رواية بيت الرعب الفصل الثالث بقلم بيبو هشام
توقفت اللعبة لأسبوع كامل. وتلقيت أوامر مباشرة من المدير بعمل خاص في هذا الأسبوع. طلب مني قائمة بكل الألعاب والتماثيل الموجودة داخل نفق بيت الرعب بالترتيب الذي يراه الداخل من أول النفق. ثم بعد ذلك أركب القطار وحدي ثلاث مرات كل يوم وأتأكد مرة أخرى من القطع وترتيبها!
ورغم أن هذا أسخف طلب سمعته في حياتي؛ لكنه على الأقل عمل سهل. أركب القطار وأتأكد من كل لعبة، ثم أجلس بجوار صديقي نتحدث عدة ساعات، ثم أركب مرة أخرى وهكذا. بدأت أتحسر على الساعات التي قضيتها في مكتبة الكلية أقرأ عن علاقة الرياضيات بالفيزياء وأسجل المعادلات المثيرة في كراساتي. كل هذا لا قيمة له الآن، المهم هو تسجيل تلك الألعاب وترتيبها وإرسال تقرير علمي لمدير المدينة. ربما ينشره المدير في مجلة عالمية للأبحاث فيما بعد، لا شك أنه بحث مهم فقد أثبت فيه أن ألعاب بيت الرعب عددها كذا وأنها لا تزيد ولا تنقص ولا تتحرك من تلقاء نفسها.
بعد أن اطمأن المدير لنتيجة البحث الذي أجريته، قال لي: اليوم تجرب قطار بيت الرعب للمرة الأخيرة وغداً نفتحه مرة أخرى للزوار. يكفينا كل هذه الخسائر. الغريب أنه نسي موضوع التنين تماما رغم أني قدمت له قائمة بالألعاب الموجودة ولم يكن فيها أي تنين.
ركبت القطار وقام عامل الكشك بتشغيله وبدأ التحرك. أسجل القطع التي أراها كالمعتاد: البومة الكبيرة، الرأس ذو الثلاثة عيون، الكاو بوي الأعمى الذي يحمل مسدسين ويطلق بعشوائية، ثلاثة خفافيش رمادية..
لحظة واحدة، لم تكن هناك أية خفافيش في اللعبة طوال الأيام السابقة! هذه الخفافيش حقيقية إذن وقد دخلت إلى اللعبة ظنا منها أنها كهف مهجور. أنهيت جولتي بالقطار، ثم دخلت على قدمي مرة أخرى لكي أطرد هذه الخفافيش. كنت أحمل مصباحي الكهربائي وأبحث عنها، لابد أنها طارت لمكان آخر. وصلت إلى منتصف القطار عندما رأيتهم معلقين بإحدى الألعاب. بدأت أفكر في طريقة لطردهم خارج القطار؛ ولكني سمعت صوت خطوات من خلفي. استدرت فجأة فوجدت دبا صغيرا يقترب مني بهدوء، من الجهة الأخرى كان تنين أخضر يتحرك نحوي أيضا ثم جاء تمساح يزحف وفئران وعنكبوت وكائنات أخرى غريبة لا أعرف لها اسما.
أصبحت محاصرا تماما في هذا المكان المظلم ومصباحي الكهربائي لا يكفي لإضاءة كل الاتجاهات كي أرى عشرات العيون التي تنظر إليّ. وقفت مذهولا لا أعرف ماذا ينبغي أن أفعل. لن يسمع أحد صراخي وأنا في وسط النفق، ولن أستطيع اختراق هذه الأجساد كلها وأجري في أي ناحية. أنا تحت سيطرتهم تماما فليأكلوني لو أرادوا؛ لكن ليفعلوا هذا بسرعة قبل أن تنهار أعصابي.
-3-
بدأ التنين الصغير بالكلام. هل يمكن أن يتكلم تنين؟ وهل يوجد أصلا تنين في الحقيقة؟ وما هذا المكان المرعب الذي أنا فيه؟ لم أفهم ما قاله لأني لم أسمعه جيدا، وجدت نفسي أقول أشياء مثل "أريد أن أخرج من هنا، دعوني أذهب، لا تؤذوني.." وهو يرد عليّ وأنا لا أفهم. كل ما أريده هو أن يفسحوا لي الطريق كي أخرج من هنا.
