-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه الثانيه والخمسون

روايه أنا والمجنونة الحلقه الثانيه والخمسون


     


    رواية أنا والمجنونة


    الفصل الثاني والخمسون:- العشق المدمر


    تعالت صرخات وصيحات قلب أم ملتاع الذي انشق وسط صفوف الرجال ناحية الجثمان الميت في تابوت وموضوع فوقه علم مصر. 


    فأفسحوا لها الطريق بتلقائية…. فشقت طريقها وصوت صرخاتها تتعالى وتناديه بلوعه.

    انحنت فوق التابوت تضمه إلى صدرها بلهفة قائلة بعذاب مرير:- يا حرجة جلب أمك عليك يا ولدي…. آه من مرار الأيام اللي جايه من غيرك ياعمدة…. إزاي هعيش من غيرك جولي يا ولدي إزاي هينهالي بال من غيرك.


    جاء يحيى لينهضها من فوق التابوت…. منعه والده بإشارة من يده باكياً هو الآخر بين جميع الحاضرون…. فهناك مجموعة من رجال الأمن يحضرون الجنازة ومن بينهم شريف... ليثبت للجميع أنه بالفعل مات.


    ومجموعة أخرى من الصحفيين حضروا المشهد، يلتقطون بعض من الصور لنشرها في الصحف والإنترنت... ليزداد انتشار الخبر

    وقف جميع أهل بلدته متأثرين بوفاته… والبعض منهم يبكي عليه بشدة.

    أما والدته جاء يحملون التابوت من تحت ذراعيها صرخة قائلة  بعذاب: لاه سيبهولي شويه اشبع منيه جبل ما تاخدوه مني وتدفنوه في التراب…!!!


    فانحنى يحيى باكياً نحو والدته قائلاً بوجع: خلاص يا اماي متعمليش اكده…. فهتفت به: لاه بَعد عني… لازم كلاتكم تبعدوا عني… وتسيبوني مع ولدي… هملوني معاه لوحدي.


    ثم احتضنت التابوت مردفة بلوعة: جوم يا ولدي… جوم أسلم عليك وأشوفك للمرة الأخيرة بس... داني اتوحشتك كتير جوي جوي.


    جوم وجولهم إنك عايز تشوفني آني كمان جبل ما تمشي وتهملني لحالي....جوم وجولي اتوحشتك يا اماي... لاه يا ولدي متهملنيش لحالي وياهم.. خدني وياك آني كمان... وأغشي عليها فوق التابوت فحملها يحيى مسرعاً وهو يهتف بلوعة بها.


    ازاداد بكاء الحاضرون حتى اسماعيل الذي كاد أن يغشى عليه هو الآخر فأسنده إثنان من الرجال وهو يرى الجميع يتسابق في حمل الجثمان إلى المسجد للصلاة عليه.


    وقفت نور بقلب موجوع تراقب والدتها وهي نائمة بعد أن أعطاها يحيى حقنة مهدئة لأعصابها.

    قائلاً لنور باهتمام: خلي بالك من أمي زين وراجبيها…كويس جوي فمسحت دموعها قائلة له: حاضر يا اخوي.


    تركها يحيى وأسرع للحاق بالجنازة…. واتجه للمسجد للصلاة على شقيقه.


    وقف الرجل مزهوا وهو يراقب شاشة التلفاز… من جنازة جلال المزيفة التي تم تصويرها ونزولها ببث مباشر من داخل مدافن العائلة.


    قائلاً: مش قولتلك اننا موتناه علشان تبقى تصدقني... واشار ناحية الشاشة بفخر.


    فقال الآخر باطمئنان: أنا بقى كده ارتحت….لما شفنا الدفنى بعينينا…. ثم صمت برهة قائلا بعدها: طب والبنت عرفتوا عنها أي حاجه.


    هز رأسه رافضاً فاستطرد: البنت دي لازم تتلقي وبأسرع وقت ممكن…. علشان نخلص منها هيه كمان…. ونرتاح بقى.


