رواية الفتاه المخطوفه الفصل الخامس بقلم كاتب مجهول
حكاية #الفتاة_المخطوفة
الجزء الخامس
عزم الصّيادون على مرافقة ثريا إلى قريتها لرؤية أمّها ،وأرسلوا معها ثلاثة من االفتية الذين نصبوا شراع الزّورق فتهادى على البحر ،وقد بدأت خيوط الفجر الأولى بالظهور في السّماء ،كانت ثريا جالسة في ركن تتأمل مياه البحر المظلمة وتسمع صوت تكسر الأمواج على القارب ،وفجأة قطع أحد الفتية واسمه حسن حبل أفكارها ،وقال: لم أر بنت تطلق النار بمثل براعتك ،لقد سقط قائدهم دون أن ينطق بكلمة ،لقد كانت إصابة محكمة !!! كم أتمنى تعلّم إطلاق النار ،فذلك مسلّ جدّا ،والنّاس يخافون من هذه الأسلحة ،أمّا المشائخ يعتبرونها بدعة لا يجوز المحاربة بها ،حقّا هم حمقى، ولو كانوا على الشّاطئ ،وخطف القراصنة أبناءهم لما قالوا هذا الكلام الغبيّ !!! رمقته ثريا بطرف عينها ،ولاحظت أنّه قويّ البدن قد لوّحت الشمس بشرته وكسته بلون قمحي جميل ،أحسّت بفطرتها أنّه مهتمّ بها ،فلم تفتها نظراته على الشاطئ لكنها تجاهلت الموضوع بسرعة ،فبالها مشغول الآن بأمّها ،أمّا الحبّ فلم يبق له مجال في قلبها ،بعد كلّ ما عانته من أهوال وهي لا تزال طفلة ،والمشاهد المروّعة الي شاهدتها تلك الليلة لا تزال تأرّقها في نومها وتسبّبب لها الكوابيس .
وفجأة صاح الفتية : أنظري تلك هي أضواء قريتك، وقريبا سنصل !!! بدأ قلبها يدقّ بصوت مسموع ،كأنّه قرع طبل يأتي صوته من بعيد ،فقريبا ستعرف ما صار في القرية بعد كلّ هذه السّنوات التي غابتها عنها. ،وحين إقتربوا من الشاطئ كان الضّياء قد بدأ ينتشر وأطفأ القرويون مصابحهم ،نزلت ثريا ،ثم جثت على ركبتيها ،وأخذت حفنة من الرّمل، وشمّتها ،فأثارت في نفسها ذكريات كثيرة مليئة بالسّعادة حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم ،وقضى على أحلام تلك الطفلة البريئة التي غابت عن لياليها الطويلة الحب والدفئ. ثم ذهبت إلى دارهم والفتيان يتبعونها من بعيد ،وقد أشفقوا على حالها ،ولمّا وصلت إليها أصيبت بخيبة أمل، فقد كان البيت مهجورا وخربا ،وأكثر القرية كانت على هذه الحالة ، وحتّى البيوت التي بقيت سليمة هرب سكانها إلى مناطق بعيدة عن الشاطئ ،
أما الصّيادون فيأتون على ظهور الحمير ،ويرمون شباكهم قريبا من الشاطئ بينما يراقب بعضهم عرض البحر ،فالقراصنة يمكن أن يظهروا في أيّ وقت ،وحين ينتهون من عملهم ،يخفون زوارقهم في أماكن مموّهة بالرّمال.جلست ثريا تنتظر وبعد قليل بدأ الصيادون يتوافدون وبرفقتهم الكلاب ،فقد كانوا يخشون أن يكمن لهم القطاع ويجبرونهم على حملهم إلى الأماكن التي يختفي فيها القرويون وسط الجبل .بدأت الكلاب بالنباح ،فصاح أحد الصّيادين: من هناك ؟ فوقفت ثريا ،ومسحت عن نفسها الرّمال، ثم قالت :أنا إبنة عبد الله ،وقد قتله القراصة، واختطفوني منذ خمسة سنوات، لكنّي تمكنت من الهرب ،وأنا الآن أبحث عن أمّي واسمها فطيمة!!! لم تمرّ سوى دقيقة حتى إقترب منها أحد الصّيادين ،وسألها :هل أنت حقّا إبنة الشّيخ عبد الله ؟ فلقد كنت حاضرا ذلك اليوم ،أمّا أمّك ،فلم تقدر على تحمّل الصّدمة ،وماتت بعد وقت قصير من إختطافك .
إسمعي ،سأحملك إلى جارتها أم عليّ فهي تحتفظ بصندوق فيه كلّ أشيائها لك،لو جاء ايوم ورجعت فيه .إلتفت الفتيان الثلاثة إلى بعضهم، وقال إإثنين منهم ،لقد إنتهت مهمتنا ،وسنرجع ،لكن حسن ردّ : سأبقى معها فهي الآن وحيدة ،وليس لها أحد ،ثم مشى وراء الصّياد وثريا ،ولمّا رأته البنت لم تقل شيئا ،وربما تستحقّ أحدا لتبكي على صدره عمّا حلّ بها . بدأوا في صعود جبل مرتفع، وبعد قليل لاحت لهم ديار الصيادين ،وهي صغيرة لكن على الأقل هم في مأمن الآن ،فحكّام تونس يحمون فقط الموانئ الهامّة والمدن ،أمّا القرى الصّغيرة فعليها أن تتدبّر أمرها وحدها ،وكلها إبتعدت عن الشاطئ ،وأصبح عمل الصّيادين صعبا وخطرا ،ثم بدأ الجوع ينتشر عند القرويّين ،ولم يعد عندهم ما يأكلونه هم وصبيانهم ..
....
