رواية سقطة قلب الفصل الأول 1 بقلم ناهد خالد

 

رواية سقطة قلب الفصل الأول بقلم ناهد خالد

اللهم حببنا لخلقك وحبب خلقك إلينا.
السقطة الأولى 
سقطة قلب "حب آثم"
الرواية حصري وممنوع الاقتباس أو النقل.
قبل البداية أريد التنويه عن نقطة هامة, الرواية لا تتمحور حول ثنائي واحد او اثنين, فجميع الابطال والبطلات رئيسيين, وكل منهم سيأخذ حقه في تناول أحداث حياته وظروفه. 

يوم الجُمعة.. 
في أحد أحياء القاهرة...
 حي قديم, أصيل, يرجع لزمن مضى, يمتاز للآن بالأجواء التراثية الرائعة, يشبه في تصميمه ومعالمه حي الحسين, دخوله مُبهج, وريحه طيب, ومناظره ممتعة للعين, والحي بأكمله عبارة عن عدة شوارع وساحات, وفي أحد شوارعه يقبع منزل "آل نعمان" المنزل المتكون من خمس طوابق, بالطابق الأول تسكن "زينة" الجدة وعمة صاحب المنزل " أحمد نعمان" وبالطابق الثاني يسكن صاحب المنزل وأسرته عدا ولده المتزوج "بكر" الذي يسكن الطابق الثالث هو وزوجته وطفله, والطابقان الآخران ل "قصي" و "موسى" حين يتزوجان. 

فاقت من نومها على صوت ضوضاء تأتي من المطبخ, لتنهض خارجة من الغرفة ووقفت في صالة الشقة الواسعة تنظر لساعة الحائط المُعقلة لتجد عقاربها تشير للثامنة صباحًا, قطبت حاجبيها بضيق حين تهادى لسمعها صوت اصطدام ملعقة بأحد الأواني, وصوت دندنة مزعجة وصاحبها تعلمه, دلفت لتجده يقف أمام موقد الغاز, ويمسك بكفه يد أحد الأواني والأخرى حملت ملعقة يقلب بها, وصوته يدندن:

- كتاب حياتي يا عين ما شوفت زيه كتاب, الفرح فيه سطرين والباقي كله عذاب, كتاب حزين كله مآسي تأليف زمان غدار قاسي, الفرح سطر غلط مكتوب لما الزمن كان يوم ناسي. 

هزت رأسها بيأس منه وهي تهتف بصوتٍ عالٍ لتجذب انتباه:

- وحدوه. 

انتفض بخفة على صوتها الذي فاجئه لكنه هدأ على الفور وغمغم:

- لا إله إلا الله, ايه يا ماما الخضة دي على الصبح؟ 

تهكمت "هيام" وهي تقول:

- كويس إنك عارف إننا الصبح, ايه بقى النواح ده؟ دي اغنية تدندنها على الصبح!

أشاح بذراعه بلا مبالاة مرددًا وهو يعود لِمَ يفعله:

- هو يعني يا والدتي الحزن له مواعيد! انتِ ايه اللي صحاكي؟
 
تقدمت لتصبح جواره وهي تجيبه:

- صوت خبط حضرتك في الحلل كأنك بتتخانق معاها, نهارك مش فايت بتقلب الطاسة الجرانيت بمعلقة استنالس!!

أردفت جملتها الأخيرة تخطف الملعقة منه بحدة وتنظر له بشر, ليبتلع ريقه مبتسمًا ببلاهة:

- طبعًا لو حلفلتك إني نسيت إننا المفروض نستخدم المعلقة الخشب مش هتصدقي. 

ضغطت على اسنانها:

- كل مرة نفس الكلمتين دول, أنا عاوزه افهم ايه اللي مصحيك دلوقتي؟ النهاردة الجُمعة! 

عقب حانقًا:

- مانتِ عارفة اني بصحى بدري كل يوم حتى يوم اجازتي, قولت أقوم افطر على ما تصحوا عشان بتتأخروا. 

- مانتَ بتفطر معانا تاني! 

- وفيها ايه يعني؟ انا بفطر لوحدي 8 وانتوا بتفطروا 10, بكون جوعت, انتِ هتعدي عليا اللقمة يا هيام!؟

نزلت بكفها على جانب رقبته وهتفت بضيق:

- هيام في عينك, روح يا موسى من وشي مش ناقصة مرازيا على الصبح!

  أغلق الموقد واتجه للخارج وهو يقول:

- طب والله لأروح اصحيلك البيت كله عشان متناميش تاني. 

- الله يسامحك مواركش غير وجع القلب.

رددتها خلفه بعدما خرج من المطبخ واتجهت للحمام المجاور لتغتسل وتتوضأ مصلية فرضها قبل أن تبدأ في تحضير الإفطار الجماعي الذي يجب ألا ينتهي قبل العاشرة, هذا لأن بكر وزوجته ينزلون لحضور إفطار يوم الجمعة في شقة "زينة", فهذا اليوم هو اليوم الوحيد في الأسبوع الذي يتناولون فيه جميع الوجبات سويًا ويقضون وقتهم هكذا. 

*************** 
وبالفعل خرج من المطبخ ليتجه لغرف البقية مقررًا اقلاق نومهم, وكانت أول غرفة دلف إليها غرفة شقيقه الأكبر "قصي", ابتلع ريقه بتوتر وهو يتجه للفراش النائم عليهِ الأخير براحة, فهو يعلم أنه يكره أن يوقظه أحد, لكنه دومًا يفعل ويلاقي ما يلاقي من توبيخ وغضب. 

- قصي, قُصقص, صُص, يا راجل قوم بقى!

أردف بالأخيرة حانقًا وهو يهزه في ذراعه ليفتح الأخير عينيه بضيق وجبين مقطب هاتفًا بغضب:

- عاوز ايه يا بغل؟ 

أجابه بهدوء مبتسم:

- صباح الفل يا حبيب أخوك, قوم عشان امك بتحضر الفطار. 

