رواية دمعات قلب الفصل السابع و العشرون27 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل السابع و العشرون بقلم رباب فؤاد



جلست(هالة) على فراشها ترتب الملابس النظيفة التي غسلتها في غياب(طارق) الذي يمنعها من القيام بأي مجهود زائد ووافق_على مضض_ أن تقوم هي بالطهي حتى تعود والدتها من رحلة الحج.

وفي هدوء شردت بذهنها بعيداً وهي تتذكر الأيام التالية على معرفة (طارق) بحملها وبحور السعادة التي أغرقها فيها زوجها بحبه وحنانه ورقته معها.

كانت لمعة عينيه وابتسامته العذبة تثير في جسدها قشعريرة لذيذة كلما نظرت إليه وتزيد من دقات قلبها التي تبدو وكأنها تهتف باسمه.
وهو كان لا يألو جهداً في سبيل إسعادها وتعويضها الأيام السابقة...وتعويض نفسه أيضاً.

كانت تشعر بالصدق في عينيه وصوته وهو يهمس في أذنيها بكلمات العشق والغزل.

كما كانت تشعر بلهفته عليها وهو يساعدها بأعمال المنزل منذ أصبح زوجها فعلياً وكأنه يخشى أن يرهقها بطلباته.

كانت تشعر ب(طارق) مختلف...مختلف كزوج وحبيب و...رجل.
وارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهي تتذكر خروجها معه كزوجة تتأبط ذراعه للمرة الأولى أمام العالم وهو يصحبها وأطفالها في رحلة سريعة إلى الملاهي.

وبعينين حالمتين رفعت كفها اليسرى إلى مستوى نظرها لتتأمل دبلته الذهبية الجديدة التي أحاط بها بنصرها خلف دبلة أخيه التي رفض أن تخلعها.

وبكل الحب الذي تحمله بين شرايينها لهذا الرجل قربت كفها لتلثم دبلته بعمق وهي تهمس ـ"حفظك الله لي ولبنائنا".

ثم أعادت كفها لتتحسس برقة بطنها الذي يحمل ثمرة هذا الحب.

كانت سعادتها بهذا الحمل لا تضاهيها سعادة، سوى سعادتها بحملها الأول.
فحينها كانت سعيدة لأنها ستصبح أماً
ولكنها الآن سعيدة لأنها ستصبح أماً لطفله...لكائن صغير نصفه لها ونصفه له.

لحظتها تذكرته حينما طلب منها ألا تنظر إليه حتى لا يشبهه المولود
وبابتسامة ناعمة نقلت عينيها إلى المنضدة المجاورة لفراشهما، والتي حملت صورة جماعية لها معه ومع أبنائها.

تناولت الصورة ذات الإطار الأنيق وتأملتها قليلاَ

لا تزال تذكر اليوم الذي أصر فيه (طارق) على أن يذهبوا جميعاً إلى المصور ليلتقط لهم صورة جماعية.
حينها برر إصراره هذا بأنه لا توجد صورة تجمعهما سوياً كزوجين، وهذه الصورة بدلاً عنها
ولكن المصور أوقف كل منهما في جانب بينما وقف الأطفال في المنتصف وكأن (طارق) و (هالة) يحيطانهما بالحب والحماية.

وبكل الحب الذي تغلغل في أعماقها لهذا الرجل تحسست ملامحه في الصورة وهي تتأمل نظرة عينيه الحنونة، والتي لا تخلو من نظرة شقاوة تذكرها بإبنها الأوسط (هاني).

ثم ما لبثت أن قربت الصورة من وجهها لتلثم وجهه في الصورة بحنان وتتخيله أمامها وهي تبثه حبها

كانت تفتقده في شدة هذا الصباح، وكأن وجوده معها هو وحام الحمل الجديد
فقد خرج إلى المستشفى بعد صلاة الفجر مباشرة ولم يوقظها كعادته منذ علم بحملها، خاصة وأنه يوم السبت ولن يذهب الأولاد إلى المدرسة
ولهذا فهي تشعر وكأنها لم تره منذ زمن، رغم أنها كانت بين أحضانه طوال الليل

تنهدت في عمق وهي تعيد الصورة إلى موضعها وتسللت ابتسامة شقية إلى شفتيها وهي تتخيل رد فعل(طارق) حين يعلم أنها غسلت ملابسه المتسخة دون علمه؛ وتوقعت أن يهتف بها في عصبية قائلاً ’ألم أقل لك ممنوع الإرهاق أو المجهود الزائد؟ ألم..."

