Ads by Google X
رواية وصمات بالجمله الفصل الرابع والاخير -->

رواية وصمات بالجمله الفصل الرابع والاخير

رواية وصمات بالجمله الفصل الرابع والاخير


     (الفصل الاخير)




    أخذت نفسًا عميقًا لتسبح في بحر الذكريات المظلم، لذلك اليوم وذلك الشخص الذي غير مسار حياتها كليًا...

    في عمر الخامسة عشر ذات يوم كانت في منزل شقيقتها تجالس أبنتها لحين عودتها، ولم يكن زوجها في المنزل فكانت "جنة" تجلس بأريحية بملابس تظهر ذراعاها وتحدد جسدها الأنثوي الذي بدأ ينضج في ذلك العمر...
    هي في الأساس لا تلتزم بحجابها أمام زوج شقيقتها، أحيانًا تظهر أمامه بملابس عادية ربما ضيقة بعض الشيء... لأنه وببساطة مُحرم عليها، كانت تعتقد هي وأهلها أنه ابدًا لن يتجاوز الستار العازل بينهما ألا وهو شقيقتها، و لم تتخيل في أقصى أحلامها أن تأتيها الطعنة الغادرة من الشخص الذي لم تخونه ابدًا...

    تنهدت بابتسامة واسعة واخيرًا نجحت في أن تجعل تلك الطفلة الشقية تغط في نوم عميق، سمعت طرقات هادئة على الباب فنهضت متعجبة، فهي قد حادثت شقيقتها منذ دقائق وأخبرتها أنها لم تنتهي من عملها بعد، وزوج شقيقتها هو الآخر في عمله..!

    وما إن فتحت الباب حتى تفاجأت بزوج شقيقتها أمامها، فعقدت ما بين حاجبيها بتعجب لحظي وهي تردد:
    -عمو إيهاب إيه ده غريبة أنت رجعت بدري اوي مع إن لمياء قالتلي إن حضرتك هتتأخر انهارده في الشغل.
    دخل "إيهاب" غير متزن نهائيًا بسبب المخدرات التي تناولها، وأخذ يدلك رأسه، ومن ثم أجاد ضبط نبرته على نغمة الإرهاق وقلة الحيلة وهو يخبرها بمسكنة:
    -ايوه فعلًا، بس جالي هبوط في الشغل وخدت اذن ومشيت، هي لمياء لسه ماجتش من الشغل؟
    هزت جنة رأسها نافية ثم سألته جنة في نبرة بريئة مُشفقة:
    -لأ لسه، طب تحب أعملك عصير مانجا يروقك شوية؟
    ليهز الآخر رأسه نافيًا بحروف متلكئة غريبة لم تلحظها جنة:
    -خليهم اتنين وتعالي اقعدي معايا شوية.
    اومأت جنة موافقة برأسها وبالفعل توجهت للمطبخ لتبدأ في اعداد عصير المانجا، بينما إيهاب كان نصف وعيه حاضر والنصف الآخر غائب بسبب المخدرات التي لم يستطع الإقلاع عنها...!!

