-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه الواحد والستون والخاتمه الاولي

روايه أنا والمجنونة الحلقه الواحد والستون والخاتمه الاولي


     وصل أخيراً الجزء الأول من الفصل الأخير 

     واتمنى الفصل يعجبكم


    رواية أنا والمجنونة 

    الفصل الواحد والستون والأخير: الجزء الأول


    استيقظ الحاج إسماعيل على صوت بكاء زوجته في الصباح الباكر، فالتفت إليها قائلاً بدهشة: مالك يا حاجه عم تعيطي ليــه اكده على الصبح عاد.


    لم تجيبه إنما هبت من فوق الفراش.... مبتعدة عنه وهي يزداد نحيبها، هب هو الآخر وراءها من فوق الفراش بانزعاج قائلاً باستغراب: مش هاتردي عليّ يا حاجه فاطمة.


    حدقت به بضيق قائلة بتذمر: آني مش هتتحدت وياك واصل...إلا لما تجيبلي ولدي اهنه.


    تنهد بضيق وهو يعود أدراجه للوارء ليجلس على الفراش قائلاً بنفاذ صبر: تاني يا حاجه هنتحدت في الموضوع ده كتير.


    ألقته بنظراتها الحارقة هذه المرة قائلة بحدة: ما انت طبعاً راجل وولدك معدش فارج وياك بحاجه واصل، لكن آني اتفلج ولا أشرب من البحر ميهمكشي مني مش اكده..... زفر اسماعيل بغضب هذه المرة.


    قائلاً بحدة: كِيف تجولي اكده... عليّ آني ما انتِ خابراني زين، اشمعني دلوك بتتهميني عاد...بإني معيزش اشوف ولدي.


    اقتربت منه بسرعة قائلة بحنق: أني من ساعة ما عرفت الخبر وجفاني النوم لكن إنت يا أبو العمدة تنام ولا همك ولدك ولا ولده يحيى حتى.


    حملق بها بصمتٍ كبير قائلاً باستسلام: الله يسامحك يا حاجه... في اللي بتجوليه، بس بردك آني هعذرك علشان آني خابر زين إنك موجوعه ومشتجاله جوي.


    همست له بحدة: انت السبب من البداية... حرمتني منيه بسبب مرته مهجة.... ونسيت إنه ولدك... زي ماهو ولدي..


    تطلع إليها بمرارة قائلاً بهدوء مفتعل: يعني عجبك اللي عمله في البنته اللي صغيرة... دي ساعة ما حدتتني كإنها بتحددتني عن واحد غريب عنينا يا فاطمة... مكنتش خابر إن شغله هيأثر على طبعه اكده.


    نظرت إليه باستعجاب وصدمة قائلة بعتاب: بجى انت صدجت حديتها عاد، اكده بسهولة يا حاج.


    هز رأسه بحيرة قائلاً: وهيه عم تكذب ليه عاد، وكانت رايداه معيزاش تطلج منيه.


    أطرقت برأسها باستسلام حزين قائلة بيأس: خلاص يا ابو العمدة ما عدتش عايزة حاجه من الدنيا  شيء واصل غير إني  اشوف ولدي واطمن عليه جبل ما أموت.


    اهتزت مشاعره من الداخل وضمها إلى صدره قائلاً بحنان: اوعاكِ تجولى الكلمة دي تاني واصل، ربنا يخيلكِ لينا ده انتِ الخير والبركة يا فاطمة.


    ذرفت دموعها قائلة بألم: مش هرتاح إلا لما أشوفه جدامي عايزة اشوفه يا حاج.


    ربت على كتفها قائلاً: حاضر يا حاجه أكيد هييجي جريب اهنه زي ما جالنا شريف صاحبه.


    فقالت له بقلبٍ موجوع: أني مش هريتاح جلبي غير لما أشوفه واجف جدامي واطمن عليه بنفسي، ومعاه ولده يحيى تنهد قائلاً: ان شاء الله.. هيحصل وهتملي عينك منيهم كمان لغاية ما تزهجي.


    دخل الدكتور فهمي مكتب يحيى بالمشفى في الصباح الباكر، فوجده يتثاءب بضيق فقال له باستغراب: انت اهنه لغاية دلوك ليه، فقال له بهدوء مفتعل: مخنوج مرديتش أروح البيت.


    عقد حاجبيه باستغراب قائلاً له: ليه بجى حصل حاجه بينك وبين خطيبتك تاني.


    تنهد بحدة قائلاً له بجمود: المرادي مش هيه السبب يا فهمي.... مخنوج من أبوها وأخوها اللي بيجروورا مع نفسيهم اكده اوامر ملهاش عازه عِندي.


    ثم صمت برهةً مقطباً حاجبيه بغيظ مستكملاً: منعوها انها تخرج امعاي وده أثر عليه وعليها.


    ابتسم فهمي قائلاً بحذر: أي حد في مكانهم هيتصرف اكده.... تطلع إليه بسخط قائلاً بنرفزة: انت بتجول إيه يا فهمي... دي مرتي انت ناسي ولا إيــه عاد.


    هز رأسه بالرفض قائلاً: لاه منيش ناسي بس أنتَ نفسيك إذا كنت مطرحهم هتعمل إكده وأكتر.... دي لساتها في بيت ابوها... ومتنساش إن كمان عندينا اهنه في البلد... مينفعش معانا واصل الخروجات والحديت ده عاد.


