-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه الخمسون

روايه أنا والمجنونة الحلقه الخمسون


     أنا والمجنونة

    الفصل الخمسون: بداية الأنتقام 


    كاد قلبها ينخلع من مكانه عندما استمعت إلى صوت تأوهاته المؤلمة… فتلاقت أبصارهم لثوانٍ معدودة متفحصة لوجهه بهلع وفزع… قبل أن يُغشى عليه ويلفه الظلام من حوله قائلاً بضعف: العينين دي شفتها جبل إكده….!!!


    اتسعت عينيّ مهجة بصدمةٍ كبيرة وكأنها في كابوس ثم صرخت بلوعة وهي تتحسس وجهه تارة وكتفه المصاب تارةً أخرى قائلة له بعذاب:- جلالالالالال….جلالالال …. فوق يا جلال اوعى تموت وتسيبنا أنا وابنك يا جلالالال… فوق يالا… متسبينيش...!!!!


    فلما وجدته لم يستجب لها… أخرجت هاتفها من جيب بنطالها بلهفة قائلة بسرعة: 

    دكتور هشام الحقني… الحقني بسرعة… أرجوك …  حاضر هبعتلك العنوان في رسالة… بس اوعى تتأخر أرجوك.


    تلفتت حولها بهلع شديد وترقب، كي تستنجد بأي شخص آخر…. يحمله معها إلى 


    منزلها….فوجدت حارس البناية يهرع صوبها، قائلاً بتساؤل: فيه إيه… ومين اللي عمل كده.


    أسرعت تجيبه بحدة: مفيش وقت تسأل…. بسرعة شيله معايا نطلعه فوق عندي.


    مدده الرجل على الفراش برفق…. وجلست بجواره تنتحب بشدة من هول منظره الضعيف أمامها وهو غائب عن الوعي…. والتي لأول مرة تشاهده بمثل هذا الضعف المؤلم، فأتت بقماش نظيف توقف به نزيف ذراعه…. إلى أن جاء الطبيب.


    أتم الطبيب فحصه  وأسرع بإخراج الرصاصة من ذراعه بمخدر موضعي فهذا هو المتاح له الآن وتضميده جيداً…. وساعده على ذلك فقدانه للوعي… 


    ثم فحص رأسه أيضاً وأتم تضميدها من الخلف فأسرعت قائلة له بلهفة: عامل إيه يا دكتور….  فأجابها بآلية: هنحطه تحت الملاحظة… لمدة أربعه وعشرين ساعة وإذا لقينا حالته مستدعيه المستشفى بعد هطلبله الإسعاف بنفسي.


    تصبب جبينها من العرق من الخوف عليه  محدقةً به فاطمئنها الطبيب قائلاً لها: اطمني الحمد لله الرصاصة مكنتش جوه الجلد أوي وإلا كنت نقلته المستشفى على طول…. أما راسه بقى هنشوف تأثير الخبطة عليها بعد ما يفوق بإذن الله ونعمله الإشاعت اللازمة ودي هطمنا أكتر عليه.


    انتفض قلب والدة جلال بقلق كبير وهبت من نومها فزعه…. قائلة بهلع: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…. استيقظ زوجها اسماعيل على صوتها المفزوع هذا.


    قائلاً بتساؤل: مالك يا حاجه….؟ تنفست بصعوبة قائلة له: مخبراش يا حاج… بس جلبي مجبوض منيش خابرة ليه اكده.


    تنهد هاتفاً بها: طب اشربي المايه دي اكده وبعدها نجوم نصلي الفجر.


    تناولت منه كوب الماء قائلة له بحزن: ارجوك ياحاج عايزة اطمن على ولدي بجالي كتير جوي مشفتوش وآني منيش مطمنه.


    زفر اسماعيل بضيق قائلاً: وبعدهالك يا فاطمة احنا مش جولنا نجفلوا على دي سيرة… فقالت له برجاء: لاه يا حاج مجدرش أجعد ده كله مشفهش…!!!


    رمقها بغيظ قائلاً لها بدهشة:- هوه مش لساته متحدت معاكِ من يومين…!!!

    فقالت له بقلق: صوح… بس بردك عايزة اشوفه واطمن عليه…. ومتحرمنيش منيه أكتر من اكده.


    شعر بالغضب من حديثها قائلاً بخشونة: وآني من ميته برجع في حديتي يا حرمه…. آني جولتها كلمة مش هيرجع إلا ومعاه مرته.


    ثم تركها ودخل إلى المرحاض…. للإستعداد لصلاة الفجر بالمسجد.


    تنهدت فاطمة بحزن من قرار زوجها الذي يظلمها بعدم رؤية ولدها والإطمئنان عليه.


    جلس اسماعيل داخل المسجد برفقة ولده يحيى… الذي حدجه بتساؤل قائلاً له: مالك يا ابوي… شارد ليه اكده.


    هز رأسه بشرود قائلاً: امك يا دكتور مفيش غير سيرة العمدة على لسانها.


    قطب حاجبيه قائلاً: معاها حج يا ابوي…. شوف بجالها جد إيه مشفتوش واصل.


    رمقه بنظرات غاضبة قائلاً له: حتى انت يا دكتور هتيجي في صفها… وتسيب البنت المسكينة اللي طلجها اكده غدر ومن غير سبب.


    تنهد يحيى قائلاً له: لاه يا ابوي… العمدة مش هيعمل اكده غير لما يكون فيه سبب… وسبب جوي كمان.


    صمت شارد الذهن قائلاً بضيق: أول مرة يتصرف تصرف ميعجبنيش واصل… طول عمره كبيره… وعمره ما خذلني واصل… لكن المرادي خلى رجبتي كيف السمسمة…. يوم ما طلج مرته. 


    ربت يحيى على يد والده قائلاً له: متجولش اكده يا ابوي هوه عمره ما هيخذلك واصل… وفي الآخر هوه ولدك وكبيرك ومرجوعه لاهنه… مهما طال بُعده عنينا.


