رواية دمعات قلب الفصل الثالث والعشرون بقلم رباب فؤاد
دلفت (هالة) إلى غرفتهما وهي تحمل صينية أنيقة عليها طبق الحلوى وحافظة القهوة وفنجان صغير وضعتهم على مائدة صغيرة تتوسط مقعدين وثيرين في طرف الغرفة هامسة ـ"الحلوى والقهوة".
إلتفت إليها (طارق) الذي كان أنهى للتو حمامه وقال لها في سرعة ـ"أدركيني بقطعة سريعاً...أشعر بأن جسدي فقد كل ما به من سكريات".
قدمت إليه الطبق وبه شوكة صغيرة وانتظرت أن يلتقطه منها، لكنه قال بتذمر مشيراً إلى كفيه ـ"(هالة)..ألا ترين أن يداي ملطخة بكريم الشعر..من فضلك ضعيها في فمي".
أربكها طلبه وحاولت أن تتماسك وهي تتناول الشوكة وتحاول أن ترفع بها قطعة من الحلوى، ولكن إضطرابها وخجلها جعلاها تعجز عن السيطرة على الشوكة في الوقت الذي يراقبها فيه (طارق) بضجر قائلاً ـ"(هالة)...بالله عليك دعك من الشوكة..فأنا أثق في نظافة يديك".
رفعت عينيها إليه بدهشة وحاولت أن تتحكم في دماء الخجل التي تصاعدت بقوة إلى وجهها وعقلها يهتف بها محنقاً ’ماذا بك يا غبية؟ سيلحظ ارتباكك وقد يسيء فهمه..تعاملي بطبيعية كما كنت تفعلين دوماً..مالفارق بين أن تطعميه الحلوى بيديك الآن وأن تسقيه الحساء وهو مريض من قبل؟‘
استجابت لعقلها الباطن سريعاً ورسمت ابتسامة محايدة على شفتيها وهي تلتقط قطعة من الحلوى بين أصابعها وتقترب منه لتضعها في فمه برفق وهي تمسك الطبق بيدها الأخرى تحت ذقنه وتحاول ألا تلتقي أعينهما.
سمعته يتلذذ بطعم الحلوى ويقول بإستمتاع ـ"مممممممم سلمت يداك يا (هالة)...طعمها رائع".
ابتسمت بثقة هذه المرة وهي تسمعه يطلب قطعة أخرى بعد أن ابتلع الأولى فاقتربت لتضع قطعة ثانية في فمه بعد أن دهن شعره بالكريم، ولكنه أمسك كفها بحركة مباغتة ومال برأسه يلتقط الحلوى بشفتيه من بين أصابعها قبل أن يلعق سبابتها ووسطاها وإبهامها قائلاً ببطء وهو يتعمد النظر في عينيها ـ"طعمها هكذا أفضل".
فاجأتها حركته ففقدت ثقتها المزعومة وعادت إلى ارتباكها السابق وهي تشعر بسخونة غريبة تعتريها جعلتها تحاول جذب يدها وهي تشعر باقترابه أكثر وهو يتشممها هامساً ـ"ما هذه الرائحة الطيبة؟"
أجابته بحروف متقطعة من الإرتباك والحرج ـ"إنها رائحة القهوة و...".
هز رأسه نفياً وهو يواصل الإقتراب حتى صدمها بأنفاسه وصوته لا يزال هامساً ـ"كلا...إنها رائحتك أنت..فأنا لا أخطئها".
خفضت وجهها أرضاً هرباً من وجهه الذي اقترب منها بشكل غير مسبوق، وحاصرتها أنفاسه التي إختلطت فيها رائحة نعناع معجون الأسنان برائحة الشيكولاتة في الحلوى
كانت في قرارة نفسها تتمنى هذا القرب وتنتظره
لكنها كانت أيضاً ترفضه لأنها لا تراه من حقها
وربما لأن كرامتها تأبى الرضوخ لمن نبذها من قبل
فلماذا هذه الرجفة إذاً كلما إقترب
ولماذا يخفق قلبها مع كل همسة ولمسة ولفتة؟
ولماذا...
خرجت من شرودها على لمسته فشهقت بعنف وهي تبتعد عنه وتدفعه بعيداً بقوة هاتفة ـ"ماذا تفعل؟"
أجابها ببساطة أغاظتها ـ"أريد رؤية ملابسك التي كنت ترتدينها قبل عودتي...لقد لمحتك تلتقطين هذه البلوزة من الصوان بعد دخولي الحمام، وخمنت أنك سترتدينها. وأنا...".