    أتت جنة بعد دقائق تضع اكواب العصير على المنضدة هامسة بابتسامة رقيقة:
    -اتفضل.
    نهض إيهاب متوجهًا نحو أقراص المنوم التي كان يلجأ لها مؤخرًا بسبب الاضطرابات النفسية التي باتت تلازمه، أمسك بالأقراص وكاد يضعها في فمه فسقطت العلبة من يده بحركة مباغتة، فلم تتردد جنة وهي تنحني بحركة تلقائية لتلتقط العلبة اما عيناه التي أخذت تتفرسها بنظرات ذكورية بحتة توحي بالقذارة التي تعبئ فكره الان...
    وحينما غاب نصف وعيه، تولى الشيطان قيادة زمام عقله وروحه ليُزين "جنة" في عيناه أكثر بعد أيام سابقة وسوس له فيها ليلحظ جمالها بعينين تنضح بالاشتهاء، واليوم اشتعل فتيل الشهوة في أعماقه تجاهها أكثر.. فبدا مسلوب الارادة تقريبًا وهو يسير على الخيوط التي رسمها شيطانه له....!
    فوجد نفسه بدلًا من أن يأخذ هو القرص يضعه في كوب العصير الخاص بـ جنة التي استقامت بعدها تعطيه العلبة هامسة:
    -اتفضل، شكلك مرهق.
    اومأ إيهاب مؤكدًا برأسه، وتقريبًا لم يكن يدرك كليًا علام يؤكد، ولكنه انتبه لها نوعًا ما وهي تتنحنح لتخبره:
    -طب هاسيبك ترتاح انا وهروح أكلم واحدة صحبتي وأنام.
    ولكنه أوقفها بقناع التودد المصطنع الذي غطى ملامحه الملتوية بشهوة احتلته كليًا فكان هو كالعبد لها في تلك اللحظات :
    -أقعدي طب معايا شوية نتفرج على الفيلم ده وبعدين ادخلي انتي عرفاني مبحبش أقعد لوحدي.
    -طيب.
    تمتمت بها في حرج وهي تومئ برأسها موافقة على مضض..
    وبالفعل جلست جواره وبدأت تندمج مع الفيلم وهي تتناول كوب العصير في هدوء كما يتناوله هو، ولكن عينيه لم تكن منتبهه مع الفيلم، بل كانت منتبهه كافة الانتباه مع أقل حركة من "جنة" والحماس يوخز جلده الملتهب بالشهوة.
    شيئًا فشيء بدأت جنة تشعر برأسها يثقل، والدوار يداهمها... ثم بدأ الوعي يعلن إنسحابه من ساحة عقلها ببطء....
    فوجدت إيهاب يُعيدها للخلف ببطء حتى تمددت على الأريكة، وحينها سلخ تلك الملامح الهادئة المزيفة عن ملامحه الحقيقية ليظهر صدئ نواياه القذرة بتفجج مستوطنًا قسمات وجهه التي بدت لجنة في تلك اللحظات ملامح شيطان مُخيفة كان يتخفى بالقناع البشري المسالم.....
    أنفاسه بدأت تزداد شيئًا فشيء بأثارة تفقدت بقوة بين عروقه، وهو يخلع عنها ملابسها بلهفة مقززة...
    بينما هي... هي مع كل جزء من ملابسها كان ينزاح عن جسدها ليُظهره.. كانت تشعر أنه يسلخ جزءًا من روحها ليُخلف بعده شعور موحش جدًا بالوجع الرهيب، وما أقساه ذلك الشعور حينما تشعر فقط.... بالانتهاك؛ أن احدهم يكشف عن جسدك كله بتلذذ بينما أنت لا تملك حتى القدرة على إبعاده...!
    وكان أخر ما رأته صورته القذرة التي باتت أسوء كوابيسها... قبل أن تفقد الوعي تمامًا.... وكم كانت ممتنة لفقدان الوعي ذاك..
    .....................................................

    عادت لواقعها بشهقات متتالية وكلها ترتعش بعنف مع ارتجاف كافة خلاياها في تلك اللحظة وتلك الذكريات السوداء تعود لتنبثق من رحم الماضي الذي تتمنى لو تمحيه للأبد،
    ربما ذلك اليوم مر وانتهى... ولكنه ترك في أعماق روحها وصمة سوداء كلما مرت عليها الأيام تكويها لتُذكرها بوجودها...

    نظرت جوارها لتجد عمار حاله لا يقل سوءًا عنها، كان في تلك اللحظة يعاني نزيف روحي داخلي.. نزيف في روحه.. كرامته.. ورجولته يزداد ويستهلك روحه مع كل حرف يخرج منها.... لم يكن يتخيل يومًا أن الزمان قد يفتح فيه ندبة عميقة ستظل تنزف وربما لن تزول..!
    فلم يشعر بدموعه التي لم تقف كثيرًا أمام سيطرة عقله فانسابت من أسفلها لتهبط بنشيج مكتوم .. وكم كان ممتن لأنها لم تخبره ولا تتذكر تفاصيل أكثر سوادًا وقسوة مما سمع، ولم تعشها هي..!

    نهض بعد دقائق معدودة ليمسح دموعها بعنف، ثم إلتقط مفاتيحه وهاتفه ليغادر دون أن ينطق بحرف، فلم يكن الموقف يحتمل أي كلمة من الأساس.

