-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه التاسعه والاربعون

روايه أنا والمجنونة الحلقه التاسعه والاربعون


     رواية أنا والمجنونة

    الفصل التاسع والأربعون:- نيران الغيرة


    في المساء جلس جلال في مكتبه داخل فيلته... شارد الذهن فيما حدثه به شقيقه يحيى قائلاً لنفسه: وبعدهالك يا جلال... آني بعدتها عن طريجي ورغم إكده بترجع كل ما آجي أحاول انساها... ومشاكلها لساتها مخلصتش واصل.


    وآدي مشكلة أبوي وأخوي... اللي مبجتش خابر هيه عملالهم إيه ليتعلجوا بيها اكده ويدافعوا عنيها ومش نسينها.


    أغمض عينيه وهو يستند بظهره إلى مقعده وأرجع برأسه إلى الوراء... لامحاً طيفها في مخيلته بكل جنانها وبشعرها المبعثر على وجهها عندما كانت تفعل به أفعالها الجنونية.


    فتح عينيه لينفض عن رأسه كل شروده بها وهب واقفاً ليرتاح في غرفته بالأعلى... هذه المرة توقف أمام حجرتها وفتح بابها متردداً... ثم حدجها بشرود متذكراً وجهها كأنها جالسه على الفراش تبتسم له بعتاب.

    تحرك إلى الداخل قليلاً ببعض البطء متذكراً أنه قد بات معها ليلةً واحده وظل ساهراً يتأملها وهي نائمة ولا يعرف لم فعل ذلك.


    ضم قبضته خارجاً من الغرفة كأنه متهم هارب من العدالة.... شاعراً بصراع يتزايد بداخله كلما أتى أحد ما على ذكرها أمامه، حاول النوم... لكن قد جفاه فطيفها يلاحقه مهما حاول نسيانها.


    وهذا ما أغضبه من نفسه كثيراً... متنهداً بضيق غاضب، فهمس لنفسه بنرفزة: كفاياك عاد يا مهجة...  توقف عن ذكره لأسمه فاعتصر قبضته وكأنه سيسحقها بعنف.

    مردفاً بقوله: لميته هتفضل اكده يا جلال.. لميته هتفضل إن نسيتها اللي حواليك حتى في الشغل يفكروك بيها... كإنها لعنة وحلت فوج راسك ومهما تعمل مفيش فايدة... وفي الآخر ابوي يجف في صفها كإنها بته وعايز ياخدلها حجها مني آني... وأول مرة تتصرف اكده يا ابوي وكمان مُحرم عليه أدخل بيتي بسببها بردك كل المصايب دلوك بسببها وتعلجهم بيها لدلوك.


    ترجل ياسين من سيارته في المساء عائداً من الخارج... ووقف أمام باب منزلهم في الطابق الثاني حائر هل يدخل أم يصعد إلى بيته بالأعلى... لكنه حزم أمره وصعد إلى منزله بالطابق الثالث.


    فتح باب منزله بهدوء شارد... ثم دخل وأغلق الباب خلفه بضيق.. مسنداً ظهره إليه بحيرة من أمره... لكن حيرته ما لبثت أن تلاشت عندما تجمدت عيناه الواسعتان على آخر شيء توقعه.


    لم يستطع ياسين أن يتفوه بحرف واحد فقط إنما كان قلبه هو من كان يصرخ به من  كثرة خفقاته المتوالية ويحركه نحوها، ونظره لا يحيد عنها غير مصدق أنها أمامه الآن وبانتظاره وفي أبهى صورةً لديها ترتدي فستاناً أنيقاً قد أتى به معه من السفر... وكان يتمنى أن يراها ترتديه.


    اقترب منها ببطء شديد مسلوب الإرادة، وأبصار كل منهما تتعلق بالأخر في صمتٍ تعجز عنه الحروف والكلمات... كأنها وردة بين الأشواك.


    وقف أمامها يتمعن في محياها بشعرها المنسدل على كتفيها والذي جاءت بعض خصلاته على جانب وجنتيها مثلما يحبه هو... تخضب وجه نوال بلونٍ أحمر قانٍ وبحياء من كثرة هذا التحديق.


    وأخذ قلبها يرتعد رغماً عنها... طال الصمت كثيراً بينهما لكن بخلاف قلوبهما... لم تصمت أبداً.


    اقترب بوجهه من وجهها هامساً بذهول: نوال إنتِ حقيقة ولا خيال.... ابتلعت ريقها بصعوبة غير مصدقه أنه سيعاملها بود هذه المرة أخيراً.