    تنهد الرجل قائلا: وليه بس ما احنا كده ماشيين كويس واللي كنا عايزينه اتنفذ والبنت خلاص متعرفناش أصلاً وهيه مش هتقدر تتكلم دي موتت اتنين وعملت عاهات مستديمة لتلاتة… يعني هيه من وجهة نظرها أخدت حقه فا مافيش منها خطورة وخصوصاً لا هيه تعرفنا ولا احنا يعني من الآخر مفيش منها خطورة.


    صمت الرجل وابتسم مفكراً في حديثه قائلاً له: تصدق معاك حق…. فقال له: أيوة كده خلينا كام يوم كمان ونعاود للشغل اللي واقف من زمان.


    ما أن خطت قدماها وأغلقت الباب حتى وجدته واقفاً أمامها كالوحش الذي يريد الانقضاض على فريسته يترقب وصولها إليه.

    قائلاً بشراسة: كنتِ فين... كل ده؟

    اضطربت مهجة من تحديقه بها بهذه الشراسة التي لم تتوقعها منه الآن وجاءت لتخطو باتجاهه لم تستطع... فمنظره لا يبشر بأدنى خير.

    فتعثرت خطاها فاستندت مسرعة على مقعدٍ بجوارها قائلة بثبات مفتعل: والله ده شيء ميخصكش في أي حاجه، أخرج زي منا عايزة، ضيق حاجبيه قائلاً لها بغضب: إنتِ أكيد جرى لمخك حاجه علشان تجوليلي إكده أني أسأل وانتِ عليكِ تجاوبي... من سكات.


    جلست على المقعد بعد أن توترت أعصابها أكثر شاعرة بالدوار يلفها... فوضعت قدم على الأخرى قائلة له ببرود: ليه كنت جوزي وأنا معرفش.


    اقترب منها بخطوات مهددة فتراجعت بتلقائية في مقعدها... انحنى جلال نحوها محذراً، وحاصرها بذراعيه في مقعدها يتطلع إليها بغروره المعتاد قائلاً لها بغموض: واضح إكده إن جوزك  الأولاني كان سايبك على هواكِ... بس آني لاه يا مدام... ما دمتي معايا اهنه الخروج والدخول بحساب....منيش كيس جوافة جصادك... فاهمة يا مجنونة إنتِ.


    حدقت به بصدمةٍ كبيرة ترن بداخل عقلها... فهو يريد أن يسيطر عليها حتى وهو فاقد الذاكرة... ويُحدثها بنفس طريقته المهددة لكن لا إنها ستنتقم منه وترد له الصاع صاعين.


    فقالت له بجمود: مش أنا اللي آخد الأذن منك أومن غيرك فاهم ومن فضلك بقى ابعد عني.


    ظنت أنه سيبتعد عنها لكنه أمسكها من فكها بقبضته القوية قائلاً بحدة: كلمة إسمعيها مني دلوك.... مفيش خروج من اهنه طول ما آني موجود... إلا بإذني... ده آخر حديت عندي.


    رمقته بغضب وهو ينصرف من أمامها عائداً لغرفته... قائلة لنفسها بغيظ: حتى وانت مريض مفيش غير اسلوبك ده معايا... طب والله لأخليك تجري ورايا وتبوس على إيدي كمان وهتشوف... يعني أنا لغاية دلوقتي بحاول انتقم منك على خفيف علشان مرضك لكن لأ يا جناب العمدة مش هسكت على طول.


    تململت نوال في الفراش ووجدت نفسها بين ذراعي ياسين الذي كان مستيقظاً يتأملها بعشق، وبعينين حالمتين وهو متشبثاً بها لا يريد تركها...فتحت عينيها بخجل فهمس أمام وجهها بنعومة قائلاً بهيام: صباح الخيرعلى عيون وقلبي أنا الصغنن بزيادة....!!! 


    ابتسمت ابتسامة جذابة وخُجلى... جعلته يقترب أكثر منها ويتقرب لشفتيها هامساً: هوه القمر بتاعي هيفضل يتكسف مني كده على طول ولا إيه....!!!


