رواية دمعات قلب الفصل التاسع9 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل التاسع بقلم رباب فؤاد




دلفت (هالة) إلى شقتها في هدوء وهي تمني نفسها بقضاء بعض الوقت في سكينة قبل وصول ولديها العاصف، 
ولكنها ما أن تقدمت خطوتين إلى الداخل حتى وجدت أمها وزوجها بل وحميها أيضاً جالسين في الردهة والصمت يلفهم. 
لوهلة انقبض قلبها إلا أنها سارعت برسم ابتسامة ترحيب على وجهها لم تنجح في محو القلق من صوتها وهي تقول ـ"مرحباً بك يا عماه..يالها من مفاجأة سارة."

ثم ما لبث قلقها أن تغلب عليها فقالت في سرعة ـ"ماذا هناك؟ لماذا انتم صامتين هكذا؟ هل حدث شيء لـ(هند)؟ أين هي؟"

وبفزع قلب الأم هرعت إلى غرفة الصغيرة لتجدها نائمة في هدوء وحرارتها عادية فتنهدت في عمق وارتياح قبل أن تعود إلى الردهة ثانية وتقول بابتسامة مرتبكة ـ"آسفة لانفعالي...لقد قلقت على(هند)."

ثم ما لبثت أن قالت لحميها ـ"كيف حالك يا عماه..لم نرك منذ فترة."

تنهد الرجل قائلاً ـ"عندما لم تأت جئت أنا."

جلست إلى جوار أمها قائلة ـ"إنها المشاغل يا عماه..فأنا في العمل صباحاً وبعد الظهر أراجع مع الأولاد دروسهم وهي مسئولية مرهقة للغاية كما تعلم، لذا ما أن ينام الأولاد حتى أنام أنا الأخرى فوراً، حتى أنني في بعض الأوقات لا أرى الفراش من شدة التعب."

قال بتهكم ـ"واضح."

عقدت حاجبيها للحظات ولم تعقب في حين تابع هو بنفس اللهجة التهكمية ـ"لقد ظننت أن هناك سبباً أكثر أهمية يمنعك من زيارة البلدة، كان يكون ركوب السيارة لمسافات طويلة خطراً عليك."

سألته في دهشة ـ"وما الذي يجعل ركوب السيارة خطراً عليّ؟ أنا لا أعاني من دوار المركبات وصحتي, والحمد لله, على ما يرام."

قال الرجل بخبث ريفي ـ"إذاً فلا يوجد شيء في الطريق."

انتبهت فجأة لمغزى حديثه فقالت بابتسامة مرتبكة وهي تتبادل النظرات مع أمهاـ"لا, لم يأذن المولى بعد."

اقترب بوجهه منها قائلاً بتهكم ـ"طبعاً لا يوجد شيء لأنه لا يأتي باللاسلكي."

احتقن وجهها بدماء الحرج وشعرت بحرارة فائقة تلهب جسمها كله وهي تسمع حميها يقول هذا, وأغاظها صمت زوجها الذي أحنى رأسه أرضاً, فالتفتت إلى أمها تطلب منها العون؛ ولم يكن حال الأم بأفضل من حال ابنتها, لذا هبت(هالة) واقفة وهي ترتجف من الانفعال قائلة ـ"ماذا تعني يا عمي؟"

وضحت نبرة العزم في صوت حميها وهو يقول ـ"أعني أنه ما من زوجة صالحة تتمنع عن زوجها مهما كانت الأسباب."

أدارت عينيها إلى زوجها في حدة إلا أن وجهه كان لا يزال أرضاً, وشعرت بجفاف حلقها فقالت مدافعة عن نفسها ـ"أأخبرك هو بذلك؟"

زاد الحزم في صوت حميها وهو يقول ـ"أخبرني أو لم يفعل ليس هو المهم, المهم هو أنني أعرف بالفعل؛ كما أنني لست أعمى. (طارق) ابني تتمناه ألف فتاة لم يسبق لها الزواج بعد, ومع ذلك وافق على الزواج منك, ولا أعتقد أن هذه طريقة سويّة لرد الجميل."

