-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه الثامنه والخمسون

روايه أنا والمجنونة الحلقه الثامنه والخمسون


     روية أنا والمجنونة

    الفصل الثامن والخمسون:- جنون الحب

    جاءت مهجة لتنصرف فجذبها من ذراعها بقسوة قائلاً بنفاذ صبر:- اسمعيني زين يا مصيبة انتِ من النهاردة... مفيش نوم غير معايا اهنه في اوضتي... وكمان كام يوم وهنسافر سوا على شرم الشيخ... فاهمة.


    شحب وجهها مع اتساع عينيها بقوة قائلة بصوتٍ ينتفض: استحالة... استحالة، أنا مش هنام معاك في اوضة واحدة ابداً فاهم، ولا هسافر معاك في أي مكان....إنت صحيح رجعتني لعصمتك لكن أنا خلاص مبقتش عايزاك ولا طايقاك وكفاية بقى أوي لغاية كده.


    ضم شفتيه بقوة وعينيه مسلطةً على وجهها بشراسة قائلاً لها بغضب حاد: يبجى إكده بتحفري جبرك بيدك وبطريجة واعرة جوي.


    تيبست مهجة في مكانها لا تقوى على الحراك، قائلة بعذاب: إنت راجع ليه تاني علشان تجرحني وتعذبني من تاني ...إنت إيه يا أخي مبتزهقش من طبعك الزفت ده معايا.... مش كفاية رمتني وانا محتاجاك في حياتي أكتر من أي وقت... وبدل ما دلوقتي تتأسف على اللي عملته فيه راجع أشرس من الأول… وعايز تنتقم مني من تاني مش كده.


    رمقها بوجه عابس متجهم لا يقبل الهزيمة لا منها ولا من غيرها قائلاً بغضب: عايزاني أتأسف ليه ها... وآني عملت فيكِ إيه علشان ده كله... أنا رفضت اتجوز علشانك بنت الرئيس بتاعي وخُنت  ثقته لأول مرة فيه آني... خابره يعني إيه أخون ثقته بيه آني جلال المنياوي... وجايه تحدتيني عن العذاب.


    جحظت عيناها بصدمةٍ قوية كأنه نزلت على رأسها صاعقة... من هول ما استمعت إليه وكادت أن تتهاوى فاقدة الوعي أمامه... واقتربت منه مهجة بخطى ثقيلة وأمسكته بقبضتيها بقوة من مقدمة قميصه هادرة به: انت اتجننت مش كده... كنت عايز تتجوز عليه أنا واحده تانية يا جلال... يبقى كان ظني قبل كده في محله مش كده...


    طال صمت جلال يتمعن في جنانها وشعورها بالغيرة الواضحة في حديثها وتصرفاتها معه... تركها تخرج ما في صدرها من كلمات، فلما وجدته لم يرد عليها وطال صمته.


    صرخت به والغيرة تنهش قلبها بلوعة مستطردة: انطق... اتكلم مش بترد عليه ليه ها... بقى بعد ده كله عايز تتجوز عليه انا ست البنات، ده انا رفضت حوده اللي كان ممكن يحطني في عينيه ويعاملني أحسن منك، وانت تعذبني زيادة وتتجوز عليه كمان… أهوه ده اللي كان ناقص… يا سعات الباشا الكبير.


    لا تدري وهي تتحدث بأن عبارتها الأخيرة جعلت جلال كالبركان الثائر في وجهها، فقد احتقن وجهه بشدة وزاد بصره إليها اشتعالاً من كثرة ما يعانيه من قسوة كلماتها، وهي تهزه بعنف ودموعها التي كانت تحبسها تنهمر على وجنتيها بعذاب آخر.


    امسكها جلال من مرفقيها بقوة.... كاد يكسرهما قائلاً بنرفزة: حوده تاني يا مهجة يبجى كان آني اللي ظني في محله، وكان على مزاجك طلاجك مني مش اكده وتنتهزيها فرصة.. علشان تروحي تتجوزيه مكاني.


    حدقت به بأعين دامعة قائلة له بألم: ياريت كان بإيدي كنت اتجوزته ومكنتش قابلتك في يوم من الأيام... سيب إيدي هتكسرها زي ما كسرت جوايا حاجات كتير أوي... أنا خلاص كرهتك يا جلال… كرهتك ومش عايزاك في حياتي تاني أبداً.


    أفلت جلال كفيها بغضب متجاهلاً كل ما تفوهت به قائلاً لها بجمود: آني هسيبك دلوك ورايح شغلي وعايز لما أرجع ألاقي مرتي مستنياني وعاملة كل اللي عليها ناحيتي وناحية بيتها... وصاحبتك دي لازم تمشيها من اهنه وبسرعة، ده بيتي آني وحديت تاني ماسخ منيش عايز... وإلا انت خابراني زين.


    انهارت مهجة بين ذراعي نوال قائلة بمرارة: أعمل إيه يا نوال دبريني...ده راجع أجن مني وأشرس من الأول... ومستني مني اني اكون مستنياه وكإن مفيش حاجه حصلت بينا.


    تنهدت نوال وهي تربت على ظهرها قائلة لها بعطف: مش عارفه يا مهجة أقولك إيه... طب ما تسامحيه يا مهجة، وأهو شكله شاريكي المرادي بجد.


    هزت رأسها بعنف قائلة باعتراض:استحاله اسامحه بالسهولة دي ، ده البيه عايز يعمل اللي يعمله وييجي يلاقيني مستنياه على أحر من الجمر.


    زفرت نوال وهي تتطلع إليها بحيرة قائلة بحذر: طب والعمل هتفضلوا كده زي الديوك... ويحيى ذنبه إيه لكل ده هوه كمان هيتبهدل وسطيكم.


    حدقت مهجة بابنها الرضيع الذي كان مستيقظاً على الفراش بجوارها قائلة بحزن: ذنبه انه جه للدنيا من أم هبلة ومجنونة سلمت نفسها لواحد قاسي ضحك عليها بكلمتين وكام فستان.


    هزت نوال رأسها قائلة بضيق: لا يا مهجة متقوليش كده أبداً، جلال عمره ما كان هيلمسك إلا إذا كان بيحبك وزي ما قالك هوه رفض يتجوز غيرك.


    عقدت حاجبيها بضيق وحنق قائلة بغيرة: والله لو كان عملها لكنت شربت من دمهم هما الأتنين.


    ضحكت نوال قائلة لها: فكرتيني باللي اسمها نهى دي عطيتها علقة سخنة من اللي قلبك يحبها... علشان تروح معايا المطار لياسين... واكشف افتراها عليه.


    رمقتها من وسط دموعها قائلة بمزاح: لا تمرت فيكِ ربايتي يا نوال، امسكت بيدها قائلة بحب: مهجة إنتِ أمي وابويه وكل حاجه ليه في الدنيا دي.... ربنا ما يحرمني منك أبداً.


    ابتسمت قائلة بسخرية: طب اوعي تنسي وتسمعي الكلمتين دول لياسين أحسن ييجي ويسود عشتك زيادة.... دنا لما كلمته علشانك آخر مرة كان ناقص ياكلني، علشان اتدخلت بينكم.


    شردت بفكرها وهي تبتسم قائلة: تصدقي وحشني جنانه ده، ده بيشبه لي بآسر جوز شذى اللي كنت حكتلك عنه في الرواية اياها.


    تطلعت إليها بغيظ وهي تعقد حاجبيها ثم تناولت شبشباً من الأرض وامسكته قائلة بسخط: تاني روايات انتِ إيــه ما حرمتيش ما احنا عايشين في اللي اقوى منها أهوه.


    فصرخت نوال قائلة بتوسل: حرمت خلاص مش هجيب سيرتها تاني... ولا ضيقك من العمدة هطلعيه عليه أنا.


    فهرولت مهجة خلفها قائلة بتهديد: والله نفسي أعملها واضربكم انتم الأتنين يمكن تتعدلوا وارتاح منكم.


    ضربتها بالفعل مثلما كانت تفعل بالماضي... فصرخت مرةً أخرى قائلة برجاء: طب كفاية ضرب بقى، دنا حامل حتى....


    ابتعدت عنها بضيق قائلة بنفاذ صبر: لولا ابنك ولا بنتك ده مكنتش سكت وكنت كملت عليكِ، يالا روحي شوفي الأكل بدل ما يتحرق لغاية ما نشوف حل للمصيبة اللي انا واقعة فيها دي مع العمدة.


    دخل جلال على رئيسه في العمل قائلاً: الملف اللي طلبته حضرتك، تطلع إليه قائلاً: طب كويس أوي ها عرفت مين رئيس العصابة اللي دخل شحنة الأطعمة الفاسدة البلد.


    تنهد قائلاً بهدوء: أيوه جاتلي معلومات إنه فاتح شركة استيراد وتصدير... زي أي رجل أعمال... وكل أعماله المشبوهه بيداري نفسيه فيها... على أساس ورقها سليم.


    هز رأسه قائلاً: طيب ربنا يوفقك وتخلص القضية دي على طول قبل الأجازة بتاعتك اللي أخدتها.... تنهد قائلاً: ان شاء الله عن إذنك.


    كان ياسين في عمله عندما أمسك هاتفه بعدما فاض به الشوق لزوجته... قرر أن يهاتفها ويحدثها للإستماع لصوتها الذي لم يسمعه منذ مدة طويلة.


    انطلق هاتفها بالرنين وهي تحمل يحيى تهدهدههُ قائلة لنفسها بدهشة: ياسين... مش معقول.


    فتحت عليه بيدٍ مضطربة وقلبٍ يرتجف قائلة له بارتباك: ألو... ياسين، أغمض ياسين عينيه عندما استمع لصوته الجذاب قائلاً لها بهدوء مفتعل: وحشتيني أوي يا نوال.


    اختلج قلبها أكثر ولم تستطيع النطق فأردف قائلاً بخفوت: نوال ليه مش عايزة تتكلمي معايا... ولا الصغنن بتاعي لسه زعلان مني.


    ابتسمت بحنين إليه قائلة له بحب: لا يا ياسين... أنا... أنا بس كنت خايفة لا تتعصب عليه زي كل مرة.


    تنهد وقلبه يهفو إليها بحب قائلاً لها: عايزك تعذريني بُعدك عني مش قادر أتأقلم عليه لدلوقتي... محدش قالك تدخلي قلبي كده من غير استأذان.


    ابتسمت نوال بخجل ووجنتيها تتورد من شدة الأحمرار قائلة بخفوت ورجاء: ياسين... متبقاش تقسى عليه تاني.


    زفر بقوة يحاول السيطرة على مشاعره القوية نحوها قائلاً بهمس: غصب عني يا عمري... ياريتك كنت قصادي دلوقتي... أنا عينيكِ مش بتفارقني يا نوال…. ممكن تبعديهم عني مش عارف أنام.


    خفق قلبها بشدة، وضمت قبضتها تحاول هي الأخرى أن تتماسك مع كلمات شوقه إليها... فاستكمل يقول باشتياق: نوال أنا مش قادر على بُعدك عني أكتر من كده... أنا هجهزلك ورق وتيجي هنا بسرعة عندي نعيش سوا.


    اتسعت عيناها بصدمةٍ قوية قائلة بدهشة:- أسافرلك... قاطعها بلهفة: أيوة يا قلبي... أنا فكرت كويس وملقتش غير الحل ده.


    صمتت نوال لا تعرف بأي شئ تجيبه فقالت له بتردد: بس مش هقدر أسافر دلوقتي.


    تنهد بغيظ وسخط... حاول أن يتظاهر بالصبر قائلاً لها: مهجة السبب مش كده... لم تجيبه على الفور... فاستطرد بغيرة قائلاً: مبترديش ليه يا هانم.... ولا أنا كلامي غلط.


    زفرت بقوة قائلة بضيق: الموضوع مش كده خالص يا ياسين افهمني... قاطعها شاعراً بالضيق قائلاً بحدة: افهم إيه بقى ما هي واضحة أهي زي الشمس، حضرتك مش عايزه تسبيها وتسافري علشانها ... ولا علشان سيبتك بحريتك معاها يبقى خلاص هتنسي جوزك.


    فأسرعت تنفي عنها ما يتفوه به قائلة بلهفة: أنا عمري ما نسيتك أبداً يا ياسين وأول ما هكون مستعدة للسفر هقولك.


    صمت برهةً متنهداً بحرارة قائلاً بتهديد: طيب يا نوال إعملي اللي انتِ عايزاه... بس متزعليش بقى من اللي ممكن يحصل بعد كده.


    فقالت له برجاء: ياسين أرجوك أنا... انفعل عليها قائلاً بغضب: إنتِ إيه قولي... قولي انك مش عايزة تيجي من البداية وخلاص بدل الحجج الفارغة بتاعتك دي.


    وكادت أن ترد عليه.. لولا دخول مهجة عليها الغرفة فارتبكت، فأشارت إليها بأن تستكمل حديثها... فقالت له بهدوء مفتعل: لا طبعاً مش كده خالص بس أنا.... وقبل أن تخبره بالحقيقة قد فصل الهاتف من الشحن.


    أحس ياسين بأنها قد فصلت المكالمة معه عمداً منها.... فذم شفتيه متوعداً لها.... فكرر عليها نفس المحاوله من الأتصال.


    فوجد الهاتف كان مغلقاً هذه المرة أيضاً قائلاً بعصبية: بقى كده بتعرفي تقفلي التليفون مني يا نوال... طيب ماشي.... نهارك أسود معايا. 


    انتفض قلب يحيى عندما استمع إلى جملة مريم الأخيرة قائلاً بحب: جوليها تاني الكلمة دي.... خجلت مريم قائلة بحياء:وبعدهالك بجى يا يحيى ما تكسفنيش اومال.


    فقال لها بعبث: بجى اكده طب لما أعدي عليكِ يحلها الحلال، ثم أغلق معها الهاتف... واتجه بسيارته إلى المنزل.


    وصل يحيى إلى الدار ووجد سيارة غريبة بالخارج فاستعجب من ذلك... ودلف إلى الداخل بترقب.


    واستمع إلى صوت والدته وهي تقول بعدم تصديق وتوتر: ولدي جلال عايش.... العمدة مماتيش.

    اومأ شريف برأسه وهويتطلع إليها برويه قائلاً: أيوة لسه عايش لدلوقتي.... ذُهل والداه بشدة وحانت إلتفاته من والدته ناحية ولدها يحيى الذي وقف متجمداً في مكانه غير قادر على استيعاب ما استمع إليه للتو.


    ركضت والدته نحوه تقول بتوتر شديد: يحيى يا ولدي.... ولدي ضنايا آني جلال لساته عايش مماتيش زي ما كنا خابرين.


    عقد حاجبيه بعدم فهم واقترب بخطى ثقيلة ناحية شريف قائلاً له باضطراب: انت بتقول إيــه إيه الحديت الماسخ ده.


    تنهد قائلاً بضيق: أنا عذرك انك مش مصدقني بس دي الحقيقة أخوك عايش ورجع لشغله كمان في القاهرة.... تجهم وجه يحيى وهو يحدق بالجميع قائلاً: وإيه الدليل اللي يثبت حديتك ده عاد.


    زفر بقوة قائلاً: طب اتفضلوا اقعدوا الأول وانا بنفسي هشرحلكم كل حاجه.


    جلس ثلاثتهم أمامه وبدأ يسرد عليهم كل شيء  وبالتفصيل ووجوههم مصدومة مما يصتنتون إليه.


    إلى أن جاء شريف بسرده، عندما بدأ يسترجع ذاكرته قائلاً بهدوء: وبعد فترة من علاجه في المستشفى... جه في يوم وهرب منها  ومحدش في الوقت ده قدر يوقفه، وضرب الأمن وخرج يجري.


    صمت برهةً يلتقط انفاسه مردفاً بقوله: ومكنش حد عارف راح فين وبعدها بإسبوعين من اختفاؤه لقيناه راجع للمستشفى من نفسه ،بس للأسف في اليوم اللي رجع فيه كان عامل حادث تصادم سير في الطريق اللي قريب من المستشفى.


    قاطعه والده اسماعيل قائلا بتأثر حزين:- حادث تاني يا ولدي ربنا كبير.... قاطعته والدته بلهفة حزينة: حادث تاني آني عايزة ولدي عايزة اطمن جلبي المحروج عليه.


    زفر بعمق قائلاً بهدوء:- متقلقيش حضرتك هوه بخير والحادث الحمدلله جه بفايدة وحصله  صدمة، أثرت عليه وبدأت تعاود ذاكرته شوية شوية....


    هب يحيى من مكانه، متفرساً في ملامح شريف قائلاً باهتمام: طب أخوي فين دلوك... ولما لساته عايش …. ليه مجاش البلد.


    تنهد بحرارة قائلاً: هوه فعلاً عايش وزي ما قلتلك رجع لشغله بس لسه في حاجات بسيطة ما فتكرهاش وأول ما هيفتكرها... هوا أكيد هيجي.. من نفسه.


    حدق به اسماعيل هذه المرة قائلاً بدهشة: بس إحنا وأهل البلد كلاتها لما يعرفوا بالخبر أكيد هيبجى عايزين يشوفوه ويطمنوا عليه.... وكمان لساتها مهجة مخبراش انه لساته عايش.


    صمت شريف ثم اومأ برأسه بحيرة قائلاً له بجدية: مهجة عرفت إنه عايش خلاص... أنا يا دوب بلغتها قبل ما آجي هنا.


    حدقوا به باستغراب وهبت والدته ببطء قائلة له بتساؤل: وهيه مجتش اهنه بنفسها ليــه وبلغتنا.


    ضم شفتيه بتفكير قائلاً: أنا اللي طلبت منها كده حفاظاً على حياته وياريت متنشروش خبر بإنه لسه عايش.


    استغرب اسماعيل قائلاً بتعجب: وليه بس يا ولدي.... تنفس بعمق قائلاً: زي ما قلتلك عايزين نحافظ على حياته وهوه بنفسه ساعتها هييجي والناس كلها هتعرف انه لسه عايش ومماتش.


    تطلع إليه يحيى قائلاً بتساؤل: طب وعرف انه عنده ولد ولا لسه..... هز رأسه نافياً بقوله: ده اللي كنت لسه عايز أقوله انه لسه معرفش وياريت حتى ولو جه هنا متقولولوش انه ليه ولد.


    هتفت والدته بحدة هذه المرة: وليه معيزهوش يعرف ويبجى عنديه خبر...؟


    أشار لها بيده بأن تهدأ قائلاً لها: هوه ده كان طلبها وياريت تنفذوه لمصلحتهم هما الأتنين...وهيه قالت انها هتبلغه في الوقت اللي هتشوفوا هيه مناسب.


    شعرت والدته بالغضب من مهجة وظهر هذا واضحاً عندما غادرت الغرفة بسرعة معترضة، فرمقه اسماعيل بعدم استيعاب ورغم ذلك قال: معلش يا ولدي هيه لساتها مش جادرة تستوعب الحديت اللي جولته دلوك....علشان اكده زعلت من مهجة كمان .


    فقال له: مهجة هيه اكتر واحدة عارفه اسبابها لكده وده المفروض نحترمه كلنا ونلبيلها رغبة بسيطة زي دي.


    أخذ يحيى نفساً بقوة قائلاً: رغم اني حاسس اني في دوامة ومش جادر ابجى خابر هيه ليه عايزة تعمل اكده بس منجدروش كلاتنا نرفضلها طلبها... بس اتمنى انها تجوله بسرعة... 


    اومأ برأسه بالموافقة قائلاً: ان شاء الله أكيد قريب.


    قارب الوقت على حلول المساء وقارب أيضاً ميعاد وصول جلال من العمل، دخلت نوال المطبخ لتساعد مهجة في تحضير الطعام بعد أن نام يحيى.


    فوجدت بجوار الطعام التي تصنعه عبوة صغيرة، فاستغربت وامسكتها وقرأت اسمها.... فاتسعت عينيها بذعر قائلة لها بريبة: نهارك أسود يا مهجة.... إيه اللي هتعمليه ده وناوية على إيه فهميني.


    ضحكت مهجة بشيطانية قائلة بخبث ضاحك: ناوية أعمل فيه مقلب يطلع من عينيه... هزت رأسها بالنفي قائلة باعتراض: لأ اوعي تعملي حاجه توديكي في داهيه معاه وهوه لو اللي بفكر فيه صح وعرف فجأة هيبقى هيطين عيشتك.


    رمقتها بمكر قائلة لها : انتِ مش هتبطلي جُبن بقى وتتعلمي مني شوية، هزت رأسها باعتراض قائلة: ده مش خوف ده قلق عليكِ من اللي ممكن يحصلك منه.


    ابتسمت لها قائلة: يعني هيجرى إيه يعني... أكتر من اللي حصلي معاه، هوه مفكرني ضعيفة ولسه بحبه ومستنيه جنابه لما ييجي مش كده.


    نظرت إليها قائلة: بس دي الحقيقة اللي متقدريش تهربي منها انك لسه بتحبيه... وهوه كمان انا حاسه بكده من رجوعه ليكِ وحرصه على اني اسيب البيت وده حقه يا مهجة.


    تأملتها بغضب قائلة بعصبية: نوال متفوريش دمي بكلامك ده يالا اطلعي بره شوفيلك مصلحة تعمليها.... بدل الشبشب ما يشتغل.


    أشارت لها بيدها قائلة: خلاص يا ستي مش هعارضك واعملي اللي انتِ عايزاه بس فهميني الأول هتعملي إيه.


    استبدلت مهجة ثياب المنزل بثياب أخرى لائقة لتكون في استقباله، وقفت أمام المرآة تتزين ووضعت عطراً خفيفاً بعض الشيء، مبتسمة لنفسها بإعجاب.


    قائلة بخبث: وأديني أهوه عملت كل طلباتك يا عمدة، لما أشوف أخرتها معاك واشوف مين اللي هيضحك في الآخر.


    بعدها بقليل أتى جلال من الخارج واستمعت إلى صوت المفتاح وهو يوضع في الباب.


    أغلق جلال خلفه الباب... باحثاً عنها بعينيه.... تيبس في مكانه عندما وقعت عينيه عليها، إذ كانت ترتدي أحد الفساتين الذي كان قد اشتراهم لها من قبل.


    فقد كان الفستان الأسود الذي خلب لبه عندما رآها به أول مرة... احمر وجهها رغماً عنها وهو يقترب منها ببطء وعينيه مسلطة عليها.... يتفحصها على مهلٍ.

    حتى وقف أمامها مباشرةً.... تتلاقى نظراتهم بهمس غريب، شعرت بأن عينيه تتجول على ملامحها باستمتاع لم ترى مثله من قبل.


    وكأن نظراته تهمس لقلبها بشاعرية عما يجول بخاطره فقالت لنفسها بضيق مضحك: هوه الحليوه أبو عيون واسعة ده بيبصلي كده ليه هوه أول مرة يشوفني ولا إيه، اوعى يأثر عليكِ مهما عمل بعينيه وبكلامه اوعي.


    أمسك بيديها بين قبضتيه بروية، أرتجف لها قلبها قائلاً بخفوت: هوه مش انتِ بردك مصيبة حياتي.... ولا واحده تانية شبهها... 


    ابتلعت ريقها بصعوبة بعد أن رفع يديها إلى شفتيه ببطء ثم قبلهما بنعومة أذابت قلبها وجعلته يصرخ ويئن من الحنين والشوق إليه.


    قائلة لنفسها: لااااا دنا كده استويت على الآخر أمال شوية تاني وهعمل إيه اترمي في حضنه واقوله مجنونة بيك يا حليوة يا قمر انت.


    لم تستطع أن تتحمل نظراته لها فقالت له بجمود مفتعل: أنا جهزت كل اللي انت طلبته مني... والأكل كمـــ... بتر جلال عبارتها عندما جذبها بين ذراعيه برفق.


    قائلاً بهمس: يعني مجاوبتيش على سؤالي... جف حلقها قائلة بارتباك: سؤال إيـــه!!!


    وضع جبهته على جبهتها قائلاً بنبرة منخفضة: هوه انتِ مصيبة حياتي اللي واجفة دلوك جدامي ولاواحدة تانية.


    شعرت بالغيظ والسخط بداخلها ولم تجيبه على تساؤله فابتعد عنها قليلاً يتمعن وجهها وشعرها الذي يحب أن يطيل النظر إليه.


    وجعل أنامله تتخلل بين خصلاته قائلاً بعبث: ماشي براحتك مترديش أنا غصبٍ عنيكِ هخليكي تردي.... وهعرف الأجابة بنفسي.


    حدقت به بتساؤل قائلة لنفسها: هوه ماله ده متغير ليه كده وإيه الرومانسية دي اللي حطت على راسه... ولا ناوي على إيه بالظبط.


    شعرت أنه يدبر أمراً ما من كثرة هذا التحديق، فأسرعت تقول له: طب أنا هروح أجيبلك الأكل تكون غيرت هدومك.


    تنهد بغموض قائلاً: طيب روحي دلوك بس متأخريش، فأومأت رأسها بسرعة بالموافقة ثم أسرعت تركض باتجاه المطبخ ودقاتقلبها تخفق بقوة.


    بدى أنيقاً أكثر وهي تحدق به ببلاهه قائلة بتردد: الأكل بقى جاهز خلاص.


    جذبها من يدها واتجه بها إلى المائدة التي وضعت عليها الطعام، أجلسها بجواره قائلاً بهدوء: يالا كلي ويايا.


    ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة قائلة: منيش قادرة آكل... فقال بصرامة: مهجة اتعدلي واسمعي حديتي زين.


    اضطرت أن تطيعه وبدأت تأكل مثله، وكان من وقت لآخر... يرمقها بغموض كأنه يكشف ماذا يدور برأسها الخبيث هذا، مما جعلها ترتبك.


     قائلة بتلقائية: طب ممكن بقى متبصليش بعينيك الحلوه دي... قصدي يعني خليني أعرف آكل.


    ابتسم بخبث قائلاً لها: أعمل إيه يعني أبص على الكرسي الفاضي اللي جنبك ولا أعمل إيه عاد….


    هبت واقفة قائلة بضيق: بص  براحتك آني شبعت هروح أجيب العصير تكون خلصتــ قاطعها بجذبها من معصمها لتجلس على قدميه قائلاً بخفوت: مين اللي جال اني عايز عصير دلوك... آني عايز حاجه تانية منيكِ... بس مش اهنه.


    احمر وجهها من كلماته لها ودقات قلبها تخنقها قائلة بتوتر: بس آني بقى عايزة عصير.... 


    قاطعها بوضع قطعة من الخبز في فمها جعلها تتفاجأ وتمتنع عن التحدث


    قائلاً لها بعبث: اهنه أحسن من العصير.                    

    كل هذا جعلها تخشاه أكثر فحاولت الأبتعاد عنه فهز رأسه رافضاً بقوله: إوعاكِ تفكري تبعدي إلا بمزاجي آني.


    حاول ياسين الأتصال على زوجته ولم ترد أيضاً فقال لنفسه بتوعد: آه لو كنتِ قدامي دلوقتي... كنت طلعت كل اللي جوايا عليكِ.


    طرقت أم ياسين باب منزل نوال قائلة: خدي التليفون بتاعي ياسين هيتجنن ويكلمك.


    بُهتت وجهها قائلة: أصل التليفون فصل مني شحن... ثم أخذته منها وتركتها والدته على راحتها تحدثه.


    ارتبكت لدى سماع صوته الحاد قائلاً:- إيه يا هانم قافلة تليفونك ليه من ساعة ما كلمتك الصبح...

    قلقت نوال من نبرته قائلة بتوتر: أبداً بس التليفون خلص الشحن وبس ده كل الموضوع.


    زفر ياسين بحرارة قائلاً بغضب: يعني كل ده محطتهوش في الشاحن.. اضطربت نوال وقالت بسرعة: أصل... أصل مكنتش لاقيه الشاحن لدلوقتي.


    ضم شفتيه بضيق قائلاً بنفاذ صبر: طب دوري عليه كويس وإذا ملقتهوش... قولي لبابا يشتريلك واحد تاني غيره فاهمة.


    ارتبكت نوال قائلة: حاضر هقوله... كنت عايز حاجه تانية، زفر بضيق قائلاً: أبداً كنت عايز اتكلم معاكِ... مع مراتي اللي ناسياني ومش بتفكر فيه.


    حاولت تمالك نفسها وابتعدت عن يحيى الصغير حتى لا يستيقظ من صوتها، قائلة بخفوت: ياسين أنا عمري ما نسيتك وانت اللي كل مرة تزعل مني ومن غير سبب.


    قبض بيده بقوة على الهاتف قائلاً بسخط: قصدك بخترع انكد عليكِ يعني.... تنهدت قائلة: أرجوك أنا مليش مزاج اخانق... المفروض اني...اني.... تعصب من هذا التردد قائلاً لها بنرفزة: إنك إيه انطقي.


    شعرت بالضيق منه وبدلاً من ان تخبره بحملها قالت له: المفروض اني وحشتك وتتكلم معايا بطريقة ألطف من كده...  

     

     أغمض ياسين عينيه يحاول ضبط أعصابه قائلاً له: عارف كل ده بس انتِ السبب بعمايلك مجنناني ومعصباني معاكِ.


    تجاهلت كل ذلك وهي تحدق بيحيى الصغير قائلة: خلاص يا ياسين أنا عايزة أنام تصبح على خير.


    أحس بالغضب من هذا البرود القاسي بالنسبة له... من شدة هذا الجفاء قائلاً بغضب: بقى كده... طيب يا نوال... طب اعملي حسابك بقى إن اجراءات ورق سفرك هبدأ فيها من بكرة...وفي خلال شهر أو شهر ونص بالكتير هتكوني عندي هنا.


    أغلق ياسين الهاتف في وجهها حتى لا يعطي لها الفرصة لأن تعترض على قراره... 

    قائلة لنفسها بعدم تصديق: طب ومهجة هتعمل إيه من غيري... لما أسافر...


    ثم عادت ببصرها إلى الطفل النائم ببراءة قائلة: وإزاي هسيب يحيى كمان إزاي هسيبهم لوحدهم... ثم تذكرت جلال فأردفت تهمس لنفسها بأمل: ربنا يهديك يا جلال انت ومهجة بدل المشاكل دي اللي لا ليها أول ولا آخر.


    توردت وجنتيّ مهجة فهمست بدلال مصطنع: بس أنا بقى عايزة أشرب عصير ممكن تسيبني بقى.


    اقترب جلال من وجهها بغموض.... يخترق هذا القلب الذي يئن من الأشتياق إليه قائلاً بصوتٍ خفيض: طب جومي بس متتأخريش عليه.


    ابتسم جلال وهي تتركه وتبتعد عنه متسائلاً عن سر هذا التحول المفاجئ في طبعها الآن.


    بعد قليل أتت بكوبين من العصير وأخذت تتنقل بالنظر بين الأكواب وبه.... هب من مكانه عند رؤيتها مبتسماً بنعومة، جعلتها ترتبك أكثر.

    قائلة لنفسها: إجمدي قدامه ميأثرش عليكي بوسامته، مهما يعمل، 


    ناولته كوب العصير... وعينيها تتفحصانه باهتمام.


    أحاط ذراعه الأيسر بخصرها ووضع الكوب على منضدة صغيرة دون أن يرتشف منها... شيء فابتلعت ريقها بصعوبة قائلة: يعني مشربتش العصير.


    تأملها بإعجاب واضح قائلاً لها بعبث: ومعقوله يبجى معاي مهجة واحتاج لعصير.... شحب وجهها فهي نسيت كلمات الحب على يديه وكرهتها بسببه.


    قائلة بتوتر: لأ اشربه أحسن وهوه ساقع... اقترب بوجهه من وجهها فلم تقوى على التحديق به، فأغمضت عينيها بقوة لتتمالها الصرخات العالية لقلبها الذي يشتاق إليه.


    شاعرة بأنفاسه المضطربة على وجهها... فسمعته يقول بصوتٍ متهدج: مهجة.... ففتحت عينيها ببطء فتلاقت العيون كما تتلاقى القلوب.

    جف حلقها قائلة لنفسها: آه شكله داخل على رومانسية وأنا مش أده ولو فضل كمان على الوضع ده دقيقتين كمان هعترف هقر بكل حاجه.


    تابع حديثه هامساً: مهجة أني بجيت مش عارف أعيش من غيرك.... متسبينيش تاني.


    تطلعت إليه بأعينٌ متسعة بصدمة شرسة لم تتحملها قائلة بتلقائية: سلامة عجلك يا بيه.... انت شارب حاجه كفى الله الشر.


    هز رأسه ببطء... هامسا بحب: لاه يا مهجة.... لاه غصب عني لجيت حياتي ملهاش طعم من غيرك.


    جحظت عينيها بذهول قوي... قائلة باستهزاء: ولا ريحة مش كده.... 


    شدد على خصرها أكثر من هذا الأسلوب المستفذ التي تحدثه به.... فتأوهت بألم، ووجهه يحتقن بشدة وهو يتأملها بنفاذ صبر.


    قائلاً لها بحنق:- مش آني اللي تسخري مني اكده يا مجنونة انتِ.... هتفت به بنبرة مرتفعة:- انت فاكرني قاعدة مستنية حضرتك، لما تتعطف عليه وتقولي كلمتين حلوين ينسوني المرار الطافح اللي عيشته معاك مش كده.


    ضم قبضته الآخرى يحاول تهدئة نفسه ثم تفحص وجهها بتفكير قائلاً لها بضيق:- أومال عايزة تستني مين يعني اهنه غيري... آني صحيح طلجتك لكن رديتك بسرعة.


    تنهدت بغضب قائلة بنرفزة: أيوة بعد ما أكلتني لحم ورمتني عضم يا سعاب البيه... كنت زي اللعبة في إيدك وقت ما تتشاقلها ترجعلها ووقت ما تبقاش لازماك ترميها للكلاب مش كده.


    كان سيهم بصفعه قاسية على وجنتها… فصدته بيدها بقوة.... فجحظت عيناه بدهشة، وكاد أن يجذبها من شعرها لكنه تمالك أعصابه قائلاً بسخرية: والله وبجيتي بتدافعي عن نفسيكِ زين… يا مجنونة انتِ.


    ابتسمت بتهكم قائلة بخبث: تعليمك يا عمدة... ده غير إني مدربالك أوي علشان تعرف كويس ان مهجة القديمة مبقاش ليها وجود يا باشا.


    ضم شفتيه بغيظ والغضب يشتعل بداخل صدره بسببها فهى بجنانها المعروف هذا لن تسمح له بالصلح معها.


    قائلاً لنفسه بسخط: وبعدهالك يا مصيبة انتِ كل مرة اتحدت فيها وياكِ تجلبي عليه اكده... تكنشي بتعلميني الأدب إياك.... بس لاه يا مهجة لسه ما تخلجش اللي يجف جصادي آني.


    انحنت مهجة قليلاً وأتت بكوب العصير ووقفت أمامه قائلة بهدوء مستفذ: اشرب العصير وروق دمك يا سعات الباشا... علشان تهدى بدل ما يرتفع عندك الضغط بسببي.


    تناوله منها بعصبية وكاد يقذفها به ولكنه ارتشفها على ثلاث مرات ثم ناولها إياه... فوضعتها داخل الصينية... بهدوء ظاهري.


    أمسكها جلال من يدها بقوة... دون أن يتفوه أحدهما بحرف زائد، وسحبها خلفه ودخل بها إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بضيق.


    ارتجف قلبها وهي تحدق بالباب المغلق قائلة باضطراب: انت بتقفل الباب كده ليه... هتف بها بحدة، علشان هنام.


    ابتعدت عنه قليلاً قائلة بتوتر: طب وانا... أنا هنام هنا بردو... تطلع إليها بعينين شبه مغمضتين.


    قائلاً بضيق: أيوة هتنامي اهنه جنبي وده كان اتفاجنا من امبارح مش اكده.... هرب الدم من وجنتيها قائلة بقلق: طب ... طب هغير لبسي الأول وبعد كده ابقى آجي انام.


    هتف بها وقد بدأ يترنح امامها قائلاً بضيق: مفيش خروج من الأوضه اهنه... واذا كان على اللبس... فآني شفت في الدولاب لبس ليكِ… كتير جوي.


    جف حلقها وهي تتابعه قائلة بحذر: جلال انتَ بخير... أمسك رأسه بيده اليمنى يحاول فتح عينيه جاهداً مجيباً بقوله المتعب: مش خابر آني مالي اكده... حاسس ان الدنيا بتلف بيه في كل مكان...


    زادت ترنحته فلحقت به مهجة بلهفة تهب لمساعدته قائلة: طب تعالى ريح على السرير.... فتقدم خطوتين نحو الفراش وكاد يسقط فأسندته مهجة.


    ألقى جلال بثقل جسده على السرير غير واعياً لمَ يدور حوله... محيطاً بذراعه اليمنى بخصر مهجة قائلاً بنعاس: متسبينيش يا مهجة... مش جادر أعيش من غيرك.


    تأملته مهجة بحيرة وقلبها يرتجف قائلة بصوتٍ خفيض: كنت بجولك اكده وسيبتني يا جلال... ومسألتش عني كإني كنت خدامة عندك… ومتستاهلش نظرة واحده بس منك.


    استمعت مهجة وهي بجواره تتأمله إلى طرقات على باب المنزل... فرفعت ذراعه عنها وهبت متسللةً ببطء من جانبه وأغلقت الباب بهدوء وراءها.

    فتحت الباب بسرعة فكانت نوال التي بادرتها قائلة: ها خلاص نام ولا لسه.... رمقت يحيى بحب وتناولته من بين ذراعيها قائلة له: حبيب ماما ياروحي وحشتني... ثم حدقت بنوال قائلة بسرعة: أيوة نام يالا ادخلي بسرعة على الأوضة.


    دخلت تسبقها نوال إلى الحجرة فقالت مهجة بتساؤل: يحيى تعبك... فقالت لها: مش أوي بس جاع المسكين.... فأخذ يصرخ بصوته كأنه ينبها لجوعه... فقالت لها بلهفة: طب شيليه لغاية ما أغير الفستان وأجيله.


    تركتها نوال تدخل إلى المرحاض لتستبدل ثيابها... وبعد قليل كانت جالسه بجوارها، ترضع ولدها... تأملتها نوال قائلة بخبث: بس كنتِ حلوة أوي بالفستان ده... فابتسمت قائلة بمزاح: أهوه مرة من نفسي.


    ضحكت نوال قائلة بمكر: طب مش هتقوليلي بقى رأيه لما شافك كده قالك إيه ولا هتسيبيني كده زي الأطرش في الزفة.


    ابتسمت مهجة بعبث قائلة: لأ ازاي هقولك يمكن تتعلمي مني حاجه تنفعك مع ديك البرابر اللي نافش ريشه عليكِ طول الوقت ده.


    في اليوم التالي دخلت عليه مهجة بحذر... فوجدته ما زال نائماً ... اقتربت منه ببطء ثم أخذت توقظه لعمله فقال لها بنعاس شديد: منيش جايم... سيبيني انام.

    هزت رأسها قائلة باعتراض: مش هينفع علشان شغلك قوم الوقت اتأخر.


    فتح عينيه يتثاءب قائلاً بصوتٍ خفيض: آني مش خابر مالي اكده نعسان جوي... ارتبكت للحظة قائلة بحذر: طب جوم وآني هعملك فنجان قهوة يصحصك.


    بعد ساعة كان قد تجهز لعمله وأفاق نوعاً ما عندما ارتشف القهوة قائلاً قبل أن ينصرف بلهجة آمرة: آجي من الشغل بإذن الله ألاجيكي زي امبارح وأحلى كمان فاهمة... ولا لاه.


    حدقت به بأعينٌ لامعة قائلة بغمغمة: هتلاجيني مستنياك على أحر من الجمر.


    جلست مريم بجوار ولاء تتذكر ما حدث بالأمس في حنتها من بكاؤها الشديد عندما أتم ابن عمها عقد قرانه عليها.


    قائلة لولاء بصوت ينتحب: حاسة اني بموت يا مريم... تألمت لمحياها الصعب الذي يذكرها بنفسها كثيراً...عندما تمت خطبتها لابن عمها بالرغم منها أيضاً لولا أن تدخل يحيى في الوقت المناسب ونجاها مما كانت مقدمة عليه.


    وها هي تستفيق من شرودهاعلى ولاء التي أمامها بثياب العرس تلاقي نفس المصير… تحتضنها مريم بعطف.


    قائلة من وسط دموعها:- كان أهون علىّ يموتوني ولا اني اتجوز واحد منيش رايداه.


    هزت رأسها بحنان قائلة لها برفق:- كفاياكِ اكده يا ولاء حرام عليكِ نفسيكِ عاد.


    رفعت بصرها إليها قائلة لها بحزن:- آني خابرة زين إن كنت غلطانة… وكان عندي استعداد اتعاجب بأي حاجه إلا الجوازة دي يا مريم.


    تأملتها قائلة بعطف:- يمكن يطلع كويس… وياكِ.

    هزت رأسها بالنفي قائلة:- لاه يا مريم منيش طايجاه… ده مسك يدي امبارح يسلم عليه كنت هتجن.


    ربتت على يدها قائلة بحب:- معلش أحسن من انهم كانوا يعملوا فيكِ حاجه عفشه عاد… كنت هعيش من غيرك كيف.


    حدقت بها بأعينٌ دامعة قائلة بحزن عميق:- جوازتي دي عاملة زي الواحد اللي محكوم عليه بالإعدام… ومستني التنفيذ.


    احتضنتها مريم قائلة بحزن:- ياريت كان بيدي حاجه كنت عملتها.


    قبل أن ترد عليها دخلت والدتها إليها تطلق الزغاريد فأسرعت مريم تردف قائلة:- بسرعة امسحي دموعك.


    مسحت ولاء دموعها واقتربت والدتها تقول:- يالا يا عروستنا عريسك  برة مستنيكِ.


    رمقتها مريم بتأثر… وهي ترى محياها يرتعب وقد شحب بمجرد أن تخيلته يقف أمامها.


    هبت من فراشها ببطء… تحدق بوالدتها بلوم… فأشاحت بوجهها بعيداً عنها.


    وسحبتها من يدها مثل الجلاد الذي يذهب بضحيته البريئة إلى ساحة مخصصة للجلد حتى الموت.


    كان يحيى بانتظار مريم في سيارته.

    لمحها من بعيد تمسح دموعها الغزيرة… فاستغرب في نفسه وفتح لها الباب الموجود على الناحية المقابلة له.

    استقلت العربة دون أن تبادله لا نظرات ولا كلمات.


    اقترب من وجهها يتأمله قائلاً بدهشة:- مالك يا عمري بتبكي ليه عاد اكده، انهمرت دموعها أكثر… قائلة بصوت يائس:- ولاء بتضيع يا يحيى… احتضنها بحنان ثم زفر بحرارة قائلاً بضيق:- ده مصير أي واحده تغلط… في حج نفسيها وأهلها.


    فقالت له بحزن:- لاه يا يحيى هيه ما تستهلش اكده… ضمها أكثر قائلاً:- آني خابرك زين يا مريم...هيه صعبانة عليكِ… لكن ده جزاتها بعد اللي عملته.


    أتى جلال من عمله وفعلت مهجة مثلما أمرها… في الصباح.


    وكانت بانتظاره بفستان آخر… وبعد أن أطعمته أخبرها أنه يريد قهوة… عوضاً عن العصير.


    فأسرعت تفعل ما طلبه منها وأتت بالعبوة وفتحتها، وتناولت منها حبةً واحدة.

    أمسكتها بيدها لتضعها في الفنجان الخاص به… فإذا به يأتي جلال من خلفها يحيطها بذراعه الأيسر… من وراء ظهرها ملتصقاً بها من الخلف.


    وذراعه الأخرى ممتدة على طول ذراعها الأيمن ممسكاً بكفها في قبضته اليمنى بقوة ويدها فوق الفنجان قبل أن تضع حبة الدواء به، حتى أنها صرخت بذعر من تأثير المفاجأة.


    شاعرة بأنفاسه اللاهثة والشرسة بجوار أذنها قائلاً بصوتٍ كالفحيح:- عنيكِ إنتِ أحطها بيدي آني، بدل ما اتعبك معاي.

    يتبع

    يمنى عبدالمنعم 

    الحلقه التاسعه والخمسون من هنا


    إرسال تعليق