    ابتلعت نوال ريقها بصعوبة... وقلبها ينبض بعنف تريد أن تبادله مشاعره المتدفقة نحوها كما حدث بالأمس فلقد أغدق عليها بالكثيرمن الحب والعشق معاً... جعلها تعيش حلماً وردياً لم ترى مثله حتى ولو في أجمل الروايات.


    باغتها بقبلته الناعمة التي جعلتها تضمه إليها وتبادله هذا العشق الجارف... مثل الموج الثائر في وجه معشوقته.... مستسلمة إليه، هائمة بين هاتين الذراعين الذي يضمنها بمزيج من القوة والحنان.


    قائلاً بصوتٍ متهدج: إوعى الجميل الصغنن بتاعي يبعد عني وإلا إنتِ عارفاني... هخليكي تندمي على بُعدك عني ولو دقيقة واحدة بس.


    ضحكت نوال قائلة له بحنان: ومين قال إني هقدر ابعد عنك... يا ياسين... ابتسم قائلاً بخفوت: يعني قمري مش هيبعد عني تاني أبداً.


    فهزت رأسها بالموافقة فابتسم لها بنعومة جعلتها تغوص بين ذراعيه مغمضة العينين شاعرة بالأمان بعد أن أصبحت تشعر بأنه يعشقها هي فقط ولن يكون لسواها.


    نهضت مهجة من مقعدها واتجهت صوب التلفاز لتشاهد ما به قبيل موعد الغداء... علها لا تفكر به كثيراً.


    وتنقلت بين القنوات العديدة لترى ماذا تعرض الآن... فوجدت إحدى القنوات الإخبارية المصرية تنقل جنازة أحد الأشخاص على الهواء مباشرةً.


    شيء ما جعلها تتوقف على هذه القناة... وأتت عيناها صدفةً على إسم صاحب الجثمان المقدم الشهيد/ جلال اسماعيل المنياوي.


    اتسعت عيناها بصدمةً قوية على هذا الخبر المكتوب أمامها بأسفل الشاشة في شريط ملون في الأخبار العاجلة.... وعلى والدة جلال وهي تصرخ وتنحني على التابوت وعدم تركها له ووقوف كل من الحاج اسماعيل ويحيى بجوارها.


    وجميع أهل البلدة متأثرون مما يحدث أمامهم.... قائلة بعدم تصديق: بقى معقولة الوضع بقى كده... وبترت عبارتها وانخلع قلبها من مكانه كأن الأمر يبدو حقيقياً.


    هبت راكضه إلى حجرته واندفعت بسرعة إلى داخل الغرفة صارخة بلهفة: جلال... جلال... فوجدته خارجاً من المرحاض يحدق بها بتساؤل واستغراب.


    وقبل أن ينطق هوهرعت نحوه تتفقده بكل شوقها وخوفها عليه.... تحسست وجهه بأنامله المشتاقة قائلة له بجزع: جلال... انت... انت.. بخير مش كده.


    تفرس في محياها بذهول... من كل هذه المشاعر الذي لا يفهمها وقلبه ينبض بعنف لا يفهمه أيضاً كلما تحسست بأصابعها على وجهه بهذه المشاعر الجارفه قائلاً لها بعدم استيعاب: آني بخير... في إيــه... لكل ده.

     

    فوضعت رأسها على صدره بلهفة هامسة بتلقائية: الحمد لله إنك بخير... الحمد لله.

     قطب جلال حاجبيه بصدمة قوية وذهول... لكنه وجد نفسه يرفع ذراعيه بتردد ويضمها بقوة ناحيته.... شاعراً بأشياء كثيره تدفعه لفعل ذلك.


    فقالت له دون وعي: ياه يا جلال كنت خايفة أوي عليك يا حبيبـــ... قطعت باقي عبارتها عندما شعرت بأنفاسه المضطربة تحت أذنها.

    فأبعدت رأسها بسرعة كالتي لدغتها حية أو عقرب قائلة باضطراب: أنا آسفه... مقصدش كل اللي عملته دلوقتي.


