودة .. والعميقة .. ود أن تكون نظرة عابرة لما احدثته من تلعثمٍ في عدّاد فؤاده الا أنها كانت هادفة مدققة ممعِنة محدِّقة ..
:- اذا استمررتِ بالنظر اليَّ هكذا فسيحدث ما لا يحمد عقباه !
قالها ميران قاصداً أن يشعل وجنتيها حرجاً .. فاضطربت وبددت نظراتها كيفما اتفق وكأنها أيقنت للتو أنها تتأمله بلا تحفظ .. وكيف لها ألا تفعل وقد اشتاقت لرؤية سجّانها اللطيف .. فأشرقت الشمس في قلبها مئة عام وقد تراءى لها جسد ضخم بمنكبين عريضين وقامة يافعة جداً عليها أن تعتاد رفع رأسها للأعلى قليلاً لمخاطبته فتواجه عينان زرقاوتان مائلتان للرمادي وشعر حريري كث مسرّح للوراء ولحية خفيفة مشذّبة وملامح حادة تحمل طابعاً قاسياً للوهلة الاولى .. ملامحه ارستقراطية بحتة لا تشبه شخص ميران الذي عرفته مؤخراً .. ملامح نقيضة لفتى احلامها الوردي الذي أعاد لها الحياة من جديد بعد أن أفقدها اياها برعونة الماضي .. حمدت الله في سرها لأنها تعثرت في طيف هاتين العينان القاسيتين فها هي أخيراً تلتقي بمن شغل قلبها وكيانها وأجمعِها وزلزل الوجدان فكان أوسم ممن تجسد في مخيلتها .. مشاهدته الآن كالرؤيا في المنام ! نعم لقد كان رؤيا غير اعتيادية ارتجفت على إثرها اوتار القلب لتعزف أجمل معزوفة ربانية ألا وهي سيمفونية نبضات القلب ..
**************************************
أن ترى أحب شخص إلى قلبك فور أن تبدأ عيناك بالعمل لهو أمر جلل يستدعي الجلوس والتفكر بآيات الله ومعجزاته وتلطُّفِه بك ..
صلت راوية جامعة قلبها وجوارحها خلال سجودها الختامي وتناثرت دموعها المبتهجة عرفاناً وحمداً للطف الله بها وكرمه اللامتناهي المغدق عليها وحكمته البليغة بمعرفة ميران الجحيمية فيما مضى والتي أُحيلت بحكمته وتدبيره لِجنّة ألوان أضاءت الدنيا من حولها ...
كان يوماً بالنسبة لها اشبه بالحلم .. حلم لا تود أبداً ان تصحو منه ومضى هذا الحلم الجميل الى قصره الأسطوري .. حيث كانت بانتظارها مفاجئة من العيار الثقيل فور خروجها من المشفى .. لم تكن حتى تتوقعها حتى في أرهف أحلامها .. أشخاصٌ كثيرون .. السيدة ( إيلاف ) وطاقم المنزل بأكمله .. أصحاب الطبقة المخملية يملؤون المكان .. رجالاً بِحُلَلٍّ أنيقة وفتيات بأثواب مذهلة متغايرة الألوان .. مراسم استقبال ملوكية جعلتها تدرك مدى اصراره عليها لإرتداء فستان لازوردي ووشاح رأس وردي أخرجاها بتقويمٍ بديع وحُلَّةٍ غير عادية .. لم تغفل عينيها مطلقاً عن التقاط إعجابه بمظهرها الفريد الذي انعكس في بريق عينيه المشدوهة المتأملة بافتتان وإعجاب .. ولم تجد بداً من مبادلته نفس النظرة وهي تراه بحلَّته الرمادية التي عكست لون عيناه فكانت هيبته آنذاك ملفتة لإشارات عينيها المتجددة .. عندها ابتسمت له بخجل وأطرقت رأسها من عليائه بحياءٍ .. فقال لها :-
منذ النظرة الاولى ادركتُ انكِ تنتمين اليّ ..
ابتسمت ابتسامة عاطفية ملأت روحه بأسمى المشاعر ..
توقفت عند رؤيتها الجمع الغفير في حديقة القصر كما فعل هو والتفتت اليه عندما أمسك بكلتا يديها ونظر اليها نظرة هادئة جمعت مشاعر جياشة مغمورة بالدفئ .. نظرات وضحت مكنونات قلبه ثم قال :-
هناك من يود رؤيتك راوية !!
التفتت حولها فلم تتبين أحداً من تلك الوجوه المحيطة بهما .. فأتاها صوتٌ من الخلف حنت كثيراً لذبذباته منادياً :-
ابنتي العزيزة راوية !!