ولم يحصل سوى على توبيخ آخر: 

- غور بره يا موسى واقفل الباب اللي فتحته بدل ما افتح راسك. 

تنهد "موسى" بسعادة زائفة:

- يااه على الحب اللي الواحد بينوله في البيت ده! ربنا يديم المحبة بينا يا خي. 

لم يعلق "قصي" على حديثه ليهزه "موسى" مرة أخرى:

- قُصقص أنتَ نمت؟ 

سبه نائية خرجت من فاه الآخر قبل أن ينتفض من فوق الفراش جالسًا وضرب "موسى" بقدمه ضربه اوقعته أرضًا, ليمسك اسفل ظهره بتألم وهو يهتف نزقًا:

- منك لله يا بن هيام, أنتَ بتلعب بوكس برجلك؟ صدق انا غلطان اني عبرتك. 

انهى جملته وانتفض واقفًا وخرج ممسكًا بظهره بألم, تحت نظرات قُصي الحانقة فقد نجح الحقير في ايقاظه. 

******** ناهد خالد**** 
خرجت من الغرفة تتثاءب وهي لم تستيقظ تمامًا بعد, لتسمع صوته يقول بينما يخرج من غرفة "قصي":

- كنت لسه هصحيكي لحقتِ نفسك. 

أردفت "فاطمة" قائلة براحة:

- الحمد لله إني صحيت, هي ماما صحيت؟ 

- ايوه بتصلي باين وهتحضر الفطار.

اومأت تقول باستعجال:

- هروح اتوضأ واصلي عشان انزل لتيتا اصحيها. 

وقف أمامها يقول ساخرًا:

- اه يا ختي مانتِ حبيبة ستك, بس قوليلي هي بتروق عليكي؟ 

ضيق عيناه في سؤاله, فقطبت ما بين حاجبيها تسأله بعدم فهم:

- يعني ايه؟ 

- بتشوفك يعني؟

وبغباء أجابت:

- آه بتشوفني, بعد الشر عليها نظرها زي الفل.

ضربها بخفة بكفه على جبهتها حانقًا من غبائها المعتاد في المصطلحات الدراجة:

- يا بت انتِ شايلة مخك وحاطة طبق كشري! انا قصدي بتدفعلك, بتشوفك بالفلوس؟ 

امتعضت ملامحها لتقول قبل أن تنسحب من أمامه وتلقيه بنظرة مشمئزة:

- وانتَ مالك! خليك في حالك. 

غمغم بتوعد مضيقًا عينيه:

- يبقى بتشوفك يا واطية. 

********* 
دلف الغرفة التي خرجت منها للتو, لينظر للفراش الآخر المتسطحة عليهِ فتاة لم يظهر سوى شعرها البني الطويل, ليتجه بخفة ناحيتها حريصًا ألا يصدر صوتًا وفجأة تحسست يداه موضع قدميها حتى امسك بهما فجذبها بغتة لتصرخ وهي تجد نفسها أرضًا, تأوهت بخضة وما إن أدركت الأمر متحسسة الأرضية حتى صرخت بتذمر:

- يا ماااما, تعالي شوفي موسى بقى. 

قطب "موسى" ما بين حاجبيهِ مستغربًا:

- انتِ يا بت عرفتي منين ان انا؟ ده انتِ مفتحتيش عينك لسه!؟

فتحت عينيها ترمقه بشر, ونهضت واقفة تطالعه بغضب قبل أن تقول:

- مهو مفيش حد في البيت ده يعمل كده غيرك, كلهم محترمين وناس عاقلة.

رفع حاجبه الأيسر بتهديد:

- قصدك ايه بقى؟

اشاحت بذراعها وهي تتخطاه:

- مش قصدي, ربنا على الظالم. 

عقب ساخرًا:

- ربنا يسمع منك يا شيخة أسماء. 

لتتوقف على باب الغرفة فجأة كأنه سبها, ونظرت له وهي ترفع إصبعها محذرة:

- اسما, لو سمعتك بتقول أسماء دي تاني والله يا موسى لاقول لبابا إنك انتَ اللي طفشت العروسة الأخيرة, مش هي اللي رفضت زي ما قولتله. 

التقط الوسادة ليقذفها بها وهو يقول:

- اكتمي بقى, يخربيت اللي يوقع تحت ضرسك. 

ابتسمت ببرود ملتقطة الوسادة ووضعتها على الكرسي المجاور للباب قبل أن تلاعب حاجبيها باستفزاز له وخرجت مسرعة من الغرفة. 

********** 
في الطابق الثالث... 
التاسعة مساءً.. 
وقفت تستند على إطار الباب بقميصها المنزلي القصير والذي يُظهر أكثر ما يُخفي, ووضعت كفها الآخر على خصرها تقول بحنق:

- ما ترد عليا يا بكر هو انا بكلم نفسي؟

اغلق درفة الخزانة بقوة بعدما التقط منشفته وقال بضيق ظهر في قزحيته السوداء:

- يا فتاح يا عليم على الصبح, هو انتِ شايفه ان ده وقت مناسب نتكلم فيه؟ يعني انا لسه مغسلتش وشي حتى, هو ده طبيعي؟ 

- وايه المشكلة يعني؟ انتَ صاحي بقالك ربع ساعة, بعدين انا قولت أتكلم معاك قبل ما ننزل, عشان هننزل تحت نفطر ونقعد وبعدين انتَ هتطلع تلبس وتروح تصلي الجمعة مع باباك واخواتك وهتيجي تنام ساعتين بعدين تصحى على الغدا وبعد الغدا بنقضي اليوم معاهم, اكلمك امتى بقى؟ وامبارح كنت مصدع وتعبان ونمت على طول. 

مسح وجهه بكف يده وهو يهمس لنفسه ساخرًا:

- طبعًا, في ألف مبرر, من امتى بتعترف بغلطها.

