رواية زهرة الفصل العاشر 10 بقلم رانيا عثمان البستاني

رواية زهرة الفصل العاشر بقلم رانيا عثمان البستاني


( مسار الحياة لكل منا مرسوم بتخبطاته وأفراحه ، علينا فقط أن نؤمن بذلك ، وأنا آمنت بهذا .. آمنت به عندما رأيته لأول مرة ، وآمنت به حينما وجدت نفسي زوجته ، آمنت بالقدر عندما رأيت في نفسي إشتياقا له حتى وهو بجانبي ، آمنت ..وآمنت ووجدت ضالتي عندما عرفت معنى العائلة ، ولكن في تلك الليلة وكأني طائراً يحلق في السماء ومن دون إنذار كُسر جناحيه ، لا ... في الواقع كانت هناك عدة إنذارات ، تغيرات نبيل وإن كانت طفيفة بقدر إستطاعته كانت آلة لتنبيهي ولكن أنا إخترت أن أصّم أذنيّ ، ومثلما دخل إلى حياتي فجأة .. خرجت أنا من حياته ، لم أكن أدرك وقتها إلى أين أذهب فأنا ليس لدي أحد ، وطبعا لم أفكر بالعودة لمنزلي القديم ، كنت تائهة متخبطة ، لم أعرف حتى محطات ذلك القطار قبل أن أصعد به كل ما أردت أن أهرب بعيدا ، أدركت حينما تحرك القطار أنيّ أهرب من المواجهة ، لم أكن سأحتمل رؤية الآسف بعينيه عندما يعلم الحقيقة ، كان سيصبح هناك شرخاً في قلبه، لم أكن مستعدة لخسارته أو خسارة وليد فبالتأكيد لن يقبلني أحد ، خشيت مما حدث في الماضي ، خشيت أن أفقد جنيني على أيدهم للمرة الثانية ، لقد كان جرحي عميق أيكون نبيل حبيبي وزوجي ومهجة قلبي وروحي من يتسبب بهذا الجرح ؟ رفض عقلي قبل قلبي تصديق ذلك .. لذا كل ما أردته الهروب ..فقط الهروب ، ولكن كما قلت إن الحياة قد كُتب مسارها.. فمهما طال هروبي .. أشفق القدر علينا وجمعنا من جديد. 
عام ١٩٩٣/ 
سطع نهار جديد ليبدأ معه يوم يحمل الكثير من الإنقلابات تجهز الجميع مبكرا فأمامهم سفرا لمحافظة أخري ألا وهي محافظة السويس  وعليهم الذهاب مبكرا للعودة مبكرا ، كانت أحوال من في المنزل متعكرة قليلا ، فلم يحضر أحد من نساء عبد الرحمن الأخريات وأبناؤهم فيبدو أن خلافاتهم لم تسوى بعد .
تجهز عبدالرحمن وحوريته ونبيلة بسيارة يقودها سائق خاص، وسلوي وزوجها وأمير ومعهم نبيل في سيارة ،أما مني وزوجها وطفلتهما أسيل  مع حمدي وسمية وطفلهم أدهم بسيارة، ووليد وزوجته وطفلته سلمي بسيارته ، نعم يبدو أن الجميع قد إستمر بحياته إلا هو توقفت الحياة بعد فراقهم ،انطلقت الأربع سيارات للعنوان المقصود ، وفي الطريق مروا بمحطة القطار ، وكأن الزمن لا يمهله فرصة لأي هدنة ليغوص بذكريات تلك الليلة .
عام ١٩٨٨ (ليلة الفراق) /
وصل وليد أولا إلى الغرفة وعندما رأى هيئتها المبعثرة وقف مصدوما ، لا يعي ما حدث ولكن إن كانت محتويات الغرفة هكذا فيبدو أن شقيقه جّن وعلى ذكره شعر به ورائه فإلتفت له سريعاً ليرى نظرات عيناه متسمرة على بقعة معينة لا يحيد بعينيه عنها ، وعلى الرغم من أنه لم يرى زهرة عندما مشطت الغرفة بعينيه قبلا إلا أنه وجه نظره بتوجس لتلك البقعة ، لم يجدها ولكن هناك أثر لدماء وأيضا للماء و.. وملابسها التي رأها قبلا .