    *****

    بعد مرور ثلاث أيام....

    ثلاثة أيام كان عمار فيهم منعزل نوعًا ما عنها، وكأنه لازال محبوس في قوقعة ما سمع منها وما عاشه خلال الأيام الماضية، فلم يستطع الخروج من تلك القوقعة، ولا يستطع التعامل معها كالسابق وروحه معطوبة!

    وهي لم تكن تحتمل ذلك التباعد بينهما، قلبها يئن بالتوووق الدفين له، صحيح أنه حينما تتحدث معه يرد بهدوء على حسب السؤال او الطلب، ولم يعد يلقي الاهانات على مسامعها... ولكنه ليس عمار الذي تعرفه !
    بدا وكأنه يتهرب منها.. من التعامل معها، كلما عاد من عمله لا يكمل النصف ساعة ليغط في النوم او ربما هكذا يتظاهر !!...
    وما إن عاد من عمله هذا اليوم كانت هي له بالمرصاد، جالسة في منتصف الصالون.. لن تسمح لتلك الفجوة أن تزداد أكثر بينهما...

    دخل عمار من باب المنزل ليلقي التحية بصوت رخيم هادئ وهو يرميها بنظرة عابرة وكأنه يمر من شارع وليس زوج يرى زوجته بعد يوم طويل شاق من العمل:
    -السلام عليكم، عامله إيه يا جنة؟
    اومأت برأسها في هدوء وأجابت:
    -كويسة الحمدلله.
    اومأ عمار برأسه وكما توقعت أردف بهدوء معلنًا إنسحابه:
    -أنا هدخل اخد دش وأنام عشان تعبان.
    فأوقفته جنة تسأله بأمل طفيف قتله اجابته:
    -طب مش هتتعشى معايا، أنا مستنياك نتعشى سوا.
    ليهز رأسه نافية وأجبر شفتاه على الالتواء بشبح ابتسامة وهو يستطرد:
    -معلش فعلًا مرهق وأكلت في الشغل، إتعشي انتي اوعي تنامي من غير عشا.
    ثم استدار وكاد يغادر متوجهًا لغرفة الأطفال، ولكنها أوقفته مسرعة تنادي بأسمه ليلتفت لها، فوقفت أمامه مباشرة مسبلة أهدابها تسأله بحروف مرتعشة وكأنها ستعود لملجأها الوحيد ألا وهو البكاء:
    -هو أنت مش مصدقني يا عمار ؟
    ليهز رأسه نافيًا وراح يقول في صدق:
    -لأ مصدق يا جنة، مين قال كده؟
    بللت جنة طرف شفتاها بتوتر، ومن ثم تابعت بنبرة مختنقة:
    -أصل أنت تقريبًا مش بتكلمني، ولسه بتعاقبني وبتكسرني ببعدك عني مع إنها حاجة أنا مليش ذنب فيها.
    ليتنهد عمار بعمق، ثم رفع إبهامه يمسح ببطء ورقة الدمعة التي فرت هاربة من عيناها، ثم بدأ يملس على وجنتها في حنان وهو يهتف بصوت أجش يميل للحنان الذي افتقدته جدًا:
    -أنا مش بعاقبك على حاجة يا جنتي، أنا عارف إنك ملكيش ذنب، ولسه عايزك ومش عايز ست غيرك في حياتي.
    ثم ابتعد عنها قليلًا يزفر بصوت مسموع كان علامة على كتمانه لأكثر مما يخرج من بين شفتاه، ثم أغمض عينيه بقوة وهمس بقلة حيلة:
    -بس مش قادر أتخطى الحاجز النفسي اللي بينا، بحاول بس مش قادر.. صعب، اديني فرصة أفوق وأقدر ابدأ معاكي من جديد.
    اومأت جنة برأسها موافقة بلهفة، عاجزة عن أي رد فعل غير ذلك... ثم أمسكت كف يده وبحركة مباغتة طبعت قبلة رقيقة على باطن كفه كمداعبة فراشة لكفه الخشن، ثم همست بصوت رقيق مبحوح:
    -حاضر، بس عشان خاطري متقساش عليا كتير وأفتكر إني مليش ذنب وإني اتوجعت ومازلت بتوجع أضعافك، أنت على طول كنت الحيطه اللي بتسند عليها وقت وجعي، بلاش تكسرني يا عمار.
    ربت عمار برفق على يدها الممسكة بيده، وتحرك إبهامه بتلقائية يمسد ظاهر يدها ببطء ورقة داعبت أعماق روحها خاصةً حينما هتف بخفوت شارد:
    -اوعدك هحاول... عشانا !
    قال أخر كلمة ببحة ذات مغزى وهو يخص بطنها بنظرة دافئة خاصة وكأنها كنزه الثمين الذي فاز به من تلك المعركة المُهلكة....!

