رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع 9 والفصل العاشر 10بقلم امل نصر



رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع 9 والفصل العاشر 10بقلم امل نصر 




 ٩&١٠
الفصل التاسع 

بخطواتٍ مثقلة وذهنٍ مشتت تخطت الباب الخارجي للمدرسة.. لاتتمنى العودة للمنزل الذي هي واثقة تمام الثقة الاَن ..أنه اصبح خلية نحل تعُج بالأهل والأقارب والجيران وهن يتضافرن مع والدتها لمساعدتها والتهنئة لحفل الخطوبة الذي تقرر إقامته فوق سطح المنزل..لقد تمكنت من الخروج صباحًا بأعجوبة ..متحججة بوضع طارئ في المدرسة لا تستطيع الإفلات منه أو التغيب عنه ..فهي أرادت الخروج وبشدة لتتنفس هواءً اخر .. بعيدًا عن محيط هذا الرجل الذي توغل بخبثه داخل عقول أفراد أسرتها .. أسبوع كامل مر على خروج إبراهيم من المشفى وهذا الرجل يأتي يوميًا للإطمئنان عليه ومداعبته..فتعلق بيه الطفل الصغير كما تعلق بهِ من قبل أبيها ووالدتها..كما تعلقت بهِ شقيقتها شروق الذي اعتبرته أخيها من وقت ان قُرأت فاتحتها على أخيه حسين ..وكأنها كانت تنتظره طويلًا ليقوم معها بدور الشقيق الأكبر .. فاندمجت الأسرتان بكمياء نادرة وأصبحت الشقتان مفتوحتان أمام بعضهم وكأنهم عائلة واحدة .. لم يتبقى لها في المنزل سوى غرفتها المحصنة عنه وعن والدته التى كلما رأتها لمحت لها بسذاجة وكأنها لاتفهم مايدور بعقل المرأة.. كل ما تمُر بِه الاَن فوق طاقتها وفوق إحتمالها.. حتى صديقتها الغالية سحر التي كانت تلجأ لها معظم الأوقات فتستطيع بذكائها وخفة ظلها ان تخفف عنها وتُدخل السرور بقلبها ..إبتعدت هي الأخرى عنها مضطرة في رحلة سفر مع والدتها لبلدتهم لحضور حفل زفاف إحدى أقاربهم ولم تعُد حتى الاَن .
تنفست بعمق وهي تعتلي الرصيف المؤدي لموقف الباصات حتى تستقل إحداهم ..فلا داعي للهروب أكثر من ذلك والتنصل من واجباتها تجاه أسرتها وشقيقتها فى مناسبة هامة كهذه .. تباطئت خطواتها حينما لفت نظرها وقوف هذه السيارة الرياضية باهظة الثمن بجانب الرصيف وبمنطقة كهذه تبدوا السيارة غريبة عن المكان وسكانه والمدرسة الحكومية أيضًا.. قدمت بخطواتها تتخطاها دون ان ترفع عيناها ناحية السائق ولكنها توقفت مجفلة حينما سمعت من يهتف باسمها من الخلف عن قرب ..استدارات اليه فوجدته هو نفسه هذا الغريب مدير المشفى الذي رأته سابقًا فسألها بكل جرأة عن فاتن .. وقد ترجل من السيارة بأناقة تليق به وبمكانته ..فقال بتردد :
- ااا ممكن كلمتين لو سمحتي يا أنسة فجر؟
ظلت صامتة لبعض اللحظات مبهوتة لا تستوعب مطلبه.. فخطا يقترب منها قليلًا يكرر:
- أسف لو خضيتك أو افتكرتينى مجنون.. بس انا بجد محتاج اتكلم معاكي ضروري. 
خرج صوتها المندهش تلوح أمامه بكفها :
- تتكلم معايا في إيه بالظبط ؟ انا بيني وبينك إيه عشان يبقى في مابينا كلام ضروري؟
- انا عارف ان مافيش مابينا حاجة ..بس انا غايب بقالي سنين طويلة عن البلد وكان يهمني اعرف منك......اللي مقدرش اسأل حد غيرك عنه ..ارجوكي اركبي معايا وانا اوعدك مش هاخد من وقتك كتير .
برقت عيناها وهتفت بحدة:
- اركب معاك فين انت اتجننت ؟ اعرفك منين انا عشان اخرج معاك واكلمك عن اللي فاتك فى سنين غربتك بعيد عن البلد .
تكلم بمهادنة وقد كان حديثه يبدوا كرجاء
- انا اسف حقيقي بجد .. بس لو مش عايزة تركبي معايا خلاص ممكن ندخل الكافيه اللي موجود هناك ده اَخر الشارع ..بس أرجوكي ماتكسفنيش ..انا مافيش قدامي غيرك وانتي انسانة واعية جدًا لتصرفات البنى الادم إللى بيكلمك..ان كان كويس ولا وحش. 
بصرت بعيناها الى الكافيه الذي لوح إليه بكف يده ناحيته..فعادت تنظر الى وجهه جيدًا فوجدته شاحبًا وعيناه حمروان وكأنها لم تذق طعم النوم منذ عدة ليال ..تعجبت لحال هذا الرجل الغريب وتصرفاته الأغرب معها.. فوجدت نفسها تخبره ببعض الطف:
- انا أساسًا متأخرة على خطوبة أختي ..يعني مش فاضية للخروج ولا الكلام أصلًا. 
طرق بعيناه أرضًا بخيبة أمل قبل ان يرفعها ثانية اليها فقال:
- طب ممكن نخلي القاء يبقى في يوم تاني ؟!
خرج ردها بسؤال :
- طيب ممكن انت بالظبط تفهمني؟ ..عرفت توصلي ازاي؟ولا عرفت تجيب عنوان مدرستي اللى بشتغل فيها منين ؟
هز اكتفاهِ يجيب بسهولة :
- عادي ..سألت عنك وعرفت !
..................................