    تأفف مزمجراً بحدة من حديث صديقه قائلاً بعناد: آني مبعرفش آخد راحتي وياها حتى في الحديت لما بروحلها البيت فجلت نخرجوا سوا وأهي مرتي مهياش غريبة وأظن إن آني أكتر واحد هيخاف عليها وعلى سمعتها، ومنيش هسمح لأي حد يتحدت عنيها بأي حاجه عفشه وده اللي هجوله لابوها وأخوها النهاردة.


    زفر فهمي قائلاً باستسلام: آني مجدر موجفك بس لساتك، مش فاهم جصدي.... وعلى العموم اتحدت وياهم بهدوء، دي لساتها في بيت ابوها بردك، بدل لا جدر الله يرجع في حديته تاني وتبوظ الجوازة.


    اتسعت عيناه بحدة غاضبة قائلاً بنرفزة: ميجدروش يعملوها وإن عملوها منيش مطلجها وهخليهالهم زي البيت الوجف اكده وهرفع عليهم جضية كمان.


    هز فهمي رأسه بتفهم قائلا: خلاص اصبر لما تجعد وياهم وأهي هانت أهوه وفرحكم جرب مع عجيقة ولد أخوك اللي صغير.


    زفر يحيى بحرارة قائلاً بضيق: آديني صابر لغاية ما نشوف آخرتها إيه عاد.


    وجدت مهجة سيارة حديثة الطراز غامقة اللون تعترض طريقها بالعرض بغتةً.


    فاتسعت عيونها بصدمةٍ قوية، متجمدة في مكانها لا تستطيع أن تتحرك.... وودت الهرب بعيداً لكن، عقلها شل عن التفكير في هذه اللحظة.


    أخرجها من هذا الصمت المطبق.... صوت صاحبها يقول بسخرية لاذعة:- المصيبة بتاعتي رايحة فين بدري على الصبح...!!!


    بُهت وجهها كثيراً عندما وجدت زوجها جلال أمامها في عربته... محدقاً بها بنظراتٍ مشتعلة... حاولت مهجة التحرك لكن أطرافها تيبست في مكانها.


    طالت نظراتهما كثيراً، وكل واحد منهم لديه تفكيره الخاص بالطرف الآخر... أخرجها من شرودها هذا متابعة حديثه الساخر بقوله التهكمي: مالك إكده يا مصيبة حياتي، ساكته ليه عاد.


    ما أن استمعت إلى سخريته حتى أطلقت قدميها للرياح في الطريق العكسي... ناحية فيلته.


    هبط من سيارته سريعًا وركض خلفها حتى لحق بها، وأمسكها بقبضته القوية من كتفها لتثبت في مكانها. 


    هاتفاً بغضب: إنتِ مفكرة نفسيكِ هتهربي مني آني يا مهجة.


    ارتجف جسدها بشدة وهي ترمقه بخوف قائلة بصوت مرتعش: ابعد عني... مش عايزة أعيش معاك...


    حاول جلال أن يضبط أعصابه كثيراً بقوله الجامد: مش بمزاجك ... ارجعي واركبي امعاي من سكات، لينا مكان نتفاهم فيه.


    هزت رأسها بقوة رافضة العودة معه قائلة بحدة: لا مش راجعة... وهتطلقني النهاردة كمان.


    اندلعت من عيني جلال بركان من الغضب الكامن بداخله محدقاً بها بنفاذ صبر.


    قائلاً بتهديد منفعل: انتِ خابرة إذا ملجتكيش ماشية جدامي دلوك... هاخد يحيى منيكِ ومعتديش تشوفيه بحياتك ولو مرة واحدة.

     

    تحجرت نظراتها الغير مصدقه ما يتفوه به على وجهه العالي قائلة له بعصبية: محدش هيقدر ياخد ابني مني وحتى لو كنت انت… هروح أبلغ عنك في أي قسم وكده كده القانون في صفي.


    ضحك جلال هذه المرة بسخرية لازعة، على هذه الثقة الكبيرة التي تبدو في صوتها وكلامها إليه.


    قائلاً بتهكم خافت: بجى اكده عايزة تبلغي عني آني يا مصيبة حياتي... مش بجولك مجنونة.


    أزاحت يده من على كتفها وواجهته حتى كادت تلتصق به وهي تشيح بإصبعها في وجهه لولا وجود ولدها.


    قائلة بنرفزة: اسمعني انتَ كويس أوي... أنا لا كنت مجنونة ولا مصيبة في يوم من الأيام ...أنا بس علشان كلامي مش على هواك.


    ضبط جلال أعصابه جيداً متجاهلاً كل حديثها الغاضب هذا، قائلاً بخفوت أربكها: طب بذمتك فيه واحدة عايزة تطلج دلوك من جوزها تجرب منيه اكده.... وناجص تدخل صباعها في عينيه التنين.


    ثم صمت متأملاً وجه يحيى مردفاً بسخرية لاذعة: يرضيك إكده يا يحيى يا ولدي... واحدة تبجى طالبه الطلاج مني دلوك ومن جنانها عايزة تدخل بحضني طب تيجي إزاي دي جولي، ولولاك انت بس اللي مانعها كانت هتبجى متعلجه في رجبتي دلوك زي الطفلة اللي صغيرة.


    تسمرت أطرافها في مكانها، غير مصدقه ما يقوله عليها واتسعت عينيها بغضب شديد وذمت شفتيها بحدة قائلة بعصبية: لا ده انت اتعديت حدودك المرادي أوي.