    فأطرقت ببصرها للأسفل نحو قميصه شاعرة بأنها وحيدة معه في عالم خاص بهما... وضع ياسين أنامله برقه تحت ذقنها ليواجه عيناها بعد طول معاناة.

    قائلاً لها بخفوت: نوال قوليلي إنك معايا ومبحلمش... قوليلي ان القمر نزل من السما وواقف قصادي... نبض قلبها بسرعة وهي غير مستوعبه ولا مصدقه ما تسمعه الآن، تلاقت عيناهما بحديثٍ أكبر بينهما.

    ولم تستطع النطق فاستطرد بصوت حالم: ما بترديش ليه... قوليلي ان القمر بتاعي وافق واتنازل أخيراً إنه ييجي لغاية عندي ويكلمني وأشوفه واقف قدام عينيه.


    تطلعت إليه بقلبٍ حائر، متساءل، أهو من يقف أمامها ويتحدث بمثل هذه الشاعرية التي تمنتها منه دائماً، وتعيش هذه الأحاسيس معه بالرغم من قسوته وحدته معها.


    أم أنه شخص آخر غير الذي كان يحدثها بالأمس... أزاح خصلات شعرها خلف أذنها... هامساً أمام وجهها: متعرفيش أد إيه كنت بحلم باللحظة دي على طول وأنا بعيد عنك… وصورتك مش بتفارق خيالي… يا عمري.


    ترقرقت عيناها بالدموع بذهول تام مما تراه وتسمعه منه.... فأحاط وجهها بكفيه هامساً: لا يا نوال مش عايز أشوف دمعة واحدة من عيونك... اللي سهرتني الليل واللي من غيرهم مش عارف أنام ولا بيغمض لي جفن.


    هنا لم تعد نوال تتحمل كلماته العذبة... فتحول لمعان عيناها بالدموع إلى بكاء غزير.... فتلقاها ياسين بين ذراعيه.... مغمضاً عيناه غير مصدق أنها بين ذراعيه أخيراً الآن وقلبه يرتجف هو الآخر...وقفت تنتفض كأنها تفرغ عذابها ومرارة ما عانته  هذه الفترة الماضية على صدره.


    ضمها أكثر إليه بقوة حتى أنها استمعت لدقات قلبيهما سوياً وهي تزداد خفقاتها بقوة... فانحنى نحو أذنها قائلاً لها بصوت خافت معذب: إوعي تبعدي عني تاني يانوال وإلا هخلي نار غضبي تحرقك وتحرق قلبك فاهمة.


    هامت نوال هذه المرة بين ذراعيه في عالمها الخيالي وهي تسمعه يخبرها بتملكه لها والغير مسموح لها بالبُعد عنه مرةً أخرى.


    أبعدها عنه قليلاً واستند بجبهته على جبهتها قائلاً بصوت يكاد مسموعاً: إوعي تسبيني وتتخلي عني تاني وإلا هتلاقيني هنتقم منك بدون تفكير... إنت ليه لوحدي يا نوال .... عارفه يعني إيه لوحدي غير مسموح ان أي حد مهما يكون مين انه ياخدك مني ويبعدك عني… مفهوم.


    أغمضت عينيها بالرغم منها لتشعر بهذه الكلمات التي تخترق وجدانها من الداخل تجعلها تحلق في فضاء واسع لا يوجد سواهما فيه.

    فتحت عيناها تطلع إليه بكل الحب الكامن داخل جوارحها كلها هامسة بصوتٍ متهدج: ياسين....!!!

    أغمض عينيه ليشعر بمدى أحساسه بصوتها الحالم ثم فتحها سريعاً.... محدقاً بعينيها البريئة والذي فهم ماذا تريد قوله ثم رأى انتفاضة شفتيها فانحنى ببطء شديد وهو يبتلع ريقه بصعوبة تتسارع أنفاسه بقوة من كثرة هذا الإنجذاب الشديد اتجاهها.


    لمس شفتيها بشفتيه بنعومة وشوق كبير... جعلها تتجمد بين يديه وانتفض قلبها بين جنبات صدرها.

    وقبلها لأول مرة... هذه المرة بعد أن كان يريد ذلك دائماً... لكنه في كل مرة يبتعد عنها خائفاً من نفسه عليها.