حينما عادت الى منزلها ..كما توقعت تمامًا وجدته ممتلئ على اَخره بالأقارب والجيران من سيدات اتت لتساعد والدتها في تحضيرات الحفل كإعداد بعض الأطعمة وبعض أصناف الحلويات بالإضافة لتحضير المشروبات الباردة ومعهم أطفالهم الذين كانوا يركضون ويلعبون بداخل البيت وكأنه ساحة للعب.. وفتايات يبدوا من اعمارهن أنهن اتين من أجل العروس التى كانت بغرفتها وأصوات ضحكاتها العالية مع الفتيات صادرة خارج الغرفة وبقوة.. سمعت صوت والدتها من المطبخ ولكنها لم تجرؤ للدخول إليها فقد كان مزدحم بالنساء حولها ..أكملت سيرها الى غرفتها الحبيبة وعندما همت لفتحها وجدتها مغلقة من الداخل فطرقت على بابها .. فوصلها صوت نسائي من داخل الغرفة :
- ايوة ياللي بتخبط مين انت يالي اللي على الباب ؟
- أنا فجر اخت العروسة وصاحبة الاوضة .
- ابلة فجر ..أيوة صحيح .. معلش والنبى ياحبيبتى اصلي برضع الواد ..استنيني دقيقتين بس وافتحلك.. انا جارتك ام مروان اللي ساكنة فوقيكم على طول ..انتي عارفاني؟
تمتمت بتعب 
- طبعًا عارفاكى ياستي .
زفرت بضيق وهي ترتد للخلف عائدة فلم تجد موضع قدم امامها لتستريح بها سوى غرفة أبويها المغلقة بإحكام وغرفة إبراهيم وهي لاتفضل إزعاجه في هذا الوقت.. فأين تذهب الاَن والغرفة الباقية لشقيقتها صاخبة بأصوات الفتيات ..قررت التوجه ناحية الحمام لتغسل وجهها ويديها..فتنفرد مع نفسها لبعض الدقائق.. حتى تنتهي ام مروان من إرضاع ابنها .

اغلقت الباب خلفها فور ان دلفت لداخله والتفت للمغسلة لتغسل بكفيها على وجهها بالمياه الباردة وهي مستمعة بطراوتها على وجهها قبل ان ترفع رأسها اَخيرًا لتنظر في المراَة ..فوجدت انعكاس شبحه أمامها ..شهقت مخضوضة وهي تلتف بكليتها ناحيته مزعورة وهو واقف خلفها بالفانلة الدخلية البيضاء وبنطاله الجينز الباهت القديم ..فتحت واغلقت فمها عدة مرات وهي تتشبث بحافة الحوض فلم يخرج سوى بعض الكلمات المتقطعة 
- انت ا.. انت ايه.. جيت ا ..ايه اللي جابك هنا؟
بكف يده اوقفها وهو يشير إليها قائلًا بهدوء وصوت خفيض:
- وطي صوتك ..إهدي ..أنا هنا بغير حنفية الشطاف .. وانتي اللي دخلتي هجم تغسلي وشك على الحوض من غير ما تاخدي بالك مني وانا قاعد مقرفص تحت هنا عند القعدة .
- وتيجي ..
- بقولك وطي صوتك .
استجابت لمقاطعته فخرجت جملتها التاليه بهمس مع رعبها:
- وانت إيه اللي يجيبك حمامنا أساسًا؟ مافيش سباك هو اللي يقوم بالمهمة دي عنك ؟
اجابها بثقة رغم همسه:
في طبعًا ..بس انا مقبلش حد غريب يدخل بيتكم وانا موجود والحاجات دي انا ياما عملتها بكل سهولة .
جحظت عيناها وفغرت فاهها مندهشة من هذا المتبجح ..همت لتتكلم ولكن أجفلها الصوت النسائي الصادر من قريب. فاستدارت برأسها فورًا وهي تلمح خيال إمرأة وهي تتحرك من خلف الزجاج في أعلى الباب..كما يبدوا انها تبحث عن شئ ما في الخارج ..عادت اليه بنفس اللحظة تنظر برعب قاتل ..عما قد يقال عنهم لو فتحت المرأة الباب الاَن ..من المؤكد سيتظن بها السوء وتتخيل بخيالها وضعًا مشينًا. 
وجدته يشير بيده على فاهه حتى تصمت ولا تتحرك 
لعدم اثارة شك النساء الثرثارت .. ما أثار دهشتها حقًا هو هذا القلق الذي رأته بعيناه ووجهه الذي كان مغلفًا بصرامة وجدية لا يشوبها أي مظاهر للتسلية أو العبث.

وقفت مذعنة لأمره ولكنها أشاحت بوجهها عنه وأعطته ظهرها المتشنج وهي ترتجف خوفًا كطفلٍ صغير ينتظر العقاب .. وهي لا تشعر به من الخلف فقد كان خوفه عليها وعلى سمعتها الطيبة أضعاف .. مشفقًا على عقلها مما يدور بهِ الاَن من أفكار وهواجس تعصف بها مع هذا الوضع الغريب .. بمجرد ابتعاد المرأة خرجت على الفور راكضة من أمامه.. فتركته يتنفس براحة وتعب أيضًا .
...............................