رفع صوته يسألها حانقًا:

- انتِ مش مكلماني في الموضوع ده من أسبوع؟ 

- ايوه, بس انتَ عملت ايه بقى؟ 

نظر لها كأنها برأسين بينما أجاب وهو يكاد يضرب كف بآخر:

- قولتلك لما اقدر اخد إجازة هاخدك ونروح مكان ما تحبي.

تحركت لتقف أمامه في منتصف الغرفة وقالت ساخرة وملامحها تظهر الرفض أو عدم التصديق:

- موت يا حمار.. امتى اجازتك دي بقى! انتَ قولت اهو مكلماك من أسبوع, ده انا اختي قالت لجوزها من هنا وبعدها بيومين كانوا مسافرين.
كالعادة أي حديث بينهم يتحول في النهاية لمقارنة حمقاء, تثبت له أن رغبتها بما اختلقت مشكلة لأجله ليس لرغبتها فيه, بل للفوز في مقارنة عقيمة لا يعلم بها أحد غيرها هي, مقارنة لا يراها ولا يسمع لها صوتًا سواها, كل شيء وأي شيء في حياتهم تقوم بفعله أو ترغب بهذا يكتشف بالنهاية أنه ليس نابعًا من داخلها بل رأت أحد يفعله ففعلت كي لا تشعر أنها أقل من أحد, وهذا جعله لا يأمن لأي فعل يصدر منها, فدومًا يشعر أن الأمر ليس كما يظهر, وفي باطنه يخضع لقوانين أخرى, قوانين تخصها وحدها وهي فقط من تعلمها لأنها وببساطة هي من وضعتها وقيدت نفسها بها, لكنها لم تشعر بأنها لم تقيد نفسها فحسب, بل قيدته هو وابنه معها!
فلن ينسى أبدًا ذكرى مولده الماضي حين فاجأته باحتفال لطيف أعدته في أحد المطاعم, وهدية أنيقة جلبتها له, حينها كأي انسان طبيعي يرى شخص سعى لإسعاده وتذكره في يوم مهم كهذا شعر بالفرح والتقدير لها, ولم يبخل عليها بكلماته المحبة التي اغدقها بها طوال السهرة, وليلة مميزة انتهت بها بين أحضانه, لكن ولصدمته في اليوم التالي بعدما قامت برفع الفيديو الذي التقطته له اثناء الاحتفال على أحد مواقع التواصل الاجتماعي والذي لم يعقب عليه لأنه يعلم أنها من عشاق مشاركة مثل هذه المناسبات على موقع التواصل الاجتماعي الخاص "واتساب" تفاجأ بها تخبره بعفوية أن إحدى صديقاتها رأت الفيديو وتمدحه بأنها استطاعت أن تختار مكان وهدية أجمل وأشيك مما اختارته الأخيرة لزوجها والذي كان عيد مولده من عدة أيام مضت وأنها لربما ستستعين بها في تجهيز مناسبتها فيما بعد, لتصدمه حقيقة أنها لم تفكر في مفاجئته والاحتفال به بتلك الطريقة إلا حين رأت ما فعلته صديقتها لزوجها, فأراد أن تظهر أمام البقية أنها هي الأخرى تهتم بزوجها وتسعى لإسعاده مثلما يفعلن! ليشعر نفسه مجرد أداة تنافسية تنافس بها زوجته باقي معارفها, وأن سعادته بما قدمته أمس قد وُأدت مع ظهور ملامسات الموضوع, وهكذا أصبح الحال بينهم في كل موقف, يتساءل بداخله هل هي من تريد فعل هذا أم تفعل مثلما فعلت فلانة؟   

حاول الهدوء وهو يسايرها في الحديث رغم انفجاره الوشيك:

- طب اختك جوزها صاحب مكتب هندسي, يعني عمل حُر, لكن انا موظف حكومي, يعني مقدرش اخد إجازة من نفسي, وانا قايلك ان الفترة دي في عجز في الدكاترة في المشرحة, هروح أقولهم عاوز إجازة أسبوع! وقولتلك بردو لو يمشي معاكي يومين من بكره هاخد الاجازة ونروح نغير جو في مكان قريب, اسكندرية ولا أي مكان, بس هم يومين, رفضتِ, اعمل ايه انا بقى!

ثارت ثورتها وهي تقول بغضب وصوتها بدء يرتفع:

- ليه بقى هو انا اقل من اختي عشان اروح يومين وفي اسكندرية كمان؟ هو حد عاد بيروح يصيف في الأماكن دي! قولتلك نروح دهب ويومين دول مينفعوش أصلا هنلحق نقعد ايه, ولا هنروح الطريق في قد ايه ونرجع في قد ايه؟! 

حاول قدر استطاعته التمسك بآخر حِبال الصبر وهو يقول ببوادر ضيق خفي:

- ماشي, انا بقى ظروفي مش هتسمح اخد إجازة دلوقتي, الحل؟ 

ربعت ذراعيها أمام صدرها تقول:

- خلاص اروح انا مع نيرة اختي. 

طالعها بعدم تصديق لأهمية الأمر لها مرددًا:

- تروحي مع نيرة! هو الموضوع مهم لدرجة انك تسيبي جوزك وتروحي مع اختك وجوزها؟ بعدين مش شايفة إنك هتبقي بايخة!؟ واحد وواخد مراته وبنته يغيروا جو تروحي معاهم ليه؟ وهياخد راحته ازاي في وجودك؟

اعترضت وهي تقول ببساطة: 
 
- لا عادي, هي أصلا نيرة اقترحت عليا, عشان عارفة ان ظروف شغلك ممكن متسمحش. 

