Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية عروس من باريس الفصل الثاني عشر


  رواية عروس من باريس الفصل الثاني عشر

جلست عليا امام فريال وهي تنظر اليها بضيق خفي بينما فريال تبتسم بتصنع وهي تلعن ابنها على فعلته المتهورة ..
تحدثت عليا اخيرا بصوت هادئ :
" يعني ادهم يسافر كده من غير ما يقولي او يودعني حتى ..ينفع كده يا طنط ..؟!"


قالت فريال بهدوء وتروي :
" معلش يا حبيبتي .. كل حاجة حصلت فجأة .. هو كان تعبان شوية ومحتاج يريح فقرر يسافر كام يوم يجدد فيها نشاطه .."
نظرت عليا اليها بشك وقالت :
" كام يوم يجدد بيها نشاطه .. وده ايه علاقته بإنوا يقفل فونه وميعرفش حد مكانه ..؟!"
قالت فريال مبررة تصرفات ابنها الغير منطقية :
" حابب يريح دماغه .. عايز يكون لوحده .. اعذريه يا عليا .. ادهم تعب اوي الفترة اللي فاتت وبذل مجهود كبير 


فالشغل .."
قالت عليا بعدم اقتناع :
" طول عمره بيتعب فالشغل وعلى قلبه احلى من العسل ... ايه اللي تغير دلوقتي ..؟!"
صمتت فريال ولم تعرف بماذا ترد بينما سألتها عليا بتوجس :
" فيه حاجة انا معرفهاش يا طنط ..؟!"
تنحنت فريال وهي تبتسم وترد بجدية :
" مفيش اي حاجة يا حبيبتي .. اطمني .."
ثم اضافت بلهجة مرحبة :


" طبعا النهاردة هتتغدي معانا .."
قاطعتها عليا بجدية وهي تنهض من مكانها :
" للاسف مش هقدر .. وعدت صديقة ليا اني اتغدى معاها .."
أومأت فريال برأسها متفهمة وقالت :
" زي ما تحبي يا حبيبتي .."
ابتسمت عليا بتصنع وهي تودع فريال وتتجه خارج القصر لتأتي بعد لحظات نور وطفليها والتي استقبلتها فريال بترحيب رغم الضيق الواضح على محياها فسألتها نور  بقلق عما حدث لتشرح لها فريال بإختصار تصرفات ادهم 


الاخيرة وسفره المفاجئ دون ان يخبر احد عن مكان سفره او موعد عودته حتى ..
تطلعت نور اليها بصمت بينما القلق ينهشها من الداخل وقد تأكدت بحدسها أن ادهم وقع في الغرام المحظور ..
حاولت ان تطمئن والدتها وأن تخفي عنها ما تفكر به كي لا تلاحظ والدتها او تشك بأي شيء وتقوم بإستجوابها وهي بالتأكيد لن تفضح سر اخيها مهما حدث ..
.......................................................................
دلفت ليديا الى المنزل وهي تحمل عدة اكياس تحوي في داخلها العديد من الملابس التي اقتنتها بمساعدة ريهام التي جائتها منذ الصباح الباكر وذهبت معها كي تشتري الكثير من الملابس لها بدل تلك الذي سرقها ادهم ..


سارت ليديا الى الامام لتجد نورا امامها فقالت بهدوء :
" صباح الخير .."
اجابتها نورا وهي تبتسم :
" صباح النور .."
ثم سألتها :
" انتي كنتي بتعملي شوبينغ ؟!"
أومأت ليديا برأسها وقالت بحرج :
" اصل معنديش هدوم جديدة فحبيت اشتري حاجات مناسبة للجو هنا .."