دلفت لداخل غرفتها سريعا والتى وجدتها بالصدفة خالية من المرأة التى كانت تُرضع ابنها ..اغلقت الباب وصفقته بقوة وهي ترتمي على الفراش بانهيار ..لقد كانت على وشك ان تفقد سمعتها بسببه وهي محبوسة معه فى هذه المساحة الضيقة ..ذرفت دماعاتها المتعبة بعدم احتمال..
لقد خارت قواها ولم تُعد بها طاقة للتحمل ومايزيد بقلبها القهر هو الكتمان وهي لا تجد من يشاركها هذا السر الذي اثقل ظهرها سوى صديقتها وهي غير موجودة الاَن ..ولكن إلى متى تستطيع الصمود أمام هذا الحصار ؟
مسحت بيدها دماعتها بسرعة خاطفة وهي تتناول الهاتف من حقيبتها لتهاتفها .. لم تنتظر كثيرًا حتى فُتح الاتصال ..فهتفت عليها فجر بمناجاة:
- انتي فين ياسحر وسايباني ؟ انا تعبانة اوى وعايزاكي جمبي .
وصلها الصوت القلق :
- انا فين ازاي يابنتي ؟ ما انتي عارفة اني موجودة في البلد ..هو إيه إللي حصل ؟
صاحت صارخة :
- لقيته فى الحمام ياسحر ..لقيته فى الحمام. 
- نهارك اسود ..هو إيه إللي لقيتيه في الحمام ؟
- الزفت ياسحر .. الزفت إللي احتل بيتنا وبقى حاسب نفسه من أهله .. تعالي ياسحر ..انا محتاكي دلوقتي أكتر من أي وقت .
- ياحبيبتي انا فاهمة انك تعبانة وحاسة بيكي..لو عليا اركب العربية وانزلك القاهرة حالًا ..بس اعمل إيه بقى فى الورطة اللي انا فيها والنهاردة حنة بنت خالي وبكرة دخلتها كمان ..المهم دلوقتي أهدي و فهميني بشويش ..هو مين الزفت اللي شوفتيه فى الحمام؟ 
..............................

في المساء كان حفل الخطوبة وقد تزين سطح المبنى بشكلٍ رائع ونظمت المقاعد المستقبلة للمهنئين من اقارب وجيران ودي جي وبعض السماعات..لقد كان الحفل عائلي وصغير..العروس الجميلة كانت جالسة بجوار عريسها بركنٍ وحدهم.. فجر والتي ارتاحت قليلًا بعد جلسة الفضفضة في الهاتف مع صديقتها المحبوبة سحر .. اخرجتها قليلًا من هذه الشرنقة الخانقة ..فاستطاعت الاندماج فى الحفل مع المهنئين واجواء الحفل العائلي البسيط الذي تم بناءً على رغبة العروسين..او بالأصح رغبة شقيقتها العروس.. التى أرادت تقليد احدى تريندات الميديا .. ارتدت فجر فستان بلونٍ ازرق مزين ببعض حبات الكريستال بنفس الون .. اظهر جمال قوامها ورشاقتها .. وجهها الجميل زينته ببعض المساحيق الخفيفة.. شعرها البنى الذي صفقته بعناية كان يتراقص بنعومته وكثافته بشكلٍ سرق عيناه معها أينما ذهبت حتى لكزته والدته على ذراعهِ بشكل اجفله :
- عينك ياواض .
قال بعدم استيعاب :
- في حاجة ياما؟ 
تبسمت بمكر وهى تغمز بعيناها :
- لما انت كده هاتتجنن عليها وهاتكُلها بعنيك..ساكت ليه ماتتكلم خلي الفرحة تكمل؟ 
هز برأسهِ يضحك بارتباك :
- ايه إللي بتقوليه دا بس ياام علاء؟ 
لكزته مرة أخرى:
- بقول اللي شايفاه ياروح امك.. فاكرني مش واخدة بالي .. دا انت عيونك فاضحاك .. بس البت تستاهل.. جمال وتربية.. حاجة تشرح القلب كده..يازين ماختارت ياحبيبى.. ياللا بقى عشان تنور دنيتي انت واخوك بالفجر والشروق مع بعض.
لم يستطع التماسك اكثر من ذلك فضحك من قلبه وهو يلُف ذراعهِ على كتفها :
- بقيتي عفريتة يام علاء وبتعرفي تقلشي كمان .
نهرته هي قائلة بجدية:
- ماتخدنيش في دوكة وقول امين عشان اكلم والدتها ولا ابوها خلينا نتحرك.. دا خير البر عاجله. 
خبئت من وجهه الإبتسامة..لا يدري بما يجيبها ..فطلبها هذا اشد ما يتمناه ولكن لايدري ما الذي يجعله قلق من ناحيتها ..وهي غامضة وكثيرًا يرى بعيناها مشاعر غريبة ولا يدري تفسيرها .
خرج من شروده على لكزة أخرى من والدته ولكن وجهها قد شحب وذهب عنه السرور .. وهي تُحدق بعيناها للأمام .. نظر للوجهة التي تنظر اليها فتشنج جسده وتصلبت عضلاته وهو يرى أبيه الذي دلف بداخل السطح ومعه زوجته الجديدة نيرمين وهي تتأبط ذراعه بزينتها الصارخة على فستان بالون النبيتى ..وحجاب اظهر نصف شعرها فتدلى من رقبتها سلسال كبير من الذهب على شكل قلب بالإضافة للأساور والحُلي التي زينت كفها ورسغها .
خرج صوت والدته المرتعش من فرط انفعالها :
- شايف ابوك وعمايله ياعلاء؟
التفت اليها قائلًا برقة بعكس النيران التي تفور بداخله :
- سيبك منهم ياما ..ماتخليهمش يضيعوا عليكي فرحتك بابنك .
بابتسامة شاحبة وهي تتابعهم بعيناها قالت :
- فرحة ايه بقى.. ما هو ابوك ومراته قاموا بالواجب.. انت واخد بالك ؟ دا بيعرفها على نسايبنا..شاكر ومراته.. ودلوقتي يسحبها ويتصورا مع اخوك العريس وشروق عروسته. 
طعنه هذا الألم الذي رأهُ جليًا بداخل عيناها فشدد بذراعيه عليها :
- فوقي ياما واصحي كده.. انا عايزك شديدة وقوية ..ولا انتي نسيتي احنا كنا بنتكلم في إيه ؟ 
عادت اليها ابتسامته الصافيه وهي ترفع اليه رأسها :
- أنسى ازاي بس ياحبيبي ؟ دا احنا كنا بنتكلم على فجر وخطوبتك عليها. 
انعشته ابتسامتها فود من قلبه ان تظل هذه الإبتسامة على وجهها الجميل فلا تغيب أبدًا فأخذ قراره بدون تفكير:
- خلاص ياما انا موافق .. بس ياريت بقى تقنعي البت وأهلها يبقى قريب عشان مستعجل اوي .
أشرق وجهها بالفرح وكأنها عادت طفلة صغيرة فشددت على خصره بذراعيها تردف بسعادة:
- هاقول ياحبيبى ولازم اقنع امها .. دا يوم المنى ياحبيب قلبى ياغالي. 
.............................

بوجهها الجميل وابتسامتها الرائعة التي سلبت لُب قلبه 
وهذه الشقاوة الفطرية التي تطُل بعيناها ..والتي في عرفها بأول نظرة منها ..كان ينظر إليها هائمًا وهي تداعبه بنظراتها وتلميحات صديقاتها .
- إيه ياحسين هاتفضل كده باصصلي وبس؟ فضحتني قدام المصايب إلي هناك دول .
القى نظرة على صديقاتها فعاد إليها بابتسامة ساحرة :
- ومالهم المصايب دول؟مش عاجبهم العريس بقى؟
شهقت ضاحكة:
- مش عاجبهم دا إيه؟ هما يطولوا يلاقوا عريس قمر زيك كدة؟ دا تلاقيهم دلوقتي هايموتوا من الغيظ. 
رفع جايبه قائلًا بمرح:
- أمال إيه حكاية فضحتنى دي قدامهم. 
اقتربت منه تهمس بشقاوة :
- انا بس مش عايزاهم يحسدوني عليك.. وانت اسم الله عليك ..أحلى من مهند التركى نفسه .
ارتفع حاجبيه أكثر وازداد مرحه فهم ليرد عليها بابتسامته المعهودة ولكن اوقفه الصوت الأجش المعروف إليه :
- مبروك ياحسين .
نهض مجفلًا الى أبيه يعانقه ويقبله ولكن خبئت ابتسامته حينما رأى هذه النرمين بجواره ..فاكتفى بالمصافحة .
- الله يايبارك فيك ياولدي .. 
أبى أبيه فجذب بكفيه اليه ليقبله على جانب وجنتيه ..قائلًا بحب :
- الف مبروك ياحبيبي .. ربنا يجعلها جوازه العمر .
مدت نيرمين كفها هي الأخرى لتهنئته بابتسامتها المعهودة :
- الف مبرووك ياحسين..ربنا يتمم بخير. 
بادلها التهنئة على مضض وحين أتى دور العروس تقدمت اليها تقبلها وهي تصافحها .
- عروستك قمر ياحسين.. ربنا يخليها...لك .
توقفت مبهوتة امامها قبل أن تستدرك نفسها وتكمل التهنئة 
حينما ابتعد الرجل وامرأته سالته شروق بتعجب:
- بقى هي دي مراة ابوك ياحسين ؟ دي خالتى زهيرة احلى منها بمراحل. 
إكتففى فقط بنظرة معبرة ولم يجيبها بالكلام ..فتابعت :
- بس لاحظت ياحسين..لما وقفت جملتها فجأة وهي بتسلم عليا وتكلمني ..واكنها كانت بتشبه عليا؟
مط شفتيه بضيق فقال :
- ماتسيبك من سيرة البت دي وخلينا احنا فى كلامنا ياشروق؟
تبسمت بدلال لتعيد الى وجهه الفرحة :
- كنت بقول انى هاتجوز واحد احلى من مهند !
.................

إندمج ادهم فى الحديث مع اهل العروس ..وانزوت نرمين فى زاوية وحدها تتابع فقرات الحفل ..تراقب وترصد كل ما تقع عليه عيناها .. عقلها يدور فى دوامة وهي تحدق بالعروس.. لديها إحساس كبير بأنها رأتها قبل ذلك ولكن اين لا تعلم؟ ازاحت الفكر من عقلها حينما رأته بهيئته الخاطفة للانفاس .. يتحدث بهيبة تفوق سنه .. لطالما تمنته وفعلت المستحيل لتفوز بقلبه 
ولكنه كان كالجبل الذي لا يهتز ولا يتأثر .. ولكن يبدوا ان الجبل لم يعد كذلك.. وعيناه متعلقة بهذه الفتاة شقيقة العروس كما علمت من زوجها.. ذات الرداء الأزرق .. ماسر هذه العائلة؟ اشاحت بعيناه بعيدًا متأففة فتذكرت فورًا اين رأت وجه هذه الفتاة حينما رأت من يدلف لداخل السطح بهيئته الماكرة وخطواته البطيئة متصنع الحياء .. همست بداخله:
- طول عمري وانا حاسة ان ليك حكاية كبيرة اوي ياسعد !

