رواية دمعات قلب الفصل الثانى و الثلاثون بقلم رباب فؤاد
بخطوات واهنة متثاقلة اقتربت (هالة) من حميها الجالس بردهة المنزل، والذي أدهشها وقوفه لها واستقباله لها للمرة الأولى منذ معرفتها به
وما زاد دهشتها كانت قبلته الأبوية الحانية التي طبعها على جبهتها وهو يصافحها قائلاً بود ـ"أهلاً بك يا بنيتي".
لم تستطع إخفاء دهشتها وهي تجلس إلى جوار والدتها على الأريكة المواجهة له قائلة ـ"مرحباً بك يا عماه. آسفة لم استطع استقبالك عند الباب".
منحها ابتسامة ذكرتها بابتسامة (حازم) ليلة موته وهو يقول بحنان ـ"لا عليك. أدرك أنك مرهقة بسبب الحمل. أعانك الله وأتم حملك على خير".
كادت تستجيب لشيطانها وتدعو في سرها بسقوط الحمل، لكنها قالت بخفوت وهي تخفض رأسها ـ"آمين".
بادرها بسؤال قلق ـ"ماذا بك يا بنيتي؟ لماذا كل هذا الشحوب؟ ولماذا ذبلت عيناك هكذا؟"
رفعت عينيها إليه مذهولة باهتمامه الغريب وتبادلت نظرة دهشة مع والدتها قبل أن تجيبه قائلة بخفوت ـ"أنت تعلم إرهاق الحمل يا عماه. أما ذبول عيناي فربما لأنك اعتدت رؤية الكحل بهما وأنا لم أضعه اليوم".
مال بجذعه إلى الأمام ليقترب منها قائلاً ـ"ولماذا لم تضعه؟ لقد اطمأننت على (هيثم) والحمد لله، ولا يوجد ما يجعلك تهملين صحتك وجمالك و..".
قاطعته بضيق قائلة ـ"معذرة لقطع حديثك يا عماه. لكنني في أسوأ حالاتي النفسية. وأعتقد أن والدتي أخبرتك بالسبب".
تنهد الرجل في عمق وعاد يسند ظهره على خلفية المقعد قائلاً بأسى ـ"نعم أخبرتني. ولهذا أتيت اليوم لأعرف ما الذي يرضيك".
قالت في سرعة وانفعال ـ"لا بد وأن يطلقني, هذا هو ما يرضيني."
مط حموها شفتاه ثم قال مهدئاً ـ"اهدئي يا ابنتي, هذا ليس منطقياً."
سألته بحنق ـ"وما هو المنطقي؟ أن تكون لي ضُرة؟ أتقبلها أنت؟"
قال بهدوء ـ"ألم تساعديه أنت في الزواج منها؟ ما الجديد إذاً؟"
اندفعت تجيبه بكلمات سريعة منفعلة كطلقات الرصاص ـ"الجديد هو أنني حينها كنت أحمل صفة أخته أو صديقته أو أي صفة أخرى غير صفة الزوجة وكنت سعيدة لسعادته؛ أما الآن فالوضع مختلف. لقد أوهمني بأنه يحبني أنا وأنه كان مخطئاً في زواجه منها. وبعد أن صدقته وحقق غرضه وتأكد من حملي أعادها إلى عصمته وكأن شيئاً لم يكن. ابنك في اختصار شديد مثّل علّي في براعة منقطعة النظير وصدقته كالبلهاء, ضرب عصفورين بحجر؛ من ناحية ضمن أنه سيصبح أباً كما يتمنى وتتمنى أنت أيضاً, ومن ناحية أخرى لن يفترق عن حبيبة عمره, وهذا مالا أرضاه. ثم لماذا كذب علّي بشأن عودتها إليه؟ لماذا الخيانة والكذب؟ أنا لست ضد عودته إليها لأنه من الأساس لها وحدها ولم يكن لي يوماً, لكنه أوهمني بعكس ذلك؛ لذا يكفيني ما أنا فيه وليذهب كل منا في طريق, وسيظل البيت..."