    قابل جلال كل صراخها هذا ببرود تام مقترباً من وجهها يتأمل عينيها بخبث قائلاً بخفوت: هوه آني جيبت سيرتك دلوك يا مصيبة حياتي.... آني بجول واحده.


    ضمت ابنها إلى صدرها بقوة من كثرة غيظها منه... ولاحظ جلال عليها ذلك فهمس بتحذير: حاسبي ولدي ليجراله حاجه من ورا جنانك ده عاد.


    تنفست بعمق قائلة بسخط: بقولك إيه ملكش دعوة بابني ومش هتبقى أحن عليه  مني... 


    تأملها بنظراتٍ مبهمة هذه المرة قائلاً لها بتهديد صارم: بجى اكده طب امشي جدامي دلوك ومن غير حديت تاني واصل وإلا... صمت برهةً متمعناً في وجهها الممتقع.. ثم أخرج سلاحه من غمده مصوباً إياه ناحية وجهها.


    جحظت عينيّ مهجة بشدة... مشيراً إليها بحاجبيه بأن تستبقه إلى الى عربته في صمت، تسمرت أمامه والتحدي في عينيها.


    فأردف قائلاً بحدة: امشي جدامي بسرعة يالا.. نظرت إليه بازدراء، ثم حدقت بولدها الذي بدأ يستيقظ... محتاجاً إلى الرضاعة.


    فضمت شفتيها بغيظ وضمت ابنها بحنان قائلة بحنق ساخر: شكل بابا اتجنن يا يحيى… اللي كان بيعايب عليه.


    ثم انصرفت أمامه رغماً عنها، حدجها بغيظ هو الآخر ومشي خلفها، استقلت سيارته بجواره وهي تتأفف بضيق وعصبية.


    قاد جلال السيارة بصمت متجاهلاً إياها تماماً، إلى أن استمع إلى صوت آنين ولده يحيى، فانزعج قائلاً بقلق: بيعيط ليه اكده جولي.


    تنهدت بحدة قائلة بتذمر: يعني هيكون بيعيط ليه إلا لسبب انه جاع أكيد وعايز يرضع.


    ضيق حاجبيه بنفاذ صبر قائلاً لها بغيظ: خلاص رضعيه متسيبهوش اكده جعان.


    صُدمت من كلماته قائلة بتوتر: قدامك كده مش هينفع مستحيل، لما نوصل... حدجها بنظراته الغاضبة قائلاً بحنق: هوه ده كمان وجت خناجك وعنادك بردك، بجولك رضعيه.


    فقالت له بحدة: وأنا مش هرضعه قدامك... خلاص قربنا نوصل، واهبقى أرضعه على راحتي.


    ذم شفتيه بنرفزة متطلعاً إليها صائحاً بها: منيش خابر أتعامل كِيف وياكِ حتى هتعندي امعاي لمصلحة ولدنا بردك.


    اختلج قلب مهجة من الداخل في هذه اللحظة، محاولة السيطرة على قلبها الذي يزداد صوت دقاته بكثرة، من أجل كلمته الأخيرة فهذه أول مرة يقول لها ذلك.


    ولم تعد قادرة على اجابته المذهولة من تصرفاتها هذه، اشاحت بوجهها بعيداً وهدهدت يحيى ليصمت، حتى لا يزيد من غضب والده.


    وصلوا إلى الفيلا فهبطت مهجة سريعاً من العربة وهرولت بولدها إلى الأعلى باتجاه غرفتها.... 


    زمجر جلال بانفعال... متأففا من أفعالها وتحديها الدائم له الذي لا ينتهي، ولم ينادي عليها من أجل ولده الجائع الآن.


    دخل إلى مكتبه مجرياً عدة اتصالات خاصة بعمله... بعدها كان الإفطار جاهزاً كما أخبره خادمه سعد.


    قال له جلال بهدوء: جهز السفرة كمان ساعة إكده، اومأ برأسه قائلاً:- حاضر يا سعات البيه.


    صعد جلال إلى الأعلى، فتح باب الغرفة بهدوء دون إستأذان، فوجد ولده نائماً على الفراش، ووالدته واقفةً بالشرفة التي تطل على حديقةً صغيرة شاردة الذهن وهي تعقد ذراعيها على صدرها كأنها تنفصل بفكرها بعيداً عن هذا المكان.


    دون أن تستبدل ثيابها، حتى أنها ظلت بحجابها أيضاً وهي توليه ظهرها دون أن تنتبه لوجوده خلفها.


    ظل جلال يتأملها بصمتٍ كبير... ودقات قلبه تسارعه، حائراً ماذا عليه أن يفعل معها ومع تصرفاتها الحمقاء التي تجعله رغماً عنه يزيد من قسوته عليها... هداه فكره إلى الهدوء نسبياً في التحدث معها... علها تسامحه هذه المرة.


    اقترب منها بخطوات هادئة بطيئة، حتى كاد يلتصق بها من الخلف.... شاعراً بالاشتياق لها كثيراً. 


    شعرت مهجة بأنفاس متسارعة وراءها فارتجف قلبها وجسدها بشدة معاً حتى أنها حاولت الابتعاد عنه لتهدأ من توترها الذي يزيد كلما اقترب منها هكذا.


    لم يترك جلال لها المجال لتفعل ما تريد، إذ احتضنها من ظهرها محيطاً خصرها بذراعيه بقوة، مغمض العينين مستنداً بذقنه على رأسها، يحاول ضبط انفعالاته الداخلية قائلاً بخفوت: هتفضلي مخصماني اكده كتير... ورافضة تتحدتي امعاي.