    ****

    بعد مرور أسبوعان.....

    كان عمار متيقنًا أنه لن يزيل تلك الهالة الشائبة عن حياتهم إلا بعد أن يأخذ إنتقامه من ذلك اللعين، فكان طوال الأيام السابقة يسعى ويجمع الأموال بكل الطرق حتى يستطع السفر لخارج البلد لذاك الملعون ليأخذ بثأره منه..
    كان يتحدث في الهاتف مع احد الاصدقاء الذي يعمل في امور السفر وما شابه ذلك، فقال بنبرة منفعلة:
    -أنا مش هستنى اسبوعين تاني يا عز، حاول تتصرف وتشوفلي اقرب سفينة طالعة للسعودية وتحجزلي فيها، الموضوع مهم وضروري بالنسبالي.
    فأتاه صوت الأخر متنهدًا بقوة وهو يقول:
    -أنت عارف إني بحاول بس صعب يا عمار، بس صدقني هحاول أتصرفلك.
    -تمام شوف ورد عليا.
    -حاضر يا عمار، سلام.
    -مع السلامة.
    أغلق عمار الهاتف وهو يزفر بقوة ممررًا أصابعه بين خصلاته بعنف.. ليجد فجأة جنة تفتح باب الغرفة وتدلف بملامح متجمدة مصدومة، فسألها عمار متوجسًا:
    -في إيه يا جنة مالك؟
    ارتعشت شفتاها من هول الصدمة وهي تخبره:
    -ماما إتصلت بيا دلوقتي بتقولي إن إيهاب كان راكب أتوبيس وإتقلب بيه ومات متشوه!

    فصُدم عمار هو الآخر لا يصدق اذناه... كان يسعى ويسعى في طريق الإنتقام من ذلك الحقير، ولكن فجأة تدخلت رغبة القدر لتسدل الستار وتعلن نهاية ذلك الطريق....!

    *****

    في منزل "لمياء شقيقة جنة" ....

    كان الجميع متجمعين في ذلك المنزل بطبيعة الحال عند حدوث حالة وفاة، ولمياء تبكي بإنهيار... حتى وإن كان إيهاب شخصية اكتشفت أنها لم تكن الشخصية التي تمنت أن تكمل معها حياتها ابدًا، حتى لو كان متناول للمخدرات.. شخصية سيئة... حتى وإن كانت تريد الطلاق منه ولكنها رضخت امام الكلام المعتاد من أهلها كـ
    " اديله فرصة يمكن يتغير " .. " متخربيش بيتك " .. " حاولي تستحمليه وتغيريه عشان عيالك "...
    فهو يظل والد ابناءها... ومات ميتة جعلت الشفقة تستوطن قلبها تجاهه، مات وحيدًا في بلد ليست بلده، وتشوه جثمانه بعد أن تمزق كما تمزقت ملابسه بفعل الحادث... فكان الناس المتجمعون في الشارع يجاهدون لستر عورته بصعوبة شديدة....
    وقد كانت "جنة" تواسي شقيقتها بصعوبة شديدة، تجبر نفسها جبرًا على التلفظ بأي كلمة مواساة... بينما هي لا تشعر بـ كلها اصلًا....
    تشعر بالتيه، بحالة من عدم الاستيعاب والجمود تبتلعها... وكأنها سقطت بين كماشتي الصدمة، ولا تحس سوى بذلك السؤال يصدح داخلها مسببًا صدى قوي
    " هل أخذت حقها بتقدير اللهي دون أن يلطخ عمار يده بدماء ذلك القذر.. دون أن تُفضح !! "