    تطلع إليها بحيرةً وغموض ولم يتركها من بين ذراعيه متشبثاً بها مثل الطفل التائهة الذي أخيراً ما وجد والدته أمامه للتو... متطلعاً إليها بتساؤل كبير قائلاً بحيرة: جوليلي ليه عملتي إكده...؟


    ابتلعت ريقها بصعوبة واختلج قلبها بقوة قائلة له بصوتٍ مخنوق: منا قولتلك مقصدش.... وكفاية كده.


    هز رأسه بالنفي قائلاً بنبرة متوترة: بس ليه آني حاسس إن دجات جلبي زادت، وعايزك على طول إكده في حضني.


    أغمضت عينيها تحاول السيطرة على نفسها أولاً من مشاعره الجارفة هذه ثم عليه ثانياً قائلة له بحدة مفتعلة: ممكن تبعد عني بقى هوه انت فاكرني لقمة سهلة علشان قاعدة لوحدي.


    تركها جلال ببطء قائلاً لها بضيق: وآني كنت عملت فيكِ إيه علشان تجوليلي إكده... آني بجول اللي آني حاسس بيه.


    ابتعدت عنه بحدة قائلة بغضب: على العموم دي آخر مرة تقولي كلامك ده، أنا واحدة كنت بحب جوزي وعمري ما هخونه في تربته، وتاني مرة لا هلمسك ولا تلمسني فاهم.


    ضم قبضته بغضب شاعراً بالغيظ  والغيرة من عباراتها هذه وحبها لزوجها هذا الشخص الغائب الحاضر بالنسبة لها.

    قائلاً لها بعصبية عارمة: فعلاً إنك مجنونة صوح يالا امشي من جدامي عاد، بدل ما هطربجها على نافوخك دلوك.


    أسرعت راكضة من أمامه ثم دخلت إلى حجرتها وخفقات قلبها تكاد تخنقها من شدة حيرتها وارتباكها من مشاعره الذي يفصح عنها بالتدريج كلما كانت بالقرب منه...


     فها هو يريد أن يعبر عنها اتجاهها لكن هي تريد عكس ذلك فهي لا تريد إلا الانتقام الذي تعد له.


    تمددت على الفراش بقلب حائر فمشاعره جارفة نحوها وهو فاقد الذاكرة عكس ما كان يفعله في السابق، فكثيراً ما كان يخفي كل ذلك وراء عصبيته طوال الوقت... ولا تريد ان تحن له الآن وتشفق عليه من جديد.


    بل تحاول الوقوف في مواجهته دائماً على عكس ما تشعر به بداخل قلبها فها هي لم تتحمل خبر موته الكاذب... لهذا ألقت بنفسها بين هاتين الذراعين التي اشتاقت لهما كثيراً رغماً عنها.


    تنهدت قائلة لنفسها بلوم: ليه يا مهجة عملتي كده...ده كان ناقص يعترف بحبه ليكي... بس لا إوعي تضعفي قدامه أول ما هيخف هيرميكي زي ما رماكي قبل كده بدون ضمير ومهما يعمل لازم تقفيله ولا تصدقي مشاعره المزيفة دي، ده معملش فيكِ قليل.


    بعد انتهاء العزاء جلس يحيى في غرفته... يحاول الاتصال على مريم... فلا تجيبه وكرر هذا الأمر ولا ترد عليه.


    فتمدد في فراشه شاعراً بالضيق أكثر قائلاً لها برسالة: إنتِ المفروض تراعي ظروفي اكتر من اكده.

    بعث إليها بهذه الرسالة حتى ترد عليه لكنها أيضاً لا تجيبه... كاد أن يكسر هاتفه من شدة غضبه لهذا التجاهل الذي تعامله به.


    لاحظت والدتها الرنين المتواصل والرسائل فقالت لها بدهشة: يابتي ما تردي عليه وريحي جلبه هوه ماهواش  ناجص مشاكل.


    فقالت لها بضيق: لاه مش هرد خليه إكده علشان يعرف جيمتي... كويس، فقالت لها باعتراض: واه إيه الحديت الماسخ اللي بتجوليه دلوك... ده بدل ما تواسيه في محنته وتاخدي بخاطره.