    شدة مهجة قبضتيها بقوة لتهرب من مشاعرها المتلهفة عليه، مع صرخات قلبها التي تدعوها إلى العفو عنه والصفح، لكنها تماسكت تماسك وهمي قائلة بهدوء مفتعل:- آه ومن فضلك بقى ابعد عني ومتلمسنيش... خليني في حالي.


    لم يبتعد عنها جلال كما أرادت بل زاد من إلتصاق جسدها به بقوة شديدة، حتى لا تفر منه منحنياً بجانب أذنها.... حتى يكون تأثيره عليها أسرع وأكبر.... لهذا لن يتركها تفعل ما يحلو لها.


    شاعرةً بأنفاسه الحاره تلفح جانب وجهها، جف حلقها من شدة هذا القرب، تحاول ضبط انفعالاتها.... حتى أيقظها هو من عذاب قربه لها بهذا الشكل.


    هامساً بصوته الجذاب: وأهون عليكِ اكده يا جلب جلال، امتلكها الاضطراب بقوة في هذه اللحظة، فأغمضت عيونها بقوة حتى تلملم ما تبقى لها من شجاعة لمواجهته قائلة لنفسها بقلق مضحك: وبعدين بقى ابعد عني يا ابن الناس أنا فضلي تكه وأخدك بالحضن.


    طال صمتها أكثر هذه المرة فجعله هذا يزيد من الضغط على أعصابها، هامساً بصوت يغلفه الشوق: بس آني خلاص مش طايج فراجك أكتر من إكده.... اتوحشتك كتير جوي يا عمري.


     شعر جلال بأن ما يفعله للتو أتى بذلك التأثير الذي يسعى لأجله منذ فترة طويلة حتى شعر بذوبان مشاعرها من صدرها الذي يعلو ويهبط بسب ذلك التأثير الذي جعلها كالمخدرة.


    فقد تسارعت أنفاسها وصمتها الطويل هذا جعله يدرك بأن هدفه قد اقترب أخيراً.


    فانتهزها فرصة وأدارها نحوه ببطء.... لاحظ آثار تأثيره على وجهها وشفتيها التي تنتفض لا يعلم أهو شوق أم حزن من نوع آخر في قلبها ويظهر بجلاء على شفتيها.


    وانتقلت هذه الرجفة إلى جسدها الذي يتمسك به بقوة إلى الآن بين ذراعيه... 


    هامسه بصوتٍ معذب: ابعد عني أرجوك أنا خلاص تعبت يا جلال .... تعبت وكفاية أوهام وأحلام عيشتني فيها كفاية... حرام عليك، أنا خلاص عودت نفسي على ان أعيش من غيرك.... سيبني بقى أعيش حياتي زي ما أنا عايزة مع يحيى.


    ابتلع جلال ريقه بقوة وصعوبة متمعناً في داخل عيونها الذي يشعر بأنه يغرق بهما وهي فقط من تستطيع أن تنشله منها.


    قائلاً بنبرة متحشرجه:- إذا كنتِ جادرة تعيشي من غيري عاد اكده بسهولة زي ما بتجولي، ليه ساعدتيني ووجفتي جنبي وأني فاجد الذاكرة... ليه خدتيني بحضنك وحسستيني بالأمان في وقت مكنتش خابر أي حاجه عن حياتي...


     صمت برهةً يلتقط أنفاسه بصعوبة مقرباً وجهه من وجهها متابعاً بهمس:- جوليلي ليه ضمتيني لصدرك وأنجذتي حياتي وكنتِ ممكن جوي اكون ميت دلوك.... قاطعته بوضع أناملها على شفتيه بعفوية.

     


    انتبهت لنفسها بسرعة فأبعدت أصابعها عن شفتيه شاحبة الوجه.. مع اتساع عينيها وهي تحدجه بصدمةٍ قوية...


     إذاً فقد تذكر كل شيء الآن ولم تستطيع الكذب عليه ولا على نفسها أكثر من ذلك، لقد ساعدته فهو أغلى عندها من نفسها هي.... فهو عشقها الأبدي وكل شيء في حياتها.


    فلما وجدها صامته أمسكها وهزها بخفة من كتفيها، مقرباً وجهه من وجهها أكثر.


    ثم عاد عليها كلماته من جديد ليزيد من تأثيره عليها شاعراً بالحرب والصراع بداخل قلبها.


    قائلاً بتساؤل: ما تجاوبي ليه ساعدتيني ودافعتي عني بروحك وكان ممكن يحصلك أي حاجه بسببي، وانجذتي حياتي من شوية العصابة اللي اتفجوا يصفوني في وجت ما كنت راجعلك وناوي أعيش وياكِ... جوليلي ليه مسيبتنيش أواجه مصيري وياهم.


    صرخت به بتلقائية هذه المرة ودموعها الغزيرة تنهمر على وجهها هاتفة: يارتني قدرت على نفسي مقدرتش.... مقدرتش أتفرج عليك وأسيبك لوحدك قصادهم…


    وما أقفش جنبك انت في وقت تكون محتاجني فيه... حتى واحنا مطلقين.. انت بنفسك دربتني على كده ان ما أسيبش الحق يضيع قدام الظلم مهما كان هيحصل ايه.


    ازدرد لعابه هذه المرة بسرعة غير مصدق أنها قد بدأت تخرج عن صمتها اللعين هذا وتفرغ ما في قلبها وجعبتها وتتجاوب معه أخيراً.


    تأملها بحب قائلاً بلهفة: أكيد عملتي اكده علشان لساتك بتحبيني ومش جادرة تعيشي من غيري ولا تستغني عني، هزت رأسها بالنفي الكاذب.


    قائلة بصوتٍ منتحب: لأ قادرة أعيش من غيرك وإذا كنت دافعت عنك فده علشان أخلاقي تمنعني أن أعمل العكس، والتدريبات اللي ادربتها خلتني أساعد أي حد إذا كان في مكانك.


    ظهرت على ملامحه الغيرة الشديدة واضحةً على محياه وتخيله لمساعدتها شخص آخر غيره قائلاً بغلظة هذه المرة: كدابة... كدابة... كل اللي بتجوليه كدب ومن ورا جلبك ودجاته السريعة فضحتك دلوك جدامي آني خابرك زين يا مهجة.


    هزت رأسها بالنفي بسرعة... وانتزعت نفسها من قبضتيه، بالرغم من كذبها بالفعل قائلة بغضب: لأ انت لسه مفهمتنيش صح يا سعات الباشا المحترم... انت إذا كنت مفكر اني ساعدتك علشان خاطر أوهامك دي فتبقى غلطان، 


    وكل الأوهام دي موجوده في خيالك وبس مش أكتر من كده. 


    قالت ذلك وفرت هاربة بسرعة إلى المرحاض وأغلقت عليها الباب من الداخل بإحكام.


    مستنده إليه بكتفها الأيسر واستكملت بكاؤها بصوتٍ حاد... لامس روحه من الداخل، اقترب جلال بخطواتٍ سريعة نحو المرحاض، ناظراً إلى الباب المغلق أمامه بضيق.


    وقف بالقرب من الباب يصتنت إلى صوت نحيبها الذي يتعالى رويداً رويداً.... خشي جلال ليستيقظ ولده من صوت والدته.


    فانتقل ببصره إليه قائلاً لنفسه بحنق: المجنونة هتصحيك جبل ما تحدت وياها... وأجول كل اللي نفسي فيه.


    طرق عليها الباب بقوة... قائلاً بحدة: كفاياك معاندة يا مهجة عاد... فهتفت به غاضبة: لا مش كفاية واتفضل بقى سيبني لوحدي دلوقتي منيش طايقاك ولا طايقة اسمع صوتك.


    تنهد بنفاذ صبر من صوتها الذي يغلفه العصبية العارمة، كاد أن يكسر عليها الباب لكن إذا فعل ذلك لن يوصل إلى هدفه أبداً، شرد بذهنه محاولاً التفكير قليلاً ماذا عليه أن يفعل ويتصرف معها.


    قرر جلال ضبط أعصابه بالقوة حتى تلين له وتسامحه قائلاً بغضب مكتوم: بجى اكده طب على كيفك يا مهجة.


    تهاوت هي جالسة على الأرض وراء الباب باكية أكثر على صوت نداء قلبها الذي يئن وصوت صرخاته تتعالى من الحنين إليه وإلى إلقاء نفسها بين ذراعيه الذي يحتويانها شاعرةً بأمان لم تشعر به من قبل في حياتها. .


    ابتعد جلال عن باب المرحاض متجهاً إلى ولده يحيى، فانحنى عليه وحمله بين ذراعيه، متأملاً لمحياه الصغير، أثناء نومه قائلاً له بخفوت: الحمدلله انك مصحيتش لدلوك من صراخ امك وإلا كنت طربجت الدنيا دلوك جبل ما اتحدت وياها.


    ثم قبله بوجنته برفق واحتضنه جيداً، وغادر به خارج الغرفة.... بعد أن أغلق الباب خلفه بقوة متعمداً ذلك...


    استمعت مهجة من وسط دموعها إلى صوت الباب المغلق، فارتاحت نفسيتها قليلاً، لخروجه من الحجرة.


    هبت مهجة واقفة على قدميها قائلة لنفسها بحزن: لإمتى يا مهجة هتفضلي كده... صمتت قليلاً ثم أستكملت بعناد: لغاية ما هوه يزهق مني ويسبني.


    اتسعت عيونها باضطراب وصمتت عند هذه الكلمة الأخيرة متابعة لنفسها بارتباك: افرض فعلاً زهق وسابك...هتقدري تنسيه وتسبيه بسهولة كده.... وهتعيشي وحيدة من غيره إزاي…. ده انت ما صدقتي أنه رجعلك من تاني.


    فرت هاربة من صوت تفكيرها الداخلي...  وذلك الصراع الذي لن ينتهي… إلى إلقاء المياه على وجهها بكثرة لتنسى قليلاً ما تعانيه.


    غادرت المرحاض... بحذر فسقط بصرها على الفراش الخالي من ولدها يحيى، فانخلع قلبها لرؤيته فارغاً هكذا.


    استبدلت ثيابها على عجل من أمرها، والتي قد ابتلت من الداخل جاءت لتركض ناحية الباب بفزع... انفتح باب الحجرة بوجهها فجأة، امتقع وجه مهجة بشدة عندما تلاقت عيونهم سوياً... 


    وقف يتأملها طويلاً بشكل مبهم وهو يغلق الباب خلفه بقوة كأنه يهددها قائلاً بغموض تام: إياكِ تكوني فوجتي دلوك.


    تراجعت من مكانها للخلف بقلق من كثرة تحديقه بها قائلة بتردد: فين ابني... فين يحيى... وديته فين. قولي….!!!


    رفع حاجبه بدهشة مصطنعة قائلاً بسخرية: ابننا تجصدي مش اكده.


    شجعت نفسها على مجابهته قائلة بحدة: لأ ابني لوحدي يا سعات البيه، زمجر جلال بعصبية هذه المرة


     قائلاً بتهديد: مهجة فوجي زي ما هوه ولدك، فهوه ولدي أني كمان.


    هزت رأسها بالنفي سريعاً، ساخرة منه قائلة باستهزاء: بقى ابنك دلوقتي... لسه فاكر ان ليك ابن، يا جلال بيه.


    رفع حاجبيه بغضب واقترب منها بغتةً قابضاً عليها بقوة من ذراعها قائلاً بانفعال: إنتِ ناسية إنك كدبتي وخبيتي عليّ خبر حملك.... وأني زوجك آخر من يعلم إن عِندي ولد.


    حملقت به بوجه شاحب كصفحةٍ بيضاء، وعينين غاضبتين صائحة به بقولها العصبي: انت السبب... انت السبب في كده... في يوم ما تأكدت إني حامل ولسه هقولك وأفرحك بالخبر زيي بالظبط.... لقيت حضرتك بتردلي الجميل من ناحية تانية...


    وبتكسرني من غير لا رحمة ولا شفقة منك، وطلقتني ورمتني أنا وابنك ولا كأني كنت موجوده بحياتك قبل كده، لدنيا مبترحمش ومصير مجهول الله أعلم بيه ..... 


    انهمرت عبراتها غزيرة هذه المرة وابتعدت عنه أكثر مردفة بغضب: أنا مستحيل أسامحك بعد اللي عملته فيه أنا وابني، مستحيل.... أنا عايزة آخد ابني وامشي من هنا بسرعة.


    استشاط جلال من الغضب لهجومها الشرس عليه، والنيل منه بكلمات تجعله يزيد من قسوته عليها.


    قائلاً لها بحدة: جولتلك جبل اكده كان غصب عني وجتها وكنت مضطر  أطلجك علشان شغلي ورجعتك على طول بعد أسبوع، واوعي تفكري اني رميتك لاه زي ما بتجولي... مجدرش جلبي يعملها ويرميكي واصل ولا ده طبعي ولا دي أخلاجي....


    هزت رأسها نافية غير مصدقة ما يتفوه به قائلة بحدة مماثلة: كل ده كدب... كدب... وكفاية بقى لغاية كده أنا عايزة يحيى وسيبني أمشي من هنا بقى وخليني  في حالي بعيد عنك. 


    اقترب منها بخطوتين واسعتين كأنه سينقض عليها كالثور الهائج، فتراجعت للوراء بتلقائية بذعر وعبراتها تتساقط، ممسكاً إياها من كتفيها ببقسوة.


    قائلاً لها بانفعال: مين فينا اللي كداب دلوك بصي لنفسك اكده ها... بصي وشوفي رعشتك من لمسة يدي وفي الآخر تجولي عني آني اللي كداب، آني عمري ما كنت كداب واصل ولا هكون واستحالة أسيبك من يدي تاني تضيعي بعد ما لجيتك يا مهجة.


    صُدمت من كلماته تلك وتمسكه الشديد بها، فاهتزت مشاعرها من الداخل لوهلةً محملقةً به بنظراتها الزائغة ولم تستطيع التحدث أو تكذيبه فجسدها بالفعل يرتعد للمسات يديه على كتفيها، وكلماته الحانية تخترق قلبها دون هواده الذي يصيح بها أن تغفر له هذه المرة.


    فلما طال صمتها وجدت نفسها بين ذراعيه بغتةً... يحتضن إياها بقسوة قائلاً لها بعصبية:- أني بعشجك يا مهجة بعشجك.... واستحالة اسيبك، وغصب عنيكِ كمان إنتِ ليه لوحدي آني ، مهما تعملي مش هسمحلك تبعدي عني واصل ولا تطلعي من حياتي تاني،


    ولا هتخلى عنيكِ ولا عن يحيى ولدي....وخابر زين إن كل اللي بتعمليه دلوك ده من ورا جلبك وبس وعايزة تنتجمي مني علشان اللي عملته فيكِ.


    أغمضت عينيها وقد بدأ جسدها ينتفض أكثر وأكثر، غير مستوعبة ما يحدث لها الآن ولا حبه الجنوني هذا غير مصدقه أنه يعشقها إلى هذا الحد ولن يسمح لها بالأبتعاد عنه مهما فعلت


    شعر بارتعادها بين يديه فضمها بشدة أكثر إليه ليشعرها بالأمان التي اشتاقت إليه، متيقناً هذه المرة بمدى تأثيره عليها والواضح بجلاء أمام ناظريه.


    هامساً بجوار أذنها: اشتجت لحضنك الدافي.... اشتجتله كتير جوي يا أحلى مصيبة حصلتلي في حياتي، ومتحاوليش تبعدي عني تاني واصل، لأنك مش هتجدري تفارجيني يا روح العمدة، جلبك مش هيطاوعك وهيجفلك المرادي كتير جوي.


    استيقظت نوال بعد أنا نامت نوماً متقطعاً بسبب عصبية ياسين عليها بالأمس، شاعرةً بالضعف من آثار نفسيتها الحزينة من أجل مهجة التي لم تظهر إلى الآن.


    مما أدى إلى تأثير ذلك كله عليها فتعبت أكثر وزادت آلام الحمل عليها، فركضت نحو المرحاض بسرعة قائلة لنفسها: آه تعبانة أوي.... أفرغت ما في بطنها في الحوض.


    وهي تتأوه بشدة، طرقت عليها باب غرفتها والدته ولما لم تفتح لها.... قلقت عليها ففتحت الباب ودخلت فلم تجدها في فراشها فاستمعت لصوت تأوهاتها آتيه من المرحاض.


    ركضت باتجاهه قائلة بفزع: نوال .... نوال افتحي الباب.... مالك يا بنتي، فتحت لها الباب بملامحها المجهدة.


    وكادت أن تهوى ساقطة أمامها على الأرض لكنها لحقت بها وضمتها إلى صدرها قائلة بجزع:- في إيه يا حبيبتي ما كنتِ كويسة امبارح.


    انتفض جسدها قائلة بنبرة مرتجفة: تعبانة أوي يا ماما، وحاسة بدوخه جامدة.


    تنهدت بقلق قائلة بخوف: طب تعالي ريحي على السرير، وأنا هخلي بابا يجبلك دكتورحالاً فقالت لها بلهفة: لأ انا مش عايزة أنا شوية وهبقى كويسة متقلقيش.


    حدجتها بقلق أكبر قائلة بجزع: لأ مش ممكن اسكت شكلك ميطمنش نامي في السرير... وأنا هتصرف.


    تمددت بالفراش، ودثرتها جيداً ثم نادت قائلة: يا مها...يا مها... ركضت الأخيرة نحوها قائلة: نعم يا ماما... فقالت لها بهدوء ظاهري: خليكي قاعدة جنب نوال لغاية ما آجي.


    اومأت برأسها بطاعة فأمسكت نوال بيد أم ياسين قبل انصرافها هامسة: صدقيني يا ماما أنا هكون كويسه متقلقيش اعترضت قائلة بقلق: لا منا مش هستنى لما يحصلك حاجه لا قدر الله ثم انك لازم تتعالجي كويس.... انتِ ناسية سفرك ولا إيه الأسبوع الجاي .


    بعد قليل أتى والد ياسين بالطبيب، وفحصها جيداً ثم كتب لها دواءً بعد أن طمئنهم على صحتها.


    بعد انصراف الطبيب قال والد ياسين: الحمد لله ان الدكتور طمنا عليكِ يا بنتي، بس مهم أوي بكرة إن شاء الله تروحي تعملي أشعة وتحاليل قبل ما تسافري، علشان نطمن أكتر تنهدت قائلة: حاضر يا بابا هروح.


    أتت زوجته بصينية مليئةً بالطعام لتطعم نوال قائلة: يالا يا حبيبتي قومي كُلي لغاية ما يكون بابا جبلك العلاج وتاخديه بعدها.


    زفرت بتعب قائلة: مليش نفس من حاجه خالص يا ماما، هزت رأسها رافضة لحديثها قائلة باعتراض: هتاكلي يعني هتاكلي انت عايزة ابنك ولا بنتك اللي هيشرفنا يطلع ضعيف ولا إيه ده ياسين يموتنا ساعتها.


    ابتسمت نوال ابتسامة باهته قائلة: خلاص حاضر هاكل.... بعد قليل استمعت إلى صوت هاتفها يصدح رنينه العالي، فارتجف قلبها فأمسكت بهاتفها قائلة بدهشة: ياسين مش معقول.


    فقالت لها والدته: طب ردي بسرعة عليه قبل ما يقلق زيادة ومتنسيش تكملي أكلك... ثم رمقت إبنتها قائلة: يالا يا مها سبيها دلوقتي لوحدها.


    غادر الإثنان الحجرة ثم فتحت الهاتف بيدٍ مرتجفة ،بادرها ياسين بلهفةٍ قائلاً بقلق: نوال حبيبتي مالك يا حياتي، أغرورقت عينيها بالدموع... وما لبثت أن أجهشت بالبكاء بمجرد أن استمعت لصوته العذب قائلة بحنين معذب: ياسين حبيبي أنا آسفة أرجوك سامحني... محتاجالك أوي تكون جنبي.


    ضبط ياسين أعصابه وقلبه يخفق بشدة من أجلها قائلاً بجزع: يا قلبي أنا مسامحك أصلاً... بس طمنيني عليكِ الأول بابا قالي انه جابلك دكتور... تعبانة من إيه يا عمري.


    ارتجف قلبها بقلق قائلة بتردد: أنا.... أنا... كويسة متقلقش عليه، تنهد بشوق ولهفة قائلاً بحنان: أمال أقلق على مين إذا مكنتش أقلق على قلبي اللي بعيد عني.


    ارتجفت شفتيها قائلة بخفوت: أنا ظنيت انك لسه زعلان مني ومش هتتصل بيه تاني... بعد اللي حصل بينا امبارح.


    تنهد قائلاً بحب: وأنا أقدر بردو ابعد عن زهرتي الحلوة اللي مزينة حياتي، احمر وجهها قائلة بهمس: ياسين.... أغمض عينيه يستمع لصوتها الرقيق قائلاً بعشق: نعم يا روح قلب ياسين.


    لامست كلماته المحبة قلبها قائلة بخجل: وحشتني أوي يا ياسين، ومش هزعلك تاني أبداً.


    ابتسم ياسين مع اختلاج قلبه قائلاً باشتياق: معقول حبيبة قلبي الصغنن بتقولي الكلام ده ليه أنا.