    لم تنم مهجة جيداً بسبب مراقبتها لجلال الذي لم يفيق إلى الآن.


    جلست بجواره بعد أن أتت بمقعدٍ على مقربةً من الفراش… تأملته بمزيد من الوجع والحرمان، فقد بدى على محياه… أنه قد تغير قليلاً… ولكن لماذا هذا التغيير الذي حدث هل لإنه ابتعد عنها أم أن عمله هو السبب.


    صمتت برهةً من الوقت رافضة أن يكون تغييره بسبب طلاقها منه وابتعادها عن حياته هو السبب.


    لهذا تنهدت وهي تقترب بوجهها منه وتنحني ناحية رأسه قائلة بحيرة: ليه يا جلال تعمل فينا كده… للدرجادي هُنت عليك تطلقني…


    ثم أغمضت عينيها تحاول حبس دموعها أكثر من ذلك… مستكمله حديث نفسها قائلة بلوعة:-

    بس أنا بقى مهنش عليه أسيبك تموت قدام عينيه وصحيح انقذتني في الآخر…. بس نسيت كل حاجه عملتها وافتكرت بس حبي ليك.


    ظل جلال طوال اليوم نائماً من تأثير ما حدث مما جعلها تشعر بخطأوها في أنها لم تذهب به إلى المشفى.


    كانت قد أعدت طعام صحىّ مثلما أبلغها الطبيب لكنه لم يستيقظ إلى الآن…. فها قد أقبل الليل وأسدل خيوطه على جميع الأرجاء… ولم يتململ حتى…. فقامت بالإتصال على الطبيب لتخبره بما حدث.


    لكنه أخبرها بأن الوقت المحدد لم يمضي بعد لهذا اطمئنت قليلاً بالرغم من شدة خوفها عليه.


    فحدقت به مهجة بنظرات قلقه ثم نظرت إلى ساعة يدها لترى كام ساعة متبقية على استيقاظه قائلة لنفسها بتساؤل: يا ترى يا جلال جاي ليه... وعرفت مكاني ازاي.... وياترى لما تفوق هتعمل معايا ايه.


    جلست بجواره على الفراش هذه المرة تتأمل محياه المجهد متلمسة شعره برقة.... عندها لمعت عيونها بالدموع... هامسه له بوجع: على الرغم اني قررت انتقم منك.... الا ان أول ما شفتك كده مقدرش قلبي يقسى عليك.... ويسيبك تموت... وخصوصاً ان جوايا حته منك كل يوم بيكبر عن اليوم اللي قبله...


    تململ في نومه قليلاً فأبعدت يدها سريعاً عن شعره فاتنهدت بارتياح.... لبداية استعادة وعيه.


    راقبته عن قرب فبدأ يجاهد لفتح عينيه قائلاً بألم: عايز أشرب.... عايز مايه.


    أسرعت مهجة في إتيان كوب مياه من جوار الفراش.... واقتربت منه لتساعده على الإرتشاف وهي تسنده الى صدرها برفق من وراء كتفيه بحرص... من المياه.


    ارتشف جلال القليل.... قائلاً لها دون وعي: متشكر جوي...


    حدجته بصمت ولم ترد عليه... ثم قاومت قلبها بالإبتعاد عنه... لكنه قبل أن تبتعد بعيداً.... تمسك بيدها بين قبضته السليمة قائلاً بضعف مؤلم: هوه إيه اللي حُصل.... وإيه اللي جبني اهنه... 


    أتسعت عينيها تحاول ضبط أعصابها أمامه متسائلة بصدمة: معقول مش فاكر إيه اللي حصل ... ولا.... قاطعها بصوت متألم قائلا بخفوت: راسي وجعاني جوي.... 


    فلما طال تحديقها به دون اظهار أي رد فعل منها له..... همس جلال وهو يجاهد لتأملها ببصره جيداً بقوله المتساءل الحائر: إنتِ مين.....؟


    جلست نوال بغرفتها تتفحص الثياب الذي أتى بها ياسين بالأمس لها فقد خرجوا سوياً لشرائها بالرغم من عدم رغبتها بذلك.


    إلا أن والدته تحدثت إليها قائلة لها: اسمعي كلامه الفترة دي يمكن يتغير فعلاً وهوه زيه زي أي عريس بيبقى مضغوط فهتلاقيه متعصب فاستحمليه طالما بدأ يتغير وساب كمان اللي اسمها نهى دي…. ده احنا ما صدقنا انه سابها أخيراً.


    صمتت لاتعرف بأي شيء تجيبها سوى أنها أومأت برأسها بالموافقة.


    وذهبت بصحبته بدلاً من معارضته التي لا جدوى لها.


    تناولت ثوباً جديداً لقياسه… بدلاً من كثرة شرودها به…  ما لبثت أن استمعت  لصوت طرقات سريعة على الباب فخفق قلبها، يخبرها بأنه هو…. 


    فأسرعت تركض نحو المرحاض حتى لا يراها بالثوب الجديد….. ولم تجيبه حينما ناداها مندهشاً.


    ففتح ياسين الباب وبحث بعينيه عنها داخل الغرفة… فلم يجدها فزاده ذلك غضباً.


    فاتجه صوب باب المرحاض المغلق…. وطرق عليه بقوة قائلاً بنرفزة: نوال… فأغمضت عينيها بقلق…. تتساءل كيف ستخرج له هكذا.


    فلما طالت غيبتها مع صمتها… فقال لها بعصبية: نوال افتحي الباب بدل ما افتحه أنا.


    تنهدت بارتباك وتنفست بعمق لتواجهه بهذا الشكل.


    فتحت الباب بتردد وقلق…. فوجدته في مواجهتها بوجهه الغاضب.


    صُدم ياسين من منظرها وهي ترتدي أحد أثوابها الجديدة…. ابتلع ريقه عندما تفاجىء بها.


    وهو يراها ترتدي منامة رقيقة للنوم… ارتجف قلبها من كثرة هذا التحديق… ولم تقوى على الرد.

    احمر وجهها من الخجل وأسرعت بإمساكها مقدمة منامتها باضطراب.


    شعر ياسين بالغيظ من فعلتها لكنه رغماً عنه تجاهلها بضيق.


    وحاول التركيز قليلاً عله يتذكر لماذا أتى باحثاً عنها…. فلما وجدته صامتاً.


    أجبرت نفسها على التحدث قائلة بارتباك: كنت عايز حاجه يا ياسين…!!


    تأمل عينيها طويلاً ثم تحدث قائلاً بضيق: ما لبستيش ليه لدلوقتي.

    أشاحت ببصرها بعيداً قائلة بهدوء ظاهري: مليش مزاج أخرج ولا ده كمان هتغصبني عليه...!!!


    أمسكها ياسين من معصمها الآخر قائلاً لها بحدة: نوال اتعدلي فرحنا قرب ومش عايز أزعلك.


    ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة بحنق: لأ زعلني منا خلاص أخدت منك على كده من أول مرة شفتك فيها..


    تنهد ياسين بنفاذ صبر قائلاً لها بهدوء مخيف: طب ممكن أعرف مزاج حضرتك ماله.


    صمتت ولم تجيبه فحدجها بنظرات طويلة غاضبة... فقالت له بتردد: انا عايزة أقعد لوحدي.... قاطعها بحدة: كل ده علشان مهجة مش كده....!!!!


    بُهتت نوال ولم تقوى على الرد فقربها من صدره بقوة أكثر مردفاً بغيرة:- انتِ مش ملاحظة انك بتفضليها عليه في أي حاجه.


    تطلعت إليه بغضب قائلة بحنق: لإنها كل حاجه في حياتي يا ياسين.... ربتني ووقفت جنبي في عز ما أهلي اتخلوا عني من وأنا طفلة.... كانت ليه السند في أي وقت كنت محتاجاها فيه.... صرفت عليه في عز ما كنت مش لاقيه لا لبس ولا لقمه أكلها.... وعلمتني كمان في المدرسة كإني أختها، ولو استغنيت عن الناس كلها عمري ما هستغنى ولا هتخلى عنها أبداً مهما تعمل.... ها تحب تعرف إيه تاني.. قولي.


    صُدم ياسين من حديثها... شاعراً بالغيرة والغضب ينهشان قلبه ثم قطب حاجبيه بحنق قائلاً لها بجمود: وانا فين من كل ده....!!!


    تجمدت نظراتها الأليمة على محياه الوسيم قائلة له بمرارة: إنت العذاب يا ياسين....!!!


    انعقد حاجبيه بحدة متعمداً تجاهل تلك العبارة البغيضة الذي تفاجىء بها قائلاً لها بعبوس: إجهزي وغيري لبسك بسرعة وانا مستنيكِ برة.


    ثم تركها وغادر الغرفة… صافقاً الباب خلفه بقوة… وجد والده أمامه قائلاً له بعتاب: انت عمرك ما هتتغير ابداً.


    تمالك أعصابه قائلاً له: بابا أرجوك أنا تعبت من تصرفاتها دي.

    تنهد قائلاً له: يابني مش كده راعي فرق العمر بينكم دي لسه صغيرة وعايزة تعامل أحسن من كده… وخصوصاً انها طوع في إيدك لغاية دلوقتي… وخلي بالك ممكن تتغير بعد كده والتغيير ده هيبقى انت السبب فيه.


    ركن ياسين بسيارته أمام أحد المطاعم الأنيقة بعد شراءه بعض حاجيات نوال.


    قائلاً لها:- انزلي… نزلت نوال تستغرب ما يحدث قائلة له بدهشة: انت ليه جايبنا هنا…. فابتسم بخبث قائلاً لها: بس انزلي الأول وانتِ هتعرفي.


    دخلت معه فوجدت منضدة محجوزة من قبل بأسمائهم فذهلت من هذه المفاجأة غير المتوقعة من جانبه.


    فتمسك بيدها واتجه بها إلى المنضدة الصغيرة…. أجلسها هي أولاً ثم جلس أمامها يراقب ملامحها المصدومة والتي تتأمل المكان حولها بإعجاب زائد.


    قائلاً باتساؤل:- ها إيه رأيك في المكان عجبك… توردت وجنتيها قائلة: جميل أوي عجبني.


    فمد يده وتمسك بقبضتها قائلاً بخفوت: يعني مبسوطة…. انك معايا هنا.


    طالعته بتردد وخجل قائلة له بحياء: طبعاً فرحانه…. و… منعها خجلها من عدم تكملت جملتها.


    فابتسم ياسين لبراءتها التي لم تمحوها الأيام القاسية التي مرت بها معه أو من قبل ذلك.

    فأسرع بطلب الطعام لهم.


    بعد سهرته الجميلة معها وصلت سيارته أسفل المنزل…. والذي رغب في امتداد الوقت أكثر من ذلك.


    جاءت لتترجل من عربته وتفر مسرعة من كثرة تحديقه بها.


    لكنه أوقفها وتمسك بيدها بقوة ليمنعها من الهروب… جاذباً إياها ناحية صدره هامساً بشوق: أد كده عايزة تهربي مني بالسرعة دي…!!!

    ازداد سرعة تنفسها أمام وجهه بعدم انتظام لقربه هذا قائلة بخفوت: وأنا ههرب ليه… أنا بس حاسه اني نعسانه شوية.


    تأمل شفتيها التي تنتفض من الخجل والتوتر… فلم يستطع منع نفسه من أن يقترب أكثر هامساً بصوت متحشرج: يعني معقولة كده هتنامي بسرعة من غير ما تفكري فيه.


    شعرت نوال إذا لم تبتعد عنه الآن ستخر ساقطة بين ذراعيه مغشياً عليها من الخجل… قائلة له بسرعة: بجد يا ياسين أنا…. لم يمهلها الوقت لاستكمال عبارتها إنما فوجئت به يقبلها بعمق ونعومة أذابتها بين ذراعيه التي تحتويها كاكنز ثمين.


    وجعلته هو الآخر في عالم وردي يحلم به دائماً متمنياً أن تظل محاصرها هكذا على الدوام.


    ابتعد عنها أخيراً… هامساً بتحذير: إياك بعد كده تبعدي عني…. وملائكيش جنبي مش عارف ساعتها أنا هعمل إيه فيكِ وقتها فاهمة.


    حدقت به مصدومة من نظراته وهمساته تلك وتملكه لها بهذه الطريقة الخاصة به هو قائلة له بخفوت وخجل: فاهمة ممكن بقى تسيبني دلوقتي…. فهمس أمام شفتيها قائلاً بمكر: لا طبعاً مش هسيبك إلا بمزاجي.


    صعدت نوال إلى حجرتها وهي تبتسم بهيام لنفسها مغلقة الباب خلفها…. شاعرةً بأنها  تحلق وتطير في عالم خيالي مثل أميرات الأساطير… بسبب ما يظهره لها من مشاعر جياشة نحوها.


    متذكرة قبلته الناعمة في فمها على الدرج وهم يصعدون إلى منزل والدته وهو يحاصرها بذراعيه بغتةً ويلصقها بالحائط وراءها بقوة حتى لا تهرب منه….


    ولولا إلحاهها بتركها ليراهم أحداً من أهل البيت ما كان تركها بهذه السهولة وتوعدها بعينيه بأنه لم ينسى لها هذا الموقف… وسيظل متذكراً له وسيعاقبها عليه….. وهذه هي المرة الأولى التي لم تقلق من تهديده لها… بل شعرت بأنها لا تريد تركه أبداً وأن تظل معه للأبد.


    ضرب بقبضتة بعنف على مكتبه قائلاً بغضب: يعني إيه حتة بنت لا راحت ولا جات تعمل فيكم كده، تموت اتنين... وتصيب تلاته وتعمل فيهم عاها مستديمة.


    ارتبك الرجل للحظات ثم حدق به بإحراج قائلاً بهدوء حذر: معرفش أنا كنت واقف من بعيد أراقبهم، ومرضتش أتدخل زي ما قولتلي.... قاطعه بغلظة شديدة قائلاً: ويا ترى بقى عرفت مين دي.


    تنهد قائلاً بتوتر : الحقيقة لأ معرفتهاش كان الجو ضلمة وقتها وكانت مخبية وشها فاعلشان كده منعرفش عنها حاجه، ده غير إنها ظهرت فجأه في المكان...


    فصرخ به قائلاً بانفعال: علشان انت غبي ومشغل ناس أغبى منك معاك، لازم تعرف لي البنت دي مين وبسرعة.


    فدافع الرجل عن نفسه قائلاً له بارتباك: بس أنا أؤكد لك إن أكيد زمانه مات.. و... فقاطعه بغضب: أنا مش هعترف بكده طالما مشفناش صوره في الجرايد إنه مات ولا سمعنا خبر بيؤكد الكلام ده علشان كده إحنا لازم نشوفه ونخلص عليه في أسرع وقت.


    شحب وجه مهجة من كثرة صدمتها من سؤاله الحائر وارجعت السبب إلى أن عينيها فقط الظاهرة أمامه.


    فقالت له بارتباك: أنا... أنا واحدة أنقذت حياتك... ضيق حاجبيه بعدم فهم قائلاً لها بحيرة: أنجذتي حياتي من إيـه....!!!


    زفرت بارتياب من حديثه قائلة لنفسها: معقول يكون فعلاً ناسي إيه اللي جراله ولا بيمثل عليه النسيان.


    أخرجها من شرودها صوت تأوهاته من الألم  وكان سيهب من مكانه فأسرعت إليه ترجعه بيدها برفق من كتفه المعافى قائلة بلهفة: لأ خليك مرتاح دلوقتي أحسن.


    أغمض عينيه بتعب قائلاً لها بإرهاق: منا لازم أعرف أنا إيه اللي حصلي... لأن مش فاكر أي حاجه واصل.

    انتبهت مهجة لجملته الأخيرة قائلة لنفسها بجزع: معقول يكون فقد الذاكرة.... لا  لا استحالة يكون ده حقيقي... أمال أنا هنتقم ازاي منه.


    فقالت له بقلق: طب بس ارتاح دلوقتي وأكيد هتفتكر كل حاجه بعدين، أنا هروح أجبلك أكل تاكله لأنك أكيد جعان.


    تركته مهجة بسرعة قبل أن يعترض عليها....وقفت في المطبخ وهي تضع يدها على قلبها من كثرة خفقاته المزعجة لشدة هذا القرب وبهذا التحول أيضاً الذي يحدث له... فهي لم تعتاد على رؤيته بهذا الشكل المرهق.


    وفكرت ماذا ستفعل وتتصرف معه، فلابد أن تخبر الطبيب كما أخبرها وبسرعة هاتفته قائلة بلهفة: دكتور هشام الحقني... حاضر هحكيلك كل اللي حصل.


    بعد أن انتهت من حديثها قال لها باهتمام: طب راقبي تصرفاته لغاية ما هجيله بكرة إن شاء الله وهشوف هنتصرف إزاي معاه وعلى فكرة أنا مبلغتش الشرطة زي ما طلبتي مني مادام يهمك أمره أوي كده وخايفة عليه.


    ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة له باضطراب: شكراً يا دكتور هشام وأنا هبقى أكلمك بكرة بإذن الله.


    خفق قلبها بقلق بعد اغلاقها للهاتف تفكر... بأن هؤلاء المجرمين لن يتركوه بسهولةٍ هكذا لابد من أنهم سيحاولون القضاء عليه نهائياً هذه المرة.


    فهزت رأسها بالنفي قائلة بحزم: استحالة ده يحصل.... اطمن يا جلال عمرهم ما هيلمسوك تاني طالما أنا موجودة... واذا كان على انتقامي منك... فده شيء تاني خالص وخلاص هنفذه وبكل سهولة كمان.


    وقفت أمامه بصينية الطعام... ووضعتها على المنضدة القريبة منه ثم اقتربت تساعده على الجلوس في فراشه ليأكل.... ويتناول دواءه.


    وضعت وراء ظهره وسادة وبدأت تساعده بيدها برقة على تناول الطعام بقلبٍ مرتجف، فبدأ ينصاع لها بضعف عام لجسده.


    رمقته بتوتر وهي تناوله الطعام لفمه ببطء، ظلت تطعمه بيدها إلى أن بدأ يشعر بعدم رغبته في تناول الطعام قائلاً له: كفاية اكده آني شبعت.

    لم تعارضه مهجة وأتت بعلاجه ليتناوله... وساعدته مرةً أخرى على النوم بالراحة في الفراش وهي تنحني عليه شاعرة بعذاب قربه لها.


    فنام سريعاً من أثر ذلك الضعف العام الذي يعتريه والأدوية المساعدة على ذلك، وجلست بالقرب منه تتمسك بيده بين قبضتيها محدقةً به بحيرة وعذاب من جديد.


    قائلة لنفسها بجزع: عايزاك تخف بسرعة علشان ابننا يا جلال.... ثم قاطعت كلماتها بقلب كموجوع وأردفت باعتراض: لا يا مهجة لا إوعي تضعفي ناحيته تاني... مش معقول بعد كل اللي عمله فيكِ خايفة عليه بالشكل ده.


    مر يومان آخران عليهما وكانت قد تناولت من جيب بنطاله مفاتيح سيارته وخبئتها في مكان ما حتى لا يتتبع هؤلاء المجرمين مكانه عن طريق وجود عربته بأسفل البناية.


    ولكن قبل إخفاؤها فتشتها جيداً وتناولت منها حقيبة أسلحته الخاصة به وأخفتها بداخل حجرتها.... ومن حسن حظها أنها وجدت حقيبة مملؤة بثيابه المنوعة ما بين... الشخصية والخارجية، فحملتها معها أيضاً.


    وأشياؤه الشخصية هويته وكل ما يتعلق برخصة قيادة سيارته وأوراقه الخاصة إحتفظت بها أيضاً في خزانتها وتركت السيارة تكاد تكون فارغه من أي هوية لديه وطمئن قلبها لذلك.


    اعتذرت لمدربتها في ذلك اليوم عن الذهاب لمدة أسبوع واتحججت بسبب ظروف حملها... فصدقتها المدربة وبهذا الشكل ستتفرغ له أكثر والاعتناء به جيداً.


    انتهت من صنع الطعام في ذلك اليوم وفوجئت به واقفاً في الشرفة يتأمل المكان حوله بحيرة وتساؤل... فأسرعت إلى إدخاله متعللة بتعبه فحدق بها وتساؤلات كثيرة تدور بداخل خلده وبعينيه أيضاً تلاحقها فأسرعت تقول له بلهفة: أنا جبتلك الأكل يالا علشان تاكل وتاخد علاجك.


    زفر بضيق قائلاً لها بحدة: مليش نفس من الوكل دلوك عاد فاعترضت قائلة له باستنكار: لأ لازم تاكل إذا كنت عايز تخف بسرعة.


    انفعل عليها وافكاره تتزاحم بداخل عقله قائلاً لها بغضب: ازاي يعني عايزاني آكل وآني في ألف سؤال وسؤال بيدور في دماغي ومنيش فاكر أي حاجه واصل إلا اسمي وبس ويمكن يطلع غلط كمان.


    رمقته بثبات انفعالي هامسة بحزم: أكيد هتفتكر كل حاجه بعدين بس اقعد الأول وكُل واسمع الكلام يالا.


    اقترب منها قائلاً بعصبية: حتى انتِ مش خابر انتِ مين ولا إسمك إيه حتى وطلعتيلي منين كل ده مخبرش عنيه حاجه واصل ومش فاكره، انتفض قلبها بين ضلوعها وابتلعت ريقها بصعوبة.


    قائلة له بجمود: مش مهم تعرف أنا أبقى مين المهــ... قاطعها باستنكار وعقله مشوش قائلاً بضيق: لاه لازم ابجى خابر آني بتعامل وعايش ويا مين... وابجى خابر اسمك كمان... دنا لغاية دلوك مشفتش وشك.


    ارتجف قلبها عند جملته الأخيرة ولم تقوى على النطق... فالتصق بها جلال بتعب غاضب وهو يواجهها وتلاقت أبصارهم بعتاب صامت قائلاً لها بلوم: حتى ده مستكتراه عليه إني أعرفه.


    حبست دموعها عنه مغمضةً عينيها وارتجف جسدها لملامسة جسده لها بهذا الشكل المخيف فأجبرت نفسها على التحدث قائلة بحدة مصطنعة: اعتبرني واحدة وخلاص متعرفهاش وبتساعدك في وقت محنتك.


    هز رأسه باعتراض وأمسكها من معصمها بقوة قائلاً لها بصرامة: انتِ هتجوليلي انتِ مين ولا لاه.


    فجذبت ذراعها من قبضته وابتعدت عنه سريعاً قائلة بيأس: قلتلك مش هقول دلوقتي واتفضل بقى كُل بسرعة لغاية ما اعملك عصير ليمون تهدي بيه اعصابك.


    غادرت الغرفة مسرعة ناحية المطبخ ووقفت أمام الموقد ولم تستطع كبح دموعها أكثر من ذلك قائلة لنفسها: لأمتى  يا مهجة هتقاوميه ... وتقفي قصاده... يارب ساعدني مليش غيرك.... كل مرة بيقرب مني بحس اني هضعف تاني قدامه واتلقح في حضنه.


    جاء الطبيب في اليوم التالي كما جاء اليومين الماضيين من قبل... قائلاً له: أنا كده غيرتلك على الجرح ودلوقتي إحنا لازم نعملك أشعة على المخ علشان نشوف فقدان الذاكرة اللي عندك ده.


