رواية دمعات قلب الفصل السابع عشر17 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل السابع عشر بقلم رباب فؤاد



جلس الطفلان حول جدهما يستمعان إلى حكاياته عن والدهما الراحل وعن عمهما(طارق) حينما كانا صغاراً والضحكات تتعالى مع كل موقف طريف يحكيه الجد الذي سألهما فجأة في دهاء ـ"أين عمكما(طارق) اليوم؟ لم أره منذ حضوري."

انبرى الصغير(هاني)يقول في طلاقةـ"بابا(طارق) في المستشفى, إنه يبيت فيها ثلاثة أيام وهنا أربعة أيام وقبل أن ننام نلقي عليه تحية المساء على هاتفه المحمول."

رفع الجد عينيه إلى زوجة ابنه وأمها الجالستين أمامه وهو يقول بتهكم ـ"هكذا؟! لقد ظننا أن المدير الجديد سيعطينا ما نريد مادام لا عذر له ولكن بعد ستة أشهر!! لابد وان هناك سراً ما."

أدركت(هالة)ما يرمي إليه حماها فأشارت بحزم إلى ابنيها قائلة ـ"(هيثم), (هاني), لم تنتهيا من واجباتكما المدرسية بعد. اذهبا وأنهياها قبل العشاء."

نهض الطفلان في تذمر قبل أن يقول(هيثم) لجده بتوسل ـ"عدني بألا تنصرف يا جدي قبل أن أنهي واجباتي المدرسية. لم يتبق الكثير منها على أي حال."

قبل جده وجنته قائلاً بحنان ـ"أعدك يا حبيبي."

حينها انصرف كلاهما إلى غرفته في سرعة, والتفتت(هالة) إلى حميها قائلة ـ"الأولاد لا يعلمون بموضوع زواج(طارق), ولا يجب أن نتحدث عنه أمامهما."

قال الرجل في ضيق ـ"لقد كانت حجته معك هي أنك أخت له, وعندما قال أنه يحب(سمر) هذه وأصرّ كلاكما على هذه الزيجة وافقت على أمل رؤية أبنائه, لكنهما حتى الآن لم يعلنا عن قرب قدوم وليّ العهد المنتظر."

تبادلت(هالة)نظرة سريعة حائرة مع أمها قبل أن تقول ـ"دعهما يستمتعان بحياتهما سوياً قبل أن يدخلا دوامة إنجاب الأطفال, كما أن(طارق) يعد الترتيبات النهائية لمناقشة رسالة الدكتوراه و(سمر) على وشك مناقشة الماجستير, بعدها لن يكون لديهما أية أعذار لتأجيل الإنجاب."

هتف في غيظ واضح ـ"من يقول أن الماجستير والدكتوراه أهم من إنجاب الأطفال؟"

قالت(هالة) بدبلوماسية ـ"يا عماه, ’ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‘, كما أنه ليس من العدل أن يضيع كلاهما مستقبله من أجل إنجاب طفل, وفي النهاية هذه حياتهما الخاصة ولا دخل لنا فيها."

ورغم منطقية حديثها لم يقتنع حموها الذي جلس قليلاً حتى موعد العشاء كما وعد حفيديه، ثم غادر المنزل قبل أن يصل(طارق) الذي تأخر حتى بعد منتصف الليل. 

ولدهشة(هالة) فقد سألها(طارق) في عصبية عن سبب زيارة والده, فقالت في حيرة ـ"(طارق)! إنه بيت ابنه وله مطلق الحرية في زيارته في أي وقت شاء, ولا أرى سبباً لعصبيتك تلك."

ألقى بسترته الصوفية بعيداً في ضيق وجلس على حافة الفراش واضعاً وجهه بين كفيه في صمت, فاقتربت(هالة) منه في هدوء وربتت على كتفه في حنان قائلة ـ"ماذا بك يا(طارق)؟ لقد ازدادت عصبيتك في الآونة الأخيرة, إنك لم تعد حتى تجلس مع الأولاد كعادتك."

زفر في ضيق وخلل شعره بأصابعه قائلاً بتوتر ـ"لا شيء, إنها بعض المشاكل بالمستشفى."

جلست إلى جواره وهي تقول بتعاطف ـ"أنا لم أعرفك بالأمس فقط, بإمكاني معرفة ما بداخلك من نظرة عينيك ونبرة صوتك. أخبرني بما يضايقك كما اعتدت دوماً. ألسنا صديقين؟"

حوّل بصره إلى عكس اتجاه جلوسها قائلاً ـ"صدقيني, إنها مشاكل خاصة بالعمل."

أدارت وجهه إليها قائلة بابتسامة حنون ـ"ولماذا تدير وجهك؟ كي لا أعرف الحقيقة من عينيك؟"

خفض عينيه في سرعة حينما التقتا عيني(هالة) التي التقطت نفساً عميقاً قبل أن تقول بهدوء ـ"(طارق), أصدقني القول, هل سأمت(سمر) وضعنا الحالي؟ لأنها لو فعلت فلن ألومها فـ..."

