رواية غادة الكاميليا الفصل السادس 6 بقلم الكسندر دوما



رواية غادة الكاميليا الفصل السادس 6 بقلم الكسندر دوما 




الفصل السادس

وجدت أرمان ملازما فراشه وشعرت بيده تكاد تلتهب ...

قلت له:

إنك محموم يا صديقي...

ليس بي من شئ إلا التعب من تأثير رحلتي السريعة...

- هل قابلت أخت مرغريت؟

- نعم.. ولكن من أنباك بذلك؟

- نعم.. ولكني أسألك مرة أخرى من ذا الذي أنبأك بأمر رحلتي

والغرض منها ؟

- بستاني المدفن.

- هل رأيت القبر؟

فلم أجسر على الإجابة...

كانت نبرات صوته تدل على أنه لا يزال فريسة الحزن الذي رأيت أعراضه عندما قابلته أول مرة .. فكل حديث في هذا الموضوع المحزن من شأنه أن يزيد ألمه ووجده، لذلك قنعت بأن أحنيت رأسي علامة الايجاب..

سألني هل عني البستاني بالقبر ..؟

- كل العناية ..

وهنا انحدرت على خده دمعتان كبيرتان.. فأشاح بوجهه ليخفيهما

وتظاهرت من ناحيتي، بأنني لم أر دموعه وحاولت أن أغير مجرى

الحديث.. قلت

- لقد انقضت ثلاثة أسابيع منذ رحيلك..

فأجاب: نعم ثلاثة أسابيع كاملة ...

- هل كانت الرحلة طويلة؟

- إنني لم أقض الوقت كله في السفر، فقد أقعدني المرض أسبوعين

ولولا ذلك لعدت منذ وقت طويل.. ولكني في الواقع ما كدت أصل إلى

نهاية الرحلة حتى انتابتني الحمى فلزمت الفراش...

- وقفلت راجعا قبل أن تشفى من مرضك؟

- لو أنني مكثت أسبوعا آخر في ذلك الاقليم لهلكت بلا محالة...

- أما وقد عدت الآن فيجب أن تعنى بنفسك كل العناية.

- إنني سأبرح الفراش بعد ساعتين.

تلك هي الحماقة بعينها ...

لابد أن أفعل ذلك..



لو أنني بقيت ثمانية أيام أخرى لكنت من الهالكين. - ولكن الآن وقد عدت، لابد لك من أن تعني بنفسك. سوف يأتي أصدقاؤك لزيارتك.. وسأكون أنا أولهم بعد أذنك. - سأبرح الفراش بعد ساعتين. - إنها لحماقة. - وما هو العمل العاجل الذي يحملك على ذلك؟

- لابد من ذلك.

- يجب أن أمضي إلى مأمور البوليس. لماذا لا تكلف أحدا غيرك بهذه المهمة التي قد تضاعف - مرضك؟

هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يشفيني. يجب أن أراها. منذ أن علمت بموتها، وعلى الخصوص منذ أن رأيت قبرها وأنا لا أجد إلى النوم سبيلا. لا يمكن أن أتصور أن هذه المرأة التي فارقتها وهي في ريعان الشباب وروعة الفتنة والجمال قد ماتت، يجب أن أتأكد من ذلك بنفسي. يجب أن أرى ما فعله الله بهذه المخلوقة التي أحببتها كل هذا الحب، ولعل تقززي من منظرها يحل محل الذكري. سوف ترافقني.. إذا كان هذا لا يزعجك. - ماذا قالت لك أختها؟

لا شيء. دهشت وهي تري رجلا غريبا يريد أن يشتري بقعة من الأرض وأن يبني قبرا لمرجريت ووقعت على التصريح الذي طلبته منها على الفور. - صدقني وانتظر حتى تتعافي وتبرا مما أنت فيه قبل أن تقوم بهذه العملية. - أوه. اطمئن فسوف أكون قويا ومهما يكن فإنني سأجن لا محالة إذا لم أفرغ من هذه العملية بأسرع ما يمكن، فلعل ذلك يخفف من حزني ولوعتي. أقسم لك إنني لا أستطيع أن أهدأ إلا بعد أن أرى

مرجريت، وقد يكون ظمأ الحمى هو الذي يحرقني، أو لعله حلم أرقي وسهادي أو حصيلة هذياني... قلت أخاطبه أنني أفهم ، وأنا معك قلبا وقالبا. هل رأيت جوليا دوبرا؟