قاطعته قائلة بلهجة جافة لم يعتدها منها ـ"سأذهب لأعد العشاء...القهوة في الحافظة إذا كنت تود تجربة مذاقها".
قالتها واستدارت تغادر الغرفة في قوة، أو بالأحرى تهرب منها إلى غرفة ابنتها وهي تتمتم لنفسها بغضب ـ"أنا الغبية...لماذا ارتديت هذه البلوزة، لماذا ارتديت هذه الملابس من البداية؟ لماذا خلعت إسدالي...أنا غبية..غبية".
وفي عنف لم تعهده في نفسها إتجهت إلى بعض الملابس المطوية بعناية على فراش والدتها وفتشت بين ملابسها إلى أن وجدت منامة قطنية واسعة طويلة الأكمام فالتقطتها من بينهم وهي تحمد الله في سرها لأنها لم تأخذ ملابسها إلى صوانها بعد غسيلها.
دخلت الحمام الرئيسي وأغلقته خلفها ثم نظرت لإنعكاس صورتها في المرآة التي تعلو الحوض قبل أن تتجه إليه وتغسل وجهها بغيظ وكأنها تنتقم منه لأنه كان يحمل تلك الزينة.
ثم أبدلت ملابسها بالمنامة القطنية وتنهدت بارتياح وهي تنظر إلى شكلها المعتاد ووجهها الخالي من المساحيق وشعرها الأسود الذي عقصته إلى الخلف بعدما رفعت خصلاته القصيرة عن وجهها بمشبك صغير لا يكاد يُرى.
وعلى العكس من عصبيتها قبل دخول الحمام، خرجت (هالة) وهي تشعر بعودتها إلى سابق عهدها وإلى قوتها التي خانتها اليوم.
وفي هدوء، توجهت إلى المطبخ لتجهز عشاء زوجها، أو بالأحرى غدائه الذي لم يتناوله بسبب عمله. وبعد أن رتبت مائدة الطعام طلبت من ابنها (هاني) أن ينادي عمه للعشاء.
ما أن رأته يقترب من المائدة وابتسامته الجذابة تزين محياه حتى أجبرت نفسها على مغادرة الغرفة لولا أن سبقها وهو يمسك معصمها قائلاً بدهشة ـ"ألن تتناولين العشاء معي؟"
التفتت إليه ببرود قائلة ـ"ومنذ متى أتناول العشاء..عشائي منذ عشر سنوات لا يخرج عن الزبادي قليل الدسم وثمرة فاكهة..وقد تناولت الكثير من الحلوى اليوم، لذا لن أتناول العشاء".
استعطفها قائلاً ـ"ولكنني لا أحب الأكل وحدي. على الأقل اجلسي معي".
قالت بنفس البرود ـ"لا أحب أن أبدو كمن يعد اللقيمات..سأنادي (هيثم) و(هاني) ليتناولا العشاء معك".
وبكل ثقة خطت بعيداً عنه وهي تسمعه يقول بإحباط ـ"أولن تسأليني عما حدث بالإجتماع، أو تهنئيني بالترقية؟"
للحظة فقدت برودها وهي تلتفت إليه في سعادة حقيقية بنجاحه، قبل أن يغلف البرود صوتها وهي تهنئه قائلة ـ"ألف مبروك".
ثم ابتعدت لتنادي طفليها إلى العشاء قبل أن تتجه إلى غرفة ابنتها وتحمل الملابس النظيفة عن فراش والدتها وتندس إلى جوار صغيرتها بين أغطيته وتحاول الخلود إلى النوم.
ولكن قبل إنقضاء خمس دقائق شعرت بخطواته في الغرفة وهو يقترب من الفراش وينحني عليها هامساً بخيبة أمل ـ"هل نمت دون قبلة المساء؟"
شددت من إغلاق جفنيها وهي تضغط كفيها تحت الغطاء وتشعر بإقترابه منها وهو يواصل بنفس الهمس ـ"(هالة)..بالله عليك قبلي (هند) نيابة عني..لقد أوحشتني هذه الصغيرة".