أعاد نظره لنبيل ليجده يتوجه إلى دورة المياه المرفقة بالغرفة ، ظل منتظرا عودته من الداخل متأرجحا في قراره يريد أن يطمئن عليها وأيضاً يريد أن يترك لهم مساحة خاصة بهم لذا قرر في الأخير أن يخرج حفاظاً على خصوصيتهم وقبل أن يتخطى الباب وجد نبيل يخرج ملتاعا ينظر هنا وهناك بتشتت مرددا بصدمة وخوف:
- زهرة مش هنا.. زهرة مش جوة .
كاد أن يتحرك ليتأكد ولكن خطرت فكرة في عقله وهي أن تكون بغرفته فذهب ليتأكد ، بينما نبيل وقعت عيناه على خزينة الملابس فتقدم منها ببطيء ليجد أن الحقيبة وبعض الملابس قد إختفوا.
عاد وليد سريعاً فزعا من فكرة إختفائها ليجد نبيل جالساً أرضاً يبكي بقوة محتضنا إحدى قطع ملابسها ، فهدر به بقوة :
- قوم بينا نلحقها قبل ما يفوت الآوان .
ولكن لم يعلما أن الآوان قد فات .
بالأسفل كان الجميع منتظر ليجدوهما مهرولين إلى الخارج ولكن دلوف الغفر عبد السميع وحديثه أوقفهم:
_ يا حج أنا وصلت الست زهرة المحطة زي ما أمرت ، في أي طلبات تاني .
كانوا جميعاً في حالة صدمة متى وكيف خرجت من المنزل ؟
إقترب منه وليد يسأله:
_ من إمتى الكلام ده ؟
نظر له الغفر بفزع وعلم من هيئتهم أن ليس لديهم علم ليتحدث بتوتر:
_ والله يا أستاذ وليد هي قالتلي إن الأستاذ نبيل والحج عبد الرحمن عندهم علم ، والحاج كان مأكد قبل كده إن طلبات الست زهرة تبقى مجابة عالطول ، فلما خرجت من قيمة نص ساعة كده أخدتها للمحطة بالعربية ، وإنتوا عارفين المحطة قريبة ياعني كلها عشر دقايق ووصلنا ، بس بالله يا حج ما سيبتها إلا لما ركبت القطر وإطمنت إنها مش محتاجة حاجة.
صدمة فوق صدمته أي قطار هذا إستقلته وهي لم تستقل مثله قبلا ، إلى أين ذهبت ؟
_القطار ده رايح فين؟
نطق بها عبد الرحمن بقوة ليجيبه:
_والله يا حج أنا معرفش بالظبط ، لكن انت عارف إن القطورات عندنا بتمر على كام محطة ، وأنا معرفتش الست زهرة هتنزل أنهي محطة لأنها ركبت عالطول من غير ما تسأل والقطار إتحرك بعدها بثواني .
كان نبيل يستمع وعيناه تحولت لكتلة من الدماء ، لم يستطع التحرك أو النبش بكلمة ، رأه وليد هكذا فأشفق على حالته فإقترب منه ممسكاً بذراعه محدثاً إياه:
_ تعالا يا نبيل هنروح نسأل ، وإن حكم الأمر هندور عليها في بلاد كل المحطات .
لم تعد تحتمل ، هي فعلت الأفاعيل لتتخلص منها ، وبعد أن حدث هذا يريدان عودتها ، لا ... كانت تخشى زوجها ولكنها أبت السكوت فصرخت :
_ وعلى إيه ده كله ، عامل في نفسك كده ليه تايه وعامل زي العيل الصغير ال لعبته ضاعت ، واحدة معدومة الأدب والأخلاق سابت بيت جوزها في الليل عاوز تجري وراه ، لأ وكمان ترجعها تاني ليه فين نخوتك ، سيبها لحال سبيلها....