قاطعها(طارق) وهو يرفع كفه قائلاً في سرعة ـ"كلا, أقسم لك أنها لم تفعل, إنها تتفهم الوضع تماماً."

تناولت كفه بين راحتيها قائلة في حيرة ـ"إذاً ما الأمر؟ لماذا تبدو حائراً هكذا؟ أخرج ما بداخلك كي ترتاح."

زفر في قوة قائلاً بضيق ـ"اُخرج ماذا أو ماذا؟ إن بداخلي أطناناً من الهموم, فعن أي هم تريدين التحدث؟"

عقدت حاجبيها قائلة ـ"أطناناً من الهموم؟ وتحملها وحدك؟ وما أهميتي إذاً إن لم أقف بجانبك حتى تتخلص منها؟ على الأقل أخبرني بما تريد قوله ويكفي لإراحتك في الوقت الحالي."

تنهد في عمق قبل أن يحسم أمره قائلاً بحنق ـ"إنه أبي, مازال يواصل التدخل في حياتي حتى أحالها جحيماً."

سألته على استحياء ـ"أتعني بشأن الإنجاب؟"

التفت إليها في سرعة قائلاً ـ"كيف عرفت؟"

ازدردت لعابها وأشارت بطرف عينها إلى الخارج قائلة ـ"لقد أشار إلى هذا الموضوع ضمن حديثه."

سألها في حدة ـ"وماذا قال؟"

هزت كتفيها قائلة ـ"لا شيء محدد, لقد أشار فقط إلى رغبته في رؤية أبنائك. هذا كل ما قاله."

سألها ثانية ـ"وماذا قلت له؟"

أشاحت بكفها قائلة ـ" قلت أن هذه حياتكما وليس لنا دخل فيها, وأنكما مشغولان بالانتهاء من تحضير رسائلكما العلمية."

ضحك بسخرية قائلاً ـ"رسائلنا العلمية؟ أراهنك على أنني لن أنهي الدكتوراه قبل تخرج(هند) من الجامعة."

شهقت في لوعة قائلة باستنكارـ"لماذا تتحدث هكذا؟ لم أرك يائساً من قبل. هل ضايقتك أنا أو الأولاد في أي شيء؟"

هز رأسه نفياً وهو يجيبها في سرعة ـ"كلا بالطبع, فأنت والأولاد أجمل ما في حياتي. وعلى عكس ما يتوقع البعض, أنا أشعر بالراحة هنا معكم أكثر من بيتي مع(سمر). تخيلي أنها تثور لأتفه الأسباب، بل وتثير أعصابي معها؟"

قالت بهدوء ـ"لابد وأن لديها عذراً لذلك."

قال بتهكم ـ"عذر؟ أي عذر هذا الذي يجعلها تهمل بيتها وزوجها؟ أنا لا آكل طعاماً منزلياً إلا هنا لأنها تعود من المستشفى مرهقة ولا تقوى على الوقوف أمام الموقد. لا أنكر أنها طهت لي أكثر من مرة, لكن تقريباً مرة كل شهر."

ثم تابع بضيق ـ"ناهيك عن الاهتمام بالمنزل أو حتى بملابسي, فالملابس إما متسخة أو بحاجة إلى كيّ, وهي مشغولة بشيء لا أعرفه. وعندما واجهتها قائلاً أنك أنت الأخرى تعملين ومسئولة عن ثلاثة أطفال ومع ذلك لا تهملين بيتك, ثارت وغضبت."

شعرت(هالة) بحرج بالغ وهي تقول ـ"المرأة بطبعها لا تحب مقارنتها بأخرى أياً كانت. ولا تنس أنها تقيم وحدها بينما أمي معي تساعدني."

أشاح بيده قائلاً ـ"هذا ما حدث, تركت لها الشقة وظللت أدور بسيارتي حتى شعرت بتثاقل أجفاني من الإرهاق، فأتيت إلى هنا."

عقدت حاجبيها قائلة باستنكارـ"أتعني أنكما تشاجرتما اليوم؟ هيا قم حادثها في الهاتف واعتذر لها."

التفت إليها باستنكار أشد قائلاً ـ"أعتذر لها؟"

قالت بابتسامة عريضة ولهجة آمرة ـ"نعم تعتذر لها ولا تتركها تنم وهي حزينة. هل نسيت كم ضحّت من أجلك وأجلي؟ هيا هاتفها ولن أقبل أي حجج بالرفض."

قال بتخاذل ـ"لقد تركتني دون طعام، بل وأطارت النوم من عيني وأنا لم أنم منذ يومين، و...".

قاطعته ملوحة بسبابتها في تهديد قائلة ـ"هاتفها ريثما أعد لك ما تأكله...هيا وإلا تركتك أنا الأخرى دون طعام، وأنا أدري جيداً أنك لن تنم على معدة خاوية"

ولم تتركه إلى المطبخ قبل أن تسمع ضحكته الصافية تنتقل عبر أسلاك الهاتف إلى أذني(سمر).
تعليقات