    فقالت لها بتذمر: مش هاخد ولازم يتعاجب مني زي ما بيعاجبني على خوفي عليه... حدقت بها بتعجب قائلة: والله آني احترت وياكِ لما أجوم أصلي العشا أحسن.


    رمقت هاتفها بغضب ثم تناولته وأغلقته تماماً... قائلة لنفسها بتحدي: خليك إكده علشان تبجى تصرخ في وشي حلو.


    في اليوم التالي قررت مهجة أن تذهب إلى المتجر لتتابع عملها وحياتها العادية قبل ظهوره من جديد.

    علها ترتاح من مشاكلها معه.... تجهزت وارتدت ثيابها وأخذت حقيبة يدها بعد ان إطمئنت عليه كي تذهب... فإذا به يصرخ بها قائلاً: رايحه فين اكده على الصبح.


    تنهدت قائلة بضيق: رايحة شغلي في حاجه... اقترب منها قائلاً لها بصرامة: وهتنزلي اكده من غير ما تاخدي رأيي الأول.


    فقالت له بحدة: وانت تطلع مين انت علشان تديني أوامر وآخد إذنك كمان... حملق بها بأعينٌ متسعة غاضبة قائلاً لها بصوتٍ غليظ: طالما هتعندي  وياي من البداية...  يبجى من الأفضل اكده أخبرك إنك ما تتعبيش نفسيكِ وتنزلي لأنك مش هتروحي.

    بُهتت من هذا التحكم المبالغ فيه منجانبه قائلة له بحنق: بقولك إيه إدخل إوضتك وما تعملهمش عليه الشويتين دول أنـــ... قاطعها بسحبها من ذراعها بغتةً وإدخالها إلى غرفتها عنوةً...


     تفاجئت بتصرفه هذا قائلاً بعصبية مفرطة: مفيش خروج بعد إكده إلا بإذني.... وآني بحذرك لآخر مرة.... وسبج وجولتهالك جبل إكده ياريت بجى تكوني فهمتي....قالها ثم أغلق الباب وراءه بعنف تاركاً إياها تستشيط من الغضب.


    فتح ياسين باب منزله فوجد والدته تحمل صينية كبيرة مملوءة بالطعام قائلة بسعادة: جبتلكم أحلى أكل بتحبوه انتم الأتنين.

    ابتسم ياسين لها قائلاً: ليه كل ده يا ماما إحنا عندنا أكل من امبارح يكفينا شهرين كمان.


    ضحكت بفرحة قائلة له: وماله يابني ربنا يزيدك من فضله... أتت نوال على صوتها... فاحتضنتها والدته قائلة: يالا حبيبتي تعالي كُلي إنتِ وجوزك بسرعة والأكل كده سخن... وابقى شوفيه هيعجبك ولا لأ.

    ابتسمت نوال قائلة لها: أكيد طبعاً يا ماما هيعجبني من قبل ما أكله كمان، فربتت على ظهرها قائلة: طب يالا إقعدوا كلوا انتم الأتنين وأنا هنزل تحت أشوف مها عملتلكم إيه في الحلويات.


    جذبها ياسين من يدها وأجلسها على المقعد قائلاً بمزاح: يالا عايزك تاكلي كل ده.... ضحكت بصفاء قائلة بدهشة: معقولة عايزني آكل ده.


    مط شفتيه قائلاً بثقة: أكيد يالا بس وأنا أكيد هفتح نفسك على الأكل.... تأملته بحب فأمسك بيدها وقبلها برقة فاحمر وجهها من الحياء مستطرداً بخبث: مش أنا بردو بفتح نفسك للأكل.


    طال صمتها الخجول فأردف بصوت عذب: إيه مالك ساكته ليـه، تهربت منه قائلة بارتباك: يالا كُل بقى أحسن شوية وهتلاقي ماما جايبة الحلويات وجاية وهتزعل لو لقيت الأكل زي ما هوه.


    اقترب من أذنها هامساً: مين قال اني عايز حلويات.... ما الحلو كله قدامي أهوه.