_نبيلة.. إخرسي 
فزعت من صراخ زوجها ولكن هذا لم يردعها لتجيبه:
_ بتزعقلي ليه ، انت التاني زعلان علشان بنت وفاء ، أنا كان قلبي دليلي لما حسيت إن البت دي مش هتجيبلنا غير المرار والحزن، وأهي طلعت شوم لأمها ، ربنا لا يعودها ..و...
لم تكمل حديثها فقاطعها صراخ نبيل بكلماته المقهورة:
_بس..بس ، إسكتي بقى حرام عليكي ، إنتي إيه مبتخافيش ربنا ، إرحميني ده أنا إبنك ،  عملتلك إيه علشان تتبلي عليها وتظلميها إنتي وابنك .
وجد حمدي نظرات والده النارية تتوجه له ليتمتم بتوتر :
_ وأنا مالي بيها ، أنا كنت أعرف منين إنهم إخوات ، وبعدين إنت هتحملني نتيجة غلطك وعصبيتك ، بقولك إيه يا نبيل طلعني من دماغك عاوز تدور على مراتك ولا لأ انت حر ، إنت ال طفشتها مش أنا .
أنهى حديثه وصعد إلى الأعلى متهربا من نظرات أبيه تاركاً والدته تسبه في الخفاء .
تحرك وليد بإتجاه الباب بقنوط منهم فأوقفه عبد السميع مردفا:
_ يا أستاذ وليد أنا عندي طريقة تعرفوا بيها الست زهرة نزلت أنهي بلد .
توجه نبيل له سائلا بلهفة:
_ بسرعة إيه هي الطريقة دي ؟
نظر له بتوجس ثم أجابه :
_ بصراحة كده يا أستاذ نبيل الست زهرة ياعني حالتها كانت تعبانة وكانت عم تبكي طول الطريق وأنا فكرت أنكم متخانقين شوية وهي راجعة لأهلها وقولت أكيد بعدين حضرتك هتروح تصالحها والمية تعود لمجاريها.
_خلص يا عبد السميع .
فزع من صوت عبد الرحمن ليجيبه سريعاً:
_ أمرك يا حج ، أنا لما وصلتها وهي ركبت عالطول لمحت من الشباك محمود إبن الحاجة مريم انت عارف إنه شغال كمسري ، شاورتله على الست زهرة وقولتله يخلي باله منها ويساعدها وهي نازلة المحطة في شيل الشنطة ، فحضراتكم ممكن تستنوا للصبح لما يعاود من شغله وتسألوه.
إحتضنه نبيل سريعاً معبراً عن إمتنانه وذهب سريعاً متوجهاً لمحطة القطار ولحق به وليد بينما الحاج عبد الرحمن إقترب من عيد السميع مربتا على كتفه:
_ تسلم يا عبد السميع.
_إن شاء الله تسلم من كل شر يا حج أنا معملتش غير واجبي ، وأنا آسف ياحج الست زهرة فهمتني إنك عارف لولا كده ....
قاطعه عبد الرحمن قائلا بتفهم :
_ إنت نفذت أوامري وأنا عارف إنك رجل جدع ، روح إنت نام .
كان جميعهم قد بدؤا بالفعل في الذهاب لغرفهم ما عدا حورية التي إقتربت من زوجها تتمسك بذراعه قائلة بلطف :
_ ربنا هيلطف بينا وزهرة تعود والليلة هنمحيها من حياتنا.
في محطة القطار /
جلس كلا من نبيل ووليد فوق مقعد خشبي للإنتظار .
بادر نبيل بالحديث وعيناه تنظر بلا هدف في الأنحاء:
_آسف .
نظر له وليد بعمق وأردف:
_ إتوجعت على وجعك ووجعها ، زهرة مش بس أختى زهرة بنتي ، المشاعر والأحاسيس جوايا ال إتكونت في المدة دي أساسها سنين إتمنيت أشوفها وأعرف عنها حاجة ، أنا ضعف عمرها ياعني لو كنت إتجوزت صغير كان ولادي لحقوها ، زهرة بتحبك جداً ، كل ما نجتمع كل كلامها كان بيبقى عليك انت وبس وكأن الدنيا مافيش فيها غيرك بالنسبة ليها .