قاطعها حماها بإشارة من يده قائلاً بنفس الهدوء الذي يحمل مسحة حزن ـ"اسمعيني جيداً يا(هالة)؛ هل تعلمين لماذا زوجتك (طارق)؟ ربما ظننتم جميعاً أنني ظلمتكما بهذه الزيجة، لكنني رأيت شيئاً آخر. رأيت فيك صورة أم (حازم) رحمهما الله. لم يتحملني سواها، ولم يفهمني سواها، ولم أعشق سواها. لكن الأجل لم يمهلني كي اعبر لها عن هذا الحب كما تستحق. هي طبيعة جُبلت عليها وليس لي أن أغيرها بعد كل هذه السنوات. والمشكلة أن (حازم) كان نسخة عني. نسخة في كل شيء، ولم أتخيل أن تتحمله أنثى أبداً. لكنك تحملته وأسعدته، ولم أره يتذمر منك يوماً. أما (طارق)، فمختلف منذ صغره. عاطفي وحنون كأمه الراحلة، وكان بحاجة إلى زوجة تحيطه بحنانها مثلما يحيطها بحنانه. ربما كنت أنانياً لأنني شعرت بأن وجودك في أسرتنا هي عودة أخرى ل( ماجدة) زوجتي الحبيبة. أردتك أن تظلي بيننا وأن تكوني الابنة التي لم أرزق بها".
ثم رفع إليها عينين تلتمعان بدموع لم ترها من قبل وهو يواصل ـ"لقد زوجتك منه لأنني رأيت فيك الزوجة المثالية له مثلما كنت لأخيه وليس ليحمي أبناء أخيه فقط كما ظننتم جميعاً. حتى وإن تزوجتما رغماً عنكما في البداية، فقد كنت على حق لأن الحب ربط بين قلبيكما بعد الزواج، وأسعدكما معاً. لكنك اليوم أنت وأبنائك أهم عندي من أي شيء آخر, حتى ابني. لذا سأفعل كل ما بوسعي كي أعيد لك حقك كاملاً بعيداً عن الطلاق. فقط أجيبيني بصراحة هل ما يضايقك أنه كذب عليك بشأن عودته لـ(سمر), لأن هذا حله أبسط مما يمكن, سيعتذر لك ويركع تحت قدميك لو أردت وينتهي الموضوع. أما لو ما يضايقك هو عودته إليها من الأساس بعد أن استقرت حياتكما معاً فهنا الحل هو أن يطلق(سمر) ويعود إليك وإلى أبنائك وابنه القادم."
أجابته في سرعة ـ"لا يرضيني أن يطلق(سمر) لأن ما بها لا يد لها فيه, ولا أستطيع أن أنكر كم ضحت في سبيلي وسبيله. ماداما حبيبين فلا مكان لي بينهما."
تدخلت أمها في الحوار قائلة ـ"إنك تعقدين الأمور هكذا يا(هالة)."
التفتت إليها ابنتها قائلة ـ"أنا لا أعقدها, لقد سألتموني عما يرضيني وأجبتكم بكل صراحة, فأنا لا أستطيع النظر في وجهه ولا أطيق الوجود معه في مكان واحد, كما لا أظنني سأسامحه يوماً على ما فعله معي. وكلما طال الجدل حول هذا الأمر ستزداد حالتي سوءاً وربما أضر هذا بالجنين."