    كانت تجلس بوجه شاحب خالي من الروح وكأنها هي زوجة المتوفى وليست شقيقتها... وعمار كان يراقبها بصمت بعينين مشفقتين... لا يشعر بها احد سواه.... هي كمن اعتادت على رؤية ذلك الظل الأسود يسيطر على زمام حياتها، وحين اُزيح ذلك الظل.... لم تستوعب اختفاءه فورًا... بل شعرت بتشوش حقيقي... وذلك الوجع يصحو من جديد وكأنه وليد اليوم... ولكن الجيد أنها واخيرًا نالت حقها الذي تستطيع به تضميد ذلك الوجع وكتمانه.....

    فتحرك عمار دون كلام ليجلس جوارها، ودون أن يفكر مرتان كان يجذبها لأحضانه بقوة مغمضًا عيناه بشيء من الأرتياح، يغمرها بدفئ احضانه... وكأنه يخبرها أنا معك.. يسندها كما اعتادت دومًا حتى لا تسقط في ظل هذا الهجوم المتتالي من الأحداث ...
    وبعد دقائق نهض بهدوء يحاوط "جنة" بذراعاه، موجهًا حديثه لحماته بصوت خفيض:
    -بعد اذنك يا ماما انتي عارفة جنة حامل والضغط النفسي غلط عليها، فـ انا هاخدها ونمشي عشان ترتاح وهنيجي بكره بأذن الله.
    اومأت والدتها برأسها موافقة بخفوت:
    -ماشي يا عمار ربنا يحميك ويحفظكم لبعض يارب.

    ****

    بعد مرور حوالي ثلاث شهور....

    كاد عمار يغادر لعمله كعادته يوميًا، ولكن استوقفته جنة التي دخلت له الغرفة بملامح متشنجة يطفو على سطحها الألم وهي تمسك بطنها هامسة بوهن:
    -عمار أنا هنزل مع ماما نشوف دكتورة، عشان تعبانة شوية.
    فاقترب منها عمار مسرعًا يسألها بصوت متلهف قلق:
    -مالك حاسه بإيه؟
    فعقدت حاجبيها وراحت تخبره بنبرة فاح منها الألم بوضوح:
    -بطني وجعاني اوي مش قادرة، امبارح جاتلي نغزات كده بس قولت عادي واستحملت بس النهارده زادت.
    إلتقط عمار هاتفه مسرعًا ثم حاوطها بذراعاه متابعًا بتلك النبرة الحانية المُحببة لقلبها:
    -الف سلامة عليكي يا حبيبي، تعالي انا هاخدك للدكتورة وفي الطريق هكلم مامتك اقولها اني اخدتك.
    اومأت موافقة دون أن تنطق بشيء، لم تطلب منه أن يذهب معها لطبيبة حتى تعطيه الفرصة ولا تضغط عليه كما أخبرها سابقًا، ولكنها سعيدة بمبادرته واخيرًا بعد فترة كانت تذبل فيها فعليًا كزهرة تنمو في صحراء قاحلة وهي بعيدة عن أحضانه... بعيدة عنه وإن كانت قريبة في المكان !

    وبعد فترة.....

    كانت الطبيبة قد إنتهت من فحص "جنة" فجلست في هدوء تخبرهم بنبرة دبلوماسية:
    -متقلقوش الجنين بخير بس المدام عندها ضعف عام، وواضح إن التقلصات دي والألم اللي بتحس بيه لسبب نفسي مش عضوي، وطبعا مش محتاجة اقولكم إن النفسية مهمة جدًا في الشهور الأولى وبتأثر على الجنين.
    -طبعا يا دكتورة، شكرًا جدًا لحضرتك.