لم تدر لم فتحت عينيها فجأة بعد جملته..ربما لأنها شعرت بأن تظاهرها بالنوم أصبح مكشوفاً
وربما لأنه كان يقصد التلاعب بمشاعرها
المهم أنها فتحت عينيها لتلتقي بعينيه للحظات انكمشت خلالها أكثر وسط الأغطية وهو يقترب أكثر معتمداً بكفه على ظهر الفراش وبكفه الأخرى على الفراش نفسه حتى تجاوزها وهو يضيف قائلاً ـ"لقد غيرت رأيي...أفضل أن أقبلها بنفسي".
قالها وهو يقبل الصغيرة على وجنتها بهدوء قبل أن يرفع جذعه ويستقيم ليسألها بلهجة حيادية ـ"هل ستقضين ليلتك هنا؟"
أجابته بهزة من رأسها، ثم مالبثت أن بررت ذلك قائلة بصوت مبحوح ـ"لقد اشتقت إلى مبيتها بين أحضاني".
هز رأسه متفهماً وبدت خيبة الأمل على ملامحه وهو يقول ـ"حسناً..تصبحين على خير".
ودون أن ينتظر ردها دار على عقبيه وغادر الغرفة سريعاً في الوقت الذي دلفت فيه أم (هالة) ورمقتها بنظرة صارمة تدرك معناها جيداً
لم تستطع أن تواجه نظرة أمها فتظاهرت بالنوم لتهرب مما ستسمعه منها
ولكن الأم أدركت محاولتها فاقتربت منها وهي تقول بلهجة ساخرة ـ"هل ستنامين في مكاني الليلة؟ معنى هذا أن أنام أنا إلى جوار (طارق)".
أجابتها (هالة) قائلة بلامبالاة وعيونها لا تزال مغلقة ـ"عادي..زوج ابنتك مثل ابنك".
جلست الأم على طرف الفراش وجذبت الغطاء عن ابنتها قائلة بنفس اللهجة الساخرة ـ"حقاً؟"
للحظة تذكرت (هالة) نفسها وهي تقول نفس الكلمة ل(طارق) في بداية زواجهما حينما طلب منها أن ينفق هو عليها وعلى أبنائها بحجة أنه زوجها.
يومها سخرت منه لأن زواجهما كان صورياً
واليوم تسخر منها والدتها لأن الزواج لا يزال صورياً رغم محاولات (طارق) للتقرب منها
نعم هو يحاول التقرب منها وتحويل الزواج إلى زواج فعلي، بينما تتهرب هي منه وهي تدرك ذلك جيداً
تدرك محاولاته وتدرك تهربها منه لأنها لا تريد أن تكون مرحلة مؤقتة في حياته، أو أن تكون قرصاً مسكناً لآلام قلبه الجريح
ولكنها ملزمة بإطاعته شرعاً، وهي لا تستطيع ذلك.
وكأنما شعرت والدتها بما يدور في خلدها فربتت على كفها قائلة بحنان ـ"(هالة)..أين تدينك؟ أنت حرة في حياتك، ولكني لا أستطيع منع نفسي عن نصحك. فأنت لن تتحملي لعن الملائكة طوال الليل، حتى وإن كان لديك عذراً شرعياً".
ثم قطبت حاجبيها بضيق مصطنع وهي تقول ـ"هيا انهضي إلى غرفتك..لا تشاركيني فراشي، فهو من حق (هند) وحدها الآن...فراشي للفتيات فقط وليس للمتزوجات".
قالتها وهي تجذب (هالة) من الفراش لتنهض بتذمر وتمط شفتيها قائلة ـ"ولكن يا أمي...".
ربتت والدتها على كفها ثانية بتعاطف ومنحتها إبتسامة تشجيع وهي تقول ـ"ابنتي الجميلة مطيعة وتعرف دينها جيداً..والأهم أنها تحب زوجها وتكابر هذا الحب بعناد".
تنهدت (هالة) بعمق وعادت تمط شفتيها وتهز كتفيها بإستسلام قائلة ـ"أمري إلى الله...أمي تطردني من غرفتها ومن أحضانها".
اتسعت ابتسامة والدتها وهي تشير إليها بكفها لتغادر الغرفة.
في هذه الأثناء، كان (طارق) يذرع الغرفة المظلمة ذهاباً وإياباً والضيق يملؤه...
