-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه الواحد والستون الخاتمه الثانيه

روايه أنا والمجنونة الحلقه الواحد والستون الخاتمه الثانيه


     وصل الجزء الثاني من الفصل الأخير وفاضل كده الخاتمة

     هنزلها إن شاء الله


    رواية أنا والمجنونة


    الفصل الواحد والستون والأخير: الجزء الثاني


    دخلت والدة مريم على ابنتها إلى داخل حجرتها... كانت تبكي وعندما لمحتها مسحت دموعها بسرعة.

    اندهشت والدتها قائلة بجزع: وه مالك يا بنيتي... عم تبكي ليه عاد... تهربت منها قائلة بحزن: مفيش يا اماي مكنتش بعيط ولا حاجه.


    جلست بجوارها على الأريكة قائلة بقلق: لاه عم تبكي ومنيش خارجه من اهنه غير لما أبجى خابره ليه بتبكي اكده.


    ألقت مريم بنفسها بين ذراعيها، فضمتها لها بحنان مشفقةً عليها، قائلة بجزع: جلجانة جوي يا اماي من حسين وابوي، وخايفة ان يحيى يسيبني بسببهم وآني ماصدجت لجيت سعادتي وياه.


    تنهدت قائلة بحنان: متجلجيش يابتي من حاجه ابداً ابوكي هيتحدت وياه النهاردة.... وإن شاء الله خير.


    هزت رأسها بقلق قائلة لها باضطراب: لكن يا اماي أخوي معندوش تفاهم... زفرت الأم بحرارة قائلة باستسلام: خابرة يا بتي خابرة...  بس أكيد الدكتور يحيى خابر بطبعه وطبع أبوكي.


    هبت مريم واقفة شاردة في حديثها مع يحيى اليوم بالهاتف قائلة بوجع: التنين ممكن يعندوا مع بعض يا اماي.


    هزت والدتها رأسها بحيرة قائلة بهدوء مفتعل: متخافيش اكده اكيد مش هيعندوا ده خلاص الفرح جرب والمفروض بردو يحيى ييجي على نفسه شوي علشانك.


    إلتفتت إليها بقلق قائلة بلهفة: يحيى مش مصدج اني أبعد عنيه واصل وهوه زي العمدة شجيجه مبيحبش أي حد يتحكم في تصرفاته كلاتها يا اماي.


    زفرت والدتها بحيرة أكبر قائلة بجدية: خلاص اصبري يا بنيتي لغاية ما يتجابلوا ونشوف الخبر إيه.


    تهاوت مريم على الفراش مذعورة من أثر هذه المقابلة فصوت يحيى بالهاتف اليوم لا ينبئ بالخير أبداً.


    تمددت في فراشها بخوف شاعرة بأن عقارب الساعة تمر ثقيلةً، بطيئةً عليها، أدمعت عيونها عندما تذكرت غضبه عليها دون ذنب. 


    قائلاً لها بحدة: آني إذا كنت متحمل حسين فا متحمله بس علشان خاطرك، ولو عند امعاي هيبجى جابوه لنفسيه.


    ارتبكت أعصابها بشدة هامسة له بقلق: جصدك إيه يا يحيى...!!! زفر بغضب عارم قائلاً لها بعصبية: جصدي مش هجوله دلوك غير لما أشوف أهلك النهاردة.


    لمعت دموعها رغماً منها قائلة بخفوت: يحيى انت ممكن تسيبني وتتخلى عني إذا... لم يتركها تستكمل باقي عبارتها قائلاً لها بلهفة: إوعاكِ تجولي اكده تاني.... فيه حد عاجل يستغنى عن مريم حبيبة الجلب.


    تنهدت بارتياح وقلبها يخفق هامسه بسعادة: بجد يا يحيى مهما جال اخوي مش هتسيبني واصل.


    أجابها بلهفة: طبعاً دنا ساعتها لو الأمر وصل اني اخطفك منيهم هعملها... انتِ مرتي ومحدش يجدر يفرج بيناتنا.


    أغمضت مريم عيونها عائدة إلى واقعها قائلة لنفسها برعب: بالرغم من اكده اني لساتني خايفة جوي يا يحيى من اللي ممكن يحصل النهاردة.


    جلس يحيى بصحبة والده في غرفة المعيشة قائلاً له: في موضوع اكده عايز اتحدت وياك فيه يا ابوي.


    عقد اسماعيل حاجبيه بدهشة قائلاً له: اتحدت يا ولدي جول آني سامعك زين، تردد يحيى قليلاً ثم تحدث بهدوء حذر: يا ابوي اني اكده صبرت كتير وكذا مرة فرحي يتأجل.


    تمعن والده في وجهه قائلاً بجمود: ما انت خابر الظروف اللي بجينا فيها وهيه اللي مخلياني ساكت لدلوك ثم ان لازم اخوك يكون موجود ويحضر الفرح ويانا هوه ومرته وولدهم.


    تنهد يحيى بضيق قائلاً له: يا ابوي افهمني الله يباركلك آني مش جصدي اني اتجوز من غير ما يبجى اخوي موجود... آني بس عايز أحدد ميعاد وياهم علشان ابجى خابر براي من جواي.


    ضم والده شفتيه قائلاً: ما تجلجش يا دكتور اكيد أخوك هيظهر جريب وساعتها هنفرحوا كلاتنا بيك.


    صمت يحيى قائلاً له بضيق مكتوم: لميته يا ابوي هصبر .... حسين أخوها وابوها مش هيسكتوا أكتر من اكده وآني مش عايز مشاكل وياهم.... وهيه مذنبهاش حاجه واصل في كل العطلة دي.


    تطلع إليه بحيرة ثم تحدث قائلاً بجمود: ميجدرش لا عبدالرحيم ولا ولده يضايجوك بحاجه واصل، هما ناسيين نفسيهم ولا إيه عاد.


    هز يحيى رأسه بضيق قائلاً بخفوت:- يا ابوي هما مش ناسيين ولا حاجه بس لدلوك معندهمش أخبار عن أخوي.


    تنهد بحدة قائلاً بحزم: يبجى مش جدامك وجدامهم غير الصبر...لغاية ما اطمن على العمدة وبعد اكده تبجى فرحتنا فرحتين.


    تنهد يحيى باستسلام قائلاً له: خلاص يا ابوي هصبر بس مش كتير جوي، ثم نهض من جانب والده، فقطب اسماعيل حاجبيه هاتفاً به بحدة: وبعدهالك يا دكتور... ما جولتلك على اللي فيها.


    حدجه بصمت ثم تحدث بغضب مكتوم: خلاص يا ابوي آني هسكت ومش هفتح خاشمي واصل.. عن اذنك اروح أغير خلجاتي علشان شوية كمان وخارج تاني.


    زفر اسماعيل بحدة بعد انصراف ولده ووجد نور بوجهه تدخل من الباب مبتسمة قائله: ما تزعلش يا ابوي، اخوي غصب عنيه بردك اللي بيعملوا دلوك.


