رواية قلوب الاحبه لا تتفرق الفصل التاسع والاخير بقلم جاسمين محمد
ـ "بس كدا؟ دول بيخططوا يسافروا برا البلد؟ طيب وماله.. السفر ده بقا هيكون هو فرصتنا الذهبية والأخيرة."
حور بصت له بنظرة كلها غدر وغمزت بعينها:
ـ "تقصد إيه يا عمر؟ ناوي على إيه؟"
عمر عيونه كانت بتلمع بالشر الخالص والغل:
ـ "أقصد إننا هنخلي رحلة سفرهم دي، رحلة اتجاه واحد.. رحلة مفيش منها رجوع تاني للدنيا!"
في نفس اللحظة ببيت عم خالد.. آسر، ومن غير ما يحس وهو بيتكلم، مد إيده ومسك باقة الورد عشان يشمها، وفجأة عينه لقطت حاجة غريبة وسط الفروع.. خيط سلك أسود صغير جداً طالع من قلب وردة مجففة في النص. آسر سكت فجأة وملامحه جمدت، شد الخيط ببطء وطلع في إيده جهاز تجسس صغير!
ملامح آسر في ثانية واحدة اتقلبت وبقت زي الجمر، وعينيه بقت تطلع نار، بص لآسية وبص للجهاز الصغير اللي في إيده وعروق جبهته برزت من كتر الغضب والدم غلي في عروقه.. بس في ثانية واحدة، تحول الغضب ده لابتسامة باردة، مرعبة.. ابتسامة صياد قفش فريسته في الفخ وخلاص هينهي اللعبة.
حط صباعه على شفايفه وبص لآسية يطمنها بالإشارة عشان متتكلمش ولا تصرخ وتبوظ الفكرة اللي لمعت في دماغه. آسية حطت إيدها على بقها بصدمة ورعب وجسمها كله بقى يترعش، بس هزت رأسها بمعنى إنها فاهمة وسكتت خالص.
آسر قرب الجهاز من بقه وتكلم بنبرة صوت عادية وطبيعية جداً، وفيها شوية تمثيل متقن:
ـ "بقولك إيه يا سو.. أنا هسيبك بقا دلوقتي ترتاحي شوية وتلمي حاجتك، وهنزل أنا وخالي خالد نخلص ورق حجز التذاكر لـ دبي.. الرحلة خلاص اتأكدت هتبقى بكرا الصبح الساعة 10 بالظبط من مطار القاهرة الدولي، وبإذن الله الطيارة هتقوم في ميعادها.. مش عايزك تتأخري في اللبس بقا عشان نطلع بدري."
آسية لقطت اللعبة بسرعة وردت بنبرة متصنعة وهادية:
ـ "حاضر يا حبيبي، هقوم اجهز الشنط وأجهز حاجتي من دلوقتي مش هعطلك خالص."
آسر غمز لها وأخد علبة الشوكولاتة والورد والجهاز في إيده، وسلم على خالد وخرج علطول من البيت.. وبمجرد ما نزل السلم وركب عربيته، مطلعش على شركة ولا حجز، ده طار بأقصى سرعة على قسم الشرطة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند عمر وحور..
حور كانت حاطة الهاند فري في ودنها وبتسمع بنفاد صبر، وفجأة قلعت السلك وهي بتبتسم من الفرحة والشر والغل ماليين عينيها:
ـ "سمعت؟ سمعت يا عمر؟ الغبي كشف كل خطته ووقع بلسانه! مسافرين دبي بكرا الساعة 10 الصبح.. يعني هيبقوا في طريق المطار الدولي على الساعة 8 الصبح بالظبط!"
عمر ضحك ضحكة عالية، خبيثة، ومرعبة ومليانة غل أعمى:
ـ "ههههه يا محاسن الصدف يا شيخة! طريق المطار في الوقت ده وفي الساعات دي بيبقى زحمة وفي حتت مقطوعة وهادية وبعيدة عن العين.. وأنا بقا مجهز ليهم مفاجأة على الطريق هتعجبهم أوي، هجيب سواق لوري شغال بالفلوس يمسح عربيتهم من على الأرض، هخلي العربية تتقلب بيهم وميطلعش عليهم صبح! وبكدا آسر ينتهي للأبد، وآسية ميبقاش ليها منقذ ولا ضهر غيري بعد ما تتدمر وتعيش طول عمرها مكسورة!"
حور لفت وشها وبصت له بلوءم وبرود:
ـ "وأنا ماليش دعوة بالدم والقتل يا عمر.. أنا ليا إن آسر ميبقاش لآسية والقصة تنتهي وبس، الباقي والتنفيذ بتاعك أنت شيل شيلتك."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في نفس الوقت.. جوة مكتب المباحث في قسم الشرطة.
آسر كان قاعد قدام حضرة الظابط، وحاطط جهاز التجسس على المكتب، وفاتح تليفونه ومعاه الفيديوهات والصور المتفبركة اللي رحمة جابتهاله وأدلة تزوير عمر.