قالت نورا بجدية :
" خير ما عملتي .. لازم تشتري هدوم كتيره .. صحيح هدوم هنا قد ما كانت جميلة مش هتبقى زي هدوم باريس بس بردوا عندنا حاجات جميلة ومختلفة .."
قالت ليديا بجدية :
" بالعكس الهدوم هنا حلوة اوي وعجبتني .."
قالت نورا :
" هايل .. روحي رتبي هدومك فالخزانة فوق وانزلي اشربي قهوة معايا ولا انتي بتحبي حاجة غير القهوة .."
تنحنحت ليديا بحرج وقالت :


" لا بحب القهوة .. هروح ارتب هدومي فوق وانزل .."
أومأت نورا برأسها متفهمة بينما ارتقت ليديا درجات السلم متجهة الى الطابق العلوي وهي تفكر في تصرفات نورا وتحاول تحليلها بالشكل الصحيح ...
بعد مدة قصيرة نزلت ليديا وهي ترتدي بنطال جينز طويل فوقه تيشرت اخضر ذو اكمام قصيرة..
وجدت صالة الجلوس فارغة فجلست عليها وهي تنتظر ان تأتي نورا والتي جاءت بالفعل بعد لحظات وهي تحمل 


صينية تحوي فنجانين من القهوة ..
وضعت نورا الصينية  امام ليديا على الطاولة ثم جلست على الكرسي المقابل لها وحملت فنجانها واخذت ترتشف منه القليل وفعلت ليديا المثل لتتفاجئ بروعة طعم تلك القهوة ..
سألت ليديا نورا وهي تتلذذ بطعم القهوة :
" حضرتك اللي عملتي القهوة دي ..؟! ولا وحدة من الشغالات ..؟!"
ابتسمت نورا وقالت :
" انا اللي عملتها يا حبيبتي .."
قالت ليديا بإعجاب حقيقي :
" روعة بجد .. انا عمري ما دقت قهوة بالطعم ده .. حتى فبيت عمي القهوة مكانتش لذيذة كده .."


قالت نورا بجدية :
" بالهنا والشفا .. انا عندي طريقة خاصة بعمل فيها القهوة عشان تبقى بالطعم ده .. لو تحبي ممكن اعملهالك ..؟!"
قالت ليديا بحماس :
" ياريت .. احب طبعا ولو اني اشك اني هعملها لذيذة اوي كده .."
ابتسمت نورا وهي تعاود ارتشاف القهوة من فنجانها وفعلت ليديا المثل وقد بدأ شعور الراحة يتسلل قليلا داخلها نحو نورا ...
فهي بدت لها هادئة ولطيفة في تعاملها كما ان نظراتها حنونة ونبرتها رقيقة ...
انتهت ليديا من فنجانها بتلذذ لتجد نورا تقول بعد لحظات :


" تحبي تشربي واحد تاني ..؟!"
ابتسمت ليديا وهي تهز رأسها بحرج لتقول نورا وهي تحمل الصينية بعدما وضعت الفناجين داخلها :
" ايه رأيك تشربيها فالمطبخ وانا بجهز الغدا .."
" اوك .."
قالتها ليديا بسلاسة وهي تتبع نورا متجهة نحو المطبخ ...
دلفت ليديا الى المطبخ تتبع نورا التي قامت بوضع دلة القهوة على الطباخ ثم بدأت في تجهيز طعام الغداء ..
ما ان بدأت القهوة بالغليان حتى حملت الدلة وصبت لليديا منها في الفنجان واعطته لها بينما عادت هي تكمل عملها لتسألها ليديا بتعجب :


" هو ليه انتي اللي بتعملي الغدا مش الخدم ..؟!"
التفتت نورا اليها وهي تهتف بجدية :
" عشان انا بحب اطبخ الاكل بنفسي لعيلتي .."
" اشمعنا ..؟!"
سألتها ليديا بإستغراب لترد نورا ببسمة هادئة :
" بحس بالراحة والمتعة .. مبحبش فكرة حد غيري يعمل الاكل لكمال والولاد .. ببقى مبسوطة وانا بعملهم الاكل 


بإيدي ... "
تطلعت ليديا اليها بدهشة قبل ان تسألها بتردد :
" هو انتِ بتشتغلي ..؟!"
ابتسمت نورا وقد فهمت ما يدور في عقل تلك الفتاة فردت :
" كنت بشتغل .. "
" كنتي بتشتغلي ايه ..؟!"
ردت نورا بجدية :