    اومأ برأسه قائلاً: خابر يا بتي بس ما باليد حيلة آني بس منتظر العمدة يجي ونفرحه زي ما هو عايز لكن هعمل إيه ويا الحكومة عاد ده جرارهم ولازم ننفذه... وأكيد كل ده لمصلحة جلال ولدي.


    ربتت على كتفه قائلة بحنان: حاسه بيك يا ابوي وخابرة كيف بتاعاني... بس كفاية اننا اطمنا على اخوي.


    تنهد بارتياح قائلاً: ايوة الحمد لله بس عايزك اليومين دول خلي بالك من امك حالها مش عجبني واصل يا نور .


    اطرقت برأسها بالموافقة قائلة بهدوء ظاهري: ولا آني يا ابوي... بس آني مجدرة ظروفها زين ومش بسيبها واصل.


    أمسك كفها في قبضته قائلاً بحنان أبوي: ربنا يبارك فيكِ يا بتي، دايماً اكده شايله همنا كلاتنا ومش بتملي منينا واصل.


    هزت رأسها مبتسمة قائلة: ولا يهمك يا ابوي انت الخير والبركة كلاتها... ربنا يباركلنا في عمرك ويحفظك لينا يارب.


    تلقفها جلال بين ذراعيه بسرعة كبيرة قبل أن تسقط على الأرض أمامه ثم حملها ووضعها على الفراش... برفق وبقلق.


    تأملها بعينين متلهفتين  يحتضنها بقوة لصدره قائلاً باضطراب: مهجة فوجي... فوجي.. إنتِ هترجعي  للخصلة دي تاني، وبعدهالك أمال.


    لم تعود لوعيها بعد فتأمل وجهها بشرود هامساً لنفسه: آه منيكِ يا مجنناني انتِ... ومخلياني منيش خابر أتصرف وياكِ كِيف.


    هب من مكانه وأتى بزجاجة عطر تخصه هو ووضعها تحت أنفها قائلاً بلهفة وقلق: مهجة... فوجي بسرعة مالك إكده... هوه آني جلت حاجه تخليكِ يغمي عليكِ اكده.


    هزت رأسها ببطء ولم تفتح عينيها بعد، انحنى جلال نحو وجهها مبتسماً بسعادة عند رؤيتها تريد فتح عيونها قائلاً بصوتٍ عذب: مهجتي ... اتحدتي وياي... عاملة ايه دلوك.


    فتحت عينيها مترددة في البداية فتقابلت أبصارهم من جديد كأنهم يرون بعضهم لأول مرة وكل منهم يعيش أجمل لحظات حياته...


    هامساً بصوته العذب: جلجتيني عليكِ كتير جوي يا مهجتي.... رمقته بنظرات عدم فهم، ونبضات قلبها تعلو كعادتها عندما يكون بهذا القرب الشديد منها.


    قائلة بدهشة: بجد قلقت عليه يا جلال، اقترب بوجهه أكثرمن عيونها قائلاً بخفوت: إذا مكنتش أجلج عليكِ انتِ أجلج على مين بس.... جوليلي.


    جف حلقها في هذه اللحظة كأنها تحلم كما حدث معها منذ قليل ثم لمعت عيونها بالدموع حابسةً إياها داخل مقلتيها.


    قائلة بتردد مرتبك: طب وأنا أصدقك إزاي ممكن أعرف، ابتسم لها عندما بدأت في الاستجابة له وللتحدث معه أكثر من ذي قبل.... محدقاً بعيناها اللتان امتلئتا بالعبرات ثم بشفتيها التي تنتفض.


    قائلاً لها بنبرة جذابة: بجى بعد اللي جولته من شوية اكده ولساتك مش مصدجاني لدلوك...

    أشاحت بوجهها بعيداً عنه لتحسسه بما اقترفه في حقها منذ زواجهم هامسة من وسط مشاعرها التي تهفو إليه.


    قائلة بألم خافت: لأ مش باين حاجه لأن من ساعة ما اتجوزنا وانت على طول غامض معايا.... ولا بتقول أي حاجه ده غير معاملتك القاسية ليـه طول الوقت.


    شعر جلال بخطأوه بهذه اللحظة وبأنه بالفعل كان يعاملها بإهمال وقسوة كبيرة  وها قد آن الآوان ليعوضها بالكثير عن ما لاقته معه من عذاب خلال هذه الأيام التي مضت.


    مد ذراعه الأيسر أسفل رأسها ليرفع وجهها إليه أكثر من ذلك واضعاً أنامله برقة أسفل ذقنها.... متمعناً عيناها التي ترمقه بمزيجاً من العتاب والشوق..


    بمشاعر شتى بداخل جنبات قلبه.... وتلاقت عيونهم كسيمفونية رقيقة تعزف من قيثارةً خاصة بهما فقط.


    قائلاً لها بهمس: مهجة عايزك تنسي كل حاجه مرينا بيها إحنا التنين دلوك وتفتكري بس إني رجعت علشانك وبس.


    حبست دموعها أكثر حتى لا تنهمر قائلة بقلبٍ موجوع: أيوة رجعت علشان خاطر يحيى لما افتكرت وجوده مش علشاني أنا.


    هز رأسه بسرعة نافياً عنه هذه التهمة قائلاً بلهفة عاشق: لاه يا مهجة لاه.... إوعاكِ تجولي اكده تاني، آني رجعتلك حتى من جبل ما ابجى خابر إنك حامل في ولدنا يحيى، في يوم الحادث فاكراه... 


    بس من اللي حُصل وجتها ملحجتش أجولك على اللي كان في نفسي أجوله من جلبي ليكِ.... وأحسن حاجه حصلتلي اني كنت وياكِ اهنه حتى وآني مش فاكر حاجه واصل.


    ابتلعت ريقها بصعوبة عندما تذكرت هذه الأيام التي كانت بمثابة انتقام لكرامتها منه وفي نفس الوقت... أجمل أيام حياتها مرت بها على الأطلاق، ووقوفه معها في وقت احتياجها له عندما وضعت مولودهما.


    صحيح انه كان فاقداً للذاكرة لكن كانت هناك مشاعر جميلة بينهما تشعرها بالأمان في صحبته، هربت دمعةً حزينة من عينيها.... مسحها لها جلال برقة.


    مردفاً بحنان: صدجيني يا عمري كان غصب عني كل اللي عملته فيكِ.... جنانك، شجاوتك وحركاتك دي... كلاتها كانت بالنسبة بالي حاجه جديدة عليّ مع طبيعة شغلي خلتني انسى.... كيف اتعامل مع الحريم، علشان اكده كنت بجسى عليكِ في اوجات كتير جوي وآني جاصد أعمل اكده وابعدك عن تفكيري، ورغم اكده حبيتك كيف مش خابر...وعشجتك جوي ومكنتش متخيل إني هييجي يوم وهعشجك طوالي اكده.... غصب عني.