اتسعت حدقتيها واضطرب جسدها وارتجفت يديها بين يدي ميران وتلعثمت نبضاتها أيّما تلعثم .. وخافت أن تلتفت .. خافت أن يكون ذلك هذيان عقلها او أضغاث تخيلاتها فنظرت الى ميران بملامح مستجدية وكأنها تريده أن يؤكد لها تلك الحقيقة .. فبعث برسالةٍ عينية إليها أن إلتفتي .. نعم إنه هو .. أنتِ لا تحلمين ..
لحظة عبثية مضت وهي تحاول أن تداري دموعها التي تناثرت بلا تحفظ أمام الجميع .. سحبت كفيها بلطف من يدي ميران والتفتت للخلف حيث مصدر تخبطها .. نظرت الى أبيها بعيون معاتبة لائمة ولكنها فوق كل شيء عيون مشتاقة ..
سارت اليه بقدميها المرتجفة لتستقبلها ذراعيه الأبوية الحانية في عناق ألهب القلوب وأثار الشجون و أدمع المآقي .. أخيراً ذلك الغائب عنها الحاضر دوماً في قلبها يحتويها ويضمها مجدداً الى صدره بحنين لا حدود له .. فعادت ماء الحياة تجري من جديد في دربها وامتلأ ذخر القلب قوتاً حسياً أشبعه حتى التخمة ..
:- سامحيني صغيرتي .. سامحي جهلي وضعفي !!
:- لا تقل ذلك يا أبي .. انت رغم كل ما حدث
تبقى وحدك من لا أستطيع الغضب منه ..
:- ألم يحن دوري بعد ؟!!
كان هذا صوت ( أيلول ) التي اقتربت بدورها معانقة بعد أن ابتعد والدها معطياً بعض المجال لابنتيه لتفريغ الشوق فأثارتا عاطفته فبكى .. ثم نظر الى ميران وقال :-
أشكرك يا بني على كل شيء ..
أجاب ميران :-
لا داعي للشكر سيدي .. فأنا مستعد لفعل أي شيء يسعد راوية .. والآن يا سيدي أريد أن أطلب ..
أخذ نفساً عميقاً ثم أردف قائلاً :-
يشرّفني أن أطلب يد ابنتك راوية على سنة الله ورسوله الكريم ..
أجاب السيد ( سنان ) :-
يشرفني ذلك يا بني ولكن الرأي الاول والاخير لراوية بالطبع ..
نظرت اليه راوية بغرابة وبملامح متعجبة .. فَهُما بالاصل مخطوبان !!
خطى ميران نحوها وعاد يمسك بكلتا يديها ثم قال :-
اسمحي لي أن أعوضكِ عما فات راوية .. لا أريد أن ... أن أرغمكِ كما حدث في السابق ..
أتقبلين الزواج بي دون إكراه أو إرغام ؟!
بنظرات أبلغ من الكلمات وبحب فاق حدود القلب والعقل وبدموعٍ معبِرَة عما يجول في الروح .. أجابت راوية بأبلغ وأصدق وأعمق ( نعم ) قالتها في حياتها ..
كيف لا تفعل وهي تجد أمامها رجل فاق شخصه حدود التفاني والاخلاص والمحبة ..
رجل رمم جدران قلبها المحطمة .. و تسلل الى روحها بِنُبْلِهِ واستقر بين الاوردة والشرايين ..
انتهى هذا اليوم الأسطوري بإحتفال خطوبة أشبه بقصص الخيال .. أنساها ألم الماضي وكأنه لم يكن أبداً .. فكان لا بد من سجدة شكر عرفاناً وامتناناً لما آلت اليه حياتها ..
بعد أن انتهت راوية جلست تحزم أمتعتها للعودة المحتّمة غداً صباحاً الى منزلها .. ستمضي فترة أسبوع في منزل والدها حتى يحين يوم زفافها في اليوم الثامن .. هي وقعت في فخ التناقض .. فتارةً تشعر بالسعادة للرجوع الى كنف والدها وتارةً تشعر بالاستياء كونها ستفترق عن ميران لأيامٍ معدودات .. مشاعر متضاربة تمكنت منها بشدة ..
وقطع سيل هذه المشاعر طرق خفيف على الباب ، تقدمت راوية اتجاهه وفتحته ، ولم يكن سوى من اجتاح قلبها وامتلك تصريحاً ابدياً في العشق .. نظر اليها نظرة طويلة دون حديث .. وبادلته هذا التواصل البصري الصامت وعندما طال شعرت بالخجل .. فتحدث قائلاً :-
من أنتِ ؟!