نظر له نبيل بحزن ليجذبه وليد من رأسه فيرتمي على كتفه متحدثا ببكاء :
_ زهرة أغلى من روحي ، وعلى قد الحب يبقى الوجع ، أنا خايف.
ظل وليد يربت على ظهره إلى أن هدأ وابتعد وظل إثنيهم يراقبان سكة القطار بقلوب متضرعة .
مع خيوط الصباح وبعد أن خرجا من مسجد المحطة بعد تأدية صلاة الفجر وجدوا محطة القطار بدأت تحتشد بالناس ، ولكن كان الوضع غريباً فجميع الموجودين في حالة هلع وصدمة ومنهم من يبكي بحرقة .
إقتربا إثنيهم من أحد الرجال والذي لم يكن سوى شقيق الحاجة مريم وسأله وليد :
_ هو في إيه يا عم صابر ؟
نظر لهم الرجل بآسى وتحدث بصوت باكيٍ:
_ آخر قطار طلع من المحطة بليل إنقلب قبل ما يوصل للمحطة الأخيرة .

عام ١٩٩٣ /
عاد نبيل من سيل ذكرياته على يد سلوى التي من الواضح أنها توكزه منذ فترة فنظر لها لتسأله:
_إنت ندمت إنك جيت ؟
نظر لها قليلا ثم نظر من النافذة مرة أخرى مجيباً إياها :
_ مبقتش أملك ندم لأي حاجة ، حسرتي وندمي وكل وجعي عشتهم لما قالوا ماتت.
تساءل أمير بتردد :
_ هو إنت يا خالو زي ما جدتي نبيلة بتقول مش مصدق إنها ماتت ؟
أغمض عيناه بقوة مرجعاً رأسه للخلف غائصاً مرة أخرى في ذكرياته .
عام ١٩٨٨/
علم وليد إسم المشفى التي إستقبلت الجرحى والمتوفين ، ليطلب سيارة أجرة ويساعد نبيل الذي يتحرك معه بآلية لا يعي لما يحدث تماماً.
وصلا أخيراً بعد عدة ساعات قليلة إلى المكان المنشود وبعد السؤال هنا وهناك إبتدؤا البحث بين الجرحى ولكن دون فائدة ، ليدلفوا بقلب متمزق وأعين تذرف الدموع لثلاجة الموتى ولكنهم أيضاً لم يجدوا شيئا ، كاد الأمل أن يرفرف في قلوبهم مرة أخرى  بأنها تركت القطار في إحدى المحطات السابقة لتلك المحطة ولكن أحد الأطباء المسؤل طلب منهم التوجه لحجرة بها بعض الحقائب المحترقة التي تحتوي على الملابس فقد يتعرفون على إحداهم قائلا:
_ في جثث إتفحمت وبقت رماد مش هتقدروا تتعرفوا عليها ، لو اتعرفتوا على الهدوم يبقى الجثة ال بتدورا عليها من ضمنهم .
دلفوا متضرعين إلى ربهم سرا بعينين تخشى ما هو قادم وبدأ وليد يساعد نبيل في رؤية الحقائب والملابس ، إلا أن وجد نبيل توقف فجأة وشحب وجهه وتباطأ نبضه بعد تعرف على حقيبتها وبقايا هذا الفستان لتغوم عيناه لحظة شراؤه له ...
(في وقت سابق قبل أن يسافروا إلى بلدته بيومين)
كانت سعادتها تتصاعد يومياً معه وبرفقته فهو أعلمها أن الحياة ممكن أن تكن سعيدة فرحة عادلة ، أذاقها الكثير من الحنان والحب ، أعطاها كل ما أرادت يوما.
والآن أخذها إلى السوق ، كانت تسير بجانبه بخجل ، فهي لم تعتد أن تذهب للتسوق وشراء الملابس مع أحدهم وفي تلك الأماكن فالمحلات هنا تبيع أغلى البضائع.