" استاذة جامعية في كلية الاداب قسم التاريخ .."
قالت ليديا بإعجاب :
" واو قسم جميل مع انوا صعب على ما اظن لاني حسب ما سمعت انوا تاريخ مصر كبير وضخم جدا وفيه فترات زمنية كتير .."
ابتسمت نورا وقالت بتأكيد :
" فعلا .. التاريخ صعب ومحتاج دراسة كتيره واجتهاد .. انا حتى بعد ما اخذت الماستر والدكتوراه ودرست سنين فالجامعة لسه بقرأ وبدرس كتب تاريخية و بكتشف حاجات جديدة بإستمرار .."


ابتسمت ليديا وقالت :
" ممكن تديني كتب عن تاريخ مصر ..؟! حابة اتعرف عليه .."
قالت نورا بسرعة :
" اكيد يا حبيبتي .. انا هخترلك كتب مناسبة ومهمة فنفس الوقت .."
ابتسمت ليديا بسعادة وقالت :
" ميرسي .."
ثم اكملت تناول فنجان قهوتها وهي تتأمل نورا ومهارتها العالية في الطبخ بإعجاب ..


........................................................................
بعد مرور اسبوعين ..
اسبوعين حدث فيها الاتي ..
ادهم ومكوثه في الشاليه الخاص به في الغردقة حيث اخذ يفكر جديا محاولا حسم قراره النهائي والذي لا رجعة فيه .. كان موضوع امام خيارين لا ثالث لهما .. عليا والحفاظ على مكانته وادارته لشركات العائلة وجميع اعمالها او ليديا 


وخسارة كل شيءٍ بما فيها علاقته بوالديه ..
كان يشعر بنفسه بين المطرقة والسندان فاذا سأل قلبه عن القرار الصحيح يجيبه على الفور بلا تردد ليديا فهي من سكنته واحتلته كليا وإذا سأل العقل فأجاب ببساطة عليا فمعها سيحافظ على كل شيء بل ويصل الى جميع ما طمح اليه وحلم به وسعى اليه لسنوات عديدة وهي قيادة عائلة السيوفي بأكملها والتحكم بجميع ممتلاكتها واموالها .. اختياره ليديا سوف يضعه في خانة اليك فسوف يخسر كل شيء .. طموحه واحلامه .. مكانته وقيمته لدى الجميع .. سوف يصبح في نظر الجميع عاشق تافه سلم مقاليد قلبه لمن لا تستحق .. والاسوء من ذلك ان ليديا نفسها لا تشعر بأي شيء نحوه وبالتالي من الممكن ان يخسر كل هذا ولا يكسب ليديا ايضا ..


ظل يفكر مرارا وتكرارا ويدرس الموضوع من جميع الجوانب ..
استمر على هذا الوضع لمدة اسبوعين كاملين حتى توصل اخيرا مع نهاية الاسبوع الثاني الى قراره النهائي ليحزم امتعته ويغادر المكان متجها الى القاهرة ..
اما ليديا فهي اقتربت من نورا كثيرا واصبحت بينهما علاقة ودودة فليديا وجدت ان نورا طيبة ولطيفة للغاية .. تعاملها بود واحترام ولا تتدخل في حياتها ... كانت العلاقة بينهما تتوطد تدريجيا وبشكل جميل ومفاجئ لكلا من كمال وابنيه بل ولليديا ايضا فبالرغم من معرفة كمال واولاده مدى طيبة نورا وحنانها الفائض الا ان تقبل ليديا لها بهذه السهولة 