ضرب كف بآخر غير مصدقًا رؤيتها للأمر بهذه البساطة: 

- ماشي هي اقترحت عليكي ذوقيًا منها, فين ذوقك انتِ بقى!؟ هتروحي تطفلي على الناس عشان ايه! والأكيد ان أي مصاريف جوز اختك هيتكفل بيها من باب الذوق بردو اكيد مش هيدفعك, وتبقي عالة عليهم عشان جوزك مش قادر يسفرك تغيري جو يا عيني! وبعدين اختك على عيني وعلى راسي بس مينفعش تكوني موجودة مع جوز اختك في مكان وجوزك مش موجود, هتناموا طبعًا في شاليه واحد, وهتخرجوا كلكوا سوا, انا واثق فيكي طبعًا وواثق فيه وعارف انه شخص محترم, بس كاحترام ليا حتى مينفعش. 

جعدت ملامحها برفض تام لمنطقه, وأعربت عن هذا وهي تقول:

- ايه التفكير الأهبل ده؟ ده جوز اختي, واختي معانا غير انك قولت انه شخص محترم, بعدين مفيهاش تطفل, هم مش عرسان رايحين هاني مون, دول معاهم بنتهم, يعني مش انا اللي هبقى عزول. 

انهى الحديث وهو يتجه للحمام ليغتسل:

- اصبري لحد ما اقدر اخد إجازة وهوديكي مكان ما تحبي.

اغلق باب الحمام, ليستمع لصوتها من خلفه وهي تصيح غاضبة:

- على فكرة انا مش مضطرة استحمل ظروف شغلك المقرفة دي, ما كل الستات جوازهم بياخدوا اجازات وبيسافروا, انت ولا مرة خدت إجازة زي ما بتقول, واطول سفرية روحناها 3 أيام, ورجعنا بردو عشان شغلك, محسسني إنك رئيس جمهورية ولا الدكاترة انقرضوا. 

فتح باب الحمام بعصبية قد تمكنت منه, وظهرت جلية على وجهة واحمرار مقلتيه الغاضبتين ليهدر بقوة:

- وطي صوتك, وبلاش حواراتك دي على الصبح مش كل يوم هنسمع الناس بينا, الشغل المقرف ده هو اللي معيشك ومخليكي مش ناقصك حاجه, وبطلي تفاهة شوية وركزي مع بيتك وابنك زي مانتِ مركزة مين سافر ومين جوزها خد إجازة, ومين اطلقت ومين ولدت, كفاية تركيز مع حياة الناس وركزي في حياتك... واه انا مش رئيس جمهورية بس دي بقى ظروف شغلي إن كان عجبك, لو مش عجبك اخبطي راسك في أي حيطة من دول, بس بردو مسمعلكيش صوت. 

واغلق باب الحمام بقوة حتى كاد ان ينخلع من محله, لتضرب الأرض بقدميها غاضبة, وهي تشعر بأنها تريد تكسير أي شيء علّها تهدأ, لكنها تمالكت زمام غضبها و جلست فوق الأريكة الوثيرة في صالة الشقة الواسعة, تهز قدمها بدون ثبات, وتفرقع أصابع كفها بغيظ, حتى خرج بعد قليل لتسمع زفرة قوية له قبل أن يقول:

- يلا البسي عشان ننزل. 

ودون أن تنظر له قالت بحدة واضحة:

- مش نازلة. 

ضرب كفًا بآخر بغيظ, وهتف ساخرًا:

- آه يعني عملتيها خناقة؟ تمام براحتك, يوسف.

نادى على طفله الذي خرج من غرفته يحمل جهاز محمول متوسط الحجم يبدو انه كان يتابع شيء عليه, ليقول "بكر" بحزم:

- ايه ده؟ انت ماسك الايباد من دلوقتي؟ مين اللي سمحلك تمسكه على الصبح كده؟ 

اجابه الصغير ببراءة:

- انا استأذنت مامي وقالتلي اوكى. 

نظر لها بغيظ حقيقي ليجدها كما هي لم تتحرك أنشًا, كأنها لا تسمع ما يدور حولها, أو أن الأمر لا يخصها, فعاد ينظر لطفله يقول:

- حبيبي مينفعش تصحى من النوم تمسك الايباد, كده غلط, بعدين انا قولت قبل كده تمسكه ساعة واحدة في اليوم, بس واضح ان كلامي مبيتعملش بيه.

قال جملته الأخيرة وهو ينظر لها بغضب, ثم أمر الصغير:

- سيبه هنا وانزل على تحت يلا. 

وضعه الصغير جانبًا وفتح باب الشقة سابقًا أباه لأسفل, لينظر لها "بكر" بنظرة أرعبتها حين نظرت لعينيه صدفة:

- لو مركزتيش مع ابنك ومع بيتك صدقيني هتندمي, انا على أخري منك, ورغم إني مش صبور في العادة لكن بحاول عشان البيت ده ميتخربش, مش عشان تريحي راسك من ابنك ترميله الايباد بالساعات, انتِ كده ممكن تجيبي للولد توحد ووقتها مش هفرح بيكي, وممنوع تسمحيله بيه اول ما يصحى من النوم كده, يا ريت تسمعي لكلامي المرادي عشان المرة الجاية هتبقى خناقة بحق بقى. 

وتحرك من أمامها صافعًا الباب بقوة خلفه, لتزفر أنفاسها بقوة وهي تلقي بالوسادة الصغيرة المجاورة لها أرضًا بغيظ, ثم التقطت هاتفها الموضوع فوق الطاولة, تفتحه تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لتتوقف عند منشور لأحد صديقاتها وهي تكتب أعلاه "حان وقت الاستمتاع" وقد كانت الصورة لها وهي تجلس على شاطئ البحر, لتغلق الهاتف ملقية إياه جوارها وهي تقضم شفتيها بضيق, ها هن صديقاتها بدأن رحلاتهم الصيفية, وهي هنا بين أربع حوائط عليها أن تنتظر بأن تسمح ظروف زوجها المبجل ليأخذ إجازة. 

وفجأة لعب الشيطان بعقلها لتهمس بتوعد وقد عزمت على شيء:

- ماشي يا بكر, مانتَ مش هتمنعني عن اني استمتع بحياتي! 