تبادلت أمها وحموها نظرات حائرة قبل أن يقول حموها بهدوء ـ"لقد أخطأ(طارق) حينما أعاد(سمر) إليه دون أن يخبرك من ناحية, وأخطأ في إعادتها من الأساس من ناحية أخرى ويحق لك معاقبته, وسآخذ لك حقك كاملاً منه. لكنك بطلبك الطلاق تعاقبين أبنائك وطفلكما القادم وهذا ما لن أسمح به على الإطلاق, وإذا كان وجوده معك في الوقت الحالي يثير أعصابك فسيظل في شقته أو معي ولن يحتك بك حتى تلدين, وحتى ذلك الحين يمكنك إعادة التفكير في السبب الحقيقي لغضبك, لأنني واثق من أن حبك له ورغبتك في أن يكون لك وحدك هما المحرك الأساسي لغضبك, وهذا حقك مائة في المائة. وكل ما أطلبه منك في الوقت الحالي هو أن تحافظي على صحتك وأن تعتني بالتغذية قليلاً. ألا ترين كيف ذبلت؟ اتفقنا؟"
قالت بعناد ـ"ولكن..".
قاطعها حموها قائلاً بحكمة ـ"بفرض أنك أصررت على الطلاق وأن (طارق) وافق عليه ومنحك إياه، ستظلين زوجته شرعاً حتى تلدين، وهذا يعني نحو ستة أشهر أخرى. لذا سأبعده عنك طيلة هذه الفترة حتى تلدين بسلامة الله، وبعدها لك ما تريدين. ربما تعيدين التفكير في أمر زواجكما، وربما يظل رأيك كما هو. لكنه على أي حال سيكون قراراً حكيماً اتخذته بكامل إرادتك وبعد تفكير عميق واستخارة لله سبحانه وتعالى. حينها لن يجرؤ أحدنا على الاعتراض. هل يرضيك هذا؟"
تبادلت مع أمها نظرات سريعة جعلتها تومئ برأسها إيجاباً دون اقتناع، فعاد يسألها ـ"إذاً تعدينني بالاهتمام بصحتك وأن تلقي بما حدث خلفك وتعودين (هالة) التي أعرفها؟"
هزت رأسها وهي تتمتم ـ"سأحاول".
ثم عادت تنظر إلى حميها قائلة بحرج ـ"بإذنك يا عماه. سأدخل لأساعد (هاني) في دروسه ريثما يعود (هيثم) من المستشفى".
سمح لها بمغادرته وتابعها ببصره قبل أن يلتفت إلى والدتها قائلاً ـ"حاولي أن تقنعيها يا حاجة بالعدول عن فكرة الطلاق. وسأحاول أنا مع (طارق) وأفهم منه مبرراته لما فعل. وإذا ثبت لي أنه لا يحبها كما يقول فثقي في أنني سأقف إلى جوار (هالة) ضده. أدرك شعورها العميق بالجرح والخيانة، حتى أنها لم تحتمل الذهاب مع ولدها إلى المستشفى وتظل إلى جوار (طارق) طوال الطريق، ولديها كل الحق في ذلك، ولكن ربما يتغير رأيها بعدما تهدأ قليلاً".
تنهدت الأم في ضيق وهي تجيبه بنبرة حزينة ـ"صدقني يا حاج (حفني)، أنا لا أقل حزناً وصدمة عنها. (طارق) كان ابني الذي لم أنجبه، حتى قبل زواجه من ابنتي. فشهامته معنا وحنانه على أبناء أخيه أمر لا يحتاج إلى إثبات. لكنه خذلنا أيضاً. خذل (هالة) مرتين. مرة في بداية زواجهما، والأخرى الآن. بالطبع لا أريد طلاق ابنتي ومعها أربعة أطفال، لكنني لا استطيع إجبارها على البقاء معه ولا على التفريط في كرامتها. أقصى ما أستطيعه الآن هو أن أقنعها بالتفكير بروية والاستخارة حتى تلد. لكنني سأساندها في قرارها أياً كان".
