رواية غادة الكاميليا الفصل الرابع 4 بقلم الكسندر دوما



رواية غادة الكاميليا الفصل الرابع 4 بقلم الكسندر دوما 




الفصل الرابع

حقق المزاد مائة وخمسين ألف فرنك اقتسم الدائنون ثلثيها. بينما

الباقي كان من نصيب أخت مرغريت بصفتها وريثتها الوحيدة. ولم تكن قد

رأت مرغريت منذ سبعة أعوام.

لها ودعيت الأخت إلى باريس لتسلم الميراث ولشد ما كانت دهشة أصدقاء مرغريت حين أبصروا في أختها فتاة ريفية ساذجة بدينة لم يسبق أن غادرت مسقط رأسها وسارعت بالعودة إليه محملة بثروة طائلة. ورددت باريس - مركز الفضائح - هذه الحقائق الأخيرة عن مرغريت وأختها. ثم بدأت تسدل ستار النسيان على الغانية التي كانت ملء الأفواه وأوشكت بدوري أن أنسى حين حدث فجأة حادث جديد حمل إلي تاريخ مرغريت كله...

ففي صباح أحد الأيام.. سمعت طرقا على باب شقتي. فذهب الخادم إلى الباب. وعاد يحمل إلى بطاقة، ويقول إن صاحبها يرغب في التحدث إلي. نظرت إلى البطاقة فوجدت فيها هذا الاسم "أرمان ديفال" وسرعان ما تذكرت الصفحة الأولى من كتاب مانون ليسكو، وتساءلت: ترى ماذا يريد مني هذا الشاب الذي أهدى ذلك الكتاب إلى مرغريت؟
وأمرت الخادم أن يدعوه للدخول. وما هي إلا لحظة حتى دخل شاب طويل القامة شديد امتقاع الوجه يرتدي ثوب سفر فهمت من الغبار الذي يعلوه أن صاحبه لم يستبدله منذ بضعة أيام، بل ولم يفكر في إزالة الغبار عنه منذ وصوله إلى باريس. ولم يحاول مسيو ديفال اخفاء تأثره وانفعاله. فقال والدموع تملأ عينيه:

- سيدي.. أرجو معذرة عن تطفلي بزيارتك في هذه الثياب الرثة... فإن رغبتي في مقابلتك بأسرع ما يمكن جعلتني أضن بقضاء بعض الوقت في الفندق الذي احتجزت فيه غرفة لاقامتي. وقد جئت إلى هنا مباشرة الألحق بك قبل أن تبرح بيتك.

فرجوته أن يجلس بالقرب من الموقد.. فجلس وأخرج من جيبه

منديلا جفف به عينيه

قال وهو يبتسم بحزن

لا شك أنك لا تستطيع أن تفهم لماذا يأتي رجل مجهول فيطلب مقابلتك في مثل هذه الساعة المبكرة.. وهو يرتدي مثل هذا الثوب ويبكي بكاء الأطفال؟ ولكني رجل طحنه الحزن يا سيدي.. وقد جئت أطلب

على يديك خدمة عظيمة.

- تكلم بحق السماء يا سيدي واعلم أنني سأكون سعيدا إذا

استطعت خدمتك.


أعتقد أنك شهدت بيع مخلفات مرغريت جوتييه.

واشتد به التأثر والانفعال عندما ذكر هذا الاسم. فأخفى وجهه بين

كفيه وانفجر باكيا.

استطرد:

- أخشى أن يبدو سلوكي في عينيك مدعاة للسخرية.. ولكني أرجو

معذرتك.. وأؤكد لك أنني لن أنسى ما حييت سعة صدرك وعنايتك

بالاصغاء إلي.

فأجبت وأنا أشعر باشفاق حقيقي على هذا الشاب الحزين - سيدي.. إذا كان من شأن الخدمة التي تعتقد أنني أستطيع أدائها أن تخفف حزنك وألمك.. فأرجو أن تذكرها في الحال.. وسيكون من دواعي سروري أن أجيبك إلى ما تطلب.

فسأل:

- هل ابتعت شيئا من مخلفات مرغريت جوتييه؟

- نعم.. إنني ابتعت كتابا .