الآن فقط شعر بما كان يمزق (هالة) وهو يتجاهلها
فهاهي الآن تتجاهل كل محاولاته للتقرب منها
ولها كل الحق في ذلك
فهو لم يمنحها حبه وإهتمامه بها كزوجة من قبل
هو صدمها منذ بداية زواجهما ووضع حدوداً للعلاقة بينهما
فلماذا يتوقع منها الآن أن تتقبل منه أي تغيير في هذه الحدود؟
ولكنه يعترف الآن بخطئه...وبحبه
نعم حبه
لقد تغيرت نظرته إلى (هالة) منذ طلاقه من (سمر)
فجأة بدأ ينظر إليها كأنثى
أنثى طالما تعامى عن النظر إليها
أو بالأحرى عن النظر إلى عينيها
لأنه لو كان نظر إلى عينيها منذ زمن لوجد فيهما انعكاس صورته...وانعكاس حبها له
ولكان كل شيء مختلفاً الآن.
للحظة لعن غباءه وغباء قلبه الذي أعمى عينيه
وللحظة أخرى وسوس له شيطانه أن يدخن سيجارة ينفث مع دخانها نيران غيظه
لكنه إستعاذ بالله من شيطانه...لقد وعدها هذا الصباح بالتوقف عن التدخين من أجلها، ولابد أن يلتزم بكلمته
ثم إنه ألقى علبة السجائر أمامها في سلة المهملات بالغرفة، ولابد أنها أفرغت السلة بعد خروجه.
وبدافع من الفضول فقط ألقى نظرة سريعة على السلة المجاورة لفراشه ليجدها خالية تماماً قبل أن يهز رأسه في إعجاب بنشاط (هالة).
ثم مالبث أن عاد إلى غيظه من الموقف الذي يواجهه وهو يقف أمام زجاج النافذة المغلق ويتابع بعينيه أضواء الحي تحته ويعيد حساباته مع نفسه
وفجأة تناهى إلى مسامعه حفيف خطوات هادئة مترددة فإلتفت في لهفة كاد معها يرتطم بالطاولة الصغيرة التي كانت لا تزال تحمل حافظة القهوة
ورآها
رآها وسط الظلام تدلف إلى الغرفة بهدوء عاقدة ذراعيها أمام صدرها كالأطفال وضوء الممر خلفها يخفي ملامحها
لكنه لم يكن بحاجة إلى الضوء كي يرى ملامحها التي نُقشت في ذاكرته
وتابعها وهي تغلق الباب خلفها بهدوء وتقترب من الفراش كالمجبرة فترفع أغطيته وتسمي بالله وهي تضربه ثلاث ضربات خفيفة لطرد الشيطان قبل أن تندس داخله بنعومة
حينها لم يمنع نفسه من أن يتأملها على ضوء القمر الوليد الذي تسلل من النافذة وحمل صوته إبتهاجه وهو يسألها _"هل تراجعت في رأيك وستبيتين هنا الليلة؟"
أجابته بهدوء وهي تنام على جانبها الأيمن قائلة ـ"الفراش لن يكفي ثلاثتنا فإضطررت للعودة".
تقدم إلى الفراش واندس هو الآخر بين أغطيته على الجانب الآخر قائلاً بجذل ـ"الحمد لله أنك عدت..فلنتحدث قليلاً إذاً..لقد أصابتني القهوة التي شربتها قبل العشاء بالأرق و.."
قاطعته قائلة بضجر _"(طارق) أنا مرهقة طوال اليوم في أعمال المنزل، ولا يزال الغد ينتظرني بالمزيد منها".
شعر بمحاولتها الجافة لصده فاعتدل في جلسته مستنداً برأسه إلى ظهر الفراش وهو يعقد ذراعيه أمام صدره قائلاً في احباط ـ"ستنامين وتتركيني وحدي حتى الفجر؟ ألن تسأليني عن..."
إلتفتت إليه فجأة كمن تذكرت شيئاً وهي تقول _"تذكرت..لا توقظني لصلاة الفجر".
قالتها وعادت توليه ظهرها وتعدل من وضع وسادتها تحت رأسها وكأنها لم تقل شيئاً.
أما هو فتعجب من طلبها وهي التي توقظه دوماً لصلاة الفجر إذا تأخر في النوم، لذا سألها في حيرة ـ"لماذا؟"
وكانت إجابتها البسيطة سبباً للمزيد من الإحباط
فقد أجابته وعينيها لا تزال مغلقة _"عذر شرعي"
وانهارت آماله في التقرب منها هذه الليلة.
*********************************