     شعرت مهجة بغصة في حلقها شاعرة بالحيرة من جديد فهو يعترف بكل ما كانت تريد سماعه ورغم ذلك لم تستطع التفوه بأي من كلمات تعبر عن ما يجيش بصدرها من آهات وآلام، وعشق وحب.... مشاعر مختلفة تجتاحها.


    فلما طال صمتها رفع رأسها إليه اكثر متمعناً في عيونها على مهل هامساً بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً: سامحيني يا مهجتي على اللي عملته فيكِ...


    أغمضت عيونها بقوة فلم تعد تستطع مجابهته أكثر من ذلك خصوصاً وكل هذا العشق يخرج من قلبه قبل لسانه وكأن عيناه تهمس لقبها وتبثها غراماً لم تكن تحلم به في يوم من الأيام.


    شعرت بأنامله تتحسس بشرة وجهها الناعمة، برقة مردفاً بعشق: مهجتي متجسيش عليه أكتر من اكده وفتحي عيونك، اللي عشجتها من وجت ما شفتها ومنسيتهاش واصل.... حتى لما نسيت كل حاجه... كانت عينيكِ بس هيه اللي بتاخدني لبعيد جوي وبحس بحاجات كتيرة فيهم، بس ايه هيه مكنتش خابر.


    شعرت بأن قلبها سيختنق من كثرة دقاته التى تزداد وتعلو بسرعة كبيرة من كم هذه المشاعر الهائلة اتجاهها بهذا الشكل.


    فتحت عيونها من جديد.... فابتسم لها بشوق كبير أفتقدته هي في حياتها كثيراً وبالأخص الفترة الأخيرة.


    حاولت مهجة أن تبدو هادئة ومتماسكة أمام هذا البحر الجارف من المشاعر نحوها... هامسة بعتاب: ليه طلقتني وكسرتني يا جلال....!!!


    أمسك بكفها الأيمن برقة ثم قبلها برفق قائلاً بنبره حانيه: صدجيني يا مهجة كان غصب عني طلاجك مني، في نفس اليوم اللي طلجتك فيه كنت لسه مترجي لرتبة جديدة،


    وفوجئت برئيسي بالعمل يطلب مني بتنفيذ وعده له بإني أطلجك من أول ما تخلص مهمتك امعاي.... بس آني مطلجتكيش وجتها،


    فلما لجي المهمة خلصت بجالها كتير، ولساتك على ذمتي جالي بنفسيه مكتبي وطلب مني وجتها إني انفذ اتفاجنا سوا وأطلجك.


    حدقت به بلوعة وابتلعت ريقها بصعوبة قائلة له بعذاب مرير: وطبعاً جيت ونفذتله كلامه زي ما كان متفق معاك وكأنك ما صدقت تخلص مني.


    رمقها جلال بنظراتٍ نادمة وآسفه ثم تنهد جلال بحزن عميق من أجلها قائلاً بندم كبير: آني خابر زين اني جرحتك جوي، يا مهجتي لكن ساعتها ضعفت وخف علشان شغلي ميتاثرش، وطلجتك رغم عشجي ليكِ.


    أغمضت عيونها بقوة شاعرة بأن يداً قوية أمسكت بقلبها واعتصرته حتى نزف من آلام جُرحها.


    فتحت عيناها بحزن وكادت أن تبتعد عنه حتى تجعله يندم أكثر، لكنه تمسك بها جيداً كي لا تفلت من بين يديه.


    قائلة له بلوعة غاضبة: مفيش أي سبب يخليك تطلقني يا جلال بيه، ومش معقولة يعني تكسرني الكسرة دي من غير ما تحس بيه وتقول غصب عني... علشان رئيسك مفيش حاجه تقدر تخليك تعملها بواحد بشخصية قوية زيك.


    زفر بحرارة شاعراً بأن هناك حاجزاً أخيراً تضعه عقبه في طريقه للوصول إليها.... جعله كل ذلك يفكر باعترافه الأخير لها، علها تصدقه هذه المرة ويسقط هذا الجدار السميك بين مشاعرهما القوية بينهما.


    قائلاً بأسف ولهفة: عنديكِ حج يا مهجة تجولي أكتر من اكده، بس احترامي له خلاني كنت مجبور إني أطلجك، ونفذت وعدي له مضطر، علشان كان في يوم من الأيام كنا في مهمة سوا من كام سنة عدت.


    وأنجذ حياتي ساعتها من الموت واتصاب مكاني في كتفه، علشان اكده طلجتك وكمان علشان اتجوز بته اللي كان حاطط أمل كبير جوي اني اتجوزها كرد جميل للي عمله امعاي.


    انهمرت الدموع من عينيها أكثر، هذه اللحظة وكل ثباتها الانفعالي التي كانت تدعيه طوال الوقت... ذهب أدراج الرياح.


    قائلة من وسط دموعها: يعني تطلقني علشان تتجوز غيري يا جلال بعد ما أخدت كل حاجه حلوة كانت جوايا.... وما دام الموضوع كده بقى من البداية ... مكنتش علقتني بيك كل الوقت ده، مادام كنت مرتبط من قبلي... 


    ثم تحول صوتها فجأة إلى صريخ موجع ودفعته في صدره بقبضتيها مستكمله حديثها بوجع: ليه مقولتليش من البداية قبل ما قلبي يتعلق بيك.... ليه مفهمتنيش إن قلبك محجوز لغيري... وإني عمري ما هيكون ليه مكان جوه قلبك.... ليه تعمل فيه كده حرام عليك. 


    لم يجيبها جلال بالتحدث إليها إنما أراد إجابتها بإسلوبٍ آخر مختلف وسريع إلى أبعد حد، فهي بهذا الشكل لم تستمع إليه أبداً ولن تمهله الوقت الكبير للتحدث إليها.


    لهذا غضبً بداخله من جنانها الذي جعلها واهمةً لأشياءٍ كثيرة موجودة في خيالها هي فقط لا غير.


     فأجابها بطريقته التي ستحقق هدفه ونتيجةً أسرع من الكلام الكثير دون فائدة... لتصفح عنه أيضاً بسرعة أكبر.... إذ وجدت نفسها بين ذراعيه بغتةً، يضمها بكل العشق الكامن بداخله.


    هامساً بجوار أذنها بقوله العاشق: آني كنت موافج  بس كرد جميل مش أكتر... ومن جبل ما اشوفك يا مهجتي لكن بعد اكده كل ده راح وبجى سراب وعمري ما كنت هتجوز عليكِ واصل حتى لو مكنتش رجعتك ليه من تاني يا مهجة.... اللي يعرفك ويعيش مع أجن وأشجى بنت عيني رأتها في حياتي ما يتجوزش تاني واصل..