********** 

في الطابق الأول... 

جلست أسفل قدميها على وسادة رفعتها عن الأرض قليلاً, وسندت بذراعيها على ركبت الجالسة فوق الكرسي بينما تقول:

- مفيش يا جدة, انا كويسة اهو. 

ألحت عليها "زينة" في السؤال لتقول لها بعدم تصديق:

- لاه, مانتيش زينة, يا بتي انا خبراكي وخابرة جلبت وشك, في حاجة مضيجاكي . 

و "زينة" لم تتخلى يومًا عن أصلها الصعيدي, وبرغم مكوثها في القاهرة لخمسة عشر عامًا للآن, إلا أنها لم تطبع بطباع أهل المنطقة ولا لغتهم, بل تتمسك بكل تفصيله تعود لأصلها, حتى الثياب, ثوبها المزخرف القريب من ثياب الفلاحين, وغطاء رأسها الذي تجعله ينسدل على ظهرها وكتفيها, بينما تعقد قمته بغطاء آخر صغير يُعقد للخلف, وقد شابهت البدو في هذا, وكحلها الأسود الكحيل الذي تزين بهِ عينيها, ولهجتها متأصلة, حتى ملامح وجهها تصرخ بالقوة والصلابة, وكل خط ظهر فيهم يعبر عن درس, وحكمة, تعلمتها من الزمن القاسي, الذي لم تأخذ منهُ سوى سُم العسل. 

تنهدت "فاطمة" بقوة قبل أن تقول شاردة:

- مش كل اللي في القلب يتقال يا جدة, ولا كل اللي في الخاطر يتحكي. 

اومأت "زينة" متفهمة وقالت:

- فهماكي يا فاطنة, وحاسة بيكي يا جلب جدتك, بس لازمن تهوني على نفسك, لاجل ما الدنيا تمشي, متسبيش حالك تغرجي مع التيار, واللي مجاش النهاردة ييجي بكره يا بتي. 

رفعت رأسها لها تسألها بعتاب لمع في مقلتيها أولاً:

- حتى أنتِ فاكرة إن كل اللي شاغلني الجواز؟ قولي إنك زيهم شاكة إني غيرانة من أسماء عشان اتخطبت قبلي.

نفت برأسها وهي تقول مبتسمة لها بسماحة:

- ولو الدنيا كلتها شكت انا ماشكش فيكي واصل, انا خبراكي كيف ما خابره صوابع يدي, انتِ اللي شيلاه كتير, ومعرفاش تخلصي روحك منه, لكن جوليلي, بأمانة الله مش منهم الجواز؟ 

ولم تكذب وهي تجيبها بصدق:

- آه منهم, اكيد منهم, لدلوقتي محدش أتقدم ليا انا, رغم ان اسما بيتقدمولها من اول ما دخلت الكلية, كل اللي يحب يناسب ابويا حتى يختارها هي, رغم إن انا الكبيرة, بس انتِ عارفة السبب, عشان هي الأحلى, يا جدة انا الناس لما بتقابلني بيقولولي في وشي انتِ مش طالعة حلوة لاخواتك ليه! واللي يقولي بس انتِ مش شبه اخواتك كلهم بيض وحلوين انتِ اكيد طالعة لحد من اهل ابوكِ الصعايدة, الناس كلامهم سم, ومبيرحموش, فاكرة الشخص اللي كان حابب يناسب بابا, لا كان يعرفني ولا يعرف اسما, لكن لما شافنا احنا الاتنين في فرح اخوه اختارها هي, وكلم بابا عليها هي, رغم انه في الأول قاله عاوز اناسبك في بنتك الكبيرة. 

هوت دمعة حزينة, ووحيدة مثلها تمامًا من عينها وهي تكمل خافضة بصرها أرضًا:

- دايمًا ببص لنفسي في المرايا, عشان بس الاقي حاجه واحدة ممكن تجذب حد ليا, لكن مبلاقيش, انا عارفة اني مش وحشة, وربنا مخلقش حد وحش, لكن مش مميزة, ولمعايير الجمال اللي الناس حاطينها انا في نظرهم مش حلوة اصلاً, ده طبعًا غير مشكلة عيني, اللي الناس بتفضل تبصلي كأني طفرة... بس انا فعلاً كده! 

وكانت تقصد بجملتها الأخيرة أن إحدى عينيها سوداء اللون, والأخرى بنية فاتحة تميل للذهبي, وكل مرة أرادت أن تخفي هذا العيب كما تدعوه, وأن ترتدي عدسة ملونة بأحد اللونين ليتماثلا, كان يرفض والدها بشدة, وهكذا جدتها, مصرين أن الأمر ليس عيبًا بل تميزًا رائعًا, لكن هما الوحيدان اللذان رأيا هذا, والجميع كان ينظر لها باستغراب دون أن يعقب, لكن العين فضاحة! 

أكملت بصوت متألم:

- انا لسه منبوذة, ولسه بحس نفسي مُهمشة, مجرد فرد زيادة في العيلة, محدش بيهتم ليا, ولا بيهمه أمري, وكل حاجه بتكلم فيها بكون وحشة وبحسد وبحقد, وآخرهم موقف حصل امبارح. 

سألتها "زينة" بحزن على هذه الصغيرة:

- ايه اللي حوصل امبارح؟ محكتيش ليا. 

أدمعت عيناها بشدة وتحشرج صوتها وهي تقول:

- أصل كان بليل وكنتِ نمتي.. 



وأخذت تسرد عليها ما حدث أمس بينها وبين والدتها.. 