.... يتبع 

#امل_نصر 
#بنت_الجنوب
الفصل العاشر 
جثت على قدميها أمام أخيها ذو الوجه العابس وهو جالس على إحدى المقاعد وفارد قدمه المصابة على مقعد اَخر أمامه..في محاولة لمدعابته :
- ها ياأستاذ إبراهيم.. لاوي بوزك ومكشر ليه؟
رفع إحدي حاجيبه ومالت زاوية فمهِ للأسفل قبل يشيح بوجههِ عنها دون إجابة :
اقتربت منه أكثر بوجهها تخاطبه:
- ياه ياابوخليل ..لدرجادي انت زعلان ياقمر؟ طب ماتقول بقى على اللي مضايقك..يمكن نعرف نصالحك ياولا .
عاد اليها برأسه قائلًا بعتب :
- وتصالحوني ليه بقى ياأبلة فجر؟ هو انا افرق معاكم أصلًا؟
- ليه بس بتقول كدة ياابراهيم؟ هو احنا قصرنا معاك في حاجة ياحبيبي؟ يكونش يعني عشان انشغلنا في الفرح واستقبال المعازيم وسيبناك شوية.
- شوية بس؟! دا ابوكي من ساعة من جابني هنا ماسأل فيا تاني وامك رايحة جاية حواليا تجامل في الستات حبايبها وانا ولا شايفاني.. وانتي بقى مشغولة بالعروسة واصحابها.. دا لولا عم علاء اللي بيطل عليا كل شوية ويجيبلي في الساقع والحلويات وياخد باله من طالباتي.. لكنت فرقعت مكاني هنا ولا نزلت حتى برجل واحدة وسيبت الفرح .
انتابها شعور بالغيظ والغيرة من هذا المتحذلق الذي اكتسب قلب أخيها فقالت بلوم :
- طيب وافرض احنا انشغلنا شوية ياهيما عنك في مناسبة مهمة زي دي.. انت بقى متقَدرش؟ على العموم حقك علينا ياسيدي ..قولي بقى اللي يرضيك عشان تقبل اتصور معاك ؟
رفع إحدى حاجبيه بمكر وهو ينظر ناحية والدته :
- إللي يرضيني طبق جاتوه كبير من العلب اللي جابها العريس وامك دارتها عني .
فغرت فاهها ضاحكة بدهشة من شقيقها الماكر :
- انت عايز امي تقتلني صح؟ دي أكيد شايلاهم عشان تجامل اصحابها وحبايبها وتفتخر بيهم انها من حاجة العريس .
قال بإصرار:
- ماليش دعوة يافجر ..انا مش هاصالحك ولا اتصور معاكي غير لما تجيبي اللي قولت عليه.. وياريت الطبق يكون كبير كمان.
- انا عارفة كويس انك مش هتهدى غير لما تاخد اللي انت عايزه .. جبار زي الست الوالدة..أمري لله..أقوم اجيبلك واحد وربنا يستر .
قالت الأخيرة وهي تنهض من جوارها ولكنها بمجرد ان استدارت تفاجأت باصطدامها بجسدُ صلب ومغطي بالون الكحلي.. ارتدت للخلف وتلون وجهها بالحرج وقد تبينت هوية من اصطدمت به.
قال هو بلطف:
- انا أسف.. بس انا كنت جاي اشوف إبراهيم..ليكون ناقصه حاجة. 
غمغمت ببعض الكلمات الغير مفهومة وهي تذهب من أمامه وتتخطاه..جعلت عيناه تتابعها حتى اختفت وسط جمع الفتيات المدعوات.. عاد من شروده على صوت أخيها وهو يشاكسه :
- حلوة قوي البدلة دي ياعم علاء .
التف اليه ضاحكًا فقال:
- لو عجبك افصلك واحدة زيها ياعم هيما .
فرد ظهره وهو يقول بثقة:
- خليها بعدين بقى ياعم .. لما جسمي يتشد واربي عضلات زيك ..عشان تبقى لايقة عليا .
- انت لسه برضوا بتقر على عضلاتي..ماقولنا بقى لما تكبر ..انت ايه يابنى مابتهدمتش؟
علت أصوات إبراهيم الضاحكة وهو يشعر بأصابع جاره علاء تتغلل بشعره وكأنها دغدغة ..جعل علاء يضحك هو الاَخر ..ولكن توقفت هذه الضحكة فجأة حينما رأى أمامه من يدلف لداخل السطح بخطواتٍ خجله نحوه .. عبس وجهه وهو يترك إبراهيم فتقدم اليه يختصر المسافة حتى أصبح أمامه بوجهٍ جامد ومتسائل.. وقف الاًخر أمامه يخاطبه بأدب:
- ايه ياعلاء ؟ مش هاتسلم على صاحبك اللي جاي مخصوص يصالحك ويحضر خطوبة اخوك ؟
مد كفهِ يصافحهُ بجمود قائلًا بخشونة:
- أهلاً ومرحب بيك ياسعد ..على الله بس ما يكونش لسة شايل مننا.. ما انت عارف ..احنا ناس ما يهمناش غير مصلحتنا .
بكف يده الحره شد على ساعد علاء قائلًا بتشدق:
- ماخلاص بقى ياعلاء .. دي كانت لحظة غضب وراحت لحالها.. وادينى جاي بنفسي أهني وابارك للعروسين.. دا احنا عشرة عمر ياجدع والمصارين في البطن بتتعارك. 
تبسم بزاوية فمه على استحياء وهو يرى أمامه سعد صديقه القديم ذو الجسد الهزيل وهو يعتذر عن خطأ بزلة لسانه حينما لم يتقبل الرفض له وقبول الفتاة بشقيقه ..صاحب المواصفات التي تتمناها كل فتاة .. كان من البديهي ان ترجح كفة حسين شقيقه للفوز بموافقة الفتاة وأهلها.. شعر نحو صديقه بالشفقة فكما قال هو ( أين يأتي سعد أمام اولاد المصري؟ ) سائله ببعض اللين :
- طب وانت عرفت بميعاد الخطوبة والمكان ازاي ؟
أجابه بحماس:
- عرفت من السيد الوالد .. ماهو وجه لي دعوة بصفتي صديقك .. ها ياعم هاتيجي بقى معايا عشان ابارك له بنفسي؟ ولا اروح لوحدي ؟

حينما ذهب مع صديقه لتهنئة العريسان ..إستقبله حسين على مضض ولكنه لم يُظهر إنطباعه هذا فتقبل تهنئته ببعض الزوق وابتسامة لا تصل لعيناه ..إكرامًا فقط لشقيقه الأكبر ألذي اومأ له بعيناه ليفهم .. وحتى حينما صافح العروس يبارك لها هي الأخرى تماسك عن نزع كفهِ التي اطبقت على كف شروق ..رغم أدعائه الحياء.. فهو ليس بغافل عن نظرته اليها بطرف عينه.. حتى ذهب مع أخيه وتركهم.. تنهد ببعض الارتياح وهو ينظر للعروسه الجميلة التي انتبهت لتغيُر لونه فاقتربت منه تساله :
- إيه مالك؟ في حاجة زعلتك ؟
هز برأسه ينفي مجفلًا من فطنتها:
- لا طبعًا.. انتي ليه بتقولي كدة ؟
اجابته ببساطة:
- يعني عشان وشك اتقلب لما شوفت اللي اسمه سعد ده لما جه وسلم علينا.. انا خدت بالي على فكرة .. بس اقولك على حاجة ..انا كمان مش طايقاه .
أشرق وجهه مرة أخرى وهو يردد أمامها بالضحك :
- على النعمة انتي مصيبة.

بوسط الفتيات كانت نيرمين مازالت تراقب وهي تدعي التصفيق والغناء مع الفتيات .. حتى ملت ان تكون بالهامش وهي ترى زهيرة مندمجة مع النساء بفرح وزوجها هو الأخر مع نسيبه الجديد شاكر اما علاء فبالرغم من جلوسه مع سعد ولكن عيناه لم تترك الفتاة هذه شقيقة العروس .. قررت التعويض عن نفسها ولفت الانتباه .. وهي تدخل في وسط الفتيات ترقص بضمير وحنكة..حتى استطاعت لفت انظار الجميع بما فيهم زهيرة التى كبتت قهرها وهي تستمع لتعليقات النساء جيرانها عن هوية الفتاة وعلمهم بأنها الزوجة الثانية لوالد العريس.. وهي تدعي بكل قلبها انتهاء هذه الليلة على خير وذهاب هذه النرمين .
................................

حينما انتهت اَخيرًا الليلة الطويلة بانتهاء حفل الخطوبة وغادر الجميع حتى أدهم وزوجته..لم يبقي سوى العريس الذي انفرد بعروسه فى غرفة الجلوس. وترك والدته مع اسرة شاكر فى الخارج بوسط المنزل على كنب الصالون .. تتسامر معهم و تضحك من قلبها.. حتى ينزل اليها ابنها علاء الذي كان لا يزال فى السطح يشرف على العمال الذين تكلفوا برفع اثار الحفل .. وتنظيف السطح .
فجر كانت بداخل المطبخ تزفر حانقة وقد كلفتها والدتها بإعداد الشاي .. فقد استكفت هذه الليلة من تلميحات المرأة ونظرات هذا المدعو علاء التي كانت تتبعها طوال مدة الحفل ..رفعت الصنية و التى امتلئت بأطباق الحلويات بجوار كاسات الشاي .. تأففت متمتمة:
- يارب عدي الليلة دي بقى..انا تعبت.
خرجت من المطبخ لتجد الثلاثة ينظرون ناحيتها بابتسامة عريضة تكاد تصل للأذنيهم .. تقدمت لتضع الصنية على الطاولة الصغيرة امامهم ..قائلة بتوجس :
- الشاي ياجماعة .
جذبتها المرأة من ذراعها لتُجلسها بجوارها قائلة بمحبة:
- وهاتمشي ليه بس ياقمر ؟ ماتقعدي معانا كده واَنسينا ..دا احنا بقينا اهل وبكرة الشقتين يبقوا بيت واحد كمان.
تبسمت بتكلف وهي تدرك ما تبطنه إشارة المرأة فقالت بمجاملة:
- طبعًا ياطنت.. البيت بيتك أكيد.. بس معلش بقى انا تعبانة ونفسي اريح شوية .
نهرتها والدتها بصرامة :
- ما تهمدي يابت واقعدي دقيقتين.. خلاص يعنى هاتموتي وتنامي؟
هتفت عليها زهيرة بابتسامة:
- لا بقولك إيه ياسميرة.. أعملي حسابك ياعنيا ماتزعقيش في القمر دي تاني .. دي خلاص ياحبيبتى بقت حماية! 
أكمل على قولها شاكر :
- ايوة بقى ياسميرة.. دا الظاهر كدة احنا مش هانعرف نكلمها تأني.. مدام بقت في حماية الست زهيرة والمعلم علاء.
انسحبت الدماء من وجهها وقد وصلها معنى التلميح الصريح من ألإثنان.. وبالأخص حينما لمحت النظرة القلقة بعيون والدتها ..فهي أكثر من يعرفها .. نهضت سريعًا تنوي الهروب ولكن المرأة الطيبة اوقفتها من يدها ..قائلة بسذاجة:
- المرة اللي جاية بقى هاتبقى ليلتك ياقمر .. وليكي عليا انا بقى لاخليها ليلة كبيرة تليق بالقمر وعريسها نن عين أمه .
هنا فلت الزمام ولم تُعد بها قدرة على التحمل لأكثر من ذلك ..نزعت يدها من كف زهيرة بسرعة وهي تهتف بحدة :
- كان نفسي ياطنت افرحك.. بس للأسف انا لا عندي وقت للجواز ولا عايزة اتجوز من اساسه .
خبئت الفرحة بوجه زهيرة وتحول لونه للشحوب .. كحال شاكر وزوجته الذين الجمتهم الصدمة لعدة لحظات قليلة قبل أن يقطعها صوته العنيف 
- ام علاء. 
التفت الجميع على وجههِ وهو واقف أمامهم بمدخل البيت.. وانفاسه الهادرة مع اشتعال عينيه أخبرتهم جميعًا أنه سمع كل ما قد قيل !
...............................
- اتفضلي ياست هانم .
القت نظرة بطرف عينها وهي تدلف لداخل المنزل استهجاناً على نبرته المتهكمة وقالت :
- ومالك بتقولها كده وانت بتتكى على الكلام؟ 
صفق الباب بقوة وهو يضع سلسلة مفاتيحه في جيب سترته فقال :
- طبعًا.. وانت هامك حاجة؟ هيبة جوزك ولا سمعته قدام الناس ولا تفرق معاكي بمليم حتى .
استدارات شاهقة وهي تضع يدها على خصرها :
- دا بجد بقى انت زعلان .. وانا اقول لاوي بوزك ليه شبرين من ساعة ماخرجنا من عند نسايب ابنك؟
- لمي نفسك يانيرمين؟
اجفلت منتفضة من صيحته الهادرة فخرج صوتها بتوتر :
- في إيه ياشاكر ؟ هو انت بتزعقلي كده ليه أساسًا؟ عملت إيه أنا ؟
خطا يقترب منها حتى امسك بمرفقها فقال مابين اسنانه:
- بقى بالذمة انتي مش عارفة عملتي إيه ؟ لميتي معازيم الفرح كلهم عليكي وانتي بترقصي ولساكي مش عارفة عملتي إيه ؟
قالت بخوف ومداهنة:
- بقى دا هو دا غلطي ياشاكر ؟ إني رقصت فرحانة بخطوبة ابن جوزي ؟
شدد على مرفقها:
- بلاش ملاوعة معايا يانرمين .. انتي رقصتي قدام الكل رجالة وستات قاصدة تلفتي النظر ليكي ولا انتي فاكرني غبي .
- لا مش غبي ياشاكر ..بس انا فاهمة زعلك من إيه بالظبط؟ انت خايف على إحساس السنيورة مراتك..صح ياشاكر ولا انا كدابة ؟
فلتها بعنف هاتفًا باذدراء:
- وماله لما اخاف على إحساس مراتي ام ولادي .. هو انتي فاكراني حجر وما بحسش .. دا انتي اللي جبلة بقى.
تركها وذهب بغضبه .. تمايلت هي بجسدها تلوي شفتيها غيرُ اَبهة .
............................