هز الحاج(حفني) رأسه بصمت قبل أن يعقب قائلاً ـ"معك حق. أنا نفسي لا أعلم كيف يمكنني الدفاع عنه أمامها. سأنتظر معرفة مبرراته قبل أن أحكم عليه. ما يهمني الآن بعد صحة (هالة) هو الأولاد. لا ينبغي أن يشعروا بأي من التوتر الحالي بين (هالة) و(طارق)، ولا ينبغي أن تهتز صورته أمامهم".
وافقته بإيماءة من رأسها وهمت بالرد عليه حينما سمعت صوت مفتاح يدور في باب الشقة الذي فُتح بهدوء ودخل منه (هيثم) بخطوات بطيئة نسبياً وخلفه عمه حاملاً علبة حلوى كبيرة وضعها على أول طاولة قابلته في الردهة واستدار ليغلق باب الشقة حينما لمح والده فابتسم بود وهو يقترب منه قائلاً ـ"والدي؟ حمداً لله على سلامتك. متى وصلت؟ لم أر سيارتك أسفل العمارة."
قالها وهو يصافح والده ويقبل ظهر كفه في احترام ثم يتجه إلى (أم هالة) فيقبل رأسها بنفس الاحترام وهو يهمس _"كيف حالك يا أماه؟ كنت نائمة حينما أتيت ل(هيثم)".
ربتت على كفه بحنان الأم وهي تقول بهدوء ـ"بخير والحمد لله يا بني. كيف حالك أنت؟"
ارتسم الحزن في عينيه وهو يتابع بعينيه (هيثم) وهو يقترب من جده ويقبل ظهر كفه ويجلس إلى جواره، قبل أن يعود بنظره إلى (أم هالة) هامساً ـ"ضائع دونكم يا أماه..ضائع".
عادت تربت على كفه وهي حائرة بينه وبين ابنتها الوحيدة.
أما هو فاستدار إلى والده قائلاً ـ"متى أتيت يا والدي؟"
ابتسم والده وهو يداعب شعر (هيثم) الناعم وأجابه ـ"بعد نزولك مباشرة. أخبرني رويترز أن الجميع نيام وأنك اصطحبت (هيثم) إلى المستشفى".
ضحك (طارق) بقوة محاولاً أن يفرغ توتره في الضحك وهو يقول ـ"تقصد (هاني) بالطبع. فهو وكالة أنباء البيت. أعتقد أنه سيكون مراسلاً ناجحاً لأنه دائماً الأول في الوصول إلى موقع الحدث والأول في نقل الأخبار. بالمناسبة أين هو؟ لم يستقبلني كعادته".
أشار والده إلى غرفة الأولاد وهو يجيبه مبتسماً ـ"بالداخل يذاكر مع أمه. لقد دخلا قبل قليل".
نهض (طارق) نحو علبة الحلوى الكبيرة وهو يقول ل(هيثم) ـ"اذهب ونادهما يا (هيثم) وسأعد أنا المائدة".
ثم ما لبث أن عاد يسأل والده ـ"لم تجبني يا والدي..أين سيارتك؟"
أجابه والده برزانته المعهودة ـ"حينما لم أجدك ذهبت إلى صلاة المغرب وطلبت من السائق أن يشتري ما ينقص البيت من السوق ريثما أبارك للحاجة (أم هالة) بسلامة العودة من الحج".
تأمل (طارق) علبة الحلوى الأخرى على المائدة، والتي تحمل علامة الحلواني المفضل لوالده قبل أن يقول شاكراً ـ" سأظل أتعلم الأصول منك يا والدي".
قال والده بثقة ـ"يا بني الريف المصري هو أساس الأصول والتقاليد التي لا ينبغي أن نتنصل منها مهما أبعدتنا المدنية عن جذورنا. ثم إن قدر (أم هالة) كبير لدينا جميعاً. نعم النسب والله".
تضرج وجه المرأة بحرج ذكر (طارق) بحياء زوجته معه، بينما قالت هي بصوت خفيض ـ"بارك الله فيك يا حاج (حفني). وشكراً على ذوقك".