- كتاب "مانون ليسكو".

- هو ذاك.

- وهل ما زلت تحتفظ بهذا الكتاب؟


إنه في مخدعي.

فبدت على وجهه علامات الارتياح.. وراح يشكرني كما لو كان

احتفاظي بهذا الكتاب هو الخدمة التي جاء يطلبها ونهضت إلى مخدعي...

وجئت بالكتاب. ووضعته بين يديه فقال بعد أن ألقي نظرة على الصفحة

الأولى.

- نعم.. هذا هو الكتاب...

والحدرت من عينيه دمعتان كبيرتان.. سقطتا على تلك الصفحة.

ثم رفع رأسه.. وقال دون أن يحاول اخفاء دموعه:

- أرجو أن تنبئني يا سيدي.. هل تعلق على هذا الكتاب أهمية

خاصة؟!

- ولم هذا السؤال!؟ - لأنني أريد أن أرجوك في أن تسمح لي به. فأجبته:

- معذرة عن فضولي يا سيدي ولكن هل أنت الذي أهديت هذا

الكتاب لي مرغريت جوتييه؟.

- نعم..

- إذن فالكتاب لك يا سيدي فخذه فإني سعيد بأن أرده إليك...


فقال في شئ من الحيرة

ولكن يجب أن تسمح لي على الأقل بأن أرد إليك الثمن الذي

دفعته.

- أرجوك أن تقبل الكتاب يا سيدي أما ثمنه فكان من التفاهة

بحيث لا أستطيع الآن أن أذكره...

- إنك دفعت مائة من الفرنكات ثمنا له يا سيدي...

فملكتني الحيرة بدوري وأجبت:

هذا صحيح.. ولكن كيف علمت؟!

- الأمر بسيط فإنني كنت أرجو الوصول إلى باريس في الوقت المناسب قبل البيع.. ولكني في الواقع لم أصل إلا هذا الصباح. ولما كنت مصمما على الحصول على شئ من مخلفاتها. فإنني أسرعت إلى الدلال وطلبت إليه أن يسمح لي بالاطلاع على قائمة الاشياء التي بيعت وأسماء الاشخاص الذين ابتاعوها ووجدت أنك الذي اشتريت هذا الكتاب فقررت أن أرجوك في النزول عنه إلي وإن يكن الثمن الذي دفعته قد أوقع في روعي أنك لابد أن تعلق على الكتاب أهمية شخصية قد تمنعك من

التفريط فيه...

وفهمت من هذه العبارة أنه يخشى أن أكون قد عرفت مرغريت كما

كان هو يعرفها. فأجبت لكي أزيل شكوكه

- إنني لم أعرف الآنسة جوتييه إلا شكلا واسما وقد ترك موتها في نفسي الاثر الذي يتركه عادة موت الصبيبة الحسناء في نفس شاب اعتاد أن يعجب بجمالها وفتنتها، ولذلك رغبت في شراء شئ من أمتعتها.. ووقع اختياري - لا أعلم لماذا - على هذا الكتاب.. ودفعت فيه هذا الثمن على سبيل العناد تحديا لمنافس كان يريد الحصول عليه.. والكتاب - كما قلت - تحت تصرفك فأرجوك في قبوله عربونا لصداقة أرجو أن تتوثق

أواصرها بيينا في المستقبل

فأجاب أرمان وهو يشد على يدي - ليكن ذلك يا سيدي.. إنني أقبل هذا العربون وسأذكر فضلك وكرمك ما حييت.

ووددت لو ألقي عليه بضعة أسئلة عن مرغريت لأن الكتاب الذي أهداه إليها.. واهتمامه بالحصول على شئ من مخلفاتها كل ذلك أثار فضولي ولكني خفت أن الحف عليه في السؤال فيعتقد أنني رفضت ثمن الكتاب لأستبيح لنفسي الحق في التطفل على شؤونه اعتمادا على وفاته

وامتنانه.

وأكبر ظني أنه أدرك ما يدور بخلدي، لأنه قال: - هل قرأت هذا الكتاب؟ - بل قرأته مرارا...