جالسة على طرف التخت عاقدة كفيها بحجرها مطرقة رأسها للأسفل .. كطفلة صغيرة تتلقى التوبيخ من والدتها التي كانت تقطع الغرفة ذهابًا وعودة أمامها بعصبية وهي تصرخ عليها بشكل هيستيري :
- رودي عليا وفهمينى ..ساكتة ليه ؟
همست بصوت خفيض :
- يعني عايزاني اقول إيه؟
صاحت بصوتٍ أعلى :
- هو انا لسه هاقولك ياعين امك؟ انا عايزة افهم بقى.. انتي بتكرهيه ليه؟ جالك قلب تكسري فرحة الولية الغلبانة دي ازاي بس؟
اغمضت عيناها بتعب فقالت بخزي:
- انا ماكنتش قاصدة احرجها ولا اكسفها.. بس هي اللي إضطرتني لما فاتحتني كدة فجأة .. ثم حكاية اكسر قلبها دي اوفر اوي بصراحة..لأن الجواز نصيب ولازم يجي بالقبول. 
دنت اليها برأسها تسأله بتعجب:
- وانتي بقى ياعين امك مش قابلة علاء ؟
قالت بقوة :
- ايوة مش قبلاه ياماما..فيها حاجة دي؟ 
صاحت والدتها بصوتٍ فاقد للسيطرة:
- امال هاتقبلي بمين يابت؟ لما علاء بجلالة قدره اللي كل بنات المنطقة يتمنوا ضفره انتي مش قبلاه.. ماتقولي ياعين امك.. خلينى نعرف مزاجك ياسنيورة ..ماتقولي يابت ؟
- خلاااص ياسميرة .
صاح بها شاكر الذي اقتحم الغرفة فجأة وتابع :
- لمي الدور بقى وخلينا ننام فى الليلة المهببة دي ..واعتقيها بقى الليلادي واعتقينا احنا كمان .
- ماشي ياشاكر ..زي ما تحب .
زفرت ارتياحًا بخروج والدتها مع ابيها فاتفاجات بسؤال شقيقتها التى دلفت هى الأخرى.. تسألها بدهشة:
- يعنى انا اللي سمعته صحيح يافجر؟ طيب إيه العيب اللي في علاء عشان ترفضيه؟
سدت اذنيها قبل ان تدخل فى الفراش وتشد الغطاء حتة رأسها..فقالت من أسفله:
- ممكن تطفي النور ياشروق عشان عايزة انام .
..................................