    توردت وجنتيها بحمرة الخجل قائلة بحياء:- بس بقى متحرجنيش أكتر من كده... ضحك ياسين من هذا الأرتباك الذي يبدو ظاهراً من صوتها.


    قائلاً بمزاح: أسكت إيه دنا ما صدقت نطقتي أخيراً... بكلام جميل زيك كده يا قمر.


    وددت نوال أن تقول له أكثر من ذلك لكن خجلها من متابعة الحديث معه قائلة بهدوء ظاهري: خلاص بقى يالا روح شوف شغلك أحسن.


    ابتسم ياسين ابتسامة حانية قائلاً لها بحب: بس أنا مش هلاقي أحسن منك... إنتِ متعرفيش أد إيه عايز الأيام تعدي بسرعة علشان تكوني معايا.


    تنهدت باضطراب قائلة بتردد: وأنا كمان يا ياسين... شرد للحظات في صوتها وتخيلها أمامه، مطلقاً بعدها قبلة في الهاتف... جعلت قلبها ينتفض ومشاعرها تتذبذب ولم تعد تقوى على التحدث.


    قائلاً لها بعشق: مع السلامة يا عمري هتوحشيني لغاية ما أكلمك تاني بالليل.


    شعرت بعد اغلاقه للهاتف بفراغ كبير سيطر على قلبها.... رغم تحسن مزاجها الآن بعدما حدثته... قائلة بهيام: ربنا يحفظك ليه ياسين.


    كل هذه المشاعر الجياشة من جانبه جعلت مهجة تشعر بأنه إذا تركها سيغشى عليها في الحال... كما هو الحال معه دائماً.


    فمن شدة تأثرها بشخصيته التي لم تقابل مثلها قط في حياتها إلى الآن... تُسبب لها توتراً وفقد لأعصابها، فيغشى عليها في الحال... وبالأخص عندما يظهر لها مشاعره.


    أبعدها جلال عنه قليلاً مستنداً إلى جبهتها قائلاً بصوت خفيض:- مهجة متهملنيش لحالي آني رايدك جوي... يا اما...!!! 


    شعرت بكلمته الأخيرة في باطنها تهديد ما معين.... جف حلقها لذلك هامسة بنبرة مهزوزة: يا إما إيه...!!!


    تفحصها طويلاً ثم تحدث بصوتٍ يغلفه التحذير:- يا إما هسجنك اهنه غصب عنيكِ، ومش هتشوفي حد غيري آني وبس حتى الشمس مش هتشوفك واصل... لحد ما تعجلي.... وتجولي حجي برجبتي.


    ثم صمت يتمعن في محياها المصدوم مردفاً بنعومة أذابتها: جولتي إيه يا مهجتي... ولا أجولك يا أجمل مصيبة في حياتي وجعت في حبها.


    اهتزت جميع جوارحها لكلماته الذي جعلها لا تدري أهي ناقمةً عليه أم سعيدة من أجل تمسكه بها بهذه الطريقة المجنونة.


    وجدت نفسها تنقض عليه وتقبض بيديها على مقدمة قميصه قائلة بحدة: ده واضح كده إن مش أنا بس اللي مجنونة لوحدي وطلع الباشا الكبير كمان أجن مني بســ.... قاطعها جلال بقبلةً قوية فجأةً محتضناً إياها إلى صدره..... 


    شاعراً بشتى المشاعر التي تتداخل وتختلط مع بعضها البعض محدثةً... صراعاً قوياً بداخله لا يستطيع وصفه الآن..... سوى ذلك الاشتياق الذي ينمو ويتكاثر في كل ثانيةً ودقيقة نحوها.

     


    تيبست هي بين ذراعيه كالمخدرة... حتى شعرت بأن نبضها توقف هو الآخر عن الخفقان، ولم يبتعد عنها إلا ليرى مدى تأثير قبلته عليها... متفحصاً وجهها وشفتيها التي تنتفض... من المفاجأة.


    فأشارت إليه بإصبعها هامسة هي باضطراب العفوي: إنت.... إنت... بوستني صح ... ولا أنا بحلم.


    فهز جلال رأسه ببطء غامض لا تعرف إجابة سؤالها المضحك هذا.


    متابعة بتردد مضحك: طب... طب... بس... أنـــ....  جعلها جلال تبتلع باقي جملتها في قبلةً أخرى أقوى من الأخرى لتدرك بأنها لا تحلم كما تخيل لها الآن.


    فذابت قلوبهم مع أنفاسهم المتسارعة... بمزيجٍ من الشوق واللهفة هامساً هو بقوله الناعم:- صدجتي دلوك إنك مش بتحلمي.


    هزت رأسها ببلاهة وشرود ذهن بالموافقة قائلة بعفوية:- انا مش بحلم... طب ابعد كده... فاستعجب من كلماتها عاقداً حاجبيه باستفهام.


    لكنها لم تترك له مجال للتحدث ليسألها لماذا تريد ذلك، مستكملة حديثها قائلة بتلقائية مضحكة: وسع كده... وسع الطريق علشان الهوا... أنا أكتر من كده وكفاية أوي مش هقدر أعصابي مش متحملة رومانسيتك دي تاني اللي مش واخده عليها... ولازم يغمى عليه دلوقتي… واتصلي على الإسعاف ينوبك ثواب ينقذني.


          

    يمنى عبدالمنعم 

    الخاتمه الثانيه من هنا

    إرسال تعليق