دلفت خلف والدتها شرفة المنزل بعدما عادوا من الخارج وقد انتهت شقيقتها من شراء الأجهزة الكهربائية الخاصة بها كعروس, ولكن كان ل "فاطمة" تعقيبات على ما ابتاعته الأولى, فأعربت عن هذا وهي تحاول أن تلفت نظر والدتها أن ما تطلبه "أسماء" ليس واجب التنفيذ ويجب عليهم الاقتصاد ووزن الأمور في مطالبها لأنها تبالغ فيما تشتريه, لتفاجئها والدتها بعد عدة دقائق من الحديث, وتلقي على أذنيها قنبلتها المدوية بسؤال سقط كالحمم البركانية عليها:

- أنتِ غيرانة من أختك يا فاطمة عشان اتخطبت قبلك؟

وكأن شياطين الجن لبستها وهي تجحظ بعينيها بشكل غريب، وكأن والدتها سبتها للتو، تقول بغضب واضح يداري قهرًا مستترًا:

_ أنا؟ أنا أغير منها ليه إن شاء الله! هو انا وحشة ولا هي أحسن مني في حاجة عشان أغير منها؟

وبئس سؤالاً يسأله المرء مستنكرًا وهو بكل أسف يدرك الإجابة المؤكدة, فهي بالفعل أفضل منها, وأجمل منها, وإن خضع الأمر للحسابات العقلية لها حق أن تغير منها فهي تملك مميزات عِدة لا تملك هي نصفها.
شعرت "هيام" بتسرعها في الحديث وخطأها في التعبير فحتى وإن أحست بشيء من هذا القبيل لم يكن عليها مواجهتها بهِ ولفت نظرها لنقطة كهذه، حاولت تلطيف حديثها تاليًا وهي تقول لها:

- مقصدش يا حبيبتي ده أنتِ زي القمر، ومحدش فيكوا احسن من التاني، أنا بس التعبير خاني متضايقيش انا مقصدش اللي قولته، أنا بس استغربت لهجتك في الكلام عليها.

رفعت رأسها بكبرياء وشمخت بأنفها وهي تقول بهدوء كاتمة مشاعرها وغيظها بداخلها:

- يمكن عشان هي أصغر مني واتخطبت قبلي، يمكن عشان لسه بتدرس واتخطبت وأنا متخرجة ولسه، فكرتي إني اغير منها عشان كده! بس لا يا ماما، مش أنا اللي اغير من أختي.. أمور الجواز نصيب محدش له دخل فيها، وانا نصيبي هييجي في وقته.

ابتسمت لها والدتها بلطف معتذر ولمست وجنتها تربط عليها بكفها تقول بحب:

- أنا عرفاكي يا فاطمة أنتِ مستحيل تكرهي الخير لاختك او تغيري منها، متزعليش مني أنا مقصدتش التعبير ده.

كبحت دموع عينيها بقوة وصعوبة، ورفرفت بأهدابها كي تهدأ قبل أن تكمل:

- انا بس شايفة إن أختي طلباتها أوفر، ومش مراعية ظروف بابا إن كانت بطلباتها هتخنقه ولا لأ، اه احنا حالتنا المادية كويسة بس هي طلباتها كتير أوي في جهازها، ليه تروح تجيب تلاجة ب ٥٥ الف جنية! ما في تلاجات كويس وتعيش ب ٣٠ الف والبايع نفسه قال انها كويسه وماركة ويمكن عملية عن التانية، عرفتِ ليه اتكلمت كده، مش من غيرتي..

وقبل أن تعلق والدتها دلف شقيقها "يونس" وهو يقول بمرح ما إن أبصرها تقف مع والدتها في شرفة المنزل:

- ايه ده فاطمة الصفرا هنا...

واقترب يحيط والدته بذراعه بفكاهة يقول محذرًا وهو يشير للأخيرة:

- اوعي تسمعي للحربؤة دي... دي هتولعلنا في البيت..

وضربته والدته بخفة مبتسمة على فكاهته، وضحك هو بمزاح، لتضحك "فاطمة" قائلة:

- خفة اوي حضرتك.. انا هروح اغير بلا هم.

وتركتهم ودلفت للشقة لتتساقط دموعها في صمت مؤلم وكلمات شقيقها لم تأخذها أبدًا على محمل المرح كما أدعت بل كان لها في نفسها وقع الخنجر المسموم... وعقلها يردد
"لا أحد يحبني
لا أحد يتقبلني
الجميع يراني حرباء متلونة تسعى لنبش الخراب
لم تقل كلمة يومًا إلا وانقلبت ضدها
لم تشارك في حديث إلا وخرجت منه مكسورة الخاطر بكلمة قيلت من باب المزاح!"
 
وما إن انتهت, حتى سمعت صوت "زينة" الغاضب يقول:

- وبعد كل ده, تحلفيني ما احدتهم في اللي بيساووه معاكي, بعد كل اللي هتحكيه ليا تفكريني اني وعدتك مفيش مخلوج يعرف شي عن اللي هتجوليه, بتكتفيني ليه يا بتي؟ عشان ما نتِ خابرة إني مخلفش بوعدي ولو على رجبتي! 

نفت برأسها تجيبها باكية:

- لا, عشان احكيلك وانا مش قلقانة, عشان اعتبرك نفسي اللي بفضفض معاها وواثقة انها مش هتطلع سري, عشان كل واحد عارف هو بيعمل ايه مش مستنيكي تنبهيه يا جدة, ماما امبارح في الأول اتهمتني اني بغير من اختي, وبحقد عليها, بس بعد شوية ابتدت تحاول تصلح الموضوع.. ده يثبتلك ان كل واحد بيعمل حاجه هو عارف هو بيعمل ايه, مش محتاج حد ينبهه. 

اخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بتردد:

- انا بفكر اشتغل. 

قطبت "زينة" ما بين حاجبيها تسألها باستغراب:

- وه! تشتغلي؟ تشتغلي فين؟ وانتِ محتاجه شغل اياك؟

اومأت برأسها بقوة تقول:

- اه محتاجة الشغل, مش محتاجه فلوسه, بس محتاجه اخرج من القوقعة اللي انا فيها, اتعامل مع ناس جديدة يمكن يحسسوني إني انسانة لها أهمية, احس ان ليا دور في حاجه, احس اني بعمل حاجه مش عايشة وخلاص, بس... بس بخاف, بخاف الاقي منهم اللي بلاقيه من الكل.. بخافي يتجاهلوني, ونظراتهم ليا تحسسني باختلافي اكتر, او انهم مش شايفني جميلة بردو, أخاف حد منهم يقول كلمة من اللي كنت بسمعها أيام دراستي, واللي بقالي سنتين من وقت ما خلصت دراسة مبخرجش عشان ماسمعش الكلام ده تاني, أخاف مكونش قد المسؤولية, او معرفش اتعامل معاهم, مش عارفة, مترددة. 

ربطت "زينة" على كتفها تقول بحكمة:

- لاجل ما الناس تشوفك جميلة وحلوة في عينهم, لزمن تكوني حلوة في عين نفسك الأول, ولاجل ما الناس تثق فيكي لزمن تثقي في حالك الأول, متطلبيش من الناس تعوض النجص اللي عندك يا بتي, كملي نفسك بالأول وهتلاجي الناس شيفاكي كاملة, انتِ بتاخدي من الناس اللي شيفاه في نفسك, وبتلاجي منهم اللي بتحسيه جواكي.

صمتت لتجدها قد شردت في حديثها للمرة الألف, لتهز رأسها بيأس منها وقالت وهي تستعد للنهوض:

- جومي, جومي شديني خلينا نجعد في الصالة زمانهم كلتهم نازلين بالفطار, وكفياكي سرحان في حديتي, نفسي في مرة تعملي بيه. 

*********** 
في نفس المدينة, ولكن بمنطقة تبعد قرابة النصف ساعة.. 
أغلقت باب شقتها خلفها وهي تأكل درجات السلم نزولاً وكأن شبحًا يركض خلفها, حتى وصلت للشقة التي في الطابق الأسفل, رنت الجرس عدة مرات متتالية حتى استمعت لصرخة نسائية تأتي من خلف الباب:

- يوه طيب, ما تصبر يا مسروع انتَ! 

فُتح الباب ليظهر من خلفه سيدة ربما في أواخر الخمسينات وهي تقول بحنق:

- ايه ياختي القيامة قامت ولا السقف وقع على نفوخك؟ ايه السربعة دي حد يرن الجرس كده؟ 

دلفت "مي" للشقة متخطية الواقفة أمامها, والتي لوت فمها بعدم رضى لفعلتها قبل أن تلحق بها بعدما أغلقت باب الشقة, وقفت أمامها وقد الصقت كف فوق آخر فوق صدرها مصدرة صوتًا بكفيها, وسألتها زافرة:

- خير يا مي؟ ايه اللي مطلع عفاريتك على الصبح؟ 

ضغطت على أسنانها بقوة تمنع نفسها من البكاء, ورفرفت بأهدابها تقطع الطريق على تلك الدمعات السخيفة التي تستعد للحضور, وبقهر زين نبرتها كانت تقول:

- انا تعبت وجبت أخري مع ابنك, ومش هتحمل اكتر من كده, يمين بالله لو ما اتلم وبطل رمرمة وو**** لأكون واخده بنتي وماشية وفضحاه في كل حتة, وقايلة لأهلي على البلاوي اللي مخبياها عنهم طول السنين دي ومطلعة البيه ملاك في عيونهم. 

جلست "سيدة" فوق كرسي خلفها بعدما أدركت سبب زوبعة الواقفة أمامها, وكالعادة لا شيء جديد, قصة كل مرة, والتي ستنتهي بنفس النهاية المكررة:

- خير عمل ايه نادر تاني؟ 

أشاحت بذراعها بهياج وقد أوشكت أعصابها على التلف:

- البيه كان بيكلم واحدة امبارح فيديو كول, ومستخبي زي الحرامية في اوضة المكتب وطافي الانوار عشان مقفشوش, ولما قفشته بيقلب الطربيذة عليا وقلبها خناقة, واللي سكتني اني خوفت رهف تصحى على صوتنا وتتفزع. 

امتعضت ملامح "سيدة" بنزق وهي تقول متهكمة بلامبالاة:

- اديكي قولتيها يا حبيبتي, بيكلمها على التليفون, هو انتِ دخلتي لقتيها في سريرك؟ ما تكبري دماغك يا مي, سبيه يرمرم زي ما يحب ما دام الموضوع اخره مكالمة تليفون, واهو في الآخر بيرجعلك انتِ مراته وام بنته. 

لم تُصدم بتجبر والدة زوجها, فليست المرة الأولى التي تسمع فيها حديثها هذا, لكنها كل مرة تصمت وتنسحب مرددة أنه لا فائدة من الحديث معها, لكنها هذه المرة لن تفعل:

- أنتِ ايه؟ أنتِ ست زينا؟ ازاي بتتكلمي بالبرود ده؟ واي منطق اللي بتتكلمي بيه؟ 

وبهدوء تام واقتناع داخلي اجابت:

- اه ست, وعلى فكرة أبو نادر الله يرحمه كان بيرمرم كده ساعات, ويبص بره, وقتها مكانش فيه موبايلات, بس كان ممكن يرمي كلمة ولا نظرة, ولا يعمل سكة مع واحدة بس بردو مجرد كلام, كنت اسيبه وانا عارفه انه هيلف يلف ويرجعلي, وما دام فرشته مفيهاش غيري, يبقى اوجع دماغي ليه؟ كلهم فترات مؤقته, هتاخد وقتها وهيكرفلها. 
ضربت "مي" كفها بالآخر بعصبية وهي تكاد تحترق من فرط غضبها وقالت:

- صدقي بالله الغلط غلطي انا, كل مرة مبطلعش منك بعقاد نافع وبردو بحكيلك, معرفش انا جايبة الهبل ده منين. 

انسحبت من امامها بنفس غضبها لتسمع صوتها البارد يقول من خلفها:

- متنكديش على نفسك وعلى جوزك, وفكري في كلامي ومشي الدنيا عشان متخربش. 

التفت تنظر لها نظرات حارقة قبل أن تقول متهكمة:

- شكرًا لنصايحك, بس مستغنية عنها. 

وخرجت مغلقة الباب خلفها بقوة رجته, لتقف تلتقط أنفاسها المحترقة قبل أن ترفع كفيها مرددة ببكاء وقهر:

- منكوا لله, إلهي البيت يولع بيكوا وبيا عشان نخلص. 

وهي تعلم أن هذه الطريقة الوحيدة للخلاص منه! فلا مفر غير هذا بعدما ورطت نفسها معه. 
********** 
في منطقة أخرى.. لكنها تقع ضمن نطاق محافظة القاهرة... 
كانت جالسة في شقتها بعد أن رحلت والدتها لحضور أحد المناسبات والتي امتنعت عنها "زهرة" لعدم حبها في حضور المناسبات عمومًا, وضعت قدح الشاي من يدها فوق المنضدة, ومسكت جهاز التحكم بالتلفاز تقلب بين قنواته إلى أن سمعت صوت جرس الباب, فوضعت الحجاب فوق رأسها ليغطي لبعد صدرها لتستر عورة ذراعيها المكشوفتان من منامتها الصيفية, واتجهت للباب تفتحه ظنًا انها ابنة عمها التي اخبرتها انها لن تذهب معهم وستصعد للجلوس معها, لكنها تفاجأت بمن يقف أمامها بوجهه السِمج, وابتسامته السخيفة, فقالت زافرة باختناق:

- خير؟ في حاجه يا سعد؟ 

نفى برأسه وهو يدلف بكل وقاحة ليقف في منتصف الصالة وقال:

- لا مفيش, انا بس عاوزك في كلمتين.

اهتاجت من وقاحته وهي تقول بعدما وقفت امامه وقد تركت باب الشقة مفتوح:

- وانتَ ازاي تدخل كده من غير اذني, انا مقولتلكش ادخل, وامي مش موجوده, يعني وجودك هنا غلط, اتفضل بقى بره. 

وأشارت بذراعها للباب, ليتجه ناحيته فزفرت براحة وهي تظنه سيخرج, لكنه فاجأها بغلق الباب بقوة وعودته لها, فصرخت به:

- انتَ بتقفل الباب ليه؟ انتَ اتجننت؟ 

لم يجيبها فقط ظل يقترب منها وهي تتراجع لتصيح هادرة:

- اقف مكانك وبطل جنان, واخرج عيب اللي بتعمله ده.

لكن لم يستمع لها, فصرخت وقد احمر وجهها من فرط الخوف والغضب: 

- لو مبعدتش عني هصوت والم عليك البيت.

ولم يزده حديثها إلا اقترابًا، وابتسامة باردة تزين ثغره ونظرة مخيفة تلمع بمقلتيهِ بينما يقول:

- صوتي، محدش في البيت أصلاً، الستات راحو الفرح، والرجالة ابويا وعمك في الشغل، يعني محدش هنا غيري انا وانتِ يا جميل.

اتسعت عيناها بقلق لتظل تتراجع حتى وصلت لشرفة الشقة فهددته وهي تقترب من السور:

- لو قربت مني هرمي نفسي.

قطب ما بين حاجبيه غاضبًا وهدر بها:

- بلاش افورة يا زهرة، هو انتِ شيفاني جاي اغتصبك! انا جاي افهم ليه رافضة جوازك مني؟ 




ابتلعت ريقها الجاف لتجيبه محاولة الهدوء:

- عشان احنا مش شبه بعض، والجواز مش بالعافية، احنا مش متفقين ولا هنتفق، وقولتلك مية مرة شوفلك واحدة غيري .

رفع حاجبه الأيسر ساخرًا قبل أن يقول بعدما تلون وجهه بغضب:

- طب بصي بقى، رأيك ده احتفظي بيه لنفسك، كده كده الجوازة هتم، برضاكِ او غصب، انا بس قولت اعمل اللي عليا لآخر مرة واحاول الين دماغك. 

ضغطت على اسنانها بقوة تشتعل من حديثه لها وكأنها لا تملك في نفسها شيئًا، فقالت باندفاع:

- على فكرة اللي يجبر واحده تتجوزه يبقى مش راجل، ومعندوش كرامة.

اقترب منها سريعًا يطوي الأرض تحت قدميه بينما يقول باشتعال:

- انا مش راجل ي...

قاطعته وهي تجلس فوق سور الشرفة بتهور، ونصف جسدها للخارج، تهدده بجدية رآها في عينيها:

- لو مبعدتش هرمي نفسي.

وهنا انتبهت لشيء, هو ليس متزنًا بالكامل, خطواته متعثرة قليلاً, وعيناه غاربتان, وحديثه بهِ ثقل خفيف, جحظت عيناها بفزع وهي تدرك, أنه ليس بكامل عقله, يبدو أنه قد تناول أحد تلك العقاقير السامة مثله التي لا تفارقه, والآن يمثل خطر عليها فمن سيلومه إن ارتكب أي حمق تحت تأثير مخدر! 
وأكد شعورها أنها ورغم تهديها وجلوسها فوق السور, انه لم يهتز ولم يبتعد بل ظل يقترب ببطء حثيث, لتقوم هي بالتقاط وعاء الزرع الموضوع في طوق حديدي على منشر الشرفة, وقامت بقذفه تجاهه ليصطدم بمقدمة رأسه بقوة اسقطته أرضًا, فنزلت سريعًا من فوق السور وجسدها يرتجف من الخوف, القت نظرة عليهِ من بعيد لتتفاجأ برأسه تنزف دمًا غزيرًا غطى وجهه بأكمله, كتمت صرختها بكف يدها, ورعشة جسدها زادت, وتوقفت أنفاسها وهي تستمع لصوت طرقات فوق باب شقتها...... 


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات