![]() |
رواية أزهار بلا مأوي الخاتمه الجزء التاني بقلم نورا سعد"الخاتمة" - بس " عامر" قال أنه لو متراجعتيش عن قرارك هيطلقك يا "ليلى" هيطلقك وأنا مبقتش حِمل أني أصرف عليكِ أنتِ وأخوكِ الشحط اللي قاعد جوه؛ مش هتكوني أنتِ وهو عليا يا بنتي كده يبقى حرام! كلماتها كانت تُشبيه نسل السكين الحاد، طعنته في قلبها ولم تسحبُه! ابتسمت ساخرة على حالها وما تسمعه من السيدة التي من المفترض أنها والدتها! وقبل أن تُسحب لذلك الدوامة سمعتها وهي تقول لها من جديد بعدما أقتربت منها بعض الخطوات: - أعقلي يا حببتي ربنا يهديكي. كانت دماءوها تُغلي بين أوراتدها، لا تصدق ما تسمعه ولا تستوعب كم الجحود التي تحلت بهِ تلك السيدة؛ وبكل غضب كانت تقول لها وهي تبتعد عنها وتستعد للرحيل: - لا متخفيش؛ مش هتصرفي عليا، أنا مش هحتاجك تاني في حياتي أصلًا يا...يا أمي. قالتها ورحلت...رحلت من المنزل وهي ترمي الماضي خلف ظهرها وتدهسه بقدمها؛ كانت تردد بداخلها أنها لن تعود لهنا مهما حدث؛ حتى لو أصبحت عظامًا في صندوق خشبي! وكم مُحزن أن أبنة تعهد حالها بمثل ذلك عهد! أليس من المفترض أن الأم هي أعز سند في الحياة؟ أليس من المفترض أننا نحتمي في أحضانها حتى مماتنا؟ أليس من المفترض أن نتمنى من الله أن يتذكرنا ونحن تحت أقدام أمهاتنا؟؟ إذن كيف يوجد أمهات بتلك القسوة؛ كيف عليهم أن يكونوا السبب في جحود قلوب أبنائهم لهذه الدرجة؟؟ تركت الماضي وظلت تفكر في الحاضر، وبعد ساعات من اللف على أقدامها دون وجهة عادت لمنزلها من جديد، ولكنها لم تبكي؛ فشوارع المنطقة ارتوت من دموعها؛ فلا داعي أن جُدران غرفتها تأخذ نصيبها اليوم، كانت جالسه على الأريكة تفكر جيدًا في الخطوة التالية؛ مسكت هاتفها وأجرت مكالمة "لعامر" كانت تُقضم في أظافرها في توتر شديد مُنتظره أجابته عليها، وقبل أن تنتهي المكالمة كانت تسمع صوته المميز وهو يقول لها بنبرةٍ رخيمة: - متهيألي عقلتي مش كده؟؟ لم تترك غضبها يتحكم فيها هذه المرة؛ بل تحلّت بالبرود وهي تُجيبه: - ليه كنت أتجننت زيك يا "عامر"؟ كلماتها أصابت هادفها بأمتياز، أنفعل الأخر ووجهه أشتعل؛ وبغضب كان يصيح فيها: - أنتِ بتقولي إيه يا "ليلى " ما تعقلي كلامك شوية! هُنا وكان جاء وقت الانفعال الطفيف، وبنبرةٍ يتخللها بعض الغضب والكثير من المقض رد عليها وهو ثائر: - ليه يا "عامر"؟ هو أنا اللي روحت عملت زي العيال الصغيرة وروحت أتشكيتك لأمك؟؟ ده أحنا محصلناش عيال في مدرسة يا رجل؛ ولا أنت مش رجل ومش قادر تطلقني غير لما تاخد إذن بباك ومامتك وكده؟ هدف أخر في مرماها! هذه المرة أشتعل حتى وشك على الأنفجار، أقسم أنها لو كانت أمامه لكانت تحولت لرمادًا من شدة غضبه، وبعصبية شديدة كان يقول لها: - مش أنا يا هانم اللي أخد إذن من حد وأنتِ عارفة كده كويس، فوقي يا "ليلى" وشوفي أنتِ بتقولي إيه ! - أومال مش عايز تطلقني ليه يا سيد الرجالة؟ ولا أنت رجل برا البيت بس؟؟ - ماشي يا "ليلى" أنتِ طالق. هكذا حصدت ما كانت ترمي له منذ بداية المكالمة؛ غلقت الهاتف وهي تبتسم بداخلها بنصر؛ ودون أن تشعر كانت تبتسم بسعادة كبيرة؛ ترى حالها أنها وأخيرًا أختارت شيء بكامل إرادتها! والأن فقط تستطيع أن تُشكل حياتها الجديدة كما تشاء؛ هُنا وتذكرت أمر هام كانت نسيته؛ وبسرعة كانت تمسك هاتفها تبحث فيهٓ عن رقم ذلك وسيط العقارات الذي تعرفت عليه منذ زمن، ولحسن حظها كانت مازالت تحتفظ برقم هاتفه؛ رنّت عليه وبعد دقائق جاءها الرد؛ وبعد السلامات كانت تقول له: - أنا كنت عايزاك تدورلي على شقة صغير تمليك؛ في نفس المنطقة اللي أنا فيها دي. وبعد عدة تساؤلات من ذلك الرجل كانت تغلق معه المكالمة وتتجِه للباب لكي تستقبل المندوب الذي أرسل لها أنه أسفل البناية ومعه طلبها؛ تلك الأشياء التي طلبتها من أجل ياسين، استلمت منه الاشياء وطلبت منه أنه ينقلهم للمنزل في الأعلى ثم حاسبته ورحل، كانت تنظر للأشياء بسعادة مُفرطة؛ قلبها كان يتراقص داخل ضلوعها، كانت تنظر على الغرفة وهي مازالت خشب على الأرض؛ تتخيل ياسين وهو سعيد بها ويستعمل تلك الخزانة ويضع فيها ملابسه بسعادة؛ وأيضًا ذلك الفراش؛ تُجزم أنه سينبهر بهِ كما أبهرها؛ فهو مُجسم على هيئة دُب الباندا! كانت غرفة مُريحة وتخطف الأنفاس. خرجت من تلك الغرفة وأتجهت نحو لغرفة نومها؛ كانت وجهتها هي خزانة ملابسها بالتحديد ذلك المكان الذيين يضعون فيهِ أموالهم؛ وللحق هي أموال زوجها؛ لكنه تركها لها وأعطاها الحُرية في التصرف فيهم كما تشاء، وفي كل زيارة له كان يضع عليهم المزيد؛ يظن هكذا أنه يعوضها عن غيابه؛ لا يعلم أن كل امرأة تحتاج لحُضنٍ وليس نقود لا قيمة لها؛ تحتاج لأحتواء ومشاعر؛ هي تُريد أن تعيش كل المشاعر الجميلة التي تسمع عنها! تريد أن تشعر بدفئ تلك المشاركة الأسرية الذين يتحدتون عنها؛ ولك أن تتخيل أن كل ما تتمناه تلك المسكينة هو أن تشعر! تشعر ببعض المشاعر التي حُرمت منها بفضل رجل أناني لا يفقه شيء عن المشاعر الأنسانية! مسكت النقود وبدأت في عدّها؛ وكلما ذاد العدد كلما رقص قلبها فرحًا؛ ومع أخر ورقة وضعتها على النقود كانت تشكر الله من كل قلبها؛ كان هو المبلغ الذي طُلِب منها من السمسار بالتحديد من أجل مُقدم الشقة الجديدة، أخذتهم في أحضانها وكأنها تخشى أن يهربون منها؛ ويهرب معها حُلمها الذي أضحت تسعى له من كل قلبها.. ******** بعد مرور عدة أيام على أبطالنا؛ كانت الأيام تمُر عليهم بسعادة ويُسر؛ وكأن كل التعثرات التي واجهتهم سابقًا كانت التعب الذي يسبق لذة النصر! كانا الفتاتان في دار رعاية "أزهار المستقبل" كل منهم ينجِز مُهمة مُختلفة، و"سلمى" كانت تتوسط غرفة الثلاث أطفال تترجل وسطهم بخفة فراشة، وقف في وسطهم وهي تمسك في يدها بعض الورقيات البيضاء، أُعطت لكل طفلٍ منهم ورقة منهم وقالت لهم أطلقوا لخيالكم العنان وحرروا أقلامكم، كانت هي الأخرى تمسك ورقة بيضاء وترسم مثلهم، تنتظر أن ينتهوا لكي ترى ماذا يتخيلون تلك البراعم الصغيرة؟ فهُم في سن يعيش وسط أفكاره ويفعل كل ما في وسعه لكي تظهر للنور؛ وأنسب طريقة لمعرفة تلك الأفكار هو الحديث والرسم! هكذا درست وهكذا تفعل معهم....بعد وقت ليس بالقليل كان "سمير" يتقدم منها وهو يحمل في يده ورقته التي أصبحت مليئه بالخطوط والألوان والبسمة تكتسح وجهه، قابلته بابتسامة هي الأخرى وهي تقول له: - ها قولي الفنان رسم إيه؟؟ وبفرحة كبيرة كان يقدم منها الورقة وهو يقول لها: - رسمت أخواتنا...أخواتنا في غـ ـزة. تقسم أن دقات قلبها كانت مسموعة في اللحظة التي وقعت فيها عينيها على رسمته والتقاط أذنها كلماته! كيف فعل ذلك؟؟ كيف حوّل تلك الورقة البيضاء لساحة مُريحة للأعصاب رغم قسوتها هكذا؟ رسم هُناك أشخاص متسطحين على أرض كبيرة ويلتحفون بوشاح من اللون الأبيض؛ وبخطٍ ضعيف؛ وحروفًا شكلها سيء نظرًا لضعفه الشديد في الكتابة_ لأنه تعلمها قبل أت يترك الدراسة كليًا بإرادته بسبب سوء حالته النفسية بسبب ما تعرض له من مشاكل أسرية انتهت بها الحال لوجوده هُنا_ وبخطٍ غير مُرتب نقش على أول شخص منهم كلمة "دكتورة" والشخص الذي بجانبه والذي كان من الواضح أن الرسمة تعود لطفل صغير؛ كتب عليه "طفل زيّ" وبجانبهم ثلاث أشخاص أخرين كتب عليهم "رجل كبير" و" تيتة كبيرة" والأخير " ماما بتاعتهم" وفوق منهم رسم شخص على هيئة ملاك، شخص صغير ملوّن بالأبيض أيضًا وله أجنحة، ومعالم وجهه سعيدة؛ والبسمة تملئ وجهه؛ ويالله على نظراته! فذلك الطفل أبدع في رسم نظرات ذلك الملاك الصغير؛ وكأنه ينظر بشوقٍ على شيءٍ عظيم هو فقط الذي يراه! وبعيدًا عن كل هذا؛ وفي أعلى الورقة رسم "سمير" علم فلـ ـسطين! وأسفلها كتب بذات خطه السيء " تحيا غـ ـزة" كانت "سلمى" غير مستوعبة أي شيء....هي تتذكر جيدًا أنها منذ أيام شرحت لهم هي و"ليلى" حكاية فلـ ـسطين منذ بدايتها بشكل مُبسط لكي يستطيعوا أن يفهموه؛ وفي نهاية الحكاية سردت لهم ما يحدث في أهالي غـ ـزة في الوقت الحالي؛ وبماذا يتعرضون لمحاولات دانيئة للتخلص منهم؛ ورفَق سردها صور مناسبه لكي يروها؛ لضحايا ذلك الحرب الشنيعة، صور تحتوى على طبيبة جميلة كانت تُحب الحياة، تبتسم والسعادة تملؤ وجهها؛ وفي ذات الصورة ولكن من الجهة الأخرى صورة لذات البنت وهي في كفانها الأبيض تستعد للزفاف لربها! هكذا كانت "سلمى" تقول لهم؛ تلك الطبيبة أصبحت عروسة السماء....وصورة أخرى لطفلًا يحمله والدته ووالده وهم يضحكون وفي يدهم بالونات ملوّنة، كانت أسرة صغيرة لكنها سعيدة؛ وفي ذات الصورة كانوا الثلاث أشخاص متواجدين أيضًا؛ ولكنهم جـ ـثث في أكفانهم البيضاء هم الأخرون! قالوا لهم في ذلك اليوم أن الحرب أخذت أطفال وشيوخ وأباء وأمهات، تتذكر جيدًا أن ذلك اليوم مر عليهم بعناء؛ فذلك الموضوع ليس بسيط؛ ولكنهم كانوا مصممون أن هؤلاء الأطفال يكونوا على درايه كاملة حقيقية غير ملوثة بمعلومات مغلوطة عن تاريخ تلك البلدة العظيمة....ولكنها لم تتخيل أن حديثهم يؤثر في أحدهم لهذا الحد! ولدرجة أنه يتخيل كل شيء سردوه لهم ويخرجه على هيئة رسمة عظيمة بهذا الشكل! ولا كانت تتخيل أيضًا أن "سمير" لديه موهبة عظيمة هكذا في الرسم! فهو رسم تفاصيل كثيرة بشكل مُبهر؛ وأيضًا تنسيقه للألوان كان في غاية الجمال! لا تتعجب من تذكّره لألوان علم فلـ ـسطين؛ لأنها تعلم أن "سمير" ذكرته قوية؛ بجانب أنهم بالفعل قاموا بتحفيظ الأولاد ألوان ذلك العلم في ذات اليوم، خرجت من دوامتها هذه على صوت "سمير" وهو يصيح عليها بضيق واضح على ملامح وجهه: - يووه هي وحشة ولا إيه يا مس؟؟ أخيرًا انتبهت له، نظرت له سريعًا وهي تمسك رسمته في يدها ثم قالت له بفخرٍ يتراقص في عينيها: - الرسمة جميلة أوي أوي يا "سمير" أنت شاطر أوي. كلماتها حفزته، ابتسم من جديد وهو يقول لها: - يعني عجبتك؟ - هي عجبتني بعقل! دي تجنن. أتسعت ابتسامته أكثر وأكثر؛ وقبل أن يسألها على شيء كانت هي تسأله: - بس إيه الللي أنت رسمه ده يا حبيبي؟ دعت الجهل لكي تخرج كل ما في رأسه على هيئة كلمات؛ لا تكتفي بخروجها على الورق فقط؛ وهو بالفعل لبى لها رغبتها؛ عندما أتمعضت ملامحه وقال لها بتشنج واضح: - أنتِ لسه مفهمتيش يا مس! دي غـ ـزة، اللي حضرتك ومس "ليلى" حكتولنا عنها. أخذ منها الرسمة ثم أشار على أول شخص رسمه وقال لها: - دي الدكتورة اللي حكتيلي عليها، اللي قولتي عنها أنها كانت بتحب دراستها ونفسها تعالج الناس؛ وبعدين أستشهدت. صمت وهو يراقب نظراتها له؛ وقبل أن تعلق كان هو يقول: - مش هي اسمها استشهد يا مس صح؟ هُنا وشعرت أن قلبها سيقفز من مضجعه، نظرت له بفخرٍ وهي تقول له بنبرةٍ مُختنقه: - صح يا حبيبي. وقبل أن دموعها تُفضح حالها كانت السيدة "سهام" تدخل عليهم الغرفة وهي تقول لهم بسعادة: - الحلوين بيعملوا إيه؟ هُنا وسمعت السيدة صوت التهليل من الأطفال وهم يركضون نحوها، وبعد الترحيب بها وقصهم عليها ما يفعلوه تدخلت"سلمى" وهي تقدم لها رسمة "سمير" وتقول لها: - بصي يا مس "سمير" طلع شاطر في الرسم أزاي؟ نظرت السيدة على تفاصيل الرسمة بانبهار وهي تمنح "سلمى" نظراتٍ فخرٍ شديدة؛ ترى ثمرة مجهود هؤلاء الفتيات تنمو وتترعرع أمام عيونهم، وبابتسامة كبيرة كانت تقول له : - طب اتجدعن بقى عشان أقدملك على مسابقة رسم يا بطل، ويمكن تاخد مركز دولي كمان. - بجد يا مس؟ وبحب كبير كانت تمسك وجهه بكفي يديها وهي تقول له: - طبعًا يا حبيبي . جاءت "سلمى" من خلف السيدة وقالت لها بصوتٍ منخفض: - أنا "زياد" كلمني وقالي أنه جاي عايزنا في حاجة مهمة. وبابتسامة كانت تقول لها أنها سوف تنتظره؛ ثم واصلت حديثها مع الأطفال بكل فخر وحُب. ******** بعد وقت ليس بالقليل كان وصل "زياد" للدار؛ كان ينتظر "سلمى" في مكتب السيدة "سهام" يُريد أن يخرج كل ما في جبعته أمامها لكي يفرحها هي الأخرى؛ وبالفعل جاءت وأنضمت لهم وهي على محياها ابتسامة كبيرة؛ جلست أمام "زياد" بعدما رحبت بهِ ثم سألتهم: - في إيه بقى؟ ضحكا الأثنين على أستعجالها الدائم؛ رمقتها السيدة "سهام" بنظرات غامضة بالنسبة لها ثم قالت لها: - استاذ "زياد" يا ستي عايز يقولنا حاجة مهمة وصمم ميتكلمش غير وأنتِ موجودة؛ عايز يفرحك.. ختمت كلماتها وهي ترمقهم بظراتٍ مُبهمة ولكنها أخجلت تلك المسكينة! وسريعًا تدارك "زياد" الموقف وقال بابتسامة كبيرة : - الحقيقة أن في خلال الشهر اللي الولاد أتدربوا فيه أنا لاحظت أنهم شاطرين جدًا؛ وخصوصًا "مالك". انتبهوا الأثنين له سريعًا، رمقته "سلمى" بنظراتٍ تأكلها الفضول وسألته بستفسار : - أزاي؟؟ تعجب من رد فعلها المُبالغ فيه؛ لا يعلم أن انبهارها هذا بسبب ما كان عليه ذلك الطفل الذي يقول أنه متميز في تدريب كرة القدم؛ لا يعلم أن ذلك الطفل كان مُنعزل عن العالم وبفضلهم حرر نفسه للنور، رفع كتفيه للأعلى ببساطة وأردف: - أنا خدت بالي أنه شاطر جدًا ومتفوق عن زملائه؛ عنده مميزات كتير جدًا وعنده قابليه عالية أنه يتعلم زيادة عن برنامج التدريب بتاعه؛ يعني أنا ممكن أضمه لفريق متقدم أكتر من اللي هو فيه لأن هو عنده قابليه ومهارة عاليه جدًا أنه يواكبهم بكل سهولة؛ ولو لقيت الفكرة دي نجحت؛ أنا هاخده وهضمه للفريق اللي بجهزه عشان يشارك في البطولة. تهللت ملامحهم بسبب كلماته؛ لا يصدقون أن "مالك" وصل لتلك المرحلة، نهضت السيدة "سهام" من على كرسي مكتبها وترجلت نحو "زياد"، وقف الأخر أحترامًا لها؛ بينما هي فربتت على كتفيه وهي تقول له بشكرٍ وأمتنان: - أنا مش عارفه أقولك إيه، بس بجد اللي بتعمله ده شيء عظيم، وكله في ميزان حسناتك يا أستاذ "زياد" ابتسم على كلماتها الحنونه وبهدوء وأحترام شديد قال لها: - ده واجب عليا يا استاذة "سهام" أي حد في مكاني هيعمل كده. ابتسمت له ثم أشارت "لسلمى" وقالت لها: - روحي معاه يا "سلمى" للولاد وبلغوا "مالك" بالخبر ده . وبالفعل تحركا الأثنين نحو غرفة الأولاد؛ كانت "سلمى" تسابق الريح في خطواتها؛ مُتحمسة وبشدة لكي ترى رد فعل صغيرها؛ بينما "زياد" فكان يراقب حماسها في صمتٍ؛ وهناك شعور لطيف ينمو بداخله كلما رأى ابتسامتها! دخلت "سلمى" سريعًا غرفة الأطفال؛ رحبت بها "ليلى" بمشاكستها المعتادة وهي تقول لها: - تعالي يا مس "سلمى" عشان نقولك أتعلمنا إيه النهاردة. ختمت كلماتها و"زياد" يظهر أمامها، ابتسمت له وهي تقدمه للأولاد بمرح: - إيه ده؛ الكاتبن بنفسه هنا! رحبوا يولاد بكابتن "زياد" هُنا وأرتفع صوت التهليل وهم ينقضون عليه بالأحضان، وبعد ذلك الترحيب الحار تقدمت "سلمى" من الأولاد والابتسامة تزين وجهها ثم قالت موجه حديثها لهم: - صحيح يولاد كابتن "زياد" عايز يقولكم حاجة مهمة أوي. ومع صوتهم المتسائل المتداخل في بعضه بحماس قال "زياد" وهو يضحك على رد فعلهم العشوائي المُحبب للقلب: - براحة بس عشان نسمع بعض . وبالفعل صمتوا جميعهم، كانت"ليلى" ترمقهم بنظراتٍ مُتسأله؛ وبالفعل لبى لها طلبها وأجاب على تسأولاتها بابتسامة واسعة: - كنت عايز أقولكم أن أنتوا كلكم كنتوا شاطرين أوي أوي في التدريب يولاد. هللوا الولاد بفرحة شديدة؛ ولكن إشارة "زياد" بأن يلتزموا الصمت جعلتهم يصمتون بالفعل؛ ابتسم على رد فعلهم ثم أضاف على حديثه: - بس في واحد فيكم كان شاطر أوي أوي وأنا قولت أني هكافأه بحاجة حلوة أوي. هنا والأولاد كانوا يرمقون بعضهم بنظراتٍ متفحصة؛ كل منهم يفكر من سعيد الحظ الذي سيفوز بتلك المكافأة؛ والأهم ما هي المكافأة؟؟ وسريعًا جاءهم الرد من "زياد" وهو يتقدم نحو "مالك" ويقف أمامه ويمسك يده ويرفعها للأعلى وهو يقول لهم بسعادة وحماس: - والشاطر أوي أوي ده هو "مالك " يولاد، سقفة كبيرة أوي أوي "لمالك" صوت التهليل أرتفع في الغرفة، والأطفال أنهالوا على صديقهم بالمباركات وكأنه نجح في انتخابات الجمهورية! عجيبة مشاعر البراءة في تلك الكائنات الصغيرة؛ وكأنها تثبت لنا أننا جميعًا كُنا مُتغلفين بالبراءة ولكن بفضل الأيام وأعمالنا تدنسنا؛ وكأن الله يُعلمنا أن لا يوجد أحدًا ولِدا وفي قلبه حقدًا وشرًا وبغض وأنانية؛ فكل تلك الأشياء هي دناسة وضعت في قلب فارغ من محبة الله؛ فإذا كنت جاهل عن محبة الله لنا؛ فكيف ستقدم محبة للبشر؟ وأثناء هذه الفرحة تدخلت "ليلى" لكي تُفجر هي الأخرى مفاجأتها في وجههم لكي تكون الفرحة فرحتين في هذا اليوم؛ تقدمت منهم وبابتسامة واسعة وهي تحضن "مالك" من أكتافه من الخلف كانت تقول لهم: - وأنا كمان عايزة أقولكم حاجة مهمة أوي ياولاد. وبصوتٍ وأحد كانوا يسألونها: - أيه يا مس؟؟ رمقتهم جميعهم بنظرة تحمل كل معاني الفخر والسعادة، و بنبرةٍ هادئة كانت تقول لهم: - أنا أتفقت مع مس "سوزان" مدرسة اللغة العربية؛ تيجي تديكم درس لغة عربية عشان تتعلموا القراءة والكتابة؛ أصل مينفعش ولاد شاطرين أوي كده ميكونوش في مدرسة يعني! الصدمة أعتلت ملامحهم؛ الهمهمات أرتفعت وملئت الغرفة، ولكن صوت "سلمى" المُتفاجأ مثل الصبيّة هو ما قطع تلك الهمهمات وهي تقول: - يعني يا مس "ليلى" قصدك أن صحابي هيروحوا المدرسة؟؟ - أيوا، كلهم هيروحوا المدرسة، وهيكونوا أشطر طُلاب. وبصوتٍ واحد كانوا جميعهم يهللون ويركضون نحوهم بكل سعادة يعناقوهم بمحبة كبيرة وأمتنان شديد، وأثناء تلك الأحتفالات تقدم "ياسين" من "ليلى" بخطواتٍ بطيئة، وقف أمامها ورفع عيونه لها ثم سألها بهدوء: - هو أنتِ غيرتي رأيك ومش هتاخديني؟ وقبل أن ترد واصل هو ببساطة وعلى محياه ابتسامة عاذبة: - أنا مش هزعل على فكرة. هُنا وكست هي على ركبتيها دون إرادة منها، نظرت له وهي تمسك وجهه بكفي يديها وتبتسم له بهدوء، كانت تتحسس ملامحه وكأنها تحفظها جيدًا، مالت برأسها نحو أذنه وقالت له بهدوء شديد: - ده أنا بحلم باليوم اللي هخلص فيه الورق يا "ياسين"! منحها ابتسامة لطيفة ثم طبع قبلة دافئة على وجنتيها ورحل دون كلمة أضافية؛ بينما هي فوقفت من جديد وهي تمسح دموعها التي خانتها، انضمت "لزياد" و"سلمى" تقُص لهم ما رتبته مع السيدة "سهام" لكي الأطفال يلتحقون بالمدارس رغم عدم وجود أولياء أمور لبعضهم، وشرحت لهم كيف حلّت السيدة "سهام" تلك المشكلة. انتهت تلك الفقرة بخروج ثلاثتهم خارج الغرفة؛ و"زياد" طلب من "مالك" أن يتحدث معه بمفرده لكي يقول له أنه سينضم مع فريق أخر أكثر مهارة لأنه يريد أنه يؤهله للمسابقات؛ بالتأكيد لم يقول ذلك الحديث أمام الباقية لكي لا يحدث بينهم غيرة أو غيرها من مشاعر سلبية للصغار، وبعد أنتهاءه من حديثه مع الطفل؛ وقبل أنصراف الصغير لكي يعود لزملائه؛ تقدم "مالك" من "سلمى" بابتسامة عاذبة، وبملامح مُبتهجة كان يقول لها: - أنا متشكر أوي، مكنتش أتخيل أني هرجع أتعامل مع الناس كده! مكنتش أتخيل! ابتسمت له باتساع وهي تفتح له أحضانها، أستكان بداخل أحضانها وهو يشكرها من كل قلبه؛ ولكن في الواقع هي من كانت تشكره؛ كانت تشكره لأنها على يده ويد أصدقائه هي شعرت بقيمتها! أخيرًا شعرت أنها ذو تأثير ودور هام في المجتمع، وها هو دورها وتأثيرها واضح مثل ضوء الشمس في سماء صافية، قبلته في جبينه وهي تحبس دموعها؛ خافت أن تُفضح أمرها؛ وبصوتٍ مُختنق قالت له: - أنت اللي قوي يا "مالك" أنت اللي قوي أوي وقدرت تتغلب على خوفك. ابتسم لها بأمتنان شديد ثم استأذن منهم وعاد لغرفته، وأيضًا "ليلى" تركتهم وأتجهت لمكتب السيدة "سهام"، ولكن"زياد" لم يرحل، فقط وقف بجوارها وهو مُكتف الأيدي، نظر لها نظرات غامضة ثم قال لها بنبرة واثقة هادئة: - أنا فخور بيكِ على فكرة. ختم كلماته ثم تركها ورحل لكي تختلي بأفكارها بمفردها. ******** انتهى يوم الفتاتان في دار أزهار المستقبل، عادت "ليلى" لمنزلها تفكر ما الخطوة القادمة؛ وماذا ستفعل إذا لم يطلقها عامر بسهولة ولم يرسل لها قسيمة طلقها؟؟ وقبل أن تُرهق في التفكير كان صوت قرع الباب يصم أذنها، نهضت سريعًا وأتجهت نحو الباب؛ لكي تنصدم أن بواب المنزل يعطيها ورقة ويقول لها: - في حد بعتلك الورقة دي ومِشي يا ست هانم. أخذت منه الورقة وغلقت الباب، وبقلبٍ مُرتجف جلست على الأريكة تخرّج تلك الورقة من الظرف، ثوانٍ معدودة حتى صُدمت؛ كانت عينيها على وشك الخروج من محاجرها؛ لا تصدق أنه فعلها! كانت قسيمة طلاقها من "عامر" وعكس كل الفتيات؛ فهي لم تحزن على فراقه لها؛ ولا أنصدمت من تخليته عنها بتلك السهولة؛ بل كانت سعيدة مثل الطير الذي تعافت أجنحته بعدما كانت مُضمدة وتمنعه من التحليق في السماء! تشعر أن قلبها سينقلع من موضعه من الفرحة؛ لا تصدق أن متبقي خطوات فقط وحلمها يتحقق و"ياسين" يؤانس حياتها البائسة، وبحماس شديد كانت تمسك هاتفها وتجرى أتصال بذلك الوس الذي وصته أن يجلب لها شقة صغيرة، وفور رده عليها كانت تقول له: - عملت إيه؟؟ وبكلماتٍ سعيدة كان يقول لها ذلك الرجل: - لقتلك شقة زي العسل، قريبة من المنطقة اللي قولتيلي عليها، ونفس المواصفات اللي طلبتيها وبالمقدم اللي أتفقنا عليع، والناس مستنينا بليل عشان تشوفيها ولو عجبتك هنمضي العقد. تهللت ملامحها؛ كل شيء يسير بسهولة ويسر، غلقت معه الهاتف بعدما أتفقت معه على معاد المتقابلة، وقبل أن تلتقط انفاسها كانت تجرى أتصال أخر ولكن هذه المرة كانت للمحامي الخاص بها، جاءها الرد سريعًا منه، وبعد السلامات والترحيب كانت تقول له: - أنا دلوقت أتطلقت، محتاجة أعرف إيه اللي المفروض أعمله عشان أخد المؤخر بتاعي والعفش اللي كتبته في القايمة؟ كانت تستمع لكلمات المحامي بكل أنصات، كل شيء خُططِت له تم على أكمل وجه، طلقها دون التفكير في المؤخر الذي سيطالب بهِ؛ ونسى أن القايمة كان مكتوب فيها كل قشة وجدت في المنزل، نسى أنه سيُلزم بمطالب لا حصر لها عندما يطلقها؛ وكيف سيفتكر وعمله مستحوز على عقله بالكامل؟ ******** ولكن عند "سلمى" فكانت تجلس على فراشها بكل أريحية والابتسامة تستحوز على وجهها بأكمله؛ ضحكت بخفة ثم ردت علي ذلك الذي يتحدث معها في المكالمة: - مشوفتش أنت يا "زياد" العفاريت دول كانوا عاملين أزاي الأول. ضحك هو الأخر ثم قال لها: - بس البركة فيكِ برضه. خجلت منه وسريعًا غيرت مجرى الموضوع وهي تسأله: - صحيح أنا نسيت أقولك؛ أيه بقى حكاية الأعلانات اللي بتعملها دي وإيه أصلًا حوار البلوجر والحركات وكده. كان متوقع سؤالها؛ فذلك هو السؤال المعتاد له؛ وبهدوء كان يُجيبها قائلًا: - أنا يا ستي بلوجر؛ بقدم محتوى معلومات رياضية؛ وبما أن عندي عدد كبير بيحبني وكده ففي ناس بتطلب مِني أروجلها على المنتجات بتاعتها مثلًا وهكذا. - طبعًا عايشها بالطول والعرض بقى؛ أنا اسمع أن حياة البلوجر دي وردي في وردي. قالتها بسخرية شديدة؛ وهو كان متوقع تلك الكلمات؛ فكل من حوله يظن أنه لا يوجد في حياته مشاكل؛ لا يعاني من أي شيء في الحياة؛ وكأن حياته لا يوجد بها غير الجانب المُشرق الذي يصدره لهم؛ لا يدركون أنه يصدر لهم ما يريد أن يصدره وحسب، لا يدركون أنه يعاني مثله مثل جميع البشر؛ وأن حياته على مواقع التواصل الأجتماعي ليس إلا محتوى يقدمه مقابل المال؛ ففي النهاية هو يُعد له عمل؛ ولكن بعض الناس تظن أن ذلك هي حياته وحياة جميع صُناع المحتوى! وببساطة كان يُجيبها قائلًا: - على فكرة اللي أنتِ بتقوليه ده مش حقيقي، أنا مش بعرض حياتي كلها على السوشيال على فكرة؛ يعني أنا مش عايش يومي كله في التدريب، ولا طول الوقت بصور ليهم فديوهات مثلًا؛ أنا وغيري يا "سلمى" صناع محتوى؛ بنقدم معلومة وبناخد قصاده أكتر من شيء؛ بس المشكلة أننا بنلاقي الشباب الصغير دي متصوره أن دي حياتنا بجد وبتحارب عشان تقلدنا! يعني لو أنا بعمل أعلان لچيم مثلًا كبير؛ الناس بتفتكر أن انا بروح للچيم ده دايمًا وأن لازم بقى هما كمان يعملوا زيّي مثلًا! تفهمت كلماته وأحترمته بشدة؛ كانت على جهل بتلك التفاصيل الصغيرة؛ فكل ما في ذهنها على هؤلاء الأشخاص أنهم جاشعين ويريدون أن يجمعوا الأموال بأي طريقة ممكنه دون النظر لأي شيء ومن ممكن أن يتأذى بسبب أفعالهم؛ ولكن هو وضح لها الصورة بشكل مُبسط؛ وأضحت المشكلة الحقيقية هي في عدم الرقابة؛ وليست المشكلة في صُناع المحتوى! أومأت له برأسها وكأنه يراها وهو تقول له: - مكنتش فاهمة كده خالص، الموضوع أختلف كتير لما فهمتني. قطع كلماتهم دخول والدتها عليها، لا تعلم لماذا توترت؛ وخصوصًا عندما سألتها مع من تتحدث، وضعت يدها على سماعه هاتفها ثم أخبرتها أنها تتحدث مع "زياد" ومع أشارة ولدتها بأن تغلق المكالمة ودعته على أستيحاء وغلقت معه المكالمة بالفعل، وقبل أن تنطق بأي حرف كانت والدتها تقول لها: - أنا وخده بالي أن كلامك كتير مع الشاب ده يا "سلمى" عايزاكِ تاخدي بالك من نفسك ومن مشاعرك اللي ممكن تتسحب منغير ما تحسي يا حببتي. ختمت كلماتها ثم تركتها وخرجت من الغرفة دون الحاجة لسماع ردها، ولكن كلماتها كانت قادرة على فعل الأفاعيل في عقل تلك المسكينة، وكأنها للتو شعرت أنها بالفعل بدأت تنسحب له دون أن تشعر؛ فتلك المشاعر العجيبة التي بدأت تنمو بداخلها تقلقها وبشدة، هي ناضجة للحد الكافي لكي تستطيع أن تفهم طبيعة مشاعرها؛ فهي تعلم جيدًا أنها ووللأسف بدأت تقع في شباك الحب! والكارثة أنه من طرفها هي فقط! ******** في صباح اليوم التالي، اشرقت شمس يومًا جديد على أبطالنا؛ وكلٌ منهم يدور في ذهنه أفكارًا مُختلفة مُتغبطة، كانت "ليلى" هي أول من وصلت للدار، وكانت وجهتها مكتب السيدة "سهام" تركت على الباب برفق حتى سمعت صوتها يسمح لها بالدخول، بعد الترحيب جلست أمامها وهي تفرك في يديها؛ لا تعلم هل ما ستقوله سيغير شيء أم لا ولكنها لابد أن تخبرها بهِ، لحظت "ليلى" نظرات السيدة لها، نظفت حلقها بتوتر ثم قالت لها بهدوء وثبات لا تدرى ما مصدره: - أنا كنت عايزة أقول لحضرتك أني أتطلقت؛ ولكن لسة مُصرة على تكفلي "بياسين" وعايزاكِ تقوليلي إيه الورق اللي هيتغير عشان ألحق أجهزه. علامات الصدمة هي التي أحتلت ملامح السيدة، هدوء وبساطة "ليلى" جعلها تشك في سمعها، ظنت أنها استوعبت كلماتها خطأ، أو ربما يوجد سوء فهم! ولذلك سألتها بعدم استوعاب: - اتطلقتي! أزاي؟ كانت الأخرى متوقعة تلك الصدمة؛ فبالتأكيد من تعرض حياته للخراب وللطلاق مثلها بالتأكيد سوف يجلس في بيته يبكي على حاله ويبكي على الأطلال إذا لزم الأمر؛ ولكن يأتي ويواصل حياته كأن لم يحدث شيء! فهذا عجيب بحق، ابتسمت "ليلى" لها ببساطة وهي تُجيبها: - أنا مقدرة تعجبك من الموقف، بس حقيقي أنا الشخص ده مش فارق معايا أصلًا؛ أنا كل اللي فارق معايا هو "ياسين" ابتسمت السيدة على كلماتها؛ فتمسك "ليلى" بالطفل هكذا هو موقف غريب عليها؛ ولكنه أثبتلها أن الدنيا بها الكثير الذين يحتاجون لونيس لوحدتهم؛ أثبتتلها أن الله عادل؛ فمن يصدق أن طفل كل أماله هو تكوين أسرة وأمتلاك بيت دافئ؛ يعثر على من يحارب أقرب الأشخاص له لكي يتأنس بهِ ويقدم له كل ما لديه بكل حب! وبسعادة كبيرة كانت السيدة تخبرها ما هو الورق المطلوب؛ فهي لم تدخل في تفاصيل لا تخصها ولا تعنيها، كل ما تحدثت فيه هو الأوراق وما هى الأجراءات التي سوف تتم؛ وكانت أهم تلك الأجراءات هو وجود منزل باسمها، و"ليلى" كانت تعلم تلك النقطة لذلك قالت لها بحماسٍ شديد: - يومين والعقد هيكون معايا. وهكذا انتهت تلك المقابلة، وقبل أن تتحرك "ليلى" لمكانٍ كانت تقابل "سلمى" التي شاكستها سريعًا قائلة: - القمر كان بيعمل إيه؟ - كنت بتطلق. هكذا قالت لها ببساطة وضحك! وكأنها تلقي مع مسامع الأخرى دُعابة ليس إلا! ولكن "سلمى" لا تقابل كوميدياتها السوداء بصدرٍ رحب كما توقعت وتمنت الأخرى؛ فما فعلته أنها صرخت في وجهها بعدم تصديق، مما جعل الأخرى تفزع منها وتضع يدها على فمها سريعًا تكتم صوتها الذي كاد أن يفضحهم في المكان...أو هو بالفعل فضحهم! أخذتها من يدها وخرجت بها من الطُرقة المؤدية لغرف الأطفال ومكتب السيدة "سهام" وكان أنسب مكان لكي يتحدثون فيه بأريحيه هو مكتبهم الخاص؛ ترجلوا له وغلقوا الباب خلفهم، وقبل أن تفتح فاها لكي تفهمها الأمر كان صوت "سلمى" يدوى في المكان قائلًا: - أنتِ أتجننتي ولا إيه؟؟ أتطلقتي يا "ليلى"! أتطلقتي وهديتي حياتك كلها عشان خاطر فكرة مجنونة قررتي تعمليها! كانت كلماتها نابعة من غيظها الشديد منها؛ فمنذ ما صرحتها "ليلى" منذ أسابيع بقرارها بخصوص "ياسين" وهي أعتقدت أنها فكرة جاءت في ذهنها في لحظة حماس؛ وبالتأكيد عندما تقابل رفض من زوجها ستتخلى عن تلك الفكرة؛ لكن هل يعقل أنها تهدم حياتها من أجل فكرة هوجاء جاءت على ذهنها! ولكن "ليلى" استقبلت كل تلك العصبية ببرود شديد، وبهدوء كانت تقول لها: - أنا قولتلك على فكرة أني مش هتخلى عن اللي في دماغي، وقولتلك أن "عامر" رفض. لم تستطيع أن تسيطر على حالها أكثر من ذلك، وبانفعال شديد كانت تتقدم منها خطوة وتقف أمامها وهي تقول لها بتحدٍ وكأنها تواجهه العالم وليست مناقشة بينها وبين صديقتها! - كنتِ عايزاني أفضل دافنة حياتي يعني؟ أفضل دافنة نفسي بالحيّة عشان خاطر شوية أفكار متخلفة في عالم متخلف يا "سلمى"؟؟ ختمت كلماتها وهي تلهث بشدة، انفاسها تهدجت وكأنهل على وشك الخروج من ضلوعها، شعرت الأخرى بانفعال صديقتها، وبهدوء تحلّت بهِ بعد شعورها بالذنب أتجاه صديقتها قالت لها: - بس كده حياتك باظت يا "ليلى" - ما هي كانت بايظة يا "سلمى"! هكذا قالت لها ببساطة، بينما الأخرى لم تعثر على كلماتٍ مناسبة لمثل ذلك الموقف، ولم تفعل شيء غير أنها فتحت لها أحضانها تواسيها بلين، ولكي تخفف من حدة الموقف كانت تشاكسها قائلة لها: - بس قوليلي بقى أزاي هنخليه يلف حوالين نفسه؟ أحنا عايزين ناخد منه كل حقوقك أه. ضحكت على كلماتها، نظرت لها بعيونها الدامعتين ثم قالتل ها وهي تمسح بقايا دموعها: - لا منا هخلي المحامي يلففه حوالين نفسه لو مجاش معايا سكة متخفيش. ضحكا الأثنين عاليًا ثم بدأت "ليلى" أن تقص عليها ما فعلته مع "عامر" لكي يطلقها بتلك البساطة، وماذا تنوي أن تفعله، وانتهت تلك الجلسة بصوت ضحكاتهم الذي دوت صوتها في المبنى بأكمله بعدما كانت تدوى صراخات منذ قليل! ******** انتهى اليوم مع الأطفال سريعًا دون أحداث جديدة، ولكن" ليلى"هي من كانت تنتظر حدث جديد يُضاف لحياتها الجديدة التي بدأت منذ أيام؛ فاليوم وبعد عملها جاءها مكالمة من وسيط العقارات يبلغها أن الشقة أصبحت جاهزة والرجل صاحب العقار يريد أن يكتب العقد الأن، ولأنها لم تمتلك المبلغ كاملًا طلبت منه أن يقترح على صاحب الشقة أن يأخذ اليوم جزء من المبلغ حتى نهاية الأسبوع؛ ولحسن حظها الرجل وافق لأنه في أمس الحاجة لذلك النقود، وبسرعة البرق كانت "ليلى" تقف أسفل البناية، لا تعلم كيف وصلت لهنا بهذا السرعة؛ لكنها وصلت والأن هي أمام الرجل ويكتبون عقود ملكية الشقة، انتهت من كل الأجراءات والجميع رحل معدا هي، كانت تقف في منتصف ردهة منزلها الجديد وتستنشق هواءها بستمتاع؛ تشعر أنها تستنشق هواء نقي، هواء حُر غير مُقيد! كانت تنظر لغُرف منزلها الصغير وتتخيل كيف ستنتعش بضحكات صغيرها، كانت تتخيل "ياسين" وهو يلهو هُنا وهناك، يركض هُنا ويقع ويقع قلبها معه هناك، تشعر أن من سيأتي ويعيش معها هو ابن أحشائها وليس طفلًا تبني كما يزعمون! فهي تشعر أنها على وشك الولادة...الولادة من جديد على يد ذلك الصبي الذي لا يتعدى المئة سنتيمتر! ضحكت على حالها وعلى تخيلاتها، مسحت دموعها سريعًا الذي سقطت على وجنتيها دون أن تشعر ثم أجرت أتصالًا بالمحامي الخاص بها، ثوانٍ ثم أتاها الرد ولم يبث أن ينطق بحرفٍ غير وكانت هي تنفجر فيه قائلة: - هو لحد دلوقت مبعتش ليك المؤخر بتاعي ليه؟ وبعدين يا متر في الموضوع اللي مش عايز يخلص ده! انتهت من كلماتها ثم سمعت صوت ضحكات الأخر الهادئة، ضيقت عينيها وهي تسبه في حالها، ولكنها ابتلعت تلك السبات عندما سمعته يقول لها: - يا فندم الحكاية كلها خلصت، وطليق حضرتك مكنش عايز مشاكل وقال تروح تاخد كل حاجاتها اللي مكتوبة في القايمة والمؤخر هيوصلك على البيت الليلة، وكمان بيبلغك أن الفلوس اللي في البيت هو مش عايزها. كلماته صدمتها؛ لم تتخيل أنه يفعل كل تلك الأشياء بهذه البساطة! كانت تتخيل أنه سيُعقد الأمور وستلجأ للمحاكم إذا لزم الأمر، لكنه اثبت لها أنه مازال يحفظ لها مشاعر نبيلة بداخله؛ ومن أجل ذلك الشعور غلقت مع المحامي المكالمة بعدما شكرته ثم أجرت مكالمة أخرى"لعامر" ....ثوانٍ حتى رد عليها، وفور فتحه المكالمة كانت تقول له بأمتنان حقيقي: - أنا متشكرة يا "عامر" أنك صونت العيش والملح ومخلتش أخر أيام بينا تمُر بمشاكل. كان الأخر مُتفهم كلماتها؛ لذلك ابتسم بهدوء وكأنها تراه وبعد تنهيدة طويلة كان يقول لها: - متشكرنيش يا "ليلى" ده اللي المفروض يحصل...عيشي حياتك وابدأي من جديد؛ وحاولي تتأني في اختياراتك بعد كده. ابتسمت على كلماته وأومأت له وكأنه يراها؛ ولأول مرة تشعر أن كلماته حنونة لهذا الحد! كان شعور غريب..ولكن في نهاية الأمر ابتسمت له ثم شكرته مرة أخرى وغلقت معه المكالمة، وقبل أن تنسحب في دوامة هي في غنى عنها في هذا الوقت بالتحديد بدأت تفكر بماذا تبدأ؟ هل تبدأ أن تنقل الأثاث للمنزل الجديد؟ أم توصي عمال النقاشة لكي يأتون ويجهزون المنزل؟ أم تفعلهم جميعهم في ذات الوقت؟ وبالتأكيد أستقرت في نهاية الأمر على الخيار الثالث. *************** مرت الأيام على أبطالنا سريعًا؛ وبسرعة الرياح جاء أخر يوم لهم في ذلك المكان الذي ولدوا فيهِ من جديد كما يقولون دائمًا، كانا الصديقاتان وصلوا للمكان مع بعضهم؛ فهم قرروا أن ينهوا أخر يوم لهم هُنا كما مر عليهم أول يوم لهم سويًا، وقبل أن يفعلوا أي شيء ترجلوا الأثنين نحو مكتب السيدة "سهام" التي استقبلتهم بملامح حزينة ولكنها مُزينة ببسمة لطيفة، وفور دخولهم للمكتب كانت تنهض من مكانها وتقول لهم بمشاعر مُتغبطة: - مش عارفة أقولكم إيه؛ بس بجد أنا سعيدة أوي أوي بالشغل معاكم، ومكنتش أتمنى أن اليوم ده يجي بالسرعة دي. تأثروا الفتيات بكلماتها، وبابتسامة نابعة من قلوبهم كانوا يقولون لها بصوتٍ واحد: - أحنا اللي بنشكرك. نظروا لبعضهم وهم يضحكون، ولكن "ليلى" تقدمت من السيدة وهي تنظر لها بأمل وحماس؛ وبكل سعادة كانت تقدم لها بعض الورق وهي تقول لها: - أنا خلصت الورق على فكرة، وفاضل أمضتك. رمقتها "سهام" بنظراتٍ خبيثة ثم قالت لها بمشاكسة: - وكمان جاية تاخدي مني بونبوناية الدار، طب أقول إيه طيب؟ ضحكا الأثنين على كلماتها، ولكن من تكلم هذه المرة هي "سلمى" عندما تقدمت منهم وهي تقول لهم: - بس متنسيش أنه هيروح لقلب بيحبه...ومستعد يبيع الدنيا عشانه. كانت كلمات "سلمى" مُحقه، مسكت "ليلى" يدها وربتت عليها بأمتنان، والسيدة "سهام" ابتسمت لهم وهي تأخذ الورق من يد "ليلى" لكي تمضي عليه، وأثناء تركيزهم مع أمضتها رفعت هي وجهها لهم ثم قالت بابتسامة واسعة: - مش عايزاكم تنسونا، ولازم تجيبي "ياسين" يزورنا ويزور أخواته. التقطت "ليلى" الورقة من يدها بفرحة شخص عثر على كنزًا كان يبحث عنه منذ سنوات! لا تتخيل أن كل شيء انتهى وحُلمها أصبح بين يديها، كانا الأثنين يراقبون رد فعلها بهدوء تام؛ ولكن الأخرى لم تستطيع أن تسيطر على فرحتها، وبحماس شديد كانت ترفع الورقة التي في يدها للأعلى وهي تقول موجه حديثها لصديقتها: - الورق خلص يا "سلمى" هاخد "ياسين" خلاص! انتهت من كلماتها وهي تنقض عليها وتعانقها بشِدة؛ كانت السيدة "سهام"ترمقهم بأعجاب شديد؛ فهي للحق مُعجبه بعلاقتهم القوية البسيطة، ولكنهم لم يعطوها فرصة لكي تتأمل في علاقتهم أكثر من ذلك ففجأوها الأثنين وهم ينقضون عليها هي الأخرى يعانقوها ويودعوها بحرارة شديدة.. انتهت تلك المقابلة والأثنين يترجلون نحو غرفة الأطفال؛ ولكن "سلمى" لحظت مكالمات "زياد" لها بشكل متكرر؛ فهي منذ أيام قطعت أي طريقة يستطيع أن يوصلها بها، شعرت أن ما تفعله خطأ ولابد أن تصححه؛ ولكن أتصاله المتكرر بهذا الشكل جعلها تتوتر؛ هل حدث خطب يخُص الأولاد؟ ومع ذلك الأحتمال قررت أن تضع أي شيء شخصي جانبًا وتُجيب على أتصاله؛ وبالفعل اتسأذنت من "ليلى" ووقفت خارج الغرفة ترد عليه، وفور نطقها بكلمة مرحبًا كانت تسمع صوت الأخر يصيح عليها بعصبية شديدة: - هو في آيه يا "سلمى"؟ يعني إيه بحاول أوصلك ومش عارف؟؟ إيه شغل العيال ده؟ تعجبت الأخرى من رد فعله، ضيقت عينيها وهي مازالت تستوعب ما قيل لها! وبصوتٍ حاد كانت تقول له: - نعم؟؟ هو في حاجة يا كابتن "زياد"؟ من الواضح أن الأخر وأخيرًا شعر أنه كان منفعل زيادة عن اللازم! تنحنح بأحراج شديد يشد خصلاته بعنف وكأنه يعنفها هي عن ما فعله منذ لحظات؛ توتر وبشدة؛ ونتيجة ذلك التوتر كان يقول لها بسرعة شديدة ودون حساب لما سيتفوه بهِ للتو: - أه في حاجة...في أني عايز رقم والدتك يا "سلمى". أنا عايز اتقدملك. لحظة أدراك... عقلها وقف عن عمله بشكله الطبيعي! رئتيها أختنقت من قلة الأكسجين حولها، ودون شعور كانت تغلق المكالمة في وجهه وهي تتنفس بعنف! لا تصدق ما سمعته، تظن أنها توهمت ما سمعته؟ من الممكن بالفعل أنها توهمت لِمَ لا؟ ولذلك فتحت هاتفها سريعًا واتجهت نحو تطبيق "الواتساب" وقبل أن تفكر ماذا تسأله بالتحديد رأت أنه هو من كاتب لها رسالة نصية تحتوي على "هو في إيه؟ بقولك هاتي رقم والدتك يا بنتي أنتِ" رائع...هي لم تتوهم! وبسرعة كانت بداخل المحادثة؛ تحملق في الحروف تحاول الاستيعاب، وبيد مرتجفة كانت تنقش بأناملها أرقامًا بجانب بعضها في تلك المحادثة وبجانبهم كتبت: - رقم ماما أهو، متكلمنيش تاني بقى كفاية توتر! غلقت الهاتف سريعًا لا تريد أن ترى شيء، هي فقط كل ما تريده أنها تسترخي وتنسى كل ما حدث...تنسى أنه هو الأخر كان مُعجب بها! لا تريد أن تتذكر أنه سيأتي ويطلبها للزواج! لملمت مشاعرها المُبعثرة تلك ثم أخذت أنفاسها تحاول تهدئة حالها وهي تخطو داخل غرفة الأولاد تنضم لهم، وفور دخولها رحبوا بها الأولاد كالمعتاد، وسريعًا نست "سلمى" كل شيء وتذكرت هؤلاء الملائكة، وبسرعة كبيرة كانت تنغمس معهم في الشرح ...وبعد انتهائهم من المحاضرة الأخيرة لهم وقفت "ليلى" بينهم وهي تنظر لكل واحد فيهم تحفظ شكله جيدًا، ابتسمت لهم ثم قالت لهم بابتسامة: - أنا عايزة اسمعكم يولاد، عايزة أعرف كل واحد أستفاد إيه مننا. تحمسوا الأولاد كثيرًا، وبلهفة نهض "مالك" الذي بدأ هو في الحديث وقال: - أنا اتعلمت منكم أني أثق في نفسي، أتعلمت أني مسبش نفسي لحاجة أذتني، أتعلمت أزاي أدافع عن نفسي، وعرفت أني شاطر وعندي مواهب كتير أوي أنا مكنتش أعرفها. هنا وتدخل "سمير" سريعًا، وبسعادة كبيرة كان يضيف هو قائلًا: - وأنا كمان عرفت أني شاطر، أنا كنت فاكر أني مليش لازمة وأني مش محبوب، بس عرفت أن كل واحد عنده مواهب محتاج يدور عليها، وعرفت أن كلنا محبوبين، وأن لو حد أتخلى عننا يبقى هو اللي خسرنا، أنا أتعلمت كمان أن أنا غالي، غالي أوي أوي وخصوصًا في عيون نفسي..