آسر اتكلم بجدية وحسم وصوت قوي:
ـ "يا فندم، أنا بتعرض لابتزاز وتجسس ومحاولة تدمير حياتي وأعراضي من الشخصين دول.. هما اللي مركبين جهاز التجسس ده في باقة الورد ببيتنا، وأكيد سامعينا دلوقتي وبيدبروا ليا مصيبة على طريق المطار بكرا، لأني رميت ليهم طُعم وقولت في الجهاز إني مسافر الساعة 10 الصبح عشان يقعوا في شر أعمالهم."
الظابط هز رأسه باهتمام شديد وبص للجهاز بذكاء:
ـ "تمام يا أستاذ آسر.. أنت اتصرفت بذكاء وصح جداً فوق ما تتخيل. إحنا حالاً هنتتبع الإشارة الرقمية بتاعة الجهاز ده وهنعرف مكان الاستقبال والتابلت اللي شغال بيه بالظبط، وبكرا الصبح من النجمة هيبقى فيه قوة وميكروباصات مأمنة وميكروباصات شرطة ماشية وراك من غير ما حد يحس.. لو حاولوا يعملوا أي حركة أو تضييق على الطريق، هيتقبض عليهم متلبسين بجناية شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد!"
تاني يوم الصبح.. الساعة كانت 7:30 بالظبط.
خيوط الشمس الأولى بدأت تطلع، والجو كان هادي وساكت تماماً. آسر وصل تحت بيت آسية بعربيته، ونزلت آسية وهي لابسة طقم سفر ومعاها شنطة صغيرة، وشها كان باين عليه الخوف والقلق من المجهول.. قلبها كان بيدق وخايفة من الخطة.
آسية ركبت جمبه وشدت حزام الأمان وإيدها بترتعش:
ـ "آسر.. أنا خايفة أوي وقلبي مقبوض، بلاش المخاطرة دي أرجوك، خلينا نبلغ ونقعد في البيت وم نروحش الطريق ده، دول ناس مجانين وممكن يعملوا أي حاجة!"
آسر مسك إيدها بحنية وضغط عليها، وطمنها بنظرة كلها رجولة وقوة وثبات:
ـ "طول ما أنا جمبك وبتنفس وبشم الهوا، متخافيش من أي حاجة في الدنيا يا آسية. الشرطة مأمنة ومقفلة الطريق كله ورايا وعيون المباحث في كل حتة ومراقبين المكالمات.. لازم ننهي الكابوس ده النهاردة بإيدينا عشان نعيش بعد كدا في تبات ونبات ونقفل الصفحة دي."
طلع آسر بالعربية، ودخل في طريق المطار الشبه فاضي وهادي في الساعات الأولى من اليوم.. وفجأة، ظهرت من وراه عربية نص نقل سودة ضخمة، زجاجها غامق ومفهاش نمر، بدأت تزود سرعتها بشكل جنوني ومرعب وتقرب من عربية آسر، وخبطت عربية آسر من ورا خبطة قوية عشان تخل توازنها وتحدفها برا الطريق!
آسية صرخت برعب وهستيريا وهزت العربية:
ـ "آسرررر! العربية دي هتموتنا! الحقنا يا آسر!"
آسر كبس بنزين بقوة وعيونه مركزة، وكان متدرب ومتحكم في الدريكسيون بكل عزم قوته وبص في المراية لقى العربية النص نقل بتقرب تاني بكل غشم وعايزة تزنق عليه وتحدفه في الرصيف.. وفجأة، وبدون أي مقدمة، ظهرت عربيتين شرطة بوكس وميكروباص ميكروباص تمويه من ورا الشجر ومن الحارات الجانبية، وقطعت الطريق على العربية السودة تماماً وحاصروها من كل الاتجاهات في كبسة واحدة!
العربية السودة ضربت فرامل بصوت عالي جداً على الأرض لدرجة إن الكاوتش طلع دخان، ونزل فوراً حضرة الظابط والعساكر وسلاحهم الميري متوجه على الأزاز:
ـ "انزل برررره وأرفع إيدك أنت وهو!! المكان كله محاصر!!"
الباب اتفتح ببطء، ونزل من كرسي السواق راجل مسجل خطر شغال بفلوس عمر، ومن الكرسي اللي جمبه نزل عمر.. وشه كان أصفر زي الليمونة الميتة، وعينيه مليانة رعب، وصدمة، وذهول وهو شايف البوكسات والكلابشات، وشايف آسر واقف على بعد خطوات وساند على عربيتها وبيتفرج عليه ببرود وشماتة وسخرية.
آسر نزل من عربيتها ومشي بخطوات بطيئة وواثقة لحد ما وقف قدام عمر وجهاً لوجه، وبصله من فوق لتحت باحتقار وبزقة لورا:
ـ "قولتلك يا روح أمك.. دي مراتي وحبيبتي، ومستحيل تكون لغيري أو تلمس شعر منها.. أهو أنت بقا بـ غبائك اللي رحت في مكان مفيش منه رجوع، وهتخلل ورا القضبان."
الظابط كلبش عمر والراجل اللي معاه ورموهم في البوكس، وفي نفس اللحظة كانت فيه قوة تانية جابت حور من شقتها متلبسة بالتابلت وجهاز الاستقبال بتهمة التجسس والاشتراك في جناية الشروع في القتل.
آسية أول ما شافت عمر في الكلبشات والشرطة مأمنة المكان، نزلت من العربية وجريت بكل قوتها على حضن آسر ودفنت وشها في صدره وهي بتعيط من كتر الفرحة، والارتياح، وزوال الهم. آسر ضمها لصدوره بحنان وشغف وطوقها بدراعاته وقال بصوت دافي ريح قلبها وسكن روحها:
ـ "خلاص يا روحي.. خلاص يا قلب آسر، الكابوس انتهى للآبد، والصفحة القديمة الزبالة دي اتقفلت وراحت لحالها.. مفيش غيري وغيرك من النهاردة في الدنيا دي."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور شهرين كاملين على الحادثة والقبض على عمر وحور..
كانت الحياة في بيت آسر وآسية رجعت لزهوتها، وجمالها، ونظافتها. المحاكم الجنائية حكمت على عمر وحور بالسجن المشدد بعد ما آسر وقام محاميه بتقديم كل الأدلة التكنولوجية والشهود والتقرير الفني اللي بيثبت تزويرهم، وتجسسهم، ومحاولة القتل العمد.
البيت عند خالد وعند آسر كان مليان فرحة وزغاريد، والتحضيرات للفرح الكبير اللي اتأجل كتير كان الكل بيتحرك بسعادة. آسر كان بيعامل آسية في الشهرين دول معاملة الملكات والبرنسيسات، كأنه بيحاول يعوضها عن كل دمعة حرقة نزلت من عينيها بسببه أو بسبب نسيانه.
وفي ليلة العمر.. ليلة الفرح..
كانت القاعة الكبيرة متزينة بأجمل الورد الأبيض والتل والإضاءة الأسطورية، والموسيقى الهادية بتملأ المكان وتخطف القلوب. آسية كانت طالعة زي الملاك في فستانها الأبيض الملكي الطويل، وطرحتها مطرزة، وشها منور بالفرحة. وآسر كان واقف مستنيها في نص القاعة بالبدلة السوداء الشيك، عيونه مكنتش بتشيل من عليها ولا بترمش، وكأنه بيستوعب إن الحلم خلاص بقى حقيقة بين إيديه.
أول ما وصلت عنده وباباها سلمها له، مسك كف إيدها وباسها بحب وشغف قدام عيون كل اللي موجودين وقال بنبرة صوت دافية طلعت من قلبه:
ـ "النهاردة.. بجد وبدون مبالغة، أنا اتولدت من جديد يا آسية. أنا مش بس بحبك، أنا بقيت بعشق كل تفصيلة فيكي، وبعشق الأرض اللي بتمشي عليها. أنا آسف على كل يوم ضاع مننا في البعد، وعلى كل دمعة وجعت قلبك الرقيق ده بسببي.. أوعدك عمري ما هخذلك تاني."
آسية عيونها لمعت بدموع الفرحة اللي مش سايعاها وابتسمت من كل قلبها:
ـ "النهاردة يا آسر، الماضي كله مات واندفن. إحنا مع بعض وتحت سقف واحد، وده كل اللي كان يهمني في الدنيا دي كلها."
في وسط الحفلة، وعلى نغمات رقصتهم الأولى السلو، قربت منهم رحمة أخته وهي بتضحك وسقفت وباركت لهم:
ـ "ألف مبروك يا أحلى عرسان في الدنيا.. أخيراً قلوب الأحبة اتجمعت وما تفرقتش، وذاكرة آسر رجعت لقلبه وعشقه قبل ما ترجع لعقله!"
آسر ضم آسية ليه أكتر وباس رأسها وبص لرحمة وقال:
ـ "فعلاً يا رحمة.. قلوب الأحبة لا تتفرق ولا تضل الطريق أبداً، حتى لو العقل نسي في يوم من الأيام بفعل الظروف، القلب بيفضل فاكر وحافظ النبض والطريق للي بيحبه."
آسية حطت رأسها على كتفه وغمضت عينيها بأمان وهمست في ودنه:
ـ "بحبك يا آسر.. بحبك يا كل دنيتي."
آسر همس ليها بحنان وعشق هز كيانها:
ـ "وأنا بعشقك يا ست البنات ويا ملكة قلبي.. ومن النهاردة، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تفرقنا أو تبعدنا عن بعض تاني."
وبدأت حياة جديدة، لآسر وآسية، حياة مبنية على الثقة، الحب الخالص، والتضحية.. ونهاية سعيدة تليق بالابطال
تمت بحمد الله