أشار الدب إلى التنين لكي يسكت واقترب هو مني وبدأ يتكلم. هذا أفضل قليلا، أن تتكلم مع دب هو أمر أيسر قليلا من الحديث مع كائن خرافي. قال الدب: لا تخف. تمنيت أن أفعل كما يقول، ولكن كان ذلك مستحيلا في هذه الظروف.
أحضروا لي كرسيا لا أعرف من أين، ووجدت نفسي أسقط عليه دون أن أشعر. جلسوا حولي كلهم في حلقة كبيرة؛ بينما طارت الخفافيش من موقعها السابق لتحط في مكان آخر أمامي. الدب هو الوحيد الذي ظل واقفا. نظرت إليه مستفهما عما يدور هنا فقال: طبعا أنت مندهش لما تراه، ولكننا نعرف أنك ستتغلب على دهشتك وخوفك، سأشرح لك كل شيء، نحن مجموعة من الكائنات التي لا يعرفها البشر، وكل ما لا تعرفونه فهو بالنسبة لكم عفريت أو جني أو نحو ذلك، لنقل إننا من العفاريت المسالمة التي تتصور في أشكال مختلفة، كنا نعيش في هذا المكان قبل إنشاء مدينة الملاهي ثم رحلنا في أصقاع الأرض، بعد مئات السنين من الدوران هنا وهناك اكتشفنا أن راحتنا لن تكون إلا في هذا المكان، فعدنا مرة أخرى لكي نموت هنا، فقد كبرنا كلنا واقترب أجلنا، عدنا فوجدنا الحي قد امتلأ بالبشر ولم يعد لنا مكان نعيش فيه، قضينا سنة كاملة ندرس المنطقة حتى اهتدينا إلى أن أنسب مكان لنا هو هذا النفق الذي تسمونه بيت الرعب، قررنا أن نقيم فيه ما تبقى لنا من العمر؛ فهنا يمكن أن نختفي وسط الألعاب، ولن يشك فينا أحد، وأيضا سنساعد في تسلية زوار النفق ببعض الخدع والألعاب، كان كل شيء على ما يرام حتى جاء هو.
كان يريدني أن أسأله بالطبع "من هو"؛ ولكني لم أستطع أن أفتح فمي من الرهبة؛ فتكفل التنين بالإجابة عن السؤال المفترض: هناك في كل مكان الجيد والسيء، وفي جنسنا كان هو أسوأ المخلوقات على الإطلاق. قال الدب مؤَمّنا على كلامه: نعم هو كالمجرمين في عالمكم، كأشد المجرمين شرا وأكثرهم خبثا.. إنه الكرونوثيف. أو بِلُغَتكم سارق الوقت، الكرونوثيف هو مخلوق مثلنا لكنه يحيا عمرا أطول إذا سرق عمر الآخرين، وله في ذلك حِيَل كثيرة كلها محرمة علينا، ولا نقترب منها؛ بينما هو لا يتورع عن التهام الأعمار طوال الوقت وخاصة أعمار البشر.
سألت بفضول بعد أن هدأ خوفي منهم قليلا: وكيف يسرق أعمار البشر؟ يقتلهم وهم صغار مثلا؟
قال التنين شارحاً: لا، هو لا يقتل، ليس لأنه لا يقدر على ذلك؛ ولكن لأن الموت هو ضياع الوقت، هو يسرق الأوقات من الأحياء، يتغذى على كل ثانية يمصها من أي إنسان، إذا نظرت في ساعتك ورأيتها تشير للخامسة وبعد قليل نظرت إليها فوجدتها في السادسة وقلت لنفسك إن الوقت يمر بسرعة، أو إذا اختلط عليك الأمر ولم تعرف هل اليوم هو الثلاثاء أم الأربعاء ووجدت أنه الأربعاء، فاعلم أن الكرونوثيف قد سرق منك ساعة أو يوما!.