- نعم. أوه، رأيتها في نفس اليوم الذي عدت فيه أول مرة. - هل سلمتك اليوميات التي تركتها مرجريت معها ؟

-

ها هي. وأخرج أرمان من تحت وسادته حزمة من الأوراق ثم أعادها على الفور وهو يقول:

- أنني أعرف ما في هذه الأوراق عن ظهر قلب فمنذ ثلاثة أسابيع وأنا أقرأها عشر مرا ات كل يوم، وستقرؤها أنت أيضا، ولكن فيما بعد، عندما أكون أكثر هدوءا وعندما استطيع أن أبين لك ما في هذا الاعتراف من قلب وحب، أما الآن فأنني أريد زن أطلب منك خدمة.

- وما هي؟ - أفي الخارج عربة تنتظرك؟

- نعم. ومضينا إلى مأمور البوليس، وقد أرمان إليه تصريح أخت مرجريت، وأعطاه المأمور بدلا منه إخطارا لحارس المقبرة، وثم الاتفاق على أن تنفذ عملية النقل في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي وأن آتي لاصطحابه قبل ذلك بساعة لكي نمضي إلى المقبرة، وشعرت أما الآخر بفضول كبير يدفعني لحضور هذه العملية، وأعترف بأنه لم يغمض لي جفن طوال الليل. ونظرا للأفكار التي ألحت على لابد أن الليلة كانت طويلة جدا

لأرمان. وعندما دخلت غرفته في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي

كان شاحب الوجه بصورة مخيفة ولكنه كان يبدو هادئا . وابتسم لي ومد يده. وبعد نصف ساعة بلغنا مونمارتر. وكان مأمور البوليس في انتظارنا، فمضينا جميعا نحو قبر مرجريت على مهل، وكان المأمور يتقدمنا ، أما أنا وأرمان فكنا نمشي بعده. وتوقفنا قبل القبر بقليل. ووقف أرمان لكي يجفف وجهه الذي تقصد بالعرق. وانتهزت هذه الفرصة لكي التقط أنفاسي لأن قلبي كان منقبضا كما لو أن مكبسا يعصره عصرا. من أين تأتينا تلك المتعة التي تدفعنا إلى رؤية مثل هذه المناظر ؟ كان البستاني قد رفع كل أواني الزهور وأزال الحاجز الحديدي، وكان هناك رجلان يفحران الأرض بمعوليهما. واستند أرمان إلى شجرة وانتظر، وبدا كان كل حياته تمر أمام عينيه. وفجأة ارتطم أحد المعولين بحجر، وارتد أرمان عند

سماعة هذا الصوت. كما لو أن تيارا كهربائيا شديدا مسه، وشد

على يدي بقوة المتني. وأخذ أحد الحفارين جاروفا كبيرا وبدأ يزيل التراب، ولم يعد هناك غير الأحجار التي تغطي التابوت، أخذ يلقيها خارج الحفرة الواحد بعد الآخر.

ورحت أراقب أرمان كان يركز كل احساساته ظاهريا حتى لا يظهر شيء مما يعتمل في أعماقه، ولكنني خشيت أن يغلبه الانفعال فيحطم كل شيء فيه. ألا أنه ظل ينظر باستمرار بعيني ثابتتين متسعتين كما لو أن مسا من الجنون قد أصابه، ورأيت رجفة خفيفة على شفتيه ووجنتيه نمت هي وحدها على فرط ما يعانيه من انفعال عنيف.

أما أنا فلا يسعني إلا أن أقول شيئا واحدا وهو إنني ندمت على الحضور.

كان التابوت مصنوعا من خشب البلوط الثمين، وراح الرجلان


يرفعان المسامير، وكان قد صدأت بتأثير الرطوبة. وانفتح التابوت أخيرا، وانبعثت منه رائحة عفنة على الرغم من الأعشاب العطرية التي تحيط بالجثة.

وتمتم أرمان: أوه... أوه... يا إلهي! وازداد امتقاع وجهه... حتى الرجلان ارتدا متقززين. كانت الجثة مكسوة بكفن أبيض كشف عن بعض تموجاتها، وكان قد تآكل تقريبا من أحد طرفيه وبرزت منه أحدى قدمي الجثة. وشق الأمر على وكدت أقع من هول المنظر، وفي الساعة التي أكتب فيها هذه السطور ما زال هذا المنظر يؤرقني ويبدو لي في حقيقته البشعة. قال المأمور : لنسرع. وتقدم أحد الرجلين عندئذ وراح بفك الكفن ثم شده من أحد طرفيه وكشف عن وجه مرجريت. كان منظرا بشعا حقا لا يطاوعني القلم على وصفه. لم تكن العينان غير ثقبين، واختفت الشفتان وتلاحمت الأسنان، والتصق الشعر الطويل الجاف بالصدغين وحجب تجويفتي الخدين شيئا ما. ومع ذلك عرفت في هذا الوجه الأبيض ذي العينين المتوردتين المرحتين الذي سبق أن رأيته مرارا. ولم يستطع أرمان أن يحول بصره عن هذا الوجه ورفع منديله إلى فمه وراح يجز عليه بأسنانه.

أما أنا فقد خيل لي كان حلقة من الحديد تطبيق على كراسي . وغشيت عيني سحابة وامتلأت أذني بالطنين، وكل ما أمكنني أفعل هو إنني فتحت قنينة كنت قد جئت بها معي وأن استنشق الأملاح التي بها في قوة.

ووسط كل هذا الذهول سمعت المأمور يقول لمسيو دوفال: هل تحققت الآن؟


أجاب الشاب في صوت أصم: نعم.

قال المأمور : أغلقا التابوت أذن وانقلاه. وأعاد اللحادان الكفن فوق وجه الجثة ثم أغلقا التابوت وحملاه معا ومضيا به نحو المكان الذي عين لهما.

أما أرمان فلم يتحرك . كان يحدق بعينيه في الحفرة الفارغة. كان شاحبا شحوب الجثة التي رأيناها منذ لحظات.

وأدركت ما سوف يقع عندما يخفف الألم نتيجة لغياب الجثة فلا يتحمل ذلك فدنوت من القوميسير وسألته وأنا أشير إلى أرمان. - هل لابد من وجود هذا السيد بعد الآن؟ أجابني: كلا. وأنصحك أن ترافقه لأنه يبدو مريضا. وقلت عندئذ لأرمان وأنا آخذه من يده تعال. قال وهو ينظر إلى كأنه لا يصدقني: ماذا؟ أردفت: لقد انتهي كل شيء يبجب أن تنصرف الآن يا صديقي. انك شاحب ومقهور وستقتل نفسك بانفعالاتك هذه. أجابني آليا: أنت على صواب. هلم بنا. ولكنه لم يتحرك. وتأبطت ساعده عندئذ وجررته جرا. وانقاد لي كما لو كان طفلا وهو يتمتم: هل رأيت عيناها؟

وكان يلتفت إلى الوراء كما لو أن هذه الرؤية تلح عليه. ذلك فقد راح يمشي في خطوات مهتزة غير منتظمة، وأخذت أسنانه تصطك. وكانت يداه باردتین و انتابته رعشة عصبية هزت كيانه كله. ومع .

وكنت أتحدث إليه فلا يجيب، وكل ما استطاع أن يفعل هو انقياده لي. ووجدنا عربة خارج المقبرة. وما كاد يأخذ مكانه منها حتى زادت رعشته وأصابته أزمة عصبية حادة تمتم يقول خلالها وهو يضغط على يدي لكي يطمئنني: ليس بي شيء.. أود أو أن أبكي



وعندما بلغنا البيت كانت الرعشة وحدها لا تزال تلازمه. وأرقدته في فراشه بمساعدة الخادم، وأشعلت نارا كبيرة في غرفته، ثم خرجت أبحث عن طبيب رويت له ما حدث. وأسرع الطبيب معي. كان أرمان مضطرم الوجه، وكان يهذي ويتلعثم بكلمات لا معني لها لم أميز منها غير اسم مرجريت فقط. وسألت الطبيب بعد أن فرغ من فحصه: حسنا؟ - انه أصيب بحمي مخية لا أقل ولا أكثر، وهذا من حسن حظه، لأنني أعتقد انه لولا ذلك لاستولي عليه الحزن. ومن حسن الحظ أن المرض البدني سيتغلب على المرض النفسي، وبعد شهر قد ينجو منهما معا.


الفصل السابع من هنا 











 

غير معرف
غير معرف
تعليقات