    انتحبت مهجة بشدة بين هاتين الذراعين فربت على ظهرها بحب متابعاً بحنان: أني مش عايزك تبكي واصل بعد اكده يا جطعة من جلبي.... هوه اني كنت هلاجي زييكِ فين بس، هوه فيه غيرك مصيبة حياتي.


    رفعت رأسها إليه من على صدره.... تحدجه بعتاب كبير قائلة له بقلب موجوع: لأ كنت هتلاقي كتير أوي وخصوصاً إنك حليوه كده و... انتبهت لنفسها حتى وهي تبكي تقول له ذلك.


    فامتنعت عن التحدث واستكمال باقي عبارتها التي وجدت نفسها تتغزل به بتلقائية... فابتسم لها جلال بحنان.


    قائلاً بمكر: ليــه مكملتيش جملتك... عاد...صمتت ولم تقوى على إجابته لكن دقات قلبها المتسارعة فضحتها وأجابته بما يريد سماعه.

    فأردف هو بهمس أمام شفتيها الوديتين قائلاً بنعومة أذابتها: تصدجي الكلمة دي اتوحشتها كتير جوي منيكِ ، حتى جنانك اللي معيزش يطلع من دماغي واصل اتوحشته جوي هوه كمان.


    ضمت شفتيها لا تستطيع ان تتفوه ببنت شفه، مع ارتعاش قلبها بقوة بين ضلوعها، أمام مشاعره الفياضة في هذه اللحظة طال الصمت كثيراً هذه المرة... فاقترب جلال أكثر من شفتيها ببطء جميل.


    جعلت ضربات قلبها العنيفة هذه المرة لم تعطها إنذاراً أو حتى لعقلها أيضاً... لتمنعه بما ينوي فعله بها.


    فقد قبلها بشفتيها بطريقة شلت تفكيرها وأذابت قلبيهما معاً وأطاحت بأي شيء مازالت عالقة في تفكيرها، متذكرةً فقط انها بين ذراعي  معشوقها وزوجها الأول والأخير. 


    حتى أنها تعلقت برقبته بعفوية وضمته إليها تبادله نفس مشاعره الجارفة، مستسلمة إليه... وإلى عشقه واشتياقه المتلهف عليها بعد طول انتظار.


       

    ارتدى يحيى ثيابه وصفف شعره للذهاب لمنزل عبدالرحيم، غادر غرفته فوجد والدته تجلس بصحبة ابنتها الوحيدة نور.


    رمقته بنظرات متسائلة قائلة: على فين اكده، يا ولدي، زفر بحرارة قائلاً لها: رايح عند مريم يا اماي.


    تأملته قائلة بتساؤل: ربنا ييسر لك أمورك يا ولدي وابجى سليملنا عليها كتير جوي. 


    هز رأسه قائلاً بهدوء ظاهري: حاضر يا اماي عن إذنكم آني دلوك... غادرهم يحيى واستقل عربته متوجهاً ناحية دار عبدالرحيم.


    توقف بسيارته امام المنزل فكان باستقباله والد مريم وشقيقها... دخل معهم إلى الداخل، بعد ترحابهم الشديد بهم إلى غرفة الصالون.


    كانت مريم بغرفتها ونبضات قلبها تخفق بقوة من القلق الذي يعتريها وتدعو ربها ألا يحدث شيئاً بينهم تسيء إليها.


    تزينت وتجهزت حتى يأذن لها والدها بالدخول إليه قائلة لوالدتها بخفوت متسائل: حسيتي انهم بيتخانجوا ولا أي حاجه حصلت بينهم يا اماي.


    هزت رأسها بالنفي قائلة بنبرة خافته: لاه يا بتي متجوليش اكده بعيد الشرعنيكم ، ان شاء الله جولي خير.


    كادت أن تجيب والدتها لكن مرور أخيها داخل الغرفة من بعيد عند يحيى، جعلتها تمتنع عن التحدث والباب مفتوح فأسرعت عائدة مرةً إلى غرفتها.... خشيةً من غضب أخيها.


    تحدث يحيى قائلاً بهدوء: أني جيت دلوك علشان كلنا نحط النجط على الحروف، ويبجى كمان خابرين ظروفي زين.


    أومأ حسين رأسه بالموافقة قائلاً بجدية: صح جولك يا دكتور وده اللي خلانا نتفج وياك على ميعاد ونتجابل النهاردة.


    زفر يحيى قائلاً بهدوء مفتعل: تمام اكده طبعاً انتم خابرين زين ان الظروف اللي آني فيها هيه اللي خلتني أأخر الفرح كذا مرة... 


    فقال له والدها: واحنا كلاتنا اهنه مجدرين ظروفك لدلوك يا دكتور... لكن اعذرني اني لما لجيت ان الناس بدأ حديتها يوصلني كل فترة عن خروجكم سوا، ساعتها اضايجت ومنعتها من مجابلتك وانت بردك أكيد مترضهاش على خيتك نور.


    زفر بقوة ثم تطلع إليه بضيق قائلاً له بغضب مكبوت: مريم مرتي يا حاج عبدالرحيم واللي يمسها بنص كلمة بس أجطعله لسانه ساعتها... دي خلاص بجت على ذمتي يعني عرضي وشرفي آني.... واستحالة افرط في أي حاجه عفشه تمسها.


    حدجه والدها بفخر عندما استمع إلى كلماته تلك، وابتسم حسين من غيرة يحيى الشديدة على شقيقته الوحيدة مريم.


    قائلاً له بإعجاب: وده اللي احنا مستنينه منيك يا دكتور، ونتعشم فيه بردك....


    زفر يحيى بقوة قائلاً بحدة:  لكن اللي ضايجني انكم تمنعوني عنيها وان اجابلها وانا لا سمح الله لا بجابلها في شجه ولا في مكان عفش... آني بنجعد وياها في مطرح مفتوح.


    نظر عبدالرحيم إلى ولده ثم إلى يحيى متحدثاً بهدوء ظاهري: خابر اكده زين واحنا خابرينك وعارفين أخلاجك الزينة لكن اللي خلانا نعمل إكده حديت الناس عاد.


    شعر يحيى بأنه سيفقد أعصابه هذه المرة بسبب حديث والدها... فهو مثل شقيقه لا يقبل أن يتحكم به أحد.


    تنهد بضيق قائلاً  بحدة: جولي مين اتحدت علينا اكده وآني أخليه عبرة لكل أهل البلد.


    تحدث حسين على الفور قائلاً له بسرعة: لاه يا دكتور محناش ناجصين مشاكل، دول ناس ملهمش جيمة عندينا واصل.... علشان اكده كان عندينا اقتراح انك تعجل بالفرح أحسن على جد ما تجدر ونجطع وجتها أي حديت عنيكم.


    تطلع إليه صامتاً لكن بداخله ثورةً عارمه قائلاً بجمود: الفرح هيبجى مع عجيجة ابن اخوي... وده اللي مخليني صابر لدلوك.