- ما قولك في الكلمات التي كتبتها في الصفحة الأولى؟

- إنني فهمت لأول وهلة أنك لمست في تلك الفتاة التعسة ما يرقى

بها فوق مستوى طبقتها. ولم يخطر ببالي قط أنك قصدت بهذه العبارة شيئا

من الهزء والسخرية.

- أصبت يا سيدي.. فقد كانت هذه الفتاة ملاكا كريما دونك هذه

الرسالة فاقرأها.

وقدم إلي رسالة تدل أطرافها على أنها نشرت وطويت ألاف

المرات.. بسطت الرسالة بين يدي وقرأت فيها ما يلي:

"عزيزي أرمان"

"تسلمت رسالتك.. وأحمد الله على أنك لا تزال كريما كعهدي بك" نعم يا صديقي.. إنني مريضة بداء يستحيل برؤه. ولكن أود لو يمتد بي الأجل حتى أسعد مرة أخرى بضغط اليد الكريمة التي كتبت الرسالة التي تسلمتها في التو واللحظة. وكتبتها بلغة تكفي في ذاتها لشفائي. إن كان العلتي دواء يشفيها.

" ولكن لا أمل لي في لقائك مرة أخرى، لأنني أقرب ما أكون إلى

الموت.. وبيني وبينك مئات المراحل.

"يا صديقي المسكين.. إن مرغريت التي عرفتها فيما مضى قد تبدلت تبدلا محزنا وربما كان من الخير ألا تراها أبدا فذلك أفضل من أن تراها كما هي الآن.

" تسألني أن أصفح عنك وإني أصفح عن طيب خاطر. فإن ما

أصابني من عسفك لم يكن إلا دليلا على فرط حبك. "إنني ألازم الفراش منذ شهر. وأوقف بعض الوقت في كل يوم على كتابة يومياتي منذ افترقنا، وسأواصل الكتابة حتى أعجز عن حمل القلم.. " فإذا كان يهمك أمري حقا يا ،ارمان فاقصد إلى (جوليا ديبار) عقب عودتك إلى باريس. فتقدم إليك هذه اليوميات ومنها تعلم سر تحولي عنك وأسبابه.

" ومتى انتهت إليك يومياتي فلا تشكرني عليها. فإن كتابتها كانت تذكرني يوميا بأهناً ساعات حياتي، فتخفف الذكرى من آلامي، وبحسبك أن تجد فيها ما يبرر سلوكي وبحسبي أنني وجدت في كتابتها ترفيها وسلوى. "ولقد كنت أود أن أترك لك شيئا من متاعي تذكرني به ولكن كل أمتعتي قد حجزت وأصبحت لا أملك شيئا حتى الثياب التي أرتديها ...

"هل تفهمني يا صديقي؟


"إنني أدنو من الموت واسمع وأنا طريحة الفراش وقع خطوات الرجل الذي أقامه الدائنون في بيتي لحراسة أمتعتي حتى لا ينقل منها شئ وحتى لا يبقى لي شئ إذا حدث ونجوت من الموت.... " على أن كل ما أرجوه هو أن يرجئوا البيع قليلا حتى يقضي الله في

بقضائه.

"إن هؤلاء الناس لا رحمة في قلوبهم. ولكن لا هذه عدالة السماء

لا تلين ولا تحمل " وإن لم يبق لك يا صديقي إلا أن تشهد البيع وتشتري بنفسك شيئا من متاعي.. فإنني إذا خبأت لك شيئا مهما كان تافها ثم اكتشف فقد لا يتردد القوم في اتهامك بالاستيلاء على شي محجوز ... "أواه .. ما أتعس هذه الحياة التي أوشك على الخروج منها؟

"كم أود لو تترفق بي السماء فتسمح لي بأن أراك مرة أخرى قبل أن أموت!! ولكني أرجح أنه يتعين علي الآن أن أودعك.. فعفوا يا صديقي إذا كنت لا أطيل الكتابة إليك فإن المرض هد قواي.. وأصبعي عاجزة عن توجيه القلم.

"مرغريت جوتييه"

والواقع... إن الكلمات الأخيرة كانت مضطربة لا تكاد تقرأ

مضمونها في ذاكرته بينما كنت بسبيل قراءتها .. لأنه قال وهو يتناولها : 


من ذا الذي يصدق أن كاتبة هذه الرسالة فتاة تنتمي إلى تلك الطبقة من النساء..؟ وأمضته مرارة الذكرى.. فنظر إلى الرسالة طويلا. ثم رفعها إلى شفتيه.

استطرد:

- كلما فكرت في أنها ماتت دون أن أراها .. وفي أنني لن أراها أبدا مرة أخرى.. وكلما فكرت في أنها قد فعلت من أجلي، أكثر مما تفعل الأخت من أجل أخيها .. كلما فكرت في كل ذلك شعرت بأنني لن أغفر لنفسي أنني تركتها تموت هكذا.. نعم إنها ماتت.. ماتت وهي تفكر في... وتكتب لي.. وتردد اسمي... فيا لها من مسكينة!

ودفن وجهه بين يديه وبقى كذلك لحظة ثم استطرد:

- قد يعيب على الناس أن أندب موت فتاة كمرغريت.. ولكن الناس لا يعلمون كم تألمت لأجلي. وكم قسوت عليها فصفحت... وظلمتها فأذعنت كنت أظن أنني الذي يجب أن يغفر ويصفح.. أما الآن فأرى أنني لست جديرا بعفوها وصفحها. أواه .. إني أنزل عن عشرة أعوام من حياتي لأبكي ساعة تحت قدميها.

وشعرت بالشفقة والعطف على هذا الشاب الذي كشف لي آلامه

وأحزانه بهذه الصراحة. فقلت له:


- أليس لك أقارب أو أصدقاء؟ اذهب لزيارتهم فقد يلطف حنانهم

بعض ما بك.. أما أنا فلا أستطيع إلا الرثاء لك والاشفاق عليك. فقال وهو ينهض واقفا ويسير في الغرفة جيئة وذهابا

- صدقت إنني أضايقك.. فمعذرة إذا كنت قد نسيت أن آلامي - إنك تسيئ فهم كلامي.. فما أردت إلا التعبير عن أسفى لعجزي عن تلطيف حزنك. ولكن إذا كانت صحبتي أو صحبة أصدقائي تخفف من آلامك.. أو كان في استطاعتي أن أقدم إليك أية خدمة من أي نوع.. فثق إنه يسرني أن أفعل من أجلك ما تريد.

وأحزاني لا تهمك إلى قليلا.

فأجاب :

- إن الحزن يرهف الشعور ويضاعف الحساسية.. فاسمح لي بالبقاء هنا بضع دقائق حتى تجف دموعي لكيلا يقول الفضوليون في الطريق أنهم شاهدوا طفلا كبيرا يبكي، إنك أديت لي خدمة كبرى باعطاني هذا الكتاب.. ولست أعرف كيف أستطيع أن أعبر لك عن شكري وامتناني.

فأجبت:

بل تستطيع ذلك بأن تشرفني بصداقتك. وتحدثني بأسباب

حزنك، فالإنسان يجد العزاء في سرد آلامه


- هذا صحيح.. ولكني الآن متعب منهوك القوى وأخشى ألا تسمع مني كلاما مفهوما .. على أنك ستعرف قصتي في أحد الأيام.. وترى إن كان يحق لي أن أحزن على تلك الفتاة المسكينة.. أما الآن.. فأرجوك أن تقول لي إنني لم أتقل عليك.. وإنك تسمح لي بزيارتك مرة أخرى. قال ذلك وفي عينيه نظرة رقيقة حببته إلي ثم تلبدت عيناه بسحب الدموع وأشاح بوجهه.

قلت له بصوت خافت:

- تشجع يا صديقي.. ورفه عنك.

فودعني ومشى إلى الباب.. وحركت ستار نافذتي.. ونظرت إلى الشارع.. فرأيته يقفز إلى مركبة كانت في انتظاره .. ثم دفن وجهه في منديله وانفجر باكيا.


الفصل الخامس من هنا 







 

غير معرف
غير معرف
تعليقات