![]() |
رواية اوركيديا (كامله جميع الفصول) بقلم نورهان إبراهيمالفصل الأول. فى ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الباردة و السماء تستعمرها الغيوم الرمادية ، و البرق يكاد يخطف الأبصار من شدة ضوءه ، و رعدت السماء رعدات قوية عندها انتفضت تلك الطفلة من مرقدها على سريرها الوردي تصرخ مجفلة ، فالرعد انتزعها من بين أحلامها الطفولية البريئة ، و أخذت تركض حتى غرفة والديها ، أدارت المقبض و أطلت برأسها الصغيرة ، و من ثم تقدمت بخطوات خفيفة سريعة حتى وصلت إلى جانب والدتها ثم هزتها مرددة فى صوتٍ ناعس خائف : _ ماما ، أنا خايفة. فتحت والدتها عينيها نصف فتحة و أمرتها بابتسامة طفيفة : _ تعالي فى حضني يا قمري. صعدت الطفلة على السرير و اندست ما بين والديها رامية برأسها على عضد أمها التى ضمتها فى حنان و قبلت قمة رأسها و من ثم سألتها بلين : _ أثير حبيبة قلبي خافت من البرق مش كدة؟ طالعت الطفلة السقف ذو الملامح الغير بينة بسبب ظلام الغرفة و اومأت برأسها قائلة بخوف : _ اه ، و الرعد ضرب الشجرة اللى قدام البيت. انتفضت والدتها فجأة فوقعت راسها على الوسادة مما سبب لها قليلاً من الدوار ، و أتاها قول والدتها المرتعد : _ إنتى متأكدة ، كدة ممكن تحصل حريقة. أكدت "أثير" مخاوف والدتها حين قالت فى براءة خالصة : _ أه يا مامي ،دي الشجرة نورت. هزت والدتها كتف والدها هاتفة بخوف : _ قوم يا نديم ، الشجرة اللى قدام البيت بتولع ، قوم بسرعة. هب جالسًا و لا زالت عيناه مغمضتان ، و قال مشدوهًا : _ إيه؟ إنتى متأكدة؟ _ بنتك بتقول كدة. _ أه يا بابي الشجرة نورت. _يارب استرها يارب و متقومش حريقة ، أروح فين و آجي منين؟ ده أحنا نص الليل! قالها "نديم" بفزع ، و قفز من فوق السرير فكاد أن ينكفأ لولا أن تماسك فى اللحظة الأخيرة ، وأخذ يعدو خارج الغرفة و الخوف يسكن نفسه ، و بعد أن استفاق قليلاً من أثر نومه ، فتح باب شقته ، و اندفع للخارج إلى الشجرة فوجدها كما هى ، تنهد بارتياح و نطق باستياء : _ البنت و امها شكلهم اتجننوا ، العوض من عندك يا رب. ثم رجع إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه و قد بله المطر كليًا ، عاد إليهما محملاً بالماء و هو يرتعش من البرد ، ثم أخذته وصلة من العطاس : _ هاااااتشوووو ، ينفع اللى ... ها هاااتشوووو ، اللى حصل فيا ده. سألته زوجته بلهفة : _ ها عملت إيه؟ _ قولى اتعمل فيا إيه ، منك لله إنت و بنتك يا ألاء ! _ هترد عليا و لا أخرج بخرطوم الماية و أطفى الشجرة بدل ما الحريق يوصل البيت؟ سألته "ألاء" بضيق ، فرد بغيظ قليل و لازال يعطس : _ ها ... هاتشوووو ، خرطوم إيه بقى ، ممكن تعصريني أنا . حين رأى الغضب يتسلل إلى قسماتها قرر أن يجيبها بما تريد : _ الشجرة لا و لعت و لا حاجة ، تلقاه كان برق مش أكتر ، و بنتك قالت نورت مش ولعت. تدخلت "أثير" مؤكدة على كلام والدها و مؤيدة : _ اه ، أنا قولت كدة لمامي. رجعت "ألاء" لتستلقي على السرير و تعيد "أثير" إلى أحضانها من جديد ، فى حين ذهب "نديم" إلى الحمام ليغير ثيابه و بعدها سيتناول مسكنًا فقد أصيب باحتقان. ................................ على الفطور كانوا يجلسون ثلاثتهم و قد ألبست "ألاء" ابنتها "أثير" زي المدرسة الإبتدائية و رتبت لها خصلاتها الحمراء المجعدة و ربطتهما بشريطين ملونين و وضعت لها فى حقيبتها شطائر بمربى التوت البري و نوعين من الفاكهة ، ثم أطعمتها بيدها حتى شبعت. نظرت "ألاء" إلى زوجها و حاولت كتم ضحكتها على ما جرى له بسببها و لكنها لم تكن تقصد ، رأت أنفه محمراً بسبب نزلة البرد التى أصابته أمس ، فدخلت إلى المطبخ و عادت و معها كوبًا ساخنًا من الشاي و طبقًا من الشوربة الساخنة ، وضعتهم أمامه فباشر فى الأكل بصمت و لم يحدثها. أتت الحافلة لتقل "أثير" إلى مدرستها الخاصة ، لوحت لها امها و هى تبتعد ثم دخلت المنزل و جلست بجوار "نديم" تستعطفه بقولها : _ لسة زعلان منى؟ و الله مكانش مقلب ، و هى طفلة فكرتها تقصد إن الشجرة ولعت. تبسم قليلاً و تناول كفها مقبلاً ظاهره و قال برضا و صوته مبحوح من كثرة السعال : _ مش هفضل زعلان الوقت ده كله ، لكن الاحتقان مبهدلني ، قهقهقه. أنهى جملته بسعال خفيف ، فناولته كوب ماء دافئ ، انتظر هو بضع ثواني حتى خف السعال ثم شرب منه القليل ، فقالت له تستحثه بلطف : _ طيب كمل الشوربة ، يارب تكون عجبتك. ضغط على أصابع يدها برفق و رد صادقًا : _ مدام اديكي لمست الأكل أكيد هيطلع خرافي. ابتسمت بشئ من الخجل و سحبت يدها هاربة من نظراته البراقة ، ثم قالت بسرعة و قد لمحت الوقت على ساعة الحائط : _ الشغل بتاعك ، هتتأخر على الشغل. أزاح كرسيه سريعًا و وقف و هو يحمل حقيبته و أهداها قبلة على خدها قائلاً و هى يغادرها : _ سلام يا حبيبتي ، أشوفك لما أرجع عندي ليكي إنتى و أثير مفاجئة بكرة إن شاء الله. بدأت تتناول طعامها و هى تراقبه يذهب ، متسائلة : _ يا ترى إيه المفاجأة دي؟ ................................ فى مدرسة ابتدائية خاصة راقية. فى وقت اللعب المخصص فى المدرسة ، كان الأطفال بناتًا و صبيانًا يلعبون ألعبًا مختلفة ، جلست "أثير" على مقاعد الاستراحة تراقبهم و هم يلعبون و يلقون بالكرات هنا و هناك ، يركضون وراء بعضهم ، يلهون بالمراجيح ، و انشغلت عنهم بوجبة غدائها . _ ممكن نتشارك فى الأكل؟ تلفتت حولها تبحث عن المتكلم فوجدته إلى جانبها على بعد شبرين ، كان ولداً صغيراً له كاريزما و وجه بسام ، أكبر منها بحوالى الأربع سنوات فهو فى الصف الخامس الابتدائي ، أعطته شطيرة من علبتها ، قائلة بترحيب : _ اتفضل. قضم من الشطيرة قضمة واحدة فاستحسن مذاقها و فاجأها حين تكلم بطلاقة : مين اللى عامل الشندوتشات دي ، طعمها لذيذ. _ مامي . أعطاها شطيرة من خاصته و بادرها بـ : _ هى بتعملها على طول؟ _ اه ، كل يوم. سألها مجدداً بقيل من تردد و حرج : _ توافقى ناكلها سوا كل يوم. ضحكت بلطافة و قالت : _ طبعًا. مد بصره إلى الأمام حيث الأطفال اللاهين المشاغبين منهم و الهادئين ، و هو يقول سائلاً إياها بنبرة مهتمة : _ بتحفظي قرآن؟ انتبهت "أثير" لجملته و هزت رأسها سلبًا كإجابة صامتة بالنفي ، فأردف بسؤال آخر : _ طيب باباكي و مامتك بيحفظوا؟ أومأت إيجابًا ، و أجابت بنبرة مسهبة : _ أه ، بشوفهم كل يوم بيقرأوا و يسمعو لبعض ، بس أنا مش بحفظ معاهم القرآن صعب و مش بعرف أقراه ، لما أكبر احفظه. حرك سبابته للجانبين و هتف نافيًا : _ القرآن سهل خالص ، أنا حفظت سبع أجزاء و لسة مكمل لحد ما اختمه. _ يعني إي تختم القرآن. ضحك مجيبًا بنبرة غير مصدقة أنها لا تعى ما يقول : _ يعنى أحفظه كله . _ فهمت. _ إيه رأيك نحفظ سوا؟ _ بتتكلم جد؟ _ جد و جدود كمان. الآن هى التى ضحكت و قالت ببشاشة و تعلو خديها غمازتين : _ إوك ، اتفقنا. ناظرها باهتمام و قال : _ عندك مانع نبدأ من دلوقتي؟ _ لا خالص. _ تمام. قالها الولد مبتسمًا ، و فتحت مصحفًا أخرجه من حقيبة الظهر خاصته ، ليبدأ بـ البسملة : _ قولى ورايا ، بسم الله الرحمن الرحيم. _ بسم الله الرحمن الرحيم. _ قل هو الله أحد * الله الصمد * لم قاطعته بسرعة بقولها : _ استنى ، قول بشويش ، عشان نسيت أول آية. و برحابة صدر آخذ يعيد عليه الآيات كلما استوقفته ، ليتلوا فى كل مرة أبطأ من التى تسبقها. انتهت الاستراحة و قد أشارت لهما إحدى المدرسات كي يعودوا إلى صفوفهما بعد أن عاد الجميع سواهما. فقال لها قبل أن يتركها مغلقًا مصحفه : _ نكمل بكرة ، مع السلامة. _ مع السلامة. سارت ببطئ تجاه المبني الدراسي ، و هى تغلق حقيبة ظهرها المرسوم عليها بياض الثلج و الأقزام السبعة و تتبختر فى مشيتها كالفراشة التى لا تحط قدامها على الأرض ، فهى أكثر من سعيدة فقد حصلت على صديق جيد و حافظ للقرآن ، و الأهم من هذا لها أنه لم يضايقها كالبقية و لم يعلق على شعرها بتعليق ساخر ..................... الفصل الثاني من هنا |
رواية اوركيديا (كامله جميع الفصول) بقلم نورهان ابراهيم
تعليقات