    تنفس عبدالرحيم بعمق قائلاً بتساؤل: وميته عجيجة المحروس يحيى اللي صغير، أطرق يحيى رأسه قليلاً... مفكراً بأي شيء يجيبه.


    فهذا هو السؤال الحائر الذي لم يجد له إجابه إلى الآن، وسأله لوالده أيضاً ولم يعرفه هو الآخر فالأمر كله متعلق بظهور شقيقه الأكبر.


    رف بصره إليه بشرود قائلاً بهدوء: ان شاء الله مش هنكمل شهر وهتيجي والدته بيه اهنه بالبلد متجلجش.


    ابتسم حسين قائلاً: يبجى خلاص يا ابوي... احنا الفترة دي نشوف ايه اللي ناجصنا احنا كمان ونعمله، ويكون الدكتور يحيى بالمرة وضب شجته وفرشها براحته.


    اومأ والده رأسه بالموافقة قائلاً لهم بجدية: وآني موافج على حديتكم يا ولدي، وماعيزش حاجه تانية غير اكده.


    ابتسم يحيى بنفسه قائلاً بهدوء: يبجى على بركة الله آني هبلغ ابوي حديتنا دلوك، وان شاء الله خير.


    بعد قليل أتت والدتها بالطعام بعد انصراف الحاج عبد الرحيم وولده  من غرفة الصالون... وبصحبتها مريم ابنتها وهي تمشي ببطء خلفها.


    وضعت والدتها الطعام على طاولة صغيرة تكفي لشخصين أمام يحيى الذي كان يرمق مريم بنظرات شوق ولهفة للتحدث معها.


    قائلة بترحاب: اتفضل الوكل يا دكتور يحيى البيت بيتك يا ولدي...


    ابتسم لها يحيى وعينيه مازالت تطلع إلى مريم الواقفة بجوار والدتها شاعرةً بالخجل من وجودها... وهو يحدجها ببصره هكذا ويغازلها بهما بهذا الشكل الجريء أمامها فاحمر وجهها خجلاً.


    قائلا لها بهدوء مفتعل: طبعاً يا اماي هاكل تسلم يدك.... هوه آني أجدر ارفضلك طلب.


    فبادلته الابتسامة وهي تفسح المجال لابنتها للجلوس بالقرب منه قائلة بطيبة: بالهنا والشفا يا دكتور.


    ثم حدجت ابنتها بنظراتٍ ذات معنى... فهمتها مريم على الفور فزاد احمرار وجهها... مردفةً بقولها الماكر:- اجعدي يا مريم ويا الدكتور وكُلي وياه انت كمان، النهاردة  طول اليوم مزجتيش لجمة في خاشمك يابتي.


    حملق بها بدهشة قائلاً بجرأة: طب مادام اكده سيبهالي يا اماي يمكن اني اللي هفتح نفسيها للوكل.


    خفق قلبها بعنف من نظراتهم سوياً لها وزاد احساسها بالحرج وضحكت والدتها قائلة بسعادة: خلاص يا ولدي لما اشوف هتجدر عليها ولا لاه عن اذنكم.


    ما أن خرجت والدتها حتى سارع يحيى بإمساك يدها وجذبها  لتجلس بجواره على الأريكة.


    أحرجت مريم كعاتها قائلة بخجل: يحيى ارجوك ابوي يشوفنا اكده هيجول إيه عاد.


    ابتسم  بخبث وهو يقترب من وجهها أكثر متمعناً به وقال بعبث: هيجول إيه يعني، واحد ومرته ملوش صالح بينا دلوك.


    توردت وجنتيها من الحياء ومن مغازلته لها بهذا الشكل الجريء والتي لم تعتاده منه إلا في الفترة الأخيرة فقط.

     قائلة باضطراب: يحيى أرجوك... طب اجولك كل الوكل الأول لأحسن......


    قاطعها بغتةً بإمساك كفيها بين راحتيه ثم رفعهما إلى شفتيه برقة، وقبلهما بنعومة جعلتها تريد سحب يديها من بين قبضتيه بسرعة.


    لكنه تمسك بها بقوة حتى لا تتركه قائلاً بخفوت: بجى اكده عايزة تبعدي عني بسهولة اكده.


    أحست بخجل عارم ثم هزت رأسها ببطء بالنفي قائلة بخفوت: لاه مجدرش بس بعمل اكده علشان اخوي وابوي، محرجه منيهم مش أكتر.


    رفع حاجبيه وهو يتفحصها ثم ابتسم في خبث قائلاً لها: طب كُولي الأول وآني هبعد عنيكِ بس موعدكيش أبعد جد إيــه.... وكمان شرط تاني، توكليني بيدك.


    اضطربت اعصابها بشدة... واحتقن وجهها قائلة بتلجلج: لكن... لكن يا يحيى... ابوي ممكـــ ... 


    قاطعها بقبلة ناعمة على وجنتها اليسرى وهو ينحني ناحيتها بتلقائية، بطريقة أذابتها وجعلتها تصمت ولا تستطيع التحدث محدقةً به بعينين متسعتين... وددت الهرب منه لكنها لم تستطع، فأنفاسه الحارة تضرب صفحة وجهها لا تقوى على مقاومة مشاعره في هذه اللحظة.


    فأطرقت ببصرها خجلاً تحاول كبح مشاعرها هي الأخرى نحوه، وشتات نفسها... فازدردت لعابها بصعوبة.


    قاطع يحيى هذا الصمت قائلاً بمكر خافت: يبجى انتِ اكده حكمتي على نفسيكِ ومش باعد عنيكِ واصل.


    هزت رأسها باضطراب قائلة له بتردد: طب خلاص...خلاص... هوكلك بيدي بس بَعد عني شوي الله يخليك.


    رمقها بنظرات حب يتأملها كأنه يهمس لها بعينيه هامساً بعبث: طب يالا وريني الأول اكده.... من غير ما بَعد عنيكِ.


    أطعمته مريم قطعةً صغيرة من الخبز في فمه وعينيها تتجول ما بين وجهه المحبب لقلبها والباب.

    أمسكها يحيى من يدها التي تطعمه... وهو يرى القلق بادياً على محياها قائلاً بخفوت: عايزك متخافيش من أي حاجه واصل.... طول ما آني موجود.


    تأثرت مريم لكلماته كثيراً فاحمر وجهها وأغمضت عينيها تحاول ضبط نفسها بقلبها الذي يرتجف.... فاقترب يحيى أكثر منتهز فرصة إغماض جفونها هكذا.... محدقاً بشفتيها كأنها تناديه لتقبيلهما.


    ابتلع ريقه بصعوبة وهو يقترب منها وأنفاسها المضطربة بالقرب من وجهه هو الآخر، فقبلها سريعاً قبلةً بشفتيها يشتاق لها منذ أن رآها أمامه منذ قليل.