أما (طارق)، فانهمك في فض العلبة الكبيرة عن الكعكة التي تتوسطها وهم بقول كلمة ما حينما خفق قلبه في قوة.
لم يكن قد رأى (هالة) بعد، ولكنه شعر بقربها
ربما سمع حفيف خطواتها المتثاقلة،
وربما تسللت رائحتها المميزة التي افتقدها إلى انفه،
أو ربما هو قلبه الذي شعر بقرب حبيبته فرقص طرباً وحاول الخروج من موضعه ليستقبلها
المهم أنه رفع رأسه فجأة ناحية غرفة الأولاد وانتظر لحظات بدت له كالدهر قبل أن تشرق شمس حبيبته
وتعلقت عيناه بها وبوجهها الشاحب وعينيها الذابلتين
ورغم ذلك هتف قلبه "يا إلهي..كم أحبها وأحترق في بعدها عني".
وراودته رغبة مجنونة في أن يهرع إليها ويحتويها ليطفئ بعضاً من ظمأه لها
ظمأ أسبوع لم يرها أو يسمع صوتها أو يتنسم عبيرها فيه
لكنه عاد إلى أرض الواقع حينما التقت نظراتهما قدراً ولمح فيهما ضيقها من وجوده
حينها فقط تنحنح ليخرج من محيط مغناطيسيتها وهو يقول للجميع دون تحديد ـ"هيا جميعاً إلى المائدة. فالكعكة أروع من أن تنتظرنا".
قالها وعيناه تعودان إلى معشوقتهما وهو يمد كفه إليها مرسلاً في نظراته توسلاً صامتاً بأن تأتي إلى جواره وتحاول التظاهر بأن الأمور بينهما طبيعية
وكعادتها فهمت رسالته، وانتابها الغيظ من أنها لا تزال تجيد لغته
ولوهلة فكرت أن تتجاهل كفه وتقف في الجانب البعيد من المائدة، لولا أن لمحت نظرة أمها الجادة التي تحذرها من أن يشعر الأطفال بأي شيء
حينها اقتربت منه على مضض، ووقفت إلى جواره بتردد استغله هو وهو ينحني على أذنها هامساً بشوق ـ"افتقدتك".
رمقته بنظرة حادة رغماً عنها ثم مالبثت أن هربت بعينيها إلى المائدة
ولكن عينيها سرعان ما اتسعتا في دهشة وهي تتأمل الكعكة الكبيرة
فقد كانت كعكة مستطيلة تحمل في أحد جانبيها قطعة شوكولاتة تحمل اسم معرض حلوى مشهور
وعلى الأطراف كانت تحمل أسماءهم جميعاً
أما أكثر ما أثار دهشتها فكان منتصف الكعكة
فقد كان يحمل بوضوح صورتها مع (طارق) والأولاد.
نفس الصورة التي كانت تضعها على المنضدة المجاورة لفراشها، والتي أخفتها الآن في درج بعيد
نفس الصورة التي كانت تتأملها كل يوم في حب وتتحسس فيها وجه حبيبها الباسم
نفس الصورة التي كانت تحبها لأنها جمعتها به...لكنها أصبحت تحمل ذكرى اكتشافها لخيانته
كادت معدتها تقفز إلى حلقها كعادتها في لحظات التوتر، لكنه سارع بوضع كفه على ظهرها وهو يقترب منها بابتسامة مدروسة قائلاً ـ" تجاهلي معدتك المتوترة يا حبيبتي. وهيا لنقطع الكعكة احتفالاً بعودة أمي وشفاء (هيثم)".