قال الدب: كل الأوقات الضائعة تذهب إلى كرونوثيف، لا يوجد شيء يضيع في الحقيقة، ما يضيع يمكن أن تجده مرة أخرى إذا بحثت عنه، المشكلة في الأوقات المسروقة التي التهمها كرونوثيف، هذه لن تعود. ولا يوجد مكان أفضل من مدينة ملاه كي يقيم فيها الكرونوثيف، هنا تسهل سرقة أوقات الآخرين الذين جاءوا بأقدامهم ليستمعوا بوقتهم، معظمهم لا يلاحظ أن وقته يسرق منه، ولا يميز بين أن يستمتع هو بالوقت وبين أن يستمتع به الكرونوثيف الذي يحب أوقات الشباب وصغار السن بشكل خاص.
قال التنين: وقد جاء هذا الكرونوثيف إلى بيت الرعب واتخذه مقرا له، في البداية لم نتكلم معه، وتظاهرنا بأنه غير موجود، طوال اليوم هو يدور في مدينة الملاهي يتغذى على الأوقات المسروقة ثم يعود في المساء لبيت الرعب؛ لكنه لم يكن ينام مثلنا، كان يتسلى بإزعاجنا ومضايقتنا، وفي الأيام الأخيرة أخبرنا أنه أعجب بهذا المكان وبخيراته الكثيرة من الأوقات التي لا تجد من يلتهمها، وطلب منا أن نعمل معه في سرقة الأوقات لحسابه أو يطردنا من هنا!.
قال الدب وهو يجلس مهموما: لا داعي لهذا الكلام، نحن لن نسرق كما يريد الكرونوثيف، وهذا الإنسان لن يستطيع أن يساعدنا بشيء، لم يكن ينبغي أن نتحدث إليه يا تنين، هو عاجز مثلنا؛ بل ربما أكثر منا، دعوه يذهب.
نظر إليّ الجميع نظرة استجداء لكي أقول إني سأساعدهم، ونظرت أنا إليهم نفس النظرة كي يتركوني أذهب في سلام قبل أن يأتي هذا الكرونوثيف أو أفقد وعيي من الرعب في هذا المكان المخيف والمخلوقات الغريبة التي تجلس حولي.
بعد أن أدركوا أني لن أقوم بدور البطولة المفترض، أفسحوا لي الطريق في صمت، فقمت مسرعا. قال التنين: تستطيع أن تساعدنا لو أخبرت كبيرنا عما يحدث، ربما يفعل شيئا من أجلنا، خذ هذا عنوانه، قل له إنك جئت من بيت الرعب، واحك له كل شيء. أعطاني ورقة فيها عنوان فيلا في المعادي! وتراجعوا جميعا إلى داخل النفق هامسين لبعضهم: الكرونوثيف قادم، اختفوا جميعا!.
وضعت الورقة في جيبي وجريت نحو باب النفق؛ لكني تعثرت في سلك كهربائي وسقطت على الأرض، وعندما أردت القيام مرة أخرى رأيته يتشكل. كأن شخصا يمسك ريشة ويرسم على الهواء باللون الأسود تمثال الساحر بعيونه الكبيرة وردائه الأسود ولحيته ذات اللون الأحمر. كان التمثال يكتمل وهو يتحرك داخل النفق إلى المكان الذي يقف فيه، وعندما شاهدني تجمد مكانه. مررت بجواره بسرعة متجنبا النظر إليه كان السيف يلمع في يده، ورغم أني أعلم أنه سيف ضعيف من البلاستيك؛ إلا أني خفت بشده عندما اكتمل ظهور السيف في يده من الفراغ كما ظهر هو نفسه. سمعته يصيح بصوت مبحوح: إياك أن تذهب إلى ذلك العجوز، إنهم يخدعونك، لا أحد يستطيع القضاء على الكرونوثيف، وإذا حاول أي أحد فإنه يموت، لا تذهب، لا تذهب إن كنت خائفا على عمرك.