شعرت(هالة) بالأرض تميد تحت قدميها فجلست على أقرب مقعد ذاهلة وعيناها لا تفارقان وجه(طارق) في حين اعترضت أمها قائلة ـ"يا حاج(حفني), هذا الكلام لا داعي له؛ كلانا يعلم ظروف الزواج وليس لنا أن نتدخل في حياتهما."

التفت إليها قائلا ـ"أتعنين أنك على علم بما تفعله ابنتك مع ابني؟"

أجابته بثقة ـ"هذه أسرار شخصية ولا يحق لمخلوق سواهما معرفتها, حتى أنا وأنت."

سألها بحدة ـ"أتقصدين أن الخطأ يقع الآن على ابني لأنه باح لي بمكنونات صدره؟ لأنه شاركني همومه؟"

همت بالرد عليه عندما هتفت(هالة) بـ(طارق) بصوت مبحوح قائلة ـ"قل الحقيقة, قل أنني بريئة من هذا الاتهام."

إلا أن القول لم يأت من بين شفتي زوجها الذي أحاط رأسه بكفيه وكأنه يسد أذنيه عن صوتها.

القول أتى من حميها, العمدة, فقد قال في غلظة ـ"الحقيقة هي أنك إن لم تعدلي عن أفعالك غير المسئولة تلك فسأزوجه من أجمل بنات مصر. أتفهمين؟"

قالها ونهض مغادراً الشقة لينهي المناقشة بأوامره كالمعتاد.

وساد صمت مطبق للحظات قطعه صوت(هالة) المنفعل وهي تهتف بزوجها قائلة ـ"لماذا لم تعترف؟ بل لماذا كذبت من الأساس؟ أنا تمنعت عليك؟ لماذا لم تخبره أنك قضيت ليلة زواجنا في الشرفة؟ لماذا لم تخبره بأنك غيرت نوباتك في المستشفى لتقضي الليل بطوله هناك وتنام هنا فترة وجودي بالمدرسة؟ لماذا لم تخبره بالحقيقة؟"

وأخرجت غيظها في الحجاب الذي نزعته عن رأسها في حدة وألقته بعيداً قبل أن تسمح لدموعها بالانهمار على وجهها في سرعة.

وظل(طارق) على وضعه للحظات أخرى قبل أن يقول بصوت خفيض ـ"آسف يا(هالة), لقد حدث سوء تفاهم."

هتفت من بين دموعها قائلة ـ"سوء تفاهم؟! أبعد كل هذا تقول سوء تفاهم؟ ألم يلحظ والدك أنك لا ترتدي دبلة في إصبعك؟ ألم يلحظ أن زواجنا مقصور فقط على العائلة ولا يعلمه أي من أصدقائك أو زملائك؟"

فتح فمه ليجيبها عندما بادرته قائلة ـ"وحتى لو أنني ابتعدت عنك, فكيف تخبر والدك بأسرار زواجنا؟ أمي نفسها, والتي تقيم معنا تحت نفس السقف لا تدري شيئاً عن هذا, وأنت تخبر أبيك بالأكاذيب عني؟ لماذا لم تخبره بأنك أنت بدأت بالابتعاد؟"

هتف بها بارتباك قائلاً ـ"(هالة)! أنا لم أخبره أياً مما قال."

ثم استدار يستنجد بأم زوجته قائلاً ـ"صدقيني يا أمي, أنا لست صغيراً إلى هذا الحد."

مسحت(هالة) دموعها في عصبية ونهضت قائلة ـ"صغيراً أو كبيراً, لا فارق. يكفي أن تخبر أباك أنك مكره على هذا الزواج. ليس هذا فحسب, فأفعالك هذه لا تصدر عن رجل مكره على الزواج فقط, بل عن رجل يحب ويخشى أن يخون حبيبته."

اتسعت عيناه في دهشة وارتجفت شفتاه للحظات قبل أن يلتقط مفاتيح سيارته ويسرع مغادراً المنزل.

تعليقات