    لكن هذه المرة لم يستطع الأبتعاد وقرر أن يقبلها مهما حدث له من كبرياء نحوها ورغم غضبه الشديد بسببها.


    ورغم ذلك أجبرته بفعلتها هذه أن تنسيه ما حدث منها وجعلته يريدها البقاء في حضنه ولا يفارقها رغماً عنها دائماً كما يفعل معها.


    ابتعد عنها ببطء ورقة جعلتها تريده أن يجعلها هكذا بين هاتين الذراعين دائماً... هامساً بصوتٍ محب: آسف مقدرتش ما عملهاش يا نوال.... مقدرتش أمسك نفسي النهاردة بالذات وانتِ واقفة قصادي بعد كتر حرماني منك الفترة اللي فاتت.

     

    وضعت أناملها على شفتيه وحدقت به بحب هامسة: متعتذرش يا ياسين.... أنا...أنا... فسألها بصوت مبحوح: انتِ إيه يا قلب ياسين.


    ابتلعت ريقها بصعوبة شاعرةً بالخجل قائلة له بتوتر: أنا... أقصد.. أقصد إني.... إني مراتك يعني.. يا ياسين.


    فابتسم لها ابتسامة عاشق مجنون بحبها قائلاً لها بشوق خافت: بجد يعني مزعلتيش مني... فهزت رأسها ببطء بالموافقة.


    فحملها فجأة بين ذراعيه وأخذ يلفها بجنون في مكانه... فخجلت وتوردت وجنتيها، رغم أنها سعيدة بداخلها من كثرة هذا الحب ومشاعره التي تدفق نحوها…. لأول مرة بعد رحلة عذابها معه ولوعتها بسببه.


    قائلاً بصوت حالم: احنا لازم نتجوز يا نوال...!!!


    ارتاحت مهجة في فراشها في المساء بعد أن ودعت نوال... شاعرة بفراغ كبير يملأ قلبها من جديد... فقد كانت تؤنس وحدتها وخاصةً أنها تكره أن تكون بدون رفيق وتهابها أيضاً.


    تمنت أن تظل معها نوال كما كانت من قبل... لكن كيف وقد جاء حبيبها من أجلها خصيصاً… ولن ترضى بأن تقف أمام سعادتها وتظلمها.


    حاولت النوم لكن هيهات هيهات لم يغمض لها جفن فهي تخشى النوم بمفردها منذ زمن طويل.


    وابتسمت لنفسها بمرارة وهي تتذكر خوفها عندما كانت مع جلال ولكنه لم يكن ليتركها وحيدة إلا إذا عندما كان يعاقبها.


    لكن هذه المرة عقاب قاسي لها وتركها وحيدة تتقاذفها الحياة دون مأوى لديها كما اعتادت دائماً، ولكن ليست بمفردها هذه المرة... إنما بصحبة طفلها الذي لا يعلم بوجوده والده.


    ولا تريد إخباره فهي تشعر عندما يعلم بذلك يا إما سيهددها بعدم استمراره داخل أحشاؤها وتنزيله بالرغم منها... يا إما أخذه منها للأبد... وهي لن تتخلى عنه مهما فعل.


    لم تستطع النوم فهبت من فراشها مرةً أخرى واتجهت ناحية خزانتها تتأمل الثياب الذي أصر على أخذها معها بالإكراه... تأملتها بحزن ثم أغلقت باب الخزانة وهي تتنهد بيأس شديد.


       

    ما ان استمعت نوال إلى جملته حتى تيبست بين ذراعيه… وبُهت وجهها ولم تقوى على الرد عليه… رمقها بشك قائلاً لها بتساؤل: إيه مالك مبترديش ليه.


    أحست بغصة داخل حلقها قائلة بتلعثم: طب…. طب …. ونهى هتعمل إيه معاها.


    أنزلها على الأرض مبتسماً قائلاً بهدوء: خلاص يا حلوة مبقاش فيه نهى من ساعة ما اتخانقتي معايا قبل ما أسافر بسببها.


    تهلل وجهها بأمل جديد… هامسة له بتردد: طب والفيديو واللي … واللي  حصل فيه.


    تنهد ياسين بضيق قائلاً بهدوء ظاهري: الفيديو كان مفبرك وحاولت أفهمك كده سيبتيني ومشيتي وكمان استغلت فرصة قبل سفري وجات واعتذرت عن اللي عملته، بس انا مكنتش مرتاح لمجيها…… وأصرت على اننا نشرب عصير فشكيت انها ممكن تكون حاطه فيه حاجه وبعدها سيبتها عملت اللي عملته ومشيت ومجاش في بالي انها هتوريلك الفيديو… واعتمدت انك مش هتصدقي كدبها…. لان أنا مصدقتهاش وخلتها كملت لعبتها بمزاجي…. وطردتها ساعة ما جات المطار…. بعد ما سيبتني ومشيتي.


     وانا من ساعة ما سافرت وأنا عايز أفهمك كده بس انتِ مجنونة ومتسرعة مردتيش تديني أي فرصة للدفاع عن نفسي.


    ثم اقترب من وجهها حتى شعرت بأنفاسه قائلة له بخفوت: ومن غير ما أدافع عن نفسي قدامك… إسألي قلبك يا نوال…. هل دي أخلاقي فعلاً…. ما انتِ مراتي أهوه ومتخطتش حدودي معاك غير المسموح بيه.


    احمر وجهها من تلميحه لها من قبلته لأول مرة لها الآن…. فحدجته باضطراب فأحاط خصرها بذراعيه.

    ملتصقاً بها قائلاً لها بخبث: ها موافقة على جوازنا… قريب ولا لأ.


    ابتلعت ريقها بصعوبة متذكرة ظروف مهجة فقالت له بتوتر: لا مش… مش… موافقة دلوقتي.


    اتسعت عينيه بصدمة هائلة واستطاع أن يكظم غيظه… وأفرغ غضبه في التشديد حول خصره قائلاً لها بتساؤل: ليه مش موافقة ممكن أعرف.


    شحب وجهها وتأوهت من ذراعيه قائلة له بارتباك: علشان…. علشان…. مش هقدر أسيب مهجة… لوحدها… وهيه في الظروف دي.


    ضيق عينيه وقارب على فقد السيطرة على نفسه قائلاً بحده عارمة: لكن تسبيني أنا…. تسيبي جوزك يا هانم مش كده….!!!


    ضمت شفتيها لا تدري بأي شيء تجيبه فهو لا يعرف ما مقدار صلتها بها قائلة له بارتباك: ياسين أرجوك…. انت متعرفش مهجة محتاجاني جنبها... أد إيه.


     ازاحها بغلظة هذه المرة بعيدةً عنه قائلاً لها بغضب: مهجه … مهجة… هوه مفيش في حياتك غيرها… وأنا فين من كل ده...ها.


    عذرته رغماً عنه قائلة له بخفوت خائف: ياسين أنا مش رافضة جوازنا متفهمنيش غلط…. لكن الظروف بتفرض عليه اننا نؤجله… شوية بس.


    استشاط من غيرته بسبب حبها وصلتها القوية بمهجة… وغضبه منها ومما تقوله قائلا بصوت هادر: هوه أنا كنت سايب شغلي ومستقبلي علشان تقوليلي كده…. مش بقولك انتِ اللي بتبدأي المشاكل.


    لمعت عينيها بالدموع قائلة له باضطراب: ياسين أرجوك افهمني… واسمعني الأول...قاطعها بنرفزة غاضبة قائلاً لها بنبرة غليظة صارمة:

     انا اللي فهمته انك بتفضلي صاحبتك عليه وأنا مش في دماغك خالص أصلاً من الأساس… فعلشان كده أنا بقى هقضي على المهزلة دي نهائياً…  واعملي حسابك ان فرحنا بعد اسبوعين من دلوقتي فاهمة وإياك أسمع كلمة إعتراض تانية…. لإن من الواضح كده…. أني زي ما كتبت كتابنا غصب بردو هعمل فرحنا غصب عنك…. ووريني بقى هتعملي إيه.


    انهمرت دموع عينيها غير مستوعبة هل هذا الذي كانت بين ذراعيه أم انه شخص آخر…. فهمست بصوتٍ حزين: ياسين…. قاطعها وأولاها ظهره قائلا لها بصرامة: أنا قلت اللي عندي…. ومنيش عايز اسمع كلمة زيادة وياريت بقى تكوني جاهزة الأيام الجاية دي علشان هنبقى نخرج نجيب الفستان سوا وكل حاجه انتي محتاجاها سواء هنا للشقة أو لحضرتك….. فاهمة يا حلوة.


    في نفس الميعاد المتفق عليه وصل يحيى أمام منزل عبدالرحيم… ترجل من سيارته فكان باستقباله والدها وشقيقها.


    أدخلوه إلى الداخل في حجرة الضيوف…. واستقبلته في الداخل والدتها… وبعد قليل وضعت أمامه مأدبة طعام فاخرة كأي خاطب يزور خطيبته… في منزلها.


    كانت مريم اثناء ذلك… تتجهز للخروج له والجلوس قليلاً برفقته.


    دخلت والدتها عليها قائلة بسعادة: ما شاء الله عليكِ يا بتي ربنا يحرسك من العين.


    ابتسمت لها قائلة: أيوة اكده يا اماي ادعيلي على طول… تأملتها بحنان قائلة لها: دعيالك يا بنيتي من كل جلبي… ربنا يرضى عنيكِ ويسعدك يا جلب أمك.


    قبلتها مريم على وجنتها وغادرت الغرفة وخلفها والدتها…. دخلت مريم عليه فهب والدها من مقعده قائلاً لها: تعالي يا مريم اجعدي اهنه لغاية ما ارجع… غادرهم بسرعة ليتركهم بمفردهم… 


    تقدمت ببطء وعيناها لا تفارق بصره… فوقف يحيى أمامها يتأملها بإعجاب…. ومد يده لمصافحتها… فمدتتها بهدوء، لكن قلبها كان يرتعش من لمسات قبضته على يدها.


    قائلاً بعذوبة:- اتوحشتك كتير جوي يا مريم من ساعة آخر مرة شفتك فيها.

    ابتسمت له ابتسامة رقيقة قائلة: وآني منيش مصدجه انك جدامي دلوك… يا يحيى.


    بادلها ابتسامتها قائلاً لها بخفوت: لاه صدجي وآني جدامك أهوه… ثم تمعن في وجهها فهمست له بخجل: طب سيب يدي واجعد.


    ضحك يحيى وترك يدها بالفعل…. ثم جلست هي الأخرى على أريكة خلفها، مبتعدة عنه كعادتها… فابتسم لها بجدية: جربي اهنه جنبي… لازم تجعدي بعيد اكده عني كل مرة.


    احمر وجهها من الخجل قائلة له بارتباك: لاه آني هجعد اهنه… أحسن.


    وجدته بسرعة قد انتقل بجوارها وكاد يلتصق بها… فأحرجت قائلة له بحياء: يحيى مش هينفع اكده.


    تطلع إليها بولهه وأمسك بيدها بين قبضتيه فارتجف قلبها بقوة قائلاً بخبث: ومين جال اكده… ضمت شفتيها بخجل قائلة له باضطراب: يحيى أرجوك بَعد عني شوي… خايفة من ابوي.


    ابتسم ساخراً ثم لمس شفتيها بنعومة بإصبعه قائلاً بعبث: وإياك انتِ جاعدة مع راجل غريب…. آني جوزك.


    توترت أعصابها أكتر وحاولت أن تبتعد عنه لكنه منعها من ذلك وبذراعه الآخر وأحاط بخصرها…. من وراء ظهرها وضمها إليه بمكر قائلاً بخبث: انتِ مفكرة هتجدري تهربي مني هتروحي وين.


    فهمست بصوتٍ متهدج: يحيى أرجوك كفاياك اكده عاد.


    اومأ برأسه بالرفض وأخذ يرمقها بنظرات مليئةً بالشوق قائلاً لها بمكر: وهوه آني لساتني عملت حاجه لسه.


    استلقت مريم على فراشها شاردة الذهن… بعد انصراف حبيبها يحيى من منزلهم، والذي وعدها بلقاء آخر قريباً… كان يغادرها وقلبها معه… تريد البقاء… بقربه دائماً.


    شردت بهيام وهي تتذكر قبلته الحالمة في شفتيها  التي جعلتها في عالم آخر… فقد شعرت بأنه يتغير من أجلها.

    ومن أجل أن يجعلها سعيدة للأبد…. فقد أهدته قلبها منذ أن أنقذها ونجاها من موت محقق…. وشعرت نحوه بالإعجاب الذي مالبثَ أن تحول لحب وردي رغم ما عانته من غلظته وقسوته معها.


    لكنه الآن كأنه شخص آخر لا يريد إلا إسعادها وخروجها من أزمتها التي لا تزال تؤثر كثيراً على نفسيتها إلى الآن.


    وبفضله بعد ربنا لكانت ساءت حالتها أكثر… لكن يحيى لم يتركها تعاني كثيراً في بُعده عنها بل ظل بجوارها يساندها بطريقة غير مباشرة وإلى الآن.