    شعرت بأن قلبها يقرع كالطبل من كثرة اختلاجه بين جنبات صدرها... قائلة بخجل: ياسين أرجوك بقى سيبني آكل ولا مش عايزني آكل.


    فقبلها في وجنتها ووضع ذراعه على كتفيها بحب وأمسك قطعة من الخبز... ووضعها داخل فمها برفق.

    قائلاً لها بمكر: لأ إزاي وأنا بقى إللي هوكل الصغنن بتاعي .... ميهنش عليه اسيبه جعان أبداً.


    تأملته بحياء وهو يضمها إليه ويدللها مثلما الطفل الصغير... فكانت غير مصدقه أنه هو بذات نفسه الذي كان يعاملها بقسوة وعنف من قبل.. وتساءلت هل ستستمر سعادتها تلك أم سيعذبها من جديد.


    مر شهراً واحداً ومازال الوضع كما هو عليه بالنسبة لمهجة وجلال... فأصبح كل منهما مثل القط والفأر.


    لكنها داومت هذه الفترة على زيارة طبيبتها من أجل الحمل وذهابها إلى الكلية من جديد واستعادة ما فاتها من محاضرات وبدأت مذاكرتها بالمنزل.


    كانت تتجاهل وجوده معظم الوقت شاعرة بأنه سينفجر في وجهها من الغيظ من أجل هذا التجاهل وكانت تضحك من شكله المتجهم طيلة الوقت ورغم ذلك يهتم بها إذا ظهر عليها التعب من أثر الحمل.


    جلست في ذلك اليوم تذاكر لكن النوم قد بدأ يتسلل إلى جفونها التي ثقلت... ففوجئت به يقدم لها فنجان من القهوة.

    فابتسمت قائلة بسخرية: انت بنفسك جايبلي فنجان قهوة لغاية عندي... عبس وجهه من سخريتها تلك قائلاً لها بجمود: عادي خابر زين إنك مش فاضية تعمليها.


    فوضعت يدها أسفل ذقنها تتأمله قائلة له بتهكم: واتعلمت تعملها امتى... فتفحصها بضيق قائلاً بحنق: اتعلمتها منيكِ فيه حاجه تاني.


    رمقته بعبث قائلة بمكر: أفهم من كده بقى انك بتراقبني ولا إيه وانا في المطبخ... لم يرد عليها فهو بالفعل يراقبها... طيلة الوقت بالرغم عنه كأنه مسلوب الإرادة،  فقد أصبح يشعر أنه لا يريد أن يفارقها أبداً بالرغم من معاملتها الجافة له طوال الوقت.


    فهب من مقعده داخلاً إلى غرفته شاعره بحيرته وبعذابه... أخرجها من شرودها صوت رنين هاتفها فكان شريف.


    استغربت وبسرعة دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وحدثته قائلة: أيوة بكرة فاضية معنديش محاضرات... فقال لها: طب كويس... تعاليلي بكرة ضروري هنتظرك في مكتبي.


    في اليوم التالي تحججت وأخبرته بأنها ذاهبة إلى الكلية ثم إلى طبيبتها فأذن لها قائلاً: موافج بس متتأخريش... فقالت له بسرعة: لأ مش هتأخر وعندك الأكل في التلاجة  إذا جعت.


    وجدته بانتظارها فرحاً على غير عادته فقالت له بدهشة: هوه في حاجه ضروري أوي كده ولازم أعرفها ولا إيه.


    أشار لها بيده قائلاً: اقعدي الأول وانا هفهمك.... جلست مهجة والفضول والقلق ينهشان قلبها بقوة.


    تحدث شريف باهتمام قائلاً بهدوء: طول الفترة اللي فاتت دي اشتغلت بكذا قضية لغاية ما جاني بلاغ بعصابة كنا مراقبين تصرفاتها من فترة كبيرة بس اللي كان مخلينا ساكتين لهم انهم بطلوا شغل... فاشكينا فيهم ليكونا بيدبروا لعملية كبيرة.


    وطلع شكنا في محله فعلاً ورجعوا بعملية كبيرة جداً من صفقة أطعمة فاسدة ومواد مسرطنة داخلة البلد عن طريق سفينة كبيرة مستوردين البضاعة اللي عليها من برة.


    فقبضنا علي كل العصابة واللي بان لنا من التحريات اللي عملناها انهم هما اللي كانوا ورا إصابة جلال بالشكل ده، وعرفنا كمان انهم كانوا بيدورا عليكي علشان يخلصوا منك انتِ كمان... لانك دخلتي نفسك وسطيهم وقضيتي عليهم.


    شحب وجهها قائلة بانزعاج شديد:- طب هما كانوا عارفني يعني.... ابتسم لها قائلاً: لأ طبعاً لما خبيتي وشك عنهم ده في حد ذاته كان سبب قوي انهم ما يكملوش بحثهم عنك لأنهم مش عارفين معالم وشك... فعلشان كده سابوكي ومدوروش عليكِ تاني.


    تنهدت بارتياح قائلة له: طب ودلوقتي هما عرفوا بإن جلال لسه عايش... قطب حاجبيه قائلاً لها بجدية: لأ لسه معرفوش ومش هنبلغهم دلوقتي بالتأكيد وخصوصاً إنه لسه مريض.


    صمتت برهة بقلق قائلة بفضول: طب وهتعملوا معاه إيه بعد كده... زفر بحرارة قائلاً لها باهتمام: هنخليه معاكِ فترة طبعاً وبعد كده احنا اللي هنتصرف في أمره علشان موضوع فقده للذاكرة ده لازم يتعالج منه بالتدريج علشان الضغط على أعصابه ده مش حلو عليه في ظروفه دي.


    انصرفت من مكتبه منشغلة البال في حديثها معه، وفتحت باب السيارة وركبتها شاعرة بقلقها يتجدد على جلال وفي نفس الوقت اطمئنت أنه سيعالج باهتمام من قِبل عمله.


    جلست خلف عجلة القيادة وقبل أن تديرها... بوغتت بمن يركب بجوارها من الناحية الأخرى قائلاً بجمود: يالا امشي بسرعة.


    جلست والدة جلال في غرفتها شبه معتزلة الجميع من بعد جنازة ابنها المزيفة... وكان زوجها يهتم بها طوال الوقت لكنها أصبحت لا تطيق النظر إليه فهو السبب في حرمانها من فلذة كبدها جلال.


    فقال لها بضيق: لميته هتفضلي مهملاني لحالي إكده... فرمقته بغضب قائلة له بسخط: لسانك ما يخاطبش لساني واصل.

    تنهد بعدم ارتياح قائلاً بهدوء ظاهري: يا حاجه اللي حصل ده آني مليش صالح بيه وانتِ مؤمنة وموحده بالله وكمان جدرنا وياه إكده... فحدجته بلوم قائلة بمرارة: صوح حديتك لكن انت حرمتني منيه... وبجالي كام شهر مشفتوش.


    زفر بضيق قائلاً باستسلام: خابر زين اني حرمتك منيه لكن... آني عملت إكده لمصلحته يا فاطمة مكنتش عايزة يبجى ظالم لبنات الناس.


    بكت بشدة قائلة له: مصلحته إنك تحرمني منيه وتبعده عن أهله وناسه .... مصلحته اني ممليش عيني منيه جبل ما يموت... آه على لوعة جلبي من بعدك يا ولدي.


    ترقرقت الدموع في عينيه تأثراً من فقد ولده الكبير وجاء ليضمها لصدره ويربت على ظهرها بحنان... دفعته بيدها في صدره قائلة له بعذاب: بَعد عني منيش طايجاك.


    لم يغضب من قولها إنما قال لها بحزن: آني مجدر اللي انتِ فيه لدلوك يا فاطمة لأنه ابني وكبيري آني كمان... ثم نادى نور قائلاً: تعالي يا نور إجعدي جنب امك شوي.... وخدي بالك منيها لغاية ما أصلي العصر وآجي.


    في ذلك اليوم استأذن يحيى من حسين بالخروج بصحبة مريم لأي مكان بالخارج فوافق على خروجها بشرط ألا تتأخر.