* * *
عندما خرجت من النفق ألهث كان كل شيء في مدينة الملاهي كما هو، الزائرون يتنقلون من لعبة إلى أخرى، وصديقي عامل الكشك قد استجاب لطلب بعض الزوار الخليجيين الذين توقفوا لشراء بعض المأكولات من عنده ووضع لهم أغنية لمطربة خليجية رنت كلماتها في أذني وأنا أمر أمام الكشك "فاتك نص عمرك يا حرام، يااللي للحفلة مو جاي".
سألت نفسي وأنا أغادر مدينة الملاهي: هل يمكن أن يأتي إنسان إلى هذه الحياة ويفوته نصف عمره؟ هل يسرق الكرونوثيف من بعض الناس أعمارهم كلها؟ وأنا كم سرق مني الكرونوثيف؟ هل كانت كل دراستي التي ضاعت سدى أوقاتا التهمها سارق الوقت؟
نظرت إلى العنوان المدون في الورقة، إنها بالتأكيد فيلا مهجورة يقيم فيها ذلك المخلوق. قد يكون في شكل قط أو ثعبان. ربما يكون في شكل إنسان. لقد حذرني الكرونوثيف من مقابلة العجوز إذن فهو يتمثل شكل إنسان. هل أذهب إليه أم لا؟ وهل الأمر كله خدعة؟
عدت إلى غرفتي ووضعت الورقة على المكتب ونظرت إليها قليلا. نظرت إلى "أينشتين" على الحائط وبجواره الساعة. قمت فجأة مذعورا عندما وقعت عيني على الساعة فقد مرت نصف ساعة كاملة وأنا لا أفعل شيئا سوى النظر إلى الورقة. كثيرا ما ضاعت مني أوقات من قبل بهذه الطريقة؛ ولكن هذه النصف ساعة التي التهمها الكرونوثيف أخافتني بشدة. لا أستطيع أن أتخيل أنه كان يمر حولي في الغرفة يسخر من سذاجتي وأنا سارح أتظاهر بالتأمل في الورقة وبالتفكير فيها بينما هو يسرق مني العمر بهذه السهولة.
"وكل شيء بينسرق مني ... العمر م الأيام ... والضي م الننّي"
* * *
لا أعرف كيف اتخذت هذا القرار.. وجدت نفسي أقف أمام الفيلا في المعادي. يجب أن أجد هذا العجوز، كل ثانية تمر أشعر بطعمها في فم الكرونوثيف حتى لو كنت أعمل في هذا الوقت وأشغل نفسي. أشعر به يسري في الهواء ويشرب وقتي ثم يغادر فرحا بسرقته. كان يجب أن آتي إلى هنا كي يجد لي هذا العجوز حلا أو يريحني من هذا العذاب.
الفيلا عادية تماما، ليست مهجورة ولا يبدو عليها أي شيء غريب. تذكرت أني لا أعرف اسم الرجل الذي أريده. طرقت الباب ففتح لي الخادم ، قلت له: أنا أريد أن أرى صاحب الفيلا. وتلعثمت قليلا عندما سألني عن سبب مجيئي. في هذه اللحظة ظهر صاحب الفيلا في الشرفة وكان رجلا عجوزا فعلا؛ ولكنه كان يرى جيدا دون أن يستعين بنظارات قال: أنا لا أعرف هذا الشاب، من أنت؟ صحت: أنا جئت إليك من بيت الرعب في الملاهي، أرسلوني إليك.. بيت الرعب.. ألا تعرف عن ماذا أتحدث؟
هز العجوز رأسه وقال: لا أفهم ماذا تريد، إذا كنت جئت تطلب مالا فليست هذه الطريقة المناسبة لطلب المساعدة، ارحل فورا قبل أن أطلق الكلبين عليك. ثم دخل من الشرفة تاركا الأمر بيد الخادم الذي لم يتحرك لطردي من أمام باب الفيلا كما توقعت؛ ولكنه نظر إلي قائلا: لقد تحدثت مع الشخص الخطأ، أنا هو من تريد، تعال إلى غرفتي لنتكلم.
* * *