وعلى حين غرة قطع تخيلاتها دخول ابنها(هاني) المفاجئ إلى غرفتها هاتفاً في فزع ـ"ماما...(هيثم) يمسك بطنه ويتأوه من الألم."

ألقت(هالة) ما في يدها ونهضت مسرعة إلى حجرة ابنيها لتجد(هيثم) يتلوى من الألم واضعاً يديه الصغيرتين على جانبه الأيمن فسألته في جزع ـ"ماذا بك يا(هيثم)؟ أين الألم؟"

أشار إلى جانبه الأيمن ولسانه لا ينطق سوى بتأوهاته من شدة الألم, وهذا ما جعل قلب(هالة) يهوي من بين ضلوعها؛ لا بد وأنه يشكو من الزائدة الدودية, إلا أن قلبها دعا الله أن يخيب ظنها وحاولت تهدئة ولدها قائلة ـ"لا تقلق يا حبيبي. إنه مغص عادي وسيزول سريعاً. هل تستطيع تحريك ساقك اليمنى؟"

قالتها وهي تلمس ساقه عفواً فازداد صراخ(هيثم) وأيقنت خطورة الموقف فهتفت ب(هاني) قائلة ـ"أحضر الهاتف فوراً."

وبأصابع مرتجفة ضغطت(هالة) أرقام هاتف(طارق) المحمول لتجد رسالة مسجلة تفيد بأن الهاتف مغلق.حاولت مرة ثانية وثالثة دون جدوى.

وفي يأس ورعب شديدين على فلذة كبدها راحت تطلب رقم المستشفى التي يعمل بها زوجها, والتي ظلت أرقامها مشغولة لفترة بدت لها كالدهر حتى استجاب لها أخيراً وسمعت موظفة الاستقبال تجيبها فهتفت تستنجد بها قائلة ـ"صليني بالدكتور(طارق حفني) بسرعة لو سمحت."

سألتها الممرضة بلهجة روتينية ـ"من أنت؟"

هتفت بها(هالة) في عصبية قائلة ـ"وما شأنك أنت؟ صليني به سريعاً, فالأمر خطير."

لم ترق لهجتها للممرضة التي قالت في ضجر ـ"الدكتور(طارق) في غرفة العمليات و..."

همت(هالة) بالصراخ في وجهها ثانية حينما صك مسامعها صوتاً أنثوياً هادئاً يقول من الطرف الآخر في رقة ـ"ألو...ماذا هناك؟"

استغاثت(هالة) بصاحبة الصوت الرقيق وقالت في لهفة ـ"صليني بالدكتور(طارق حفني) إذا تكرمت. ابني يتلوى من الألم وهاتف(طارق) المحمول مغلق."

حاولت صاحبة الصوت الرصين تهدئتها قائلة ـ"دكتور(طارق) في غرفة العمليات بالفعل. أعطني اسمك وسأجعله يتصل بك فور خروجه, ولا تقلقي فلن أنسى."

تفجرت الدموع من عيني(هالة) واختنق صوتها وهي تقول ـ"صليني بأي دكتور آخر إذاً, أخشى أن ابني يعاني من مغص الزائدة الدودية."

تشبع الصوت الهاديء بلهجة اهتمام وصاحبته تقول ـ"لا تقلقي يا سيدتي, أنا دكتورة(سمر) زوجة الدكتور(طارق). أخبريني بالأعراض التي يعاني منها ابنك يا مدام...ما اسمك؟"

لم يبد على(هالة) أنها سمعت أي مما قيل بعدما اخترقت أذنيها عبارة ’زوجة الدكتور(طارق)‘؛

فقد اتسعت عيناها في ذهول وأفلت حلقها شهقة رغماً عنها وهي تكاد لا تصدق أذنيها.

فالمتحدثة لم تقل’زميلة الدكتور(طارق)‘ أو حتى زوجته السابقة, بل قالت ’زوجة الدكتور(طارق)‘...

وفي رد فعل سريع لصدمتها خرج صوتها متحشرجا يقول ـ"أنا(هالة شوقي), زوجة دكتور(طارق)."

وكان آخر ما سمعته هو شهقة دهشة من حلق(سمر) قبل أن تغلق سماعة الهاتف في عنف.

تعليقات