دلفت لداخل الشرفة فوجدته جالس على مقعده ينفث دخان سيجارته فى الهواء بوجهٍ شارد.. اقتربت منه بخطواتٍ مترددة وهي تفرك بيدها فقالت بتوتر :
- هاتفضل كدة سهران يابني ؟ مش ناوي تقوم تنام بقى ؟
التفت اليها برأسهِ مستندًا بمرفقه على ذراع المقعد وسيجارته بين اصابعه فقال بنظرة خاوية :
- روحي نامي انتي ياما ..وانا لما يجيني النوم هنام انا كمان ومش هاستنى .
طعنها هذا الحزن الذي رأته بعيناه فقالت:
- هو انت حبيتها ياعلاء ؟.
سألها مجفلًا:
- هي مين؟
أسبلت عيناها وهي لا تجرؤ على النطق باسمها ..فقال هو متفهمًا :
- مش وقت الكلام دا دلوقتي ياما ..احنا بقينا نص الليل .
لم تتحرك للخارج ولكنها قالت برقة:
- ماتزعلش مني ياحبيبي .
هز برأسهِ وزفر دخان سيجارته بقوة وهو يسألها باستياء :
- ازعل منك ليه بس ياما؟
- حاسة اني أستعجلت وبوظت الدنيا لما فتحت الموضوع كده خبط لزق ..كان لازم برضوا البت تاخد وقتها وتفكر قبل ما... 
- خلاص ياما ابوس ايدك. 
قاطعها بتعب وهو يتناول كف يدها يقبلها وتابع :
- ممكن نأجل الكلام ده لبكرة عشان انا تعبان بجد ومش قادر ؟
- ممكن ياحبيبي. 
اومأت برأسه ثم قبلته على جبهته وقبل ان تستدير للخروج رددت مرة أخرى:
- بس اوعدني انك هتريح جسمك وتنام ياعلاء.
اومأ برأسهِ يُرضيها حتى خرجت فعاد هو لشرده مرة أخرى:
- انام ازاي بس من قبل ما اعرف هي رفضتني ليه؟نهض فجأة يضرب بقبضته على حاجز الشرفة الإسمنتي وهو يحدث نفسه :
- البت دي بتكرهني .. انا النهاردة بس خدت بالي من نظرتها ..دي نظرة كره خالصة .. بس ليه ؟ بيني وبينها إيه عشان تكرهني كدة ؟انا لازم افهم ولازم اعرف اللي فى دماغها.. انا مش هاهقبل اترفض كدة من غير ما اعرف السبب .بس ازاي؟ دي حتى بطلت ماتطلع بلكونتها عشان ماتشوفنيش ..لدرجادي هي مش طايقانى ؟ طب ليه؟ 
ظل على وضعهِ يحرق صدره بدخان التبغ وهو يُحدث نفسه كالمعتوه حتى أشرقت الشمس على استيحاء ..فا أحس بوقع خطوات خفيفة تسير فوق رأسه على سطح المبنى الإسمنتي.. شرد قليلًا بتفكير ..قبل ان يرتدي قميصه على عجل ويخرج من شقته متجهًا للأعلى .
........................

ملتفة بشالها وهي تنظر لشروق الشمس بشرود مستمتعة بهذه النسمات الباردة والهدوء المسيطر على الميدان أمامها بالحركة الخفيفة للبشر والقليلة للسيارات.. لقد مرت عليها ليلة بشعة لم يرق جفنها للنوم فيها ولو لحظة.. رغم ماتدعيه من برود أمام والدتها فهي فعلًا أشفقت على المرأة .. بعد رفضها العنيف لابنها فبرغم رفضها المسبق..الا أن هذه لم تكن نيتها ابدًا فى جرح المرأة المريضة ..ولكن هي من اجبرتها بطيبتها وسذاجتها .. وحدث ما لم تتمنى حدوته .. فماذا بيدها الاَن؟ علّ هذا الرفض يخفف قليلًا وقع هذا الضغط الذي ظل جاثمًا على ظهرها طوال الأيام الفائتة حتى ارهقها واستنزف طاقتها .. اغمضت عيناها تتمنى الخلاص والهرب بعيدًا عن زكرياتها ومحيط اسرتها وكل ما يؤوق حياتها ويُتعبها!
فتحت عيناها فجأة بعد ان شعرت انها لم تصبح وحدها فى السطح ويبدوا انه يوجد من يشاركها فيه.. التفت فجأة فاصطدمت عيناها بعيناه العنيفة في نظرتها ..بلعت ريقها الجاف قليلًا قبل ان تأخذ قرارها للهرب من أمامه والنزول فورًا .. ولكنها تفاجأت بهِ يقطع الطريق أمامها بجسدهِ الضخم .. تحركت لتغير الطريق ولكنه تحرك معها ومنعها من السير ..رفعت رأسها اليه متسأئلة فتفاجأت بنظرتها القوية من مستوى طوله الفارق عنها وهو يدعوها للتحدي .. قالت بتماسك مزيف :
- لو سمحت سيبنى امشي وانزل..مايصحش كده .
قال بحدة :
- مافيش نزول .
- نعم !!
- مابقولك مافيش نزول .
برقت عيناها وهي تهتف بغضب :
- بقولك سيبنى انزل ..هي فتونة يامعلم ياشهم. 
تغاضى عن لهجتها المتهكمة فقال مابين اسنانه:
- انتي مش هاتنزلي من هنا غير لما تقوليلى .. انتي رفضتينى ليه ؟
ارتدت للخلف مجفلة من جرأته فقالت بدفاعية :
- وفيها إيه بقى لما ارفضك؟ ولا انت مستكتر عليا انى ارفض المعلم علاء بجلاله وقدره؟
قال بحدة :
-لا مش مستكتر عليكي الرفض ياستى ..وحكاية القبول دي من عند ربنا .. بس انتي في سبب واضح قوي عندك وانا شايفه في عنيكي دلوقتى وانا بكلمك.
احتدت انفاسها بالصعود والهبوط وهي تنظر اليه بقوة صامته ..فتابع هو بالتأكيد :
- مدام سكتي كدة يبقى في صح .. خليكي شجاعة بقى واتكلمي .
- اتكلم اقول إيه ؟- قولي عن السبب اللي مخليكى تكرهيني وعامل حاجز بينى وبينك من اول مرة شوفتك فيها..قولي بقى وريحينى .. ايه اللي بينك وبينى؟
صاحت صارخة بوجهه :
- إللي بينى وبينك فاتن. 

.... يتبع 
#امل_نصر 
#بنت_الجنوب


الفصل الحادي عشر من هنا 


غير معرف
غير معرف
تعليقات