فاجئهم كون نورا بالنسبة لها المرأة التي سرقت والدها من والدتها ..
لم تتطرق كلا من نورا وليديا الى الماضي اطلاقا ولم يحدث بينهما اي حديث فكلتيهما كانتا تتحدثان بأشياء عامة بعيدة عن الماضي الخاص بهما وقد كانت ليديا بالذات تتجنب ذكر والدتها امام نورا احتراما لها وحتى ماضيها في فرنسا قل ما تحدثت عنه ... اما نورا فكانت ترغب كثيرا بالاعتذار من ليديا على عدم موافقتها ان تسكن هنا في منزل والدها في 

بادئ الامر لكن شعورها بالحرج منعها من ذلك ...
علاقة ليديا بأخويها يوسف ومراد باتت أكثر من رائعة ... مراد بمزاحه ومرحه الذي لا ينتهي دخل قلبها فورا وبات صديقها الصدوق اما يوسف فبرزانته وقوة شخصيته التي تفوق سنه بمراحل نال اعجاب ليديا واصبح قريبا منها للغاية وكأن بينهما رابط خفي يجمعهما وهو اهم من اي رابط اخر .. رابط الاخوة والدم ..
عليا لم ترتح او يهدأ لها بال طوال الاسبوعين الفائتين وهي تفكر في سبب سفر ادهم الغريب ... تشعر بل وتكاد تكون متأكده ان القادم سيكون غير جيدا على الاطلاق ... شعور الخوف والقلق ينهش روحها وقد عقدت عزمها اخيرا على 


تحديد موعد زفافها ما ان يعود ادهم من عزلته تلك ...
...................................................................
اوقف ادهم سيارته امام مدخل الشركة .. هبط منها واتجه بسرعة الى داخل الشركة متجاهلا تحية الحراس المستغربين من عودته المفاجئة بعد غياب اسبوعين دون مبرر لهذا الغياب ..
كان ادهم قد اتجه مباشرة الى الشركة دون ان يعود الى المنزل لتغيير ملابسه ودون حتى ان يخبر احد بأمر عودته ..
اتجه نحو المصعد متجاهلا نظرات الموظفين المتعجبة من عودة مديرهم الغائب لاسبوعين ...
دلف الى المصعد متجها الى الطابق الذي يحوي مكتبه ومكاتب اعضاء مجلس الادارة ...
اتجه نحو مكتبه ما ان خرج من المصعد ليجد مكتب سكرتيرته فارغ فيدلف الى مكتبه ليتفاجئ بكريم ابن عمه يجلس 


مكانه وامامه سكرتيرته مروة تستمع الى اوامره ..
تقدم ادهم نحو كريم بملامح غامضة والذي قابلها الاخير بملامح هازئة وهو يقول :
" اهلا باللي غايب بقاله اسبوعين .."
اشار ادهم لمروة ان تخرج ففهمت على الفور واتجهت خارج المكتب بحرج ليقول ادهم بجمود :
" مكانوش اسبوعين يا كريم اللي يخلوك تقعد مكاني .."
ضحك كريم بقوة وقال :
" امال اقعد فين ..؟! انت ناسي انوا انا النائب عنك وبالتالي فغيابك لازم احل محلك فكل حاجة .."


رد ادهم ببرود :
" انت النائب اه بس عندك مكتبك تقدر تباشر شغلك من خلاله .."
ثم اكمل بتهكم تحت انظار كريم الحارقة :
" ويا ترى يا سيادة النائب وصلت لفين فالشغل ..؟! قدرت تاخد قرار معين وتنفذه ..؟!"
رد كريم بحقد :
" مقدرتش طبعا عشان حضرتك مانع اي حاجة تتنفذ من غير توقيعك ... الشغل واقف بقاله اسبوعين بسبب غياب حضرتك .. يعني هو عشان ترتاح وتستجم الشركة تولع .."
ضرب ادهم على سطح مكتبه بقوة جعلت كريم يرتجف لا اراديا بينما قال ادهم بجمود وقسوة :
" شركة مين اللي تولع يا ابن عمي ..؟! الشركة اللي بديرها بقالي 13 سنة مفيش سنه عدت الا وارباحنا بتبقى بالمليارات ... الشركة اللي بقت من اكبر شركات بالعالم مش فمصر بس ولا فالشرق الاوسط .. ثانيا انت عارف كويس انوا رغم غيابي انا مضبط كل حاجة وسايب كل حاجة للوقت المناسب .. مش انا اللي هسمح بخسارة للشركة 