     تجمدت مريم أمامه كالمخدرة لا تستطيع المقاومة هائمة في عالمها الوردي معه ناسية أين تجلس ولا أين تعيش، ولا تذكر أي شيء آخر سوى أنها بالقرب من أراده قلبها.


    تلاقت أبصارهم عندما فتحت عينيها ببطء.... واختلطت أنفاسهم بأنفاس لاهثه، قائلة له بنبرة مرتجفة: يحيى آني.... قاطعها يحيى بوضع قطعة صغيرة من الخبز داخل فمها...ابتلعتها ببطء.


    تمعن يحيى داخل عيونها هامساً: عايزك بعد اكده ما تفكريش إلا بيه آني وبس... طول ما آني وياكِ اهنه ولا في أي مطرح تاني... وعلى فكرة بجى احنا خلاص فرحنا جرب واتفجت مع ابوكِ على اكده يعني شهر وهتكوني امعاي.


    تهلل وجهها بالفرحة قائلة له بسعادة: بجد يا يحيى... ابتسم لها مقبلاً يدها قائلاً لها: طبعاً ياروح جلب وعجل يحيى.


    كسى الحياء محياها... شاعرة بأنه أجمل لقاء يجمع بينهما منذ أن تمت خطبتها له قائلاً لها بنبرة هامسه: يالا مش هتوكليني بيدك تاني ولا إيه عاد.... فابتسمت برقة قائلة بخفوت: طبعاً هوكلك.


    بعد انصراف يحيى من عند مريم جلست شاردة في هذا اللقاء  الغرامي مع حبيبها وزوجها هذا الطبيب العاشق لها... حتى وهم على خلاف فيما بينهم.


    تذكرت وداعه لها منذ قليل قبل أن يتركها هامسة بحب: بعشجك يا يحيى مخبراش ازاي ... بس كل اللي خبراه اني عشجتك وبس.


    مر أسبوع على الجميع وكان جلال قد انتهى من بعض المكالمات الخاصة بعمله مع شريف... عندما دخلت مهجة إليه في مكتبه.


    رفع بصره إليها عندما شعر بوجودها من رائحة عطرها الفواح... تفحصها بإعجاب واضح في عينيه... ثم هب من مقعده متجهاً نحوها بخطواتٍ بطيئة متفحصاً إياها.


    ألصقها به بقوة وهو يحيطها بذراعيه من خصرها.... متأملاً عيناها بحب قائلاً بهمس: خلاص اكده جهزتي... ولا.


    رفعت ذراعيها حول رقبته... وضربات قلبها تشتعل عشقاً له قائلة بحب: آه جهزت ومستنيه أوامر الباشا حبيبي أنا وبس.


    ابتسم لها ابتسامة ساحرة أذابتها قائلاً بعبث:- طالما بدأتيها بحبيبي... يبجى نأجل مشوارنا بجى لبكرة.


    تطلعت إليه باحراج قائلة له بخجل: جلال أرجوك كفاية بقى تحرجني... أنا جاهزة والكل هناك في البلد مستنينا.


    هز رأسه بمكر مافياً حديثها قائلاً بمكر: جصدك مستنينك انتِ بس وتجدري جوي تعتذري...


    ضربته بقبضتها في صدره بخفه قائلة بحدة مفتعلة: لأ طبعاً مقدرش أزعلـــ....


    قاطعها جلال بقبلة عميقة بشفتيها، أطاحت بكلماتها بعيداً داخل جوفها، وهو يضمها بقوة إلى صدره حتى جعلها تنسى أنهم مسافرون إلى بلده.


    ابتسم جلال في داخله عندما وجدها مستسلمة له كما أرادها دائماً طوعاً بين يديه، ولم يبتعد عنها إلا عندما استمعا إلى طرقات هادئة على باب مكتبه.


    أخرجهما هذا الطرق من هذا الحلم الوردي إلى أرض الواقع... تجهم وجهه وهو يحدق بالباب المغلق من الداخل.... ثم أخفاها وراءه بسرعة.


    قائلاً بحنق: ادخل... فتح مجدي الباب بهدوء قائلاً باحترام: العربية جاهزة يا سعادة البيه.


    تردد جلال وهو يمسك بيدها خلف ظهره قائلاً له بجمود: حاضر خمس دجايج وهنكون جاهزين.


    انصرف مجدي ثم التفت إلى زوجته الواقفة خلفه و التي امتقع وجهها فأخذت تضبط ثيابها وحجابها.


    قائلة بخفوت: الحمد لله ان الباب كان مقفول... وأخيراً هنمشي.... تطلع إليها بغضب ففهمته مهجة فأردفت لتغيظه قائلة بحذر: هوه أنا قلت حاجه زعلتك.... ولا إيــه.


    قرب يدها الذي مازال يتمسك بها ووضعها على قلبه، شاعرة بخفقات قلبه القوية تحت كفها وأنفاسه المتسارعة على وجهها قائلاً بضيق مصطنع: لاه مزعلتنيش واصل... أمال ده يبجى إيــه عاد.


    حدجته بصمت قليلاً ثم رفعت يدها الأخرى تتحسس وجنته اليمنى بأناملها بنعومة جعلته يريد ضمها إليه من جديد إلى صدره.


    هامسة له بعشق: لأ بس العمدة شكله واخد على خاطره مني  وأنا....أنا...

    قاطعها جلال هذه المرة وهو يضع ذراعه الأيسر خلف ظهرها هامساً بشوق كبير أمام شفتيها: وأنتِ إيــه جولي....!!


    ازدردت لعابها بصعوبة وعيناها تتأمله بخجل قائلة بحياء: وأنا مقدرش على زعله أبداً...


    تنفس بعمق مقترباً بوجهه من وجهها متطلعاً إليها باشتياق ومشاعره جارفه تحثه على عدم تركها هامساً بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً:- 


    خابره لولا بس ان احنا مسافرين دلوك المنيا كنت أخدتك وطلعنا على شرم الشيخ دلوك....


    ابتسمت له بحياء قائلة بتردد: إحنا مش اتفاقنا اننا هنسافر شرم بعد عقيقة يحيى وفرح أخوك ومريم.


    تنهد وهو يحدق بها باستسلام قائلاً بهدوء مفتعل: ماهو ده اللي مصبرني لدلوك... ثم صمت برهةً وتابع بعدها بنفاذ صبر: طيب يالا بينا علشان مجدي ميجيش تاني اهنه. 


    امسكت بكفه وابتسمت له ابتسامة جميلة قائلة له بمزاح: يالا بينا بس متكشرش بقى...


    ضحك جلال وهو يجذبها من يدها برفق نحو الخارج... فتح لها الباب السيارة لتستقلها أولاً ثم ركب بجوارها... وناولتها سلوى ولدها مع بعض أغراضه المجهزة من قبل.


    احتضنته وهي تتأمله بحنان وحب وعينيّ جلال عليها هما الأثنان تراقبهما قائلاً: يالا يا مجدي اتأخرنا.