    مر أسبوع على غياب نوال عن مهجة فشعرت 

    الأخيرة بالحنين إليها فحدثتها بالهاتف لتطمئن عليها…. فروت لها ما حدث دون الدخول بتفاصيل كبيرة فقالت لها مبتسمة: طالما بيحبك يبقى خلاص يا نوال ثم انه كفاية ان جه علشان ميخسركيش.

    تنهدت نوال بضيق قائلة: وانتِ يا مهجة هتعملي إيه… فقالت لها بهدوء: أبداً أنا خلاص قررت ان آخد حقي منه وبستعدله أوي وان ما أخدت منه كل حاجه ميبقاش أنا مهجة… سيبك بقى منه دلوقتي وبطمنك اني بروح المحل بدالك وواخده بالي منه كويس اطمني.

    فسألتها عن حوده فابتسمت بشقاوه قائلة: اتعصبت عليه النهاردة…. وكنت هضربه بالمقشة فضحك وحس اني رجعت وبقيت زي الأول وجري من قدامي زي الكتكوت المبلول.

    ضحكت نوال قائلة: يا رتني كنت موجودة وشفتكم.

    فقالت لها: المرة الجايه بقى… يالا بقى اقفلي علشان حاطة الأكل على النار.


    وقفت مهجة تحدق به مشدوهه متسائلة ماذا يعتريها الآن لا تدري، فقد كان من قبل هي من تتقرب إليه وهو الذي كان يبتعد عنها، لكن الآن هو الذي بادرها بذلك.


     ومنذ الأمس تندهش من كثرة هذا القرب الذي يجعلها خائفة من المستقبل المجهول… وهي ترى نفسها تنجرف وراء مشاعرهما ولا تدري إلى أين ستأخذها… فها هي أصبحت زوجته بالفعل… دون أن تعترض ولو بحرفٍ واحد… على ذلك فهي تريد العيش بجواره طوال حياتها... لكن هل هو الآخر يريد ذلك الأمر أيضاً…. أم أنه يتلاعب بها وبمشاعرها معاً.

     


    اقترب منها جلال ليخرجها من حالة الشرود هذه، هامساً بجوار أذنها بقوله الهادىء: مالك بتترجفي ليـــه إكده، زاغ بصرها لثوان معدودة ، وتوردت وجنتيها من قربه الشديد منها قائلة له بخفوت مضطرب: مش خابرة أصل.... أصل..... بصراحة منيش واخده منيك على إكده… وبستغرب.


    قرب جلال وجهه أكثر من وجهها محدقاً بشفتيها التي ترتعش كمن الذي يرتعش في جوٍ مليء بالبرودة قائلاً بخفوت ساخر: شكلي إكده كنت غلطان…. وآني بصلح غلطي..

     


    شعرت بأنها تعيش حلماً جميلاً وستستفيق منه بسرعة، بسبب تسرعها الدائم…. في الحديث فسألته بتوتر: جلال إنت بتتحدت بجد، ابتسم بخبث وهو يجذب خصلات شعرها برفق من وراء رقبتهأ إلى الأمام… بجانب وجنتها وبالذراع الآخر يحيط بخصرها نحو صدره قائلاً لها بلؤم:- وآني من ميته بهزر يا مهجة، قطبت حاجبيها بدهشة قائلة بعفوية:- شكله من دلوك.


    أغاظه ما تقوله فشدد على خصرها بقوة ، فتأوهت من الألم، ألصقها به أكثر حتي شعرت بأنفاسه القوية أمام شفتيها قائلاً بعبث غاضب : إكده هتبجي خابرة آني بهزر ولا لاه، انزعجت من نظراته الوالهه إلى شفتيها فهمست له قائلة بأسف:- آني مجصدش إني ...... قاطع باقي كلماتها في قبلةٍ عميقة لم تكن تحلم بها قط، ولم تشعر بنفسها إلا وهي فاقدة الوعي بين ذراعيه.


    أفاقت مهجة من ذكرياتها الحالمة تلك… والتي مر عليها عدة أشهر وكأنها في نظرها سنوات…. متنهدة بيأس وهي تحدق بصورته التي تحتفظ بها…. ولا تدري أتحتفظ بها من أجل حبها له الذي مات داخل جنبات قلبها… أم تريد بقاؤها بين ثيابها من أجل أن تتذكر انتقامها منه فقط.


    ابتعدت عن صورته وهي تشعر بزيادة رغبتها في الإنتقام منه… تضاعف بداخلها.