قالها وهو يتناول السكين ويضعها في يد (هالة) ثم يضع كفه فوق كفها ليقطعا الكعكة سوياً وسط تهليل الصغار
أما هي فلم تشعر بأي مما حولها، ولم تسمع أي من تعليقات أطفالها الضاحكة وهم يمدون الأطباق لتناول الكعكة
لم تشعر سوى بتملكه واستبداده وهو يحاول أن يثبت للجميع أن كل شيء على ما يرام
لم تشعر سوى بقشعريرة غزت جسدها كله وهي تشعر براحته تعتقل كفها فوق السكين
لكنها لم تستطع أن تجزم..أهي قشعريرة حب أم قشعريرة اشمئزاز
كل ما استطاعته هو أن تهرع بقوة غريبة نحو حمام غرفتها حتى لا يصل صوت قيئها إلى الباقين
وفي أسى تبادل (طارق) النظرات مع والده وحماته التي أعادت طبقها إلى المائدة وهي تستأذن لترى ابنتها
وما أن وصلت الأم نحو غرفة ابنتها حتى رأت (هالة) تخرج من غرفتها وعلى شفتيها ابتسامة منهكة وهي تقول بسخرية ـ"لا عليك...إنذار كاذب. لم يحدث شيء".
ربتت أمها على كتفها في تعاطف وهي تصحبها إلى الردهة لتتسع أعينهما بشدة في اللحظات التالية
فقد هرع (هاني) إلى أمه واحتضن ساقيها وهو يقول بلهجة غريبة ـ"لو لم يكن القادم أخي لقتلته".
تبادلت (هالة) نظرة متوترة مع والدتها وحميها قبل أن تخفض وجهها وتداعب شعره قائلة بمزيج من الحنان والجزع ـ"لماذا يا حبيبي؟"
ازداد تمسكاً بها وهو يقول بصدق ـ"لأنه السبب في ضيقك واختفاء بسمتك. وأنا لا أسمح لأحد بأن يضايقك".
حينها ركعت على ركبتيها واغرورقت عيناها بدموع غزيرة خانتها وسالت على وجنتيها وهي تحتضن صغيرها وتقول بصوت متحشرج ـ"لا حرمني الله منك يا حبيبي.. لا حرمني الله منك أو من أخوتك".
اقترب حينها (طارق) وهو يحمل هاتفه الجوال ويقول بابتسامة هادئة ـ" دكتور (سامي) يرسل تحياته ويطمئن على (هيثم) لأننا تركنا المستشفى قبل أن يخرج هو من غرفة العمليات. قلت له فاتتك الكعكة اللذيذة و.."
بتر عبارته حينما لمح (هالة) راكعة على ركبتيها وتحتضن صغيرها فعقد حاجبيه وأدار عينيه إلى والده في تساؤل
ولم يتأخر والده في التعقيب، إذ قال بصوت متهدج ـ"بل أنت فاتك أهم مشهد".
وعاد الجد ببصره إلى أحفاده قائلاً بفخر ـ"بارك الله لك يا ابنتي في أبنائك..ربيت رجالاً بحق".
رفعت عينيها الدامعة إليه وحاولت الابتسام وهي تقول ـ"هذا الشبل من ذاك الأسد يا عماه. فالنخوة ليست بعيدة عنهم ما دمت جدهم".
ثم عادت بنظرها إلى ابنها وداعبت شعره ثانية وهي تقول ـ"كل أم يا حبيبي تعاني قليلاً في بداية الحمل، لكنها تنسى كل الآلام حينما تحمل صغيرها بين ذراعيها".
حينها عقد الصغير حاجبيه وهو يسألها ـ"هل أتعبتك أنا أيضاً وضايقتك هكذا؟"
قبلت جبهته في حب وهي تضحك من سؤاله قائلة ـ"ممممم..إلى حد ما نعم..كلكم أتعبتموني. لكنكم أجمل ما في حياتي".
ثم فتحت ذراعيها لتضم (هيثم) و(هند) أيضاً إليها وتشبع رئتيها برائحتهم قائلة ـ"لا حرمني الله منكم".