ولو بجنيه واحد .."
ابتسم كريم بسخرية بالرغم من خوفه وقال :
" ويا ترى يا سيادة المدير هتعمل ايه بصفقة العربيات اللي مفاضلش عليها غير اسبوعين وانت لسه مدرستهاش حتى ... وكمان الاتفاقيات والشحنات اللي المفروض توصل لاصحابها ...؟!"
رد ادهم بثقة :
" الاتفاقيات والشحنات وكل حاجة أتأجلت هتم فوقتها المحدد اما الصفقة بتاعة العربيات فإطمن هتكون من نصيبنا كالعادة ..."


تطلع اليه كريم بغيظ منه ومن ثقته بينما قال ادهم بهدوء :
" ودلوقتي يا ريت تتفضل من غير مطرود .. ولا قعدتك على مكتبي عجبتك .."
منحه كريم نظرات حارقة قبل ان ينهض من مكانه ويتجه خارج مكتبه ليجلس ادهم على مكتبه ويغمض عينيه للحظات محاولا تنظيم افكاره قبل ان يفتحها ويحمل هاتفه ويجري اتصالا بمدير البنك الذي يتعامل معه ..
" اهلا مستر عزت عامل ايه ..؟!"
قالها ادهم وهو يرد على تحية عزت المرحب به بحرارة ليبتسم وهو يقول :
" اه كل حاجة تمام .. انت دائما محل ثقتي .. انا عايزك تجهزلي ثلاثة مليون جنيه .. هاجي بكره عندك حوالي الساعة عشرة وهفتح حساب سري واحول عليهم المبلغ ده .. اتمنى كل حاجة تكون جاهزة لاني عاوز اخلص كل 


حاجة بسرعة ..."
ابتسم ادهم براحة وهو يسمع عزت الذي يطمأنه بأن كل شيء سوف يتم كما أمر ليودعه ادهم ويغلق الهاتف قبل ان يفتحه مرة اخرى ويجري اتصالا بحسام يخبره الاتي :
" ازيك يا حسام .. مش وقت اسألة دلوقتي .. النهاردة تفتح موضوع جوازك مع بابا .. وطبعا مش محتاج اقولك متعملش حاجة غير انوا تبلغه برغبتك بالجواز من نورهان وتحاول تقنعه فيها لكن من غير عناد وتحدي زي ما اتفقنا قبل كده ... ومتعملش اي حاجة تانيه غير لما ابلغك .."
اغلق الهاتف بعدها وهو يعود برأسه الى الخلف ويتنهد بصمت ..


.......................................................................
كانت ليديا تجلس في غرفتها تقرأ احد الكتب التاريخية التي أعارته اياه نورا حينما وجدت هاتفها يرن ..
تطلعت الى الهاتف بإستغراب من المتصل والذي لم يكن سوى ادهم ... تعجبت في داخلها فهو لم يحدثها او يتواصل معها منذ اسبوعين تحديدا منذ تركها القصر وقدومها الى هنا ..
ضغطت على زر الاجابه وهمت بتحيته بالرغم من ضيقها منه وحقدها عليه بسبب فعلته لكنها تفاجئت به يهتف بها ببرود :
" انزليلي فورا انا قدام الفيلا .. وياريت متقوليش لحد انك نازلة تشوفيني .. معايا حاجة تخصك خديها وارجعي .."
ثم اغلق الهاتف في وجهها دون ان يستمع الى ردها لتنظر ليديا الى الهاتف في يدها بدهشة وغيظ قبل ان تهتف بكره 