    تمتم بها كلاهما شاكرين الطبيبة... ولكن عمار كان في وادٍ آخر... حبيس أفكاره وعتاب ضميره كان يسقط عليه كالسوط ليجلده مع كل كلمة من الطبيبة... كيف لم يفكر يومًا منذ أن عرف بخبر حملها أن يأخذها لطبيبة ليطمئنا على الجنين ؟!.. ألهذه الدرجة هو كان مُقصر في حقها وفي حق طفله.. ألهذه الدرجة ضغط عليها نفسيًا حتى وصل وجعها لطفله الذي لم يأتي بعد...؟!
    كان يجب عليه على الأقل أن يكن حريص بشأن ما يخص طفله... زفر بعنف وهو يمسح وجهه الملتوي بمشاعر شتى.... ثم قرر أن يقف وقفة حاسمة مع نفسه بشأن ما حدث وما سيحدث...
    يجب عليه أن يحجم أشباح الماضي التي كانت تطوف حياتهما سارقة منهما كل شعور دافئ زاهي لتتركهم فقط مُلطخين بوصمات الماضي...!

    وما إن وصلوا منزلهم، حتى توجهت جنة نحو غرفتهما تبدل ملابسها وتتسطح على ذلك الفراش بإرهاق نفسي وجسدي...
    ثم إنتبهت حين وجدت عمار يدلف ليجلس جوارها على الفراش، ثم اقترب منها ليطبع قبلة عميقة معتذرة على جبينها هامسًا بصوت أجش شاعرًا بالذنب:
    -انا اسف إني قصرت معاكي جامد الفترة اللي فاتت، وأسف إني تعبتك وخليتك تفكري إني بعاقبك، حقك عليا يا ست البنات، صدقيني مكنتش قادر أتخطى اللي حصل بسهولة.
    اومأت جنة موافقة بعينين لامعتين بالدموع:
    -أنا عارفة يا حبيبي وفاهمة كويس متقلقش، بس صعبان عليا بُعدك عني كل الوقت ده.
    اقترب عمار وبرقة شديدة قبل الدمعة التي تحررت من أسر بُنيتاها، وحين شعرت جنة بملمس شفتاه على وجهها وعينيها أحست برعشة خفيفة تطوف جسدها وكأن روحها تُبعث من جديد....
    ثم ابتعد قليلًا ليمسك يداها رابتًا عليها في حزم وبابتسامة لا يشوبها شائب وبعد غياب:
    -من النهارده بأذن الله مفيش بُعد، مفيش أسرار.
    اومأت هي الاخرى برأسها بلهفة وسعادة حقيقية، ليقترب عمار بوجهه أكثر من وجهها حتى تشاركا الأنفاس... ليهمس بخشونة عادت عاطفته نحوها تغزوها من جديد بعد شهور من الجفاف:
    -في قرب.. قرب وبس!
    فأومأت مرة اخرى بابتسامة متحمسة طفولية، ليردف عمار بعدها بعبث اشتاقت له في نبرته:
    -ما تيجي نلعب لعبة حلوة يا جنتي.
    لتسأله جنة باهتمام:
    -لعبة إيه؟
    لتلمع عيناه بشقاوة وهو يخبرها في مكر:
    -لما أبوسك قولي Dont ولما أحضنك قولي Stop .
    عضت جنة على شفتاها كعادتها عندما تشعر بالخجل، ولكنها اومأت برأسها بصمت خجول، ليسألها عمار بعدها بنبرة صبيانية مضيقًا عيناه:
    -لما أبوسك وأحضنك هتقولي إيه؟
    -Don't stop .
    قالتها ببراءة وتلقائية شديدة ولم تشعر بالفخ الذي أعده لها بتلك اللعبة الماكرة إلا حين رأت تلك اللمعة الوقحة التي تعرفها جيدًا وقد اشتاقت لها جدًا تعود لتزين سوداوتاه من جديد....
    -عز الطلب يا غالية.
    قالها وهو يغمزها بطرف عيناه وهو يعض على شفته السفلية في تعبير وقح..... اشتاقته!
    ثم ودون أن ينتظر أكثر كانت شفتاه تلتقي بشفتاها في شوووق رهييب أحرق احشاؤوه.. وأخيرًا أحس أن كل خلية به تنبض بالحياه مرة اخرى.. أنه يرتوي بعد شهور من الظمأ القاسي على قلبه المسكين المُعذب في عشقها......!

    إرسال تعليق