    كاد أن ينفعل عليه رافضاً ولكن مهجة أسرعت تقول: بكرة إن شاء الله هجيبه وأجيلك العيادة يا دكتور هشام.


    فابتسم لها قائلا: وأنا هبقى منتظرك... حدجه جلال بغيظ قائلاً له بحدة: منيش جاي... تأملته بضيق وتجاهلته تماماً قائلة له: ماشي يا دكتور هنجيلك بكرة ان شاء الله.


    انصرف الطبيب ثم رمقها بغضب قائلاً لها: مين جال إني عايز دكتور... فقالت له بنرفزة: بص لمنظرك وهوه يقولك.


    ثم تركته قبل أن ينفجر في وجهها... الذي يشتعل من السخط فابتسمت لنفسها قائلة: دي لسه البداية يا عمدة.


    وفي صباح اليوم التالي دخلت عليه مهجة وجدته مازال نائماً فوضعت له ثياباً ليرتديها للذهاب معها للطبيب من ثيابه التي كانت معه بالحقيبة... ثم غادرت الغرفة بهدوء.


    بعد قليل استيقظ جلال من النوم قائلاً لنفسه: خلجات مين دي... ففردها على جسده بيده السليمة فوجدها على مقاسه.

    فأخذها معه ودخل إلى المرحاض ليستحم... كانت مهجة أثناء ذلك تصنع الطعام لتفطره كي تذهب به إلى الطبيب.


    بعد تناوله الطعام كانت قد ارتدت ثياباً فضفاضه ودارت وجهها عنه كعادتها بحجابها... قائلة له: يالا أنا جهزت علشان نروح للدكتور سوا.


    هز رأسه بالرفض قائلاً لها بسخط: مش عايز أروح ومش هروح... قاطعته قائلة له بصرامة: لأ هتروح وانت كده جاهز واسمع كلامي من غير ما تجادلني كتير.


    استغرب من كلماتها الجريئة تلك قائلاً باستغراب: إزاي تتحدتي وياي إكده وتأمريني كمان، هوه انتِ تعرفيني ومجولتليش.


    ابتسمت بسخرية قائلة له بتهكم: لأ معرفكش محصليش الشرف وكفاية كده بقى الدكتور مستنينا في عيادته يالا.


    انصرفت مهجة أمامه ليذهب خلفها دون أن يعارضها مرةً أخرى وبهذا تنهي الأمر... ركب بجوارها في سيارة قد أجرتها خصيصاً بالأمس وانتقتها بزجاج غامق حتى لا يراهم أحد من هؤلاء المجرمين وقادتها هي.


    تجاهلت غضبه وملامحه العابسة طوال الطريق إلى أن وصلوا عيادة الطبيب، فحصه الأخير جيداً وقام بعمل الأشعة اللازمة له.


    قائلاً لمهجة: تمام أوي كده... تقدري تروحيه وتعاليلي بكرة وأنا هقولك على نتيجة الأشعة... فقال له جلال بحدة: مالك إكده بتحدتتها عني كإني عيل صغير ومنيش راجل واجف جدامك.

    ارتبك الطبيب قائلاً بخجل: أبداً مقصدش حاجه... أنا بس بتكلم معاها بما انها مسئولة عنك الفترة دي.


    رمقته مهجة بضيق من إحراجها أمام هشام... وتوعدت في نفسها له، وعندما جلس بجوارها في العربة... انفجرت به قائلة: إنت إزاي تحرجني وتحرج هشام بالشكل ده.


    ضيق عينيه قائلاً باستفهام غامض: شكلك خابراه زين جبل إكده طالما بتدافعي عنيه بالمنظر ده... قوليلي اهنه هوه كمان خابر وشك مش اكده وخابر انتِ مين مش اكده.


    رمقته بانفعال قائلةً له بحدة استفذته: طبعاً عرفاه ويعرفني كويس أوي، وهوه اللي أنقذك وجاي تكلمه بطريقتك دي.


    شعر جلال بالسخط بداخله والغيرة بدون أن يعلم ما هو السبب لكل ذلك، ونظرات عينيه تكاد تقتلها بسهامها وتبعثر جسدها إلى أشلاء صغيرة... لكنها تجاهلته وركزت في قيادة العربة فقط.


    كانت مريم تتحدث إلى يحيى عبر الهاتف فسألته قائلة بتردد: يحيى إنت جولت من فترة إكده إنك هتتحدت ويا أبوي واخوي... علشان تحدد ميعاد الفرح مش اكده.


    تنهد بضيق قائلاً بجمود: مش وجته يا مريم آني لساتني مش جاهز دلوك... صُدمت مريم من ردة فعله هذه وشعرت بنبرته الجافة التي نسيتها منذ فترة طويلة.


    قائلة له بدهشة: آني بس بسأل لأنك جلت اكده و... قاطعها بنرفزة قائلاً لها: يوووه يا مريم ما جلتلك منيش جاهز... كفاياك عاد أسئلة عفشه.


    ابتلعت مريم الأهانه داخل قلبها ولم تستطع الرد على عصبيته التي تفاجئت بها.... شعرت بأن دموعها ستنهمر فأجبرت نفسها على التحدث قائلة باختصار: مع السلامة يا يحيى.


    تركت العنان لدموعها الحبيسة بعد أن انهت المكلمة معه وقالت بضيق: الله يسامحك آني جولت إيه علشان تجولي إكده.

    دخلت عليها والدتها فوجدتها تبكي فأسرعت بمسح دموعها... حتى لا تراها والدتها.

    فقالت لها بتساؤل: مالك يا جلب أمك... فألقت بنفسها بين ذراعيها قائلة لها بمرارة: أبداً يا اماي مخنوجه شوية.

    فقالت لها بحذر: سلامتك يا بنيتي... انتِ خنجتي ويا الدكتور يحيى مش اكده ... فصمتت مريم ولم تجيبها فأردفت والدتها قائلة بعطف: معلش يا بتي تلاجيه مضايج من حاجه واعره جوي أكيد.

    تنهدت قائلة بحزن: يمكن يا اماي... يمكن بس من زمان معملهاش، فقالت لها بحنان: ما آني علشان اكده بجولك اصبري يمكن فيه حاجه ضايجته في الشغل... وأكيد هيرجع يصالحك... وهتشوفي.


    تنهدت بيأس قائلة بخفوت حزين: حاضر يا اماي هصبر لما أشوف آخرتها وياه إيه.


    دخل فهمي مكتب يحيى فوجده غاضباً فسأله قائلاً: مالك يا يحيى شكلك إكده ما يطمنش واصل.

    زفر بضيق قائلاً له : لساتني مزعلها تاني يا فهمي... فقال له بانزعاج: ليه إكده احنا مش جولنا نهدى وتخليها تجرب منيك بدل ما تبعد وتغضب من معاملتك ليها الخشنة دي.


    ضم شفتيه قائلاً له: هعمل إيه بس كل اللي آني فيه دلوك بسبب أبوي واخوي وآني زعلتها في ردي عليها.. وآني مخنوج آني كمان ومنيش طايج نفسي.


    جلس أمامه قائلاً له بعتاب: لاه يا يحيى الأمور ما تدخش اكده... اصبر لغاية ما أخوك يشوفلك حل.


    تنهد بيأس قائلاً له بضيق: آديني صابر أهوه لما أشوف أخوي هيعمل إيه...!!!


    وجدت مهجة هاتفها يرن فكانت نوال فابتسمت مهجة قائلة: أهلاً بعروستنا الحلوة... فقالت لها بتذمر: عروسة إيه بس وكل يوم بيتخانق معايا.

    فضحكت قائلة: عادي كلهم كده منا عندي منه أهوه وبالرغم من فقدانه للذاكرة إلا ان طبعه متغيرش.


    فقالت لها مبتسمة: بردو... بس صحيح هتقوليله انك حامل منه امتى... فابتسمت بسخرية قائلة بخبث: لا مش دلوقتي خالص مش بعد ما انتقم منه براحتي الأول.


    بُهتت نوال قائلة لها: يعني بذمتك محنتيش له... صمتت قليلاً قائلة لها بضيق: أكيد بحن بس بردو لازم انتقم منه وأحط قلبي ده في تلاجه وأخلص القديم والجديد عليه.


    ضحكت نوال من كلماتها قائلة: طب وهتحضري فرحي ازاي.... بالشكل ده،  تنهدت بحيرة قائلة: منيش عارفه... ده المفروض ما يظهرش قدام حد وبالذات الفترة دي.... حتى أنا بطلت اروح التدريب وكان المفروض ابدأ محاضرات الكلية أول الشهر بس مش عارفه أعمل إيه وهروح إزاي وهسيبه لوحده.


    شردت نوال قائلة لها: معلش يا مهجة فترة وهتعدي أكيد بإذن الله... سألتها مهجة قائلة باللامبالاة: سيبك مني أنا وقوليلي الفرح امتى فقالت لها بخجل: يوم الخميس الجاي في قاعة حلوة أوي حجزها ياسين من فترة.


    فابتسمت مهجة بسعادة قائلة لها: أكيد هتكوني أحلى عروسة يا نوال... ربنا يسعدك يارب.


    بعد أن انتهت من محادثتها وجدت مهجة بأن الجو خانق بداخل حجرتها... فدخلت إلى المرحاض لأخذ حماماً.


    بعد قليل خرجت منه وارتدت ثياب نومها لكي تستعد للنوم بعد أن شعرت بالراحة بعض الشيء... بعد أن تقيأت وأخذ حماماً فاتراً في مثل هذا الجو الحار.


    استمعت إلى صوت طرقاتٍ على الباب.... فأسرعت ترتدي حجاباً على شعرها ووضعتها بنفس الطريقة على وجهها.


    وفتحته وهي تقف خلف الباب بقلق تداري نفسها عنه على قدر المستطاع... قائلاً لها: ممكن اتحدت وياك شوي... فقالت له بقلق: ليه في حاجه.


    زفر بحرارة قائلاً لها: مخنوج ولزمني اتحدت وياكِ فقالت له متأففة: بس آني بقى مليش نفس أتكلم ونفسي أنام شوية عندي مشوار مهم الصبح فا عن إذنك بقى اتفضل روح نام انت كمان.


    كاد يزيح عليها الباب وهي تقف خلفه هكذا... لكنه بدلاً عن ذلك جذبها من خلف الباب من ذراعها وأخرجها من الحجرة... ناحيته وألصقها بالجدار خلفها، ووضع يده بقوة على فمها محتجزاً إياها.


    متأملاً عيونها الواسعة التي تطالعه بقلق وترقب من ما سيفعله بها الآن..!!

    قائلاً بغلظة: إنتِ خابرة لولا إنك حرمه كنت عملت فيكِ اللي معملوش حد جبل اكده... مش علشان منيش خابر حاجه عن نفسي لوك... هسمحلك تتحدي وياي بطريجتك العفشة دي.. تاني مره فاهمة.


    تطلعت إليه بخفقات قلبها السريعة لقربه منها بهذا الشكل... وخشيت من سقوط الحجاب من على وجهها فأمسكت بيده سريعاً وأبعدتها عن فمها... ودقات قلبها تتزايد تكاد تخنقها.


    قائلة بجمود ظاهري: انت مفكرني هخاف من الكلمتين دول يبقى بتحلم... فاصمتت برهةً تستجمع شجاعتها أمامه ثم ضحكت باستهزاء قائلة له بسخرية: تصبح على خير... أحلام سعيدة باي ما تنساش تتغطى كويس يا بيبي.


    رمقها بنظراتٍ غير مصدق ما تقوله له... شاعراً بالغضب منها ومن نفسه الذي جعله ينصاع لها رغماً عنه وكأنه كان يعرفها من قبل، فضم قبضته بحده وهي تغلق الباب في وجهه وتلوح بيدها بطريقة متهكمة استفذته.


    استندت مهجة إلى الباب بظهرها وهي تضع يدها على صدرها ليهدأ تنفسها فعينيه كانت تبحثان عن الحقيقة داخل عيونها الواسعة... لهذا أسرعت في الأبتعاد عنه.... حتى لا تضعف أمامه ولا تحن له من جديد.... فهذا هو الشيء الأهم من موضوع الانتقام لديها.


    في اليوم التالي استيقظت مبكراً عن عادتها الدائمة وجهزت له الطعام في صينية ممتلئة بالأفطار ثم تركتها على المنضدة بجواره ودثرتها بمنشفه خفيفة.

    وارتدت ثيابها سريعاً وخرجت مسرعة كي تلتحق بمشوارها التي عزمت عليه.


    دخل الحارس إلى مكتب شريف بداخل قسم الشرطة قائلاً له باحترام: فيه واحدة عايزة تقابل حضرتك يا سعات البيه...!!


    تنهد قائلاً بهدوء: طب خليها تتفضل.... وقفت أمامه بثبات فرفع بصره إليها من على القضية الذي يعمل عليها لحلها....فقطب حاجبيه بصدمة كبيرة قائلاً بذهول: مهجة....!!!


    في اليوم التالي جلس إسماعيل في داره يتحدث إلى بعض أهل البلد في غرفة الاستقبال... فجاءه شخص ما من أهل البلد يركض بلهفة قائلاً له بانزعاج: شفت جرايد النهاردة يا حاج.


    فقال له بتعجب: لاه مشفتش فيه حاجه واصل النهاردة، فناوله الجريدة باضطراب فأخذها اسماعيل وحدق بها بدهشة ثم ما لبث أن تجمدت عيناه على خبر أمامه غير مصدقاً قائلاً بصدمة قوية: لاه كدب.... ولدي مامتش...!!!


    تطلع إليها بغيظ وهي تقف أمامه تتحداه قائلاً لها: بَعدي عن طريجي جلت هخرج يعني هخرج برة... فقالت له بغضب: إياك تفكر تعملها وآني منيش هسكت.


    رمقها بنظرات غاضبة تخترقها قائلاً لها: إنتِ خابرة إن زودتيها معاي في الحديت آني منيش خابر كيف هتصرف وياكِ.


    زفرت باستسلام قائلة ببرود: اتصرف بأي طريقة بس انسى انك تخرج برة باب الشقة دي فاهم.

    فأمسكها من ذراعها بقوة قائلاً لها بانفعال: وتطلعي مين انتِ علشان تحبسيني اهنه بين اربع حيطان كيف الحريم.


    كادت أن تفلت من بين شفتيها كلمة طليقتك لكنها تداركت هذا الأمر وقالت له بضيق: آني اللي انقذت حياتك من الموت وجبتك على شقتي علشان أحميك.


    فهز رأسه بالنفي قائلاً لها: لاه بس آني حاسس إنك جايباني اهنه علشان تذليني كإنك جريبتي ولا مرتي علشان تتحكمي فيه اكده.


    انتفض قلبها الجريح لعبارته وتمنت أن يعي لكل ما يحدث ويعرف من هي قائلة له بعبوس: مش آني اللي هذلك ومن فضلك بقى اتفضل ادخل إوضتك يا اما تتفرج على التليفزيون زي ما انت عايز.


    دخل جلال إلى الغرفة كالأسد الحبيس داخل قفصه يريد الخروج والهروب ولكن لا مفر من ذلك مهما فعل.


    تمدد قليلاً على الفراش مغمضاً عينيه يحاول تذكر أي شيء... فقرر سؤالها عدة أسئلة حائرة حول مكان الحادث حتى تضح أمامه بعض أفكاره المشوشة بداخل عقله، فأسرع لتلبية رغبته في انتهاء هذه الحيرة المميتة بالنسبة له.


    مما جعله يدخل عليها الغرفة مندفعاً دون أن يطرق عليها باب حجرتها وكانت بالصدفة البحتة تقوم بتغيير ثيابها لكن من حُسن حظها بأن حجابها مازالت ترتديه على رأسها ووجهها.


    وكانت توليه ظهرها... شعرت مهجة بأن قلبها سيقف وستلد مبكراً حتى أنها كاد يغشى عليها من ما فعله للتو... وخاصةً أن بطنها واضحة عليها التغيير في حجمها... فأغلقت عينيها بقوة كي تضبط أعصابها.

    واضعة يد على صدرها واليد الأخرى تضعها على بطنها... متساءلة كيف سيراها هكذا.... وهي التي كانت ترتدي ترتدي ثياب نوم رقيقة قد أتى لها به ذات يوم.

    وهو يصرخ بها قائلاً: ياللي اسمك إيه انتِ عايز اسألك كذا سؤال اكده.


    واقترب منها بخطواتٍ سريعة عندما لم تجيبه بشيء وأمسكها من مرفقها، ليجعلها في مواجهته قائلاً لها بحدة: إنتِ لازم تجاوبيني علــ... بتر عبارته بغتةً عندما وقع بصره على بطنها هامساً بذهول: انتِ حبلى... مش اكده!!!


      بعدها بيومين جاء يوم الخميس، موعد حفل زواج نوال وياسين والمقرر اليوم في المساء داخل أحد قاعات الأفراح الأنيقة... كانت نوال تقف داخل أحد بيوت التجميل بأناقتها التي لم ترى من قبل بثوب زفافها الأبيض الجميل والرقيق.


    بانتظار وصول عريسها ياسين... الذي وصل في نفس ميعاده المتفق عليه، فبدى أكثر وسامة وجاذبية في حلته السوداء أنيقة الشكل.

    والذي ما أن سقطت عينياه عليها بالداخل حتى أُخذت بلبه بقوة وارتفعت نبضات قلبه بقوة قائلاً لها بصدمة تلقائية: هوه الجميل إسمه إيه النهاردة.


    اتمنى تكون عجبتكم 

    الحلقه الواحد والخمسون من هنا


    إرسال تعليق