كانت تنظر له وكأنه نجم عاليٍ لا تصدق أنه ينير لها ..ولها فقط الطريق .
كان يعلم بمراقبتها له ويبتسم داخله لذلك ، فعشقها له ينير قلبه وينعش روحه .
دلفوا إلى عدة محلات وإبتاعوا الكثير من الملابس التي قد تحتاجها ، الكثير والكثير من كل شيء ، كانت إبتسامتها لا تغيب عن وجهها أبدا وهو سعيد بذلك ، مبهورة بكل ما تراه من أشياء يبتاعها وهو مبهورا بها .
وعندما هموا بالرحيل من آخر تلك المحلات ، لمح بيعينه فستانا أحمر اللون به ورود بيضاء ، كانت نظراته لهذا الفستان معبرة فقد كان يتخيلها مرتدية إياه لذا ودون تردد إبتاعه تحت سيل من نظراتها العاشقة .
عودة إلى المشفى ١٩٨٨ /
شعر وليد بإعتصار قلبه عندما تأكد من هيئة شقيقه الضائعة أن تلك الأشياء تعود إلى زهرة .
همّ أن يسأله ليتأكد ولكنه فزع عندما وجده يسقط أرضاً فاقداً للوعي .
عام ١٩٩٣/ 
بعد عدة ساعات من إجتياز السيارات الطريق/
_نبيل...نبيل...نبيل 
أفاق نبيل من قيلولته السابحة في ذكرياته على نداء شقيقته وزوجها فوجد أنهم يدخلون أحد الشوارع وإستمع لأمير الذي يتحدث بحماس:
_وصلنا أخيرا . 
وصلت السيارات أمام منزل مكون من طابقين ووجدوا رجلا في أواخر الأربعين ينتظرهم . 
هبط الجميع ليرحب بهم والد نيڤين الأستاذ مدحت رشاد المحامي  رجل عرف عنه الحكمة والهدوء وأيضاً الكرم ،استقبلهم بحفاوة وأدخلهم الطابق الأول حيث شقة زهرة . 
كانت بالداخل ترتدي ملابسها بعد أن أتمت إعداد وجبة طعام تليق بالزوار وأعطت تنبيهاتها لطفليها بعدم الظهور أو الخروج من حجرتهم. 
وكما هو الحال في مثل تلك المقابلات جلس الجميع بين ترحاب وتعارف لتدلف بعد عدة دقائق نيڤين لترحب بهم وتتحدث معهم قليلا ، لتبدأ سلوى دفة الحديث قائلة بود : 
_بسم الله ماشاء الله زي القمر .
خجلت نيڤين من إطرائها وأردفت بأدب : 
_شكرا يا طنط ده من ذوق حضرتك .
أعجب عبد الرحمن بطريقة حديثها ليبتسم في وجه أمير مما جعل وجهه يشرق بسعادة ، بينما ردت والدته بأمومة : 
_طنط إيه تقوليلي سلوي زي أمير كدا ، متشغليش نفسك بالألقاب . 
_العفو المقامات محفوظة حضرتك في سن والدتي . 
_جميلة وحديثك جميل والله وعرفت تختار يا أمير . 
_شكرا يا جدي ،ها ندخل في الجد بقي صح . 
ضحك الجميع عليه بينما نيڤين زاد إرتباكها وخجلها ليتحدث محمود والده بعد الإستئذان من كبيرهم : 
_الحقيقة يا أستاذ مدحت إحنا إتشرفنا بمعرفة حضرتك وبسيرتك وسيرة نيڤين الطيبة ، ما شاء الله تربية ترفع الراس وحضرتك رٓجل كل الناس بتشكر فيك ، وإحنا يشرفنا إن نيڤين تبقي بنتنا ، فأنا بطلب إيدها لإبني أمير على سنة الله ورسوله ، وبإذن الله كل طلباتكم مُجابة .