    رمقته مهجة بترقب وهو يتأملهما فبادلته ابتسامته الجذابة... فأمسك بيدها اليسرى بين قبضته قائلاً بفخر: ولدي شبهي مش اكده.


    اومأت رأسها بالموافقة قائلة بمزاح: آه فعلاً.... بس خلي في بالك بقى هيطلع ليه في كل حاجه.


    ضحك جلال قائلاً بخفوت: بجى اكده... خلاص كلها كام سنة ونشوف هيطلع زي مين فينا.


    هزت رأسها بتحدي هامسة بعناد: هيطلع زيي طبعاً أنا متأكدة يا سيادة المقدم.


    ابتسم قائلاً بخفوت: علشان بدل ما يبجى عندي مصيبة واحدة يبجى مصيبتين.... مش اكده.


    تذمرت مهجة من جملته الأخيرة متظاهرة بالغضب فوكزها بذراعه جانبها الأيمن.

    فقالت له بضيق: متكلمنيش تاني لغاية ما نوصل... طالما أنا وابني بقينا مصايب.


    ابتسم من منظرها المضحك قائلاً بمكر: لما أشوف هتجدري على خصامي جد إيه.


    طوال الطريق لم تحدثه بالفعل كما وعدته... وكلما نظر إليها جلال تتجاهله.... شعر هو بالغيظ منها وأمسك أعصابه بسبب وجود مجدي، الذي يقود العربة.


    ويعرف جيداً أنها ستحدثه بغضب إذا عاندها من جديد، لهذا قرر الصمت طوال الطريق هو الآخر.


    أما مهجة كانت تتمسك بصمتها هي الأخرى بالرغم عنها.... رغم قلبها الذي يرفض مخاصمته من جديد.


    ظلوا هكذا إلى أن وصلوا إلى الدار... توقفت السيارة أمام الساحة الخارجية للباب الرئيسي.


    أتت سعاد تهرول إلى الداخل تصرخ بفرحة:- الست مهجة والبيه اللي صغير جات يا ستي الحاجه...


    هبت من مكانها غير مصدقة فقد اشتاقت لهما كثيراً وصادف ذلك قدوم الحاج اسماعيل من غرفته الذي تهلل وجهه بسعادة طاغية.


    وهرعا الأثنان نحو الخارج لاستقبالهما... فوجدوا مجموعة من أهالي البلد باستقبالهم بالخارج غير مصدقين ما يرونه أمامهم.

    وهو وجود جلال بصحبة زوجته وولده والذي كان بمثابة صدمة لهؤلاء الأهالي... ورغم ذلك فرحوا جميعاً بوجوده.


    وقام جلال بالتسليم على البعض منهم برزانه كعادته فقال له أحدهم بدهشة: نورت البلد يا عمدتنا... ألف حمدلله على سلامتك.


    فأجابه قائلاً بهدوء: الله يسلمك ويسلمكم كلكم.... اقترب والداه من هذا التجمع وهم مندهشون مما يرونه أمامهم ومن كثرة هذا العدد من أجل مهجة وولدها فقط.


    إلى أن استأذن منهم جلال وبصحبته زوجته وولدها... التي كانت تمشي بجواره وقلبها يخفق بشدة من هذا اللقاء المترقب بينه وبين والديه.


    تجمد كل من الحاجه فاطمة وزوجها اسماعيل في مكانهما غير مستوعبين وصول ولدهم بصحبتها فهذه مفاجأة لهم.


    لم يمهلهم جلال الوقت كثيراً ليستوعبوا مفاجأته بل ركض جلال باتجاههم محتضناً والدته بقوة... التي لم تتمالك دموع الفرح وانهمرت من عيونها كثيراً وضمته إلى صدرها.


    قائلة بحنان: ولدي حبيبي ضنايا... الحمدلله ان لساتك بخير يا جلب أمك... آني مش مصدجه انك واجف جصادي دلوك وفي حضني.


    شعر جلال بأنه عاد طفلاً صغيراً وهو بين ذراعيها مقبلاً لها بجبهتها ويديها قائلاً بسعادة: اتوحشتك جوي يا اماي... آني ولا حاجه من غيرك.


    بكت والدته أكثر بسعادة قائلة له: مخبرش جد إيه جلبي كان محروج عليك يا ولدي.


    اقترب منه والده ودموعه تسبقه هوه الآخر قائلاً بلهفه: وآني يا ولدي ماتوحشتنيش آني كمان ولا إيــه عاد.


    إلتفت إليه بسعادة قائلاً بحب: كِيف تجول اكده يا ابوي، ده انت الخير والبركة... وبسرعة احتضنه والده بين ذراعيه هو الآخر... غير مصدق بأنه بين ذراعيه ولده الكبير باكياً هو الآخر مثل زوجته.


    كانت مهجة تراقبهم وحدقتيها ممتلئةً بالدموع السعيدة من أجل والديه الذين حرموا منه منذ عدة أشهر.


    فقال له والده: ليه مجلتلناش يا ولدي... إنك جاي النهاردة، ابتسم جلال له قائلاً: اتفجت مع مهجة مرتي اننا نعملها مفاجأة ليكم اهنه.


    فقالت له والدته بفرحة طاغية: وأحسن مفاجأة... حصلتلنا كلاتنا والحمد لله انك بخير واطمنت عليك يا ضنايا... ثم حدقت بمهجة التي ما زالت ترمق الجميع بنفس الصمت الباكي.


    قائلة لها بضيق ظاهري: تعالي واتأسفيلي اهنه... عن عدم جولك لولدي عن ابنه يحيى اللي صغير.


    احتضنتها مهجة بلهفة، بذراع واحدة لأنها تحمل ولدها النائم على صدرها قائلة بندم: آني آسفه يا اماي حجك عليّ غصب عني.


    فابتسمت لها قائلة بطيبة: خلاص مسماحكِ بس علشان خاطر يحيى حبيبي، هاتيه اشيله عنيكِ ده آني متوحشاه جوي.


    ناولتها إياها ثم وقف جلال بالقرب منهم يتأملهم متسائلاً عن شقيقه وشقيقته نور... فشاهد من بعيد نور تركض نحوهم.


    فاحتضنها جلال رافعاً إياها من على الأرض قائلاً: حبيبتي نور كيف حالك يا جلب أخوكِ... التمعت عيناها بدموع السعادة قائلة له: الحمد لله بخير يا أخوي طول ما انت بخير.


    أحاطها جلال بأحد ذراعيه من كتفيها ثم دخل الجميع إلى غرفة المعيشة... جلس الجميع سعداء بقدوم ولدهم وزوجته وحفيدهم الوحيد.


    دخل عليهم  يحيى وهم يتحدثون... الذي اخبره والده بالهاتف بقدوم شقيقه وهو بالمشفى... هب جلال من مقعده متهلل الوجه قائلاً بلهفة: يحيى أخوي اللي صغير أخيراً جيت.