صح يا مس؟ كانت كلمات بسيطة موجه "لسلمى" لكنها تحمل الكثير والكثير من المعاني؛ فمن يتخيل أن من يتحدث هذا هو من كان يركض نحو طريق الهلاك...طريق الإدمان الأبدي! ابتسمت له "سلمى" من قلبها، ولم تعقب على حديث أحدهم، لكنها وجهت كلماتها نحو "ياسين" الذي سألته: - وأنت يا "ياسين"؟ ابتسم لها ثم نظر "لليلى" بنظراتٍ هي فقط التي فهمتها جيدًا، وبذات الابتسامة كان يقول لها: - أنا اتعلمت أني أحب نفسي، وأني مخافش من حد، أنا بقيت بحب الناس من بعد ما كنت بخاف منهم! بقى نفسي يكون عندي عيلة بجد بعد ما كنت بدوّر وشي الناحية التانية لما بيجي سيرتهم، أنا اتغيرت أوي أوي بسببكم. كانت كلماتهم في محلها؛ فهم تغيروا تغير جذري بسبب هؤلاء الفتيات؛ وهؤلاء البراعم الصغيرة أيضًا قاموا بتغيرهم دون أن يشعروا! وبمشاعر ممتنة لهؤلاء الصغار كانت "سلمى" تقول لهم: - وأحنا كمان أتعلمنا منكم حاجات كتير يولاد، أحنا كمان شوفنا الحياة بشكل تاني بسببكم، أحنا بنشكركم على الوقت اللطيف والمشاعر الجميلة اللي حسينا بيها بسببكم. ثانية...أثنين..ثلاث ثواني وكانت "ليلى" لملمت أعصابها لكي تقول لهم الخبر الأساسي، خبر أن اليوم أخر يوم لهم وسطهم! رفعت رأسها لهم، رمقتهم جميعهم بنظراتٍ مُتمعنة ولكنها دامعة ثم هتفت بصوتٍ مختنق : - أحنا كنا عايزين نقولكم يولاد أن النهاردة أخر يوم لينا هنا. الصدمة أعتلت الوجوه..لم يصدقون...لا يستوعبون ما يلقي على مسامعهم؛ صعب عليهم؛ في غاية الصعوبة أن يتعلقون بأحد هكذا ثم ينسحبون من حياتهم! كانوا يشعرون بهم؛ بل كانوا متوقعين ما سيحدث؛ لذلك تدخلت "سلمى" سريعًا تضيف بابتسامة كبيرة: - بس أحنا هنجيلكم على طول، دايمًا هنكون متابعينكم وعنينا عليكم، ودايمًا هنيجي نشوفكم في التدريب، وكمان المدرسة أنا هكون متابعة مع المدرسة بتاعتكم، ودايمًا دايمًا هاجي أزوركم يولاد. كلماتها طمئنتهم حتى لو بنسبة قليلة، ولكي تحتوي "ليلى" الوضع أكثر أضافت هي بمرح تلك المرة: - أوعى حد يفتكر أنه هيكون بعيد عن عنينا يعني هيقدر يعمل حاجة غلط كده ولا كده لا...أي حاجة غلط هتحصل هتلاقوني فوق دماغكم على طول، لحسن تفتكروا أن مفيش المَسات خلاص فنعمل كل حاجة ممنوعة بقى وكده أنا براقبكم...وهراقبكم خدوا بالكم ختمت كلماتها بنبرة مشاكسة لهم؛ جعلتهم يضحكون بعدما كانوا على وشك البكاء، وسريعًا انضموا الفتيات لهم وأخذوهم في احضانهم بكل حب....وأثناء فقرة الوداع هذه مسكت "ليلى" يد "ياسين" وهي تنظر له نظراتٍ مُبهمة ثم قالت لهم جميعهم: - وكمان عايزة أقولكم أن "ياسين" هيجي يعيش معايا يولاد . صوت الهمهات ارتفع، جميعهم غير مستوعب ما يُقال، ولكن كل ما حدث هو هجوم "ياسين" عليها يعانقها بسعادة كبيرة، يشكرها من كل قلبه، يشكرها أنها لم تخذله، كانت تنظر له بنظراتٍ نصر؛ وكأنه هو أعظم انتصارتها في الحياة! وما حدث أن الأصدقاء أنهالوا عليه بالمباركات والأحضان والقُبلات؛ وكأنهم يهنئوه على فوزه بشيء كبير...وهو بالفعل كبير؛ هو بالفعل فاز بأم! وفي وسط تلك المباركات تقدم "مالك" من "ياسين" بعيون دامعتان وهو يقول له: - أنت مش هتنساني صح؟ نفى الصغير برأسه سريعًا وهو يقول له: - أنا مش هنساكم، أنا هزوركم دايمًا، صح يا مس؟ مش أنتِ هتجبيني على طول؟ وسريعًا أجابته مُطمئنة أياهم: - طبعًا يا حبايبي، كل اسبوع هنيجي نزوركم كمان. تهللوا الأطفال من جديد وأعتلت الصيحات والضحكات، وبعد كل تلك المشاعر المبعثرة انتهى اليوم وجاء موعد الأنصراف، وقفت "ليلى" أمام "ياسين" وهي تكسوا على ركبتيها لكي تصل لقامته، نظرت له بعينان دامعتان وهي تتحسس وجهه بكفي يديها وتقول له بصوتها المُختنق لرغبتها في البكاء: - أنت هتيجي معايا دلوقت، أنت موافق صح ؟ كان ينظر لها بسعادة؛ كانت الدنيا بأكملها تتراقص في مقلتيه، يشعر أن خلق له اجنحه وأنه على وشك التحليق في السماء بجانب الطيور، يشعر أنه بخفة الفراشة! وبحركة تلقائية منه كان يمسك كف يدها وشبك أصابعه الصغيرة في أصابعها وهو يقول لها: - أنا كنت بحلم باليوم ده يا مس! أنا اكتشفت أن كان نفسي يبقى ليا عيلة رغم رفضي وخوفي من التجربة، بس معاكِ أنتِ أتمنيت يكون ليا عيلة وبيت. صمت يراقب دموعها التي تهبط من مقلتيها ببطئ كأنها تُعاني لكي تتساقط، رفع أنامله ومسح لها دمعتها وهو يواصل قائلًا بصدقٍ وحُب: - أنا عايز أقولك شكرًا عشان اختارتيني من وسط آلاف الأطفال اللي معندمهمش بيت؛ شكرًا عشان اختارتيني أن يكون ليا بيت وأحس بالدفا ...حتى لو كان دفا وهمي مش مع أهلي الحققين، بس كفاية أن هيكون ليا باب بيتقفل عليا أخر كل ليل، ناس كتير بتتمنى الأحساس ده ومش لقياه! رفعت أناملها ببطئ، مررتهم برفق على وجنتيه ودموعها تنهمر من مقلتيها قائلة: - أنت شايفني حلم كان نفسك توصله بمعجزة؛ وأنا كنت شيفاك حلم لازم أحارب عشان أوصله يا "ياسين". " كل منّا ينعم بكم من النعم التي لا حصر لها في حياته؛ لكنه غير آبه لأي منهم؛ في حين أن يوجد آلاف غيرنا يتمنون أن يحصلون على تلك الحياة بكل عواقبها؛ فتخيل كم أنت محظوظ عن الجميع يا عزيزي؟ فأشكر الله دائمًا وأبدًا" تمت. #أزهار_بلا_مأوى #نورا_سعد لمتابعه روايات سكيرهوم زوروا قناتنا على التليجرام من هنا |
رواية أزهار بلا مأوي الخاتمه الجزء التاني 2 بقلم نورا سعد
تعليقات