ابتسمت له دون التعقيب فاقترب منها بنبضٍ مشدوه .. وامتدت يده بتردد لرفع خصلة شعرها المتمردة التي غطت عينها وأعادها الى الخلف .. فاضطربت هي من لمسته الحانية وعادت عفوياً الى الخلف .. مظهرها الملائكي كان آسراً .. ورؤيته لخصلاتها الكستنائية للمرة الاولى أحدث صراعاً عنيفاً في قلبه .. فلم تكف مقلتيه عن التهام تفاصيلها الرقيقة من عينيها البحريتين مروراً برموشها الطويلة حتى شعرها الطويل المسترسل كعاصفة كستنائية حريرية في دعوة صريحة للغوص في شلالاته الكثيفة ..
بنبضات تُقرع كما الطبول قال لها :-
يالجمالكِ !!
ردت وقد تضرجت وجنتيها حرجاً :-
توقف عن التحديق بي ميران !
تابعت قائلة وقد اشاحت النظر اليه :-
أشكرك من كل قلبي على كل ما فعلته لأجلي .. أنا ممتنة للغاية كونك موجود في حياتي ..
بفؤاد مفتون أجاب :-
أنا مستعد لفعل كل شيء من اجل سعادتك راويتي ..
صمت قليلاً ثم أردف :-
تصبحين على خير فاتنتي ..
:- تصبح على خير ..
التفت معطياً ظهره اليها وقد أنساه مظهرها الآسر غايته من القدوم في هذا الوقت الى بابها وما كاد يخطو خطوة حتى تلاشى العالم من حوله وكأنه توقف عن الدوران .. خيّل اليه للحظة ان القلب سيتوقف عن الخفقان من شدة دوي نبضاته .. والمشاعر الملتهبة تيقظت من مَدفنِها الصدري .. ذبذبات صوتية مجبولةٍ من حروفٍ أربعة وصلت الى مداخل قلبه ومخارجها فطَرِبت لها الحواس أجمعها .. قالتها على عَجَلَةٍ وعلى استحياء دفعها لتغلق الباب بحدة مجرد أن نطق بها لسانها العشقي ..
:- أُحِبكَ ..
لتقف خلف الباب مرتجفة الاوصال .. مندفعة الانفاس .. في موقف صدمها قبل أن يصدمه .. في لحظةٍ اخترق فيها الحب مكنوناتها ودفعها للاعتراف الفاضح المصرِّح لمشاعرها نحوه .. اعترافاً ترك أثراً مبهجاً في نفسه فأشعث خصلاته بيد مرتبكة فرحاً ، وخطا للأمام ثم عاد للخلف ثم ما لبث أن سار خطوةً حتى اعادها للخلف رجوعاً كالتائه الذي أضاع سبيله .. فتحدث مع نفسه قائلاً :-
بحقكِ راوية !! لقد احدثتِ ضجة في صدري وهربتِ !!
ما كان منه سوى العودة الى مكتبه .. ومن فرط السعادة كان عليه أن يخط مشاعره وينثر مكنونها على الورق عله يُهدّئ ضجيج القلب ..
خاطرتي السادسة :-
حوريّتي الفاتنة .. يا من غزوتِ حياتي واقتحمتِ حصون الروح .. أيا قلباً قاومني بحواجز وهمية فكانت عينيها نواطق فضّاحة احدثت فوضى قلبية داخل أضلعي ..
قلتِ كلمتكِ العذبة فكانت لروحي اكتفاء ولذاتي امتلاء .. رددتِها وصِغْتِها على استحياء فأشعلتِ حِمَمَاً عشقية صهرت صدري .. اعترافك الشجي .. أماتني وأحياني .. كأني ولدت من جديد .. بقلبٍ محب هائم مغرمٌ حتى النخاع ..
آهٍ يا فاتنتي .. عندما استيقظَتْ عينيكِ من غيبوبتهما كانت فيهما نافذة مطلَّة على شواطئ الفؤاد أردتني صريعاً .. جعلتني هارباً من قانون المواجهة .. فلم أستطع الصمود أمام جاذبيتهما وعمق الحب داخلهما .. لم اجرأ على الانصات الى حديثهما الصاخب ولم أُتقِن إطالة النظر فتبعثر الكلام على ضفة شفتي فاعذري افتتاني يا بحرية العينين ..
يا منْ أكملتِني وجملتيني .. احبيني كما يليق بي ان أُحَبْ ، بعذوبة روحكِ وزُخْرُف قلبكِ ونقاء نَفَسكِ .. احبيني بعيون تواقة ونبضات مشتاقة بملء السنين الغابرة من عمر الماضي .. بشغف الاعوام الآتية من عمر الهوى والحنين .. بعنفوان أنثى توّاقة للإحتواء .. للإنتماء .. للإلتجاء ..