سالت دمعة حانية على وجنة والدتها التي لم تفقد رونقها بعد فمسحتها في سرعة وهي تقول بمرح ـ"هيا إلى الكعكة..إنها لن تنتظر. سألتهمها كلها مالم تأتوا جميعاً".
حينها أفرجت (هالة) عن أبنائها الذين هرعوا في مرح إلى أطباق الحلوى يأكلونها في براءة، بينما مد (طارق) كفه لزوجته كي تستند عليها لتقوم.
لكنها تجاهلت كفه واعتمدت على قبضتيها المضمومتين وهي تقوم كما لو كانت في الصلاة وهي تغمغم ـ"لم افقد قوتي بعد. وإذا فقدتها يوماً فسأجد أبنائي حولي إن شاء الله".
تلفت حوله ليجد كل في اتجاه، فعاد بنظره إليها وهمس وهو يقترب منها ـ"(هالة)..ألم تصفحي عني بعد؟ أعدك بأن أخبرك بكل شيء ولكن امنحيني الفرصة أولاً. (هالة) أنا ضائع بدونكم. روحي تفارق جسدي حينما أغادر هذا البيت. اعتدت أن يكون وجهك أول ما أرى في الصباح وآخر ما أرى في المساء. اعتدت ضجيج الأولاد ونزاعهم على من يستقبلني عند الباب ومن ينام في أحضاني كل ليلة. اعتدت هرولتك خلف (هند) في أنحاء البيت كي تطعميها تارة وكي تغيري ملابسها تارة أخرى. اعتدت أن...".
قاطعته وهي تنظر بقسوة في عينيه وتقول بقوة لم تدر من أين أتتها ـ"ألم تنتبه بعد؟ كل هذا البيت مجرد عادات. اعتدت (هالة) كما اعتدت طهيها وأبنائها والجو الذي تعيشه معها. لكنك لم تحبها ولم تحارب من أجلها ولم تقف في وجه الجميع لتنالها. للأسف هذا هو الحال مع كل ما تحصل عليه بسهولة. لقد كنت سهلة المنال بالنسبة لك منذ البداية، لذا تعاملت معي كما يحلو لك. تعاملت معي بشروط حبيبتك وليس بشروط عقد الزواج الذي ربطنا. لهذا أشعر كل يوم كم كنت رخيصة لأنني ..."
قاطعتها أنامله على شفتيها وهو يرتجف ويهمس بها غاضباً ـ"كفى..أنت لم تكوني سهلة المنال أبداً ولم تكوني رخيصة. أنت فوق الجميع، ولن أسمح لك بالتقليل من شأن نفسك".
أبعدت رأسها عن أنامله لكنه اقترب أكثر منها وهو يهمس بدفء ـ"أحبك يا (هالة) ولم تكوني شخصاً ثانوياً في حياتي منذ أحببتك. أحبك و..".
لم تنصت له، وكأنه كان يحدث نفسه
كيف تصدقه بعد ذلك؟
بل كيف تستعذب حروفه وهو يصارحها بحبه
كيف تتقبلها وجرح قلبها منه مازال ينزف دماً ودموعاً
حاولت أن تسد أذنيها عن همسه الذي اعتاد أن يدغدغ حواسها
لكنها فشلت
حتى حينما أغلقت عينيها بقوة محاولة الهرب بعيداً بذهنها، لم تنجح
لذا فتحت عينيها فجأة وواجهته قائلة بقوة جديدة عليها ـ"(طارق)...لا داعي لهذا. لقد انتهى كل شيء".
اتسعت عيناه حتى أصبح لونهما أكثر وضوحاً أمامها وهو يضغط على ساعدها الأيسر قائلاً بنفس الرجفة ـ"كيف تقولين انتهى؟ ما بيننا لن ينتهي حتى..".
قاطعته بغيظ وهي تتناول السكين الحاد بيمناها من جوار الكعكة وتغرسه بتهور قائلة ـ"انتهى هكذا".
وأصاب السكين قلب الهدف..... بدقة.