    حدقت بساعة هاتفها… فوجدت أن الوقت مر بها بطيئاً من غير نوال… التي كانت تؤنس وحدتها بالرغم من أنها بدأت تعتاد على بُعدها.


    وقفت أمام المرآة تبتسم ابتسامة حزينة… فها قد عادت إلى وحدتها ووحدة قلبها من جديد فهي تشعر بأنه مكتوب عليها… أن تظل وحيدة للأبد ومنذ أن جاءت لهذه الحياة والتي لم ترحمها إلى الآن…. بعد مرور اسبوع على غيابها عنها.


    تتقاذفها أمواج الحياة بين طياتها…. تلقي بها كالرزاز المبعثر في كل مكان وليس على شاطىء الأمان ترسو بها الحياة.


    تأملت وجهها الذي شحب كثيراً بسبب تأثير الحمل عليها… والذي سيؤثر عليها أكثر وأكثر في الأيام القادمة.


    تتحسس بطنها التي قد بدأ يظهر تغيير واضح بحجمها… قائلة لنفسها بمرارة: ذنبك إيه تتولد بدون أب… يبقى موجود بحياتك زي أي أب في الدنيا…. آه يابني شكلك هتعيش الوحدة اللي عانيت منها ولازلت بعاني منها لدلوقتي.


    أنا آسفه يا بني جبتك للحياة اللي ما بترحمش وأنا اللي غلطانة بس للأسف مش انا بس اللي هدفع التمن.


    لأ وانت كمان هتدفع تمن غلطة ارتكبتها في حق نفسي… بعد ما سلمت نفسي لقلب قاسي، حجر عمره ما حس ولا هيحس بيه في يوم من الأيام….


    لمعت الدموع بعينيها تريد البكاء حبا مات من قبل أن يولد… حب من طرف واحد…. وما أصعبه من حب….


    مسحت من احدى عينيها دمعةً حزينة حائرة… قائلة لنفسها بحدة: خلاص مفيش دموع تاني… مفيش غير الإنتقام وبس.


    شعرت بإرهاق جسدها بعد ما عانته الآن من مشاعر بائسة… حزينة.


    فتمددت على الفراش تتثاءب ببطء…. غفت عيناها ساعة أو ساعتان لا تدري كم الوقت التي استغرقته في نومها.


    وهبت بغتةً فزعة من نومها تصرخ باسمه…. تلفتت حولها فلم تجد إلا الظلام الحالك بالغرفة هو الذي يسيطر على جوها.


    شعرت باختناق داخل صدرها بقوة… فهبت جالسة في فراشها بهلع ووضعت يدها على صدرها…. كأنها تهدأ من دقات قلبها التي تنبض بكل قوةً لديها…. ولا تعلم لماذا… كل هذا الفزع والإنزعاج التي تشعر به الآن.


    أضاءت غرفتها بالضوء سريعاً وارتشفت كوباً من الماء… عله يخفف ما تشعر به من رعب بداخل قلبها الملتاع.


    أسرعت تفتح باب الشرفة… لتلتقط أنفاسها الخانقة وتستنشق بعض الهواء من هذا الليل الحالك.


    فجأة انشق وسط هذا الظلام صوت أعيرةً نارية بكثافة عالية….تنبثق من حيث لا تعلم ولا تدري، فارتجف قلبها بقوة وعنف كأنه سيتمزق إلى أشلاء…. صغيرة مبعثرة.


    فهرعت داخل الشرفة… لترى من أين يأتي هذا الصوت الصاخب المليء بالرصاص… فرأت شخصٌ ما لا تتبين ملامحه جيداً هكذا من الأعلى … كأنه شبح تطارده سيارة أخرى مليئةً بالرجال المسلحين.


    وقفت تحدق بهم بهلع وانزعاج…. متذكرة تدريباتها وحديث مدربتها عن كيفية الدفاع عن النفس وعن الآخرين.


    فاتخلت عن هذا التردد الذي يملؤها وأسرعت تأخذ حجاباً فوق شعرها وتضع طرفه من الأسفل تخبأ به وجهها وتظهر عينيها فقط.


    واتجهت ناحية المطبخ سريعاً... وأخذت عدداً من السكاكين الحادة وسلسلةً من حديد تتدرب بها ،وهرعت بهما خارج المنزل… وكان قلبها يخفق بشدة مع كل درجة من درجات السُلم ومع كل خطوةٌ تخطوها.