    ابتسم له يحيى واقبل نحوه بلهفه هو الآخر واحتضنه بقوة قائلاً: حمدلله على سلامتك يا اخوي... آني مش مصدج عيني واصل انك واجف اهنه جدامي.


    ضحك جلال له قائلاً: منا جلت أعملها مفاجأة ليكم اهنه ومردتش آجي إلا لما أنفذ حديت ابوي كمان.


    تذكر والده هذه اللحظات العصيبة التي مرت بهم بسبب طلاقه لزوجته قائلاً له: كنت بجول اكده من ورا جلبي يا ولدي... انت خابر زين اكده.


    جلس بجواره قائلاً بحنان: ولا يهمك يا ابوي... ما انت ان معملتش اكده... يمكن مكنتش ابجى موجود دلوك بيناتكم من تاني، ويمكن علشان اكده...


    ربنا نجاني من الموت مرتين.. مرة واني راجع لمرتي وهيه اللي أنجذت حياتي، والمرة التانية بعد ما ولدت مهجة ولدي بأسبوعين.


    واللي بسببها آني افتكرت كل حاجه ورجعت بعدها لمرتي وابني من تاني.


    تأملته مهجة في هذه اللحظة بكثير من المشاعر التي تتداخل بقلبها وتتماسك جيداً حتى تصعد معه لمنزلها بالأعلى.


    أتت سعاد وهي تطلق الزغاريد لعودة الجميع سالماً وبالأخص وجود جلال بينهم... الذي سعد بالتفاف الجميع حوله من جديد.


    قامت بوضع العديد من الأطعمة الفاخرة أمامهم على المائدة... ترأس جلال المائدة وبجواره زوجته وبالناحيه المقابلة لها تجلس والدته وشقيقته نور وأيضاً يحيى لكن والده جلس بالمقابل لجلال ولده.


    قائلاُ بسعادة: أخيراً اتلمينا على ترابيزة واحدة من زمان جوي ماجعدناش اكده... إلهي ما يغيبك تاني يا ولدي.


    ابتسم له جلال قائلاً: ربنا ما يحرمني منيكم واصل... يا ابوي، ولا من وجودكم بحياتي..


    بعد انتهاء الجميع من الطعام أتت نعيمة تهرول ناحية مهجة قائلة: حمدلله على سلامتك يا ستي... أول ما سعاد خبرتني انك وصلتي بخير انت وسعات البيه جيت بسرعة.


    ابتسمت لها مهجة قائلة: الله يسلمك يا نعيمة.... يحيى نايم جوه خلي بالك منيه زين.

    اومأت براسها بالموافقة قائلة: حاضر يا ست هانم عن إذنك هروح اشوفه... فاشارت إليها بصمت بالانصراف.

    بعد قليل صعدت مهجة بالأعلى لمنزلها... فتحت باب غرفتها تتأملها باشتياق كبير.


    جالسةً على الفراش بحيرةً من امرها وفي الأوراق الذي مازال لا يعلم عن وجودها زوجها إلى الآن.


    هامسة لنفسها بقلق: يا ترى هيعمل ايه لما يعرف ان البيت بقى بإسمي واسم ابني والأرض بتاعته اللي بقت ملكي وملك يحيى.


    تنهدت بضيق قائلة بريبة: ربنا يستر بقى من عصبيته لما يكتشف الحقيقة... ثم هبت من مكانها واتجهت ناحية حقيبة صغيرة تحتفظ بها داخل الخزانة.


    فتحتها وتناولت الأوراق بيد مرتعشة قائلة لنفسها بخفوت: أنا أحسن حاجه ان أسيب له الأوراق دي على مكتبه.... وهوه يتفاجىء بيها بقى وربنا يسترها من عنده.


    وبالفعل وضعتها على مكتبه بسرعة قبل صعوده إلى الأعلى هو الآخر... ثم خرجت تاركة الحجرة بلهفة عائدة إلى حجرتها لتستبدل ثيابها بثياب أخرى أكثر راحةً لها.


    كان جلال بالأسفل جالساً بصحبة أهله يتناقش معهم على موعد محدد لفرح شقيقه وعقيقة ولده.


    علم بأن والده يريد الأثنان معاً من مهجة زوجته من قبل... قائلاً لوالده بهدوء: يبجى اتفاجنا يا ابوي... الفرح بعد اسبوعين من دلوك ومعاه عجيجة ولدي يحيى.


    تهلل وجه يحيى بسعادة عارمة قائلاً: أخيراً فرحي اتحدد... ربنا يحميك لشبابك يا أخوي 


    فقال له والده بمزاح: بجى ما صدجت أكيد مش اكده... كنت بجولك اصبر ومش راضي تسكت... لغاية أهوه ربنا بعت أخوك وهتبجى فرحتنا فرحتين.


    فأطلقت والدته الزغاريد قائلة هي الأخرى: ألف مبروك يا ولدي الحمد لله اني عشت لليوم ده يا ولدي... ألقى يحيى بنفسه بين ذراعيها قائلاً بحب: الله يبارك فيكِ يا اماي... آني فرحان علشان انتِ امعاي وأخيراً وشك عرفته البسمة من تاني.


    احتضنته قائلة بحنان: ربنا ما يحرمني منيكم واصل... ولا من جعدتكم الحلوة دي تاني أبداً.


    تأملهم جلال قائلاً: ألف مبروك يا يحيى وبسرعة اكده اجهز النهاردة  وروح واتفج ويا الحاج عبدالرحيم على الميعاد اللي جلنا عليا وشوف اذا كان هيناسبه ولا لاه.


    هب واقفاً بالقرب منه يشعر بالسعادة قائلاً له: حاضر يا اخوي... هروح كمان شوي وهبلغكم لما ارجع من عنديهم..


    في المساء صعد جلال إلى منزله بالأعلى فوجد البيت هادئاً... فاستغرب... فتح باب غرفتها فوجدها نائمة على الفراش.


    تطلع إليها بحيرة... لنومها هكذا ومازال الوقت مبكراً، اقترب منها يتأملها... فارتعب قلبها فهي بالحقيقة ليست نائمة فهي خائفة مما سيفعله بها.

    عندما يقرأ الأوراق... دعت ربها بأن لا يكتشف كذبها عليه الآن ويتركها لحالها... بالفعل تركها قائلاً لنفسه: أكيد تعبت من السفر... ولا تكون لساتها مخصماني ماني خابرها زين مجنونة وتعملها.


    فتنهد بغيظ من أفعالها ثم دخل إلى المرحاض ليستحم، جلس في حجرة مكتبه يتفحص الأوراق بدهشة فقرأ محتواها فاتسعت عيناه بصدمة كبيرة قائلاً بخشونة: مهججججة... 



    يمنى عبدالمنعم

    إرسال تعليق