:
" غبي ومتخلف .."
اما ادهم فكان يقف بجانب سيارته وهو ينتظر قدومها بفارغ الصبر .. وجدها تخرج اخيرا من الفيلا وهي تتهادى في مشيتها مرتدية بنطال من الجينز فوقه تيشرت اسود اللون ذو اكمام قصيرة مع حذاء رياضي اسود اللون ايضا ... تعقد شعرها بشكل ذيل الحصان الطويل ووجهها خالي من مساحيق التجميل كالعادة ...لطالما كانت ليديا ذات طلة عادية بسيطة للغاية لا تثير دهشة او اعجاب من حولها عكس طلات بنات عائلته وجميع العوائل من حوله والتي تمتاز برقيها وفخامتها التي تبهر الجميع في ابسط المناسبات وبالرغم من هذا كله كانت ليديا ببساطتها المبالغ فيها تلك تنال اعجابه الشديد دون ان يدرك سبب واحد لهذا ..
وقفت ليديا امامه وهي تقول ببرود :


" نعم ..؟!"
فهم ادهم انها انزعجت من اسلوبه الجاف معها لكنه لم يهتم بذلك بل اتجه نحو الباب الخلفي لسيارته وفتحها واخرج منها كيس كبير واعطاه لليديا التي اخذت الكيس منه وتطلعت اليه بدهشة قبل ان تفتحه وتنظر الى محتوياته .. تسمرت ليديا في مكانها للحظات محاولة استيعاب ما يوجد داخل الكيس قبل ان تقفز بسعادة وهي تصرخ بمرح .. لقد اعاد ادهم اليها ملابسها القديمة والتي جاءت بها من فرنسا .. تطلع ادهم اليها بدهشة غير مصدقا لمدى فرحتها بهذه الملابس القديمة البالية والتي لن يشتريها احد هنا بجنيه واحد ...
وجدها تتوقف عما تفعله وهي تحمل احد الفساتين و تتأمله  بعينين دامعتين قبل ان تقربه من انفها وتشم رائحته 


بشوق ظهر في عينيها ..
اعادت اخيرا الفستان الى الكيس ونظرت الى ادهم لتمنحه ابتسامة سعيدة لاول مرة يراها على وجهها قبل ان تضع الكيس ارضا وتتقدم نحوه وتحتضنه بشكل اثار دهشته وجعله يتجمد في مكانه غير مستوعبا لكل هذا ..
ابتعد ليديا عنه اخيرا بعينين سعيدتين وقالت بصدق :
" شكرا .. بجد شكرا ... انت جميل اوي يا ادهم .. جميل بجد .."
ابتلع ادهم ريقه محاولا السيطرة على مشاعره التي فاضت بشدة بعدما احتضنه ليديا ورائحتها ما زالت عالقة بإنفه ودفء حضنها ما زال يسيطر على كل خليه به ..
تنحنح ادهم اخيرا وهو يقول :


" للدرجة الهدوم دي مهمة عندك ..؟!""
قالت ليديا بحب :
" دول اهم حاجة عندي .. دول بشوف فيهم الماضي بتاعي .. وريحة ماما وحبها .. كل قطعه منها بيهه ذكريات كتير انا عايشه بسببهم .."
قال ادهم بأسف وقد ادرك مدى فداحة خطأه حينما سرق تلك الملابس :
" انا اسف بجد .. مكنتش اعرف انها مهمة اوي عندك .."
قالت ليديا بسعادة :
" بلاش تعتذر .. المهم انك رجعتهم .."


سألها ادهم بجدية :
" يعني مش زعلانه ..؟!"
ضحكت ليديا وهي تجيبه ببساطة :
" طالما رجعوا ليا يبقى اكيد مش زعلانه خلاص .."
تعجب ادهم من بساطتها ومرونتها بل وروحها التي تسعدها ابسط الاشياء ..
ابتسم بهدوء وقال :
" كده اطمنت .. اروح انا دلوقتي لانوا اتأخرت عالبيت .."


ابتسمت ليديا منه وقالت :
" مع السلامة .."
" مع السلامة .."
قالها ادهم بخفوت وهو يتجه نحو سيارته ويركبها بينما اتجهت ليديا عائدة نحو الفيلا وهي تحتضن ذلك الكيس بيديها وكأنه كنزها الثمين الذي وجدته بعد عناء ..
.......................................................................
دلف ادهم الى القصر ليستمع الى اصوات صراخ اتيه من الداخل وقد فهم ان حسام قد فجر قنبلته اخيرا في وجه والده والذي قال ما ان رأه :
" تعال يا ادهم .. تعال شوف مصيبة اخوك الصغير .. عايز يتجوز وحدة من العشوائيات .. تخيل ..؟! "
رد حسام بغضب مكتوم تحت انظار والدته الباكية بسبب ابنها واختياره المجنون ومصطفى  المتأسفة :
" يا بابا انا مش صغير .. وملوش لزمة تهددني بأدهم وكأنوا هيضربني بالعصايا .."


رد ادهم بدوره :
" حسام معاه حق يا بابا ... هو مش صغير عشان تهدده بيا .."
قال سليم بدهشة :
" يعني ايه ..؟! حضرتك موافق عالهبل ده ..؟!"
رد ادهم ببساطة :
" كل واحد حر باختياره ..."
صرخت فريال بلا وعي :
" ادهم انت بتقول ايه ..؟!"


ليكمل ادهم بجدية :
" وكمان فعواقب اختياره .."
تطلع اليه الجميع بحيرة ليقول اخيرا :
" انا معرفش اي تفاصيل عن الموضوع ده بس اللي فهمته انوا البنت من العشوائيات ودي حاجة مستحيل يقبل بيها حد مننا .. عاوز تتجوزها مفيش مانع .. بس ساعتها اعرف انك هتخسر العيلة كلها .. ومش العيلة بس .. لا كل حاجة ... مكتب سعادتك اللي متباهي بيه هينسحب منك ويبقى تحت سيطرتنا ... ارصدة البنوك هتتجمد .. القصر هتخرج منه .. اما العربية فللاسف دي بإسمك مش هقدر اسحبها منك .. عاوز تتجوز بنت العشوائيات اتجوزها بس تنسى كل العز اللي انت فيه بمعنى تاني روح عيش معاها بالعشوائيات وخليها هي ساعتها تصرف عليك دي لو 


رضيت بيك .."
تطلع حسام اليه بكره قبل ان يتجه الى غرفته دون ان يتفوه بحرف واحد بينما اشار ادهم الى والده ووالدته قائلا :
" اطمن يا بابا .. كل حاجة هتبقى تمام .. حسام مستحيل ينفذ كلامه ويتجوزها لانوا عارف عواقب ده .. وعشان تتطمن دلوقتي هكلم البنك واجمد ارصدته وملكية المكتب معاك وبإسمك .. يعني كل حاجة تحت السيطرة .."
ابتسم سليم وهو يربت على كتف ولده :
" طول عمرك قد المسؤولية يا ادهم .. عمرك ما خيبت ظني بيك .."


ابتسم ادهم بدوره وقال :
" متقلقش يا بابا .. طول منا عايش كل حاجة هتفضل زي ما هي .."
اتجه سليم نحو مكتبه وهو يتنهد براحة بينما اقتربت فريال من ادهم واحتضنته بقوة وهي تحمد ربها على ابنها الذي منحه الله الحكمة والعقل الكافيين لتيسير جميع الامور والحفاظ على روابط هذه الاسرة ..
اتجهت فريال بعدها نحو غرفتها لتستريح قليلا بينما نظر ادهم الى مصطفى الذي منحه نظرات كارهة حزينه :
" عمري ما كنت اتصور انك بالانانية دي .. بتهدد اخوك الصغير .. هي دي الاخوة يا ادهم بيه ..؟! بس برافو عليك .. قدرت تنزل من نظري بسهولة بعد ما كنت عالي اوي .. "
القى مصطفى  كلماته تلك في وجه اخيه واتجه نحو الاعلى تاركا ادهم يتابعه بنظرات باردة ..

تعليقات