    فوافق يحيى على هذا الأمر.... لكن مريم لم تكن راغبة بذلك وتحت إلحاح والدتها ما كانت خرجت معه.

    ركبت بجواره بداخل عربته... حدجها بنظراتٍ نارية... فهو لم يراها ولم يسمع صوتها طوال هذا الشهر الماضي.


    حاولت استجماع شجاعتها أمامه.... حتى لا يرى شوقها إليه داخل عيونها ولا قلبها الملهوف للقائه.


    جذبها من يدها بضيق بعد توقف سيارته... ودخل بها إلى مكان ما مطل على النيل وأجلسها أمامه متأملاً لوجهها قائلاً بغضب: كنتِ مستني منك انك تعتذري على اللي عملتيه وبردك عنادك غلبك... وماعتذرتيش ولا فتحتي حتى تليفونك.


    حدقت به قائلة بسخرية: وآني اعتذر ليه إن شاء الله... هوه آني زعلتك في أي حاجه إياك.

    فأمسك بيدها بعنف من على المنضدة قائلاً بحدة: يعني تجفلي تليفونك كل ده مني ومترديش لا على رسايل ولا على اتصالي وتجولي في الآخر انك مزعلتنيش.


    تأوهت بألم من إمساكه إياها بهذا الشكل العنيف قائلة بألم: سيب إيدي الناس بتبص علينا.... فقال لها غاضباً: أحسن خليهم يبصوا وعلشان يمكن تحسي بالنار اللي جوايا منيكِ.


    تأملته بحنق قائلة له باستنكار: انت  السبب وشوف عصبيتك دي هيه اللي مضيعة كل حاجه حلوة بيناتنا.

    تأملها بضيق قائلاً بنرفزة: واحد أخوه الكبير ميت منتظره منيه إيــه ها... إنه يدلع الهانم ويهننها علشان ترضى عنيه.


    شعرت بالإهانة من كلماته هذه فوقفت معترضة كي تنصرف أفضل لها قائلة باستنكار: كفاياك إهانه ليـه عاد، بس اني اللي غلطت إني جابلتك دلوك.


    ضم قبضته بغضب وكاد أن يصفعها أمام الجميع جاذباً إياها بيده قائلاً لها بعصبية: إجعدي مكانك أحسنلك، بدل ما هتلاجي نفسيكي مهزجه بين الخلج.

    جلست على مضض هاتفة به: كمان عايز تخليني مهزجة... طب طلجني يا يحيى... طلجني....!!!


    مر أسبوع آخر وكان الحاج اسماعيل جالساً بمفرده في حجرة المعيشة بعد أن صلى صلاة الظهر في المسجد شارداً في أحوال أهل البيت فمازال الكل حزين ومجروح بفقد ولده الكبير وعمدة البلد... واجواء المنزل كله يخيم عليه الشقاء والحرمان أيضاً.


    فأحوال الجميع قد تغيرت حتى يحيى الذي أخذ طبع شقيقه في عصبيته التي تزداد مع مرور الوقت وانعزال زوجته عنه في حجرتها على الدوام وتركه له بمفرده طيلة الوقت.

    واهتمام نور بها.... والتي ذبلت بفقد أخيها حتى هو نفسه لم يعد كما كان فقد شعر أنه كسر لفقده هكذا في غمضة عين.


    متذكراً قوله لها بالأمس: مش كفاياكِ معاجبه ليه لغاية اكده آني محتاجاك يا فاطمة جنبي وآني في ظروفي دي.


    تطلعت إليه قائلة بحزن: ومين كان جنب ابني وجت ما جتلوه غدر... رمقها باستسلام وغادر الغرفة بعدها شاعراً بمشاعر مختلفة بداخله.


    أتت الخادمة تهرول ناحية غرفة المعيشة الجالس بداخلها مناديه عليه... وملامح وجهها تُنبئ بالكثير والكثير قائلة بلهفة: يا حاج.... يا حاج... الست مهجة جات....!!!


    اتمنى تكون عجبتكم  

    الحلقه الثالثه والخمسون من هنا

    إرسال تعليق