    وقفت تتبين عن بُعد من يكونون هؤلاء المجرمين فلمحت السيارة بها خمسة أشخاص بالسائق.


    والرجل الذي يطلقون عليه هذه النيران يقف بجوار سيارته يستند إليها على مقربة خمسة أمتار من البناية التي تقطن بها.


    والذي يبادلهم ضرب إطلاق الرصاص بطريقة حذرة.


    ركضت مهجة لترى ما الأمر بالضبط وهي تحاول إحماء نفسها... ونسيت أنها حامل بمولودها الأول وكل تفكيرها يَصُب على ذلك الرجل الواقف هناك أمامها يدافع عن نفسه بكل قوته ويوليها ظهره.


    أسرعت راكضة بدون تفكير نحو السيارة المليئة بالمجرمين، فلمحت اثنان منهم خارج السيارة، فألقت بإحدى السكاكين على يده التي تمسك السلاح ويصوبه ناحية الرجل على ضوء سيارتهم … وهي على مقربةً منهم.


    فاشتعل الرجل من الألم… والغيظ وشاهدها الآخر الذي على الناحية الأخرى من السيارة والواقف بجوار الباب.


    وانتقل إليه غضب الشخص الآخر إليه…. وكاد أن يفرغ سلاحه بها…. فألقت عليه سكينةً حادة أخرى في يده.


    فأصبح الإثنان يصرخان…. من شدة الألم فخرج الثلاثة الآخرون من عربتهم ليطلقون عليها النار…. ولكن الرجل الوحيد كان أسرع هذه المرة اذ اقترب أكثر منهم ليدافع عنها.


    وأطلق رصاصة على أحدهم في صدره فخّر صريعاً في الحال…. وهرول آخر ناحية مهجة ليتهجم عليها بيديه….. فأسرعت إلى إلقاء السلسلة الحديدية حول معصم يده الذي يمسك بها سلاحه فسقط منه في الحال على الأرض وألقت باليد الأخرى سكيناً في كتفه…. فصرخ الرجل من الألم، والوجع.


    ومالت مسرعة نحو الأرض وتناولت سلاحه مهددة به آخر شخص يلقي بأعيرته النارية نحو الرجل.


    وكاد أن يصيبها هي الأخرى هذه المرة لولا صراخ الرجل من خلفها قائلاً بفزع: حاسبي…!!!


    وألقى هو بنفسه عليها من الخلف لينقذها فسقطا سوياً على الأرض وتلقى هو الرصاصة بدلاً عنها في ذراعه من تحت الكتف.


    فصرخ من الألم… تأثير الرصاصة الذي أطلقت عليه للتو… فسارعت مهجة برفع جسدها لترى من هذا الشخص الذي أصيب مكانها… ورفعته بسرعة وهي تسمع صوت صراخ الرجل المجرم بانتصار…. قائلاً لها بتشفي: نجحت التصفية وخلصت عليه أخيراً وانتِ بقى عليكِ الدور… وده عقاب اللي يتدخل في اللي ملوش فيه.


    شعرت بالغضب يجتاحها… تاركة الرجل خلفها على الأرض وهي تهب تهرول نحوه وأمسكت بسلاح الرجل الذي قتلته.


    وصوبت ناحية قلبه وألقت به صريعاً هو الآخر في الحال… وعادت أدراجها مسرعة ناحية الرجل فوجدت شخص آخر…. قد أفاق من غيبوبته وضرب الرجل الملقى على الأرض بقالب من الحجارة الأسمنتية موجود بالصدفة على الأرض…. خلف رأسه.


    فاتسعت عينيها بفزع كبير وألقت برصاصة ناحيته في وسط جبهته فتوفى في الحال.


    فهرعت ناحية الرجل الملقي على الأرض ومن الواضح عليه انه سيفقد الوعي.

    ورفعته من كتفيه ناحية صدرها لتسنده إليها كي تتفقده وترى من هو الذي دافعت عنه بهذا الشكل الخارق بالنسبة لها.


    كاد قلبها ينخلع من مكانه عندما استمعت إلى صوت تأوهاته المؤلمة… فتلاقت أبصارهم لثوانٍ معدودة متفحصة لوجهه بهلع وفزع… قبل أن يُغشى عليه ويلفه الظلام من حوله قائلاً بضعف: العينين دي شفتها جبل إكده….!!!


    اتمنى تكون عجبتكم 

     الحلقه الخمسون من هنا


    إرسال تعليق