كان مدحت يتابع الحديث ويناظر الجميع وبعين خبيرة إستطاع استنباط شخصياتهم ولو قليلاً، لذا تحدث بصوت متزن : 
_الشرف لينا، حضراتكم نورتونا ، والحقيقة أنا سعيد بالتعرف عليكم ، أنتوا عيلة تشرف وتسعد أي أب إن بنته تبقى وسطكم، الصراحة متخيلتش إني أخٓطبها وهي لسة بتدرس بس تمسك أمير بيها وإثباته إنه راجل يعتمد عليه رغم إنه لسة بيدرس شجعني أعطيهم فرصة .
لم يستطع السكوت أكثر ليسأل بلهفة ؛ 
_ياعني موافق يا عمي صح ؟
نظر له حمدي بغضب ظهر في نبرته: 
_يا بني إهدى هو لو مش موافق هيديك ميعاد إنهاردة ؟  
لم يعجبه حمدي منذ البداية فنظراته وتعبيراته ضائقة الأفق فوجد نفسه يجيبه: 
_والله يا أستاذ حمدى أنا لما طلبت منه تشرفونا كان غرضي أتعرف عليكم وأشوف لو حصل نصيب بنتي هتبقي فين ومع مين ، إنما مسألة موافق دي ...
ترك جملته لم ينهيها قصدا 
فدب التوتر نفوس الجميع لينظر عبدالرحمن لإبنه شرزا متوعدا ثم يوجه نظره لوليد ونبيل لإنقاذ الموقف فعلي الرغم من أنه كبيرهم إلا أنه يريد لأبنائه الشعور بالمسؤولية بإعتبارهم المسؤولون بعده ،ليتحدث وليد بدبلوماسية : 
_ودا شيء يشرفنا ،وعاوزك تكون مطمن علي نيڤين معانا لأنها هتكون جوه عنينا ومسؤولة مني شخصيا في غياب الأستاذ محمود ولو أمير فكر بس يزعلها حقها هيرجعلها ، متقلقش نيڤين هتعيش وسطنا معززة مكرمة . 
تبسم مدحت بإمتنان وقال : 
_وأنا واثق من كده ، الرٓجل ال يدخل البيت من بابه ويحترم الكُبار يبقى من بيئة نضيفة تليق ببنتي . 
_يبقي تسمحلنا بقي نفرحهم ونقرأ الفاتحة وأمير يلبس خطيبته الشبكة 
أردف بها نبيل بهدوء ليجيبه : 
_طبعا بس خلينا ناكل الأول أهو يبقي عيش وملح وبعد كده نحتفل بيهم . 
_واهو كذلك وبالمرة نعذب الواد أمير شوية .
أردف بها الحاج عبد الرحمن ليضيف جو من الألفة ويزيل التوتر ، فأردف أمير بمرح هو الآخر : 
_ليه بس كدا يا جدي دا أنا حبيبك . 
علت ضحكاتهم قبل أن يصمتوا فجأة لرؤيتهم ذلك الملاك الباكي ومن ورائها صبيان بحثت الصغيرة بعينيها عن والدتها فلم تجدها وقعت عيناه عليه ليشعر بدقات قلبه تعلو من نظراتها البريئة وتناقض بداخله فتلك الجنية الصغيرة تشبة زهرته كثيرا .
تساءل مدحت بقلق : 
_مالك يا حور ؟ 
_حور بطنها بتوجعها يا بابا .
أجابه الصغير أحمد بينما توأمها يحثها بطفولة : 
_تعالي يا حور ندخل جوه لماما . 
نظرت حور لشقيقها الممسك بيدها ثم لمن أمامها لتترك يد شقيقها فجأة وتندفع للأمام تلقي بنفسها في أحضانه . 
تشنجت عضلات جسده ،شعر بالدماء تضخ وبقوة داخل أوردته ، بذراعيها الصغيرين إحتضنته بقوة  لتمسك بملابسه وترفع نفسها لتجلس علي إحدي قدميه وتلقي برأسها علي صدره . 
تعجب الجميع من تصرفها ليردف مدحت بصدمة حقيقة : 
_حور عمرها ما قربت من حد أنا مصدو...لم يكمل جملته ليري عبدالرحمن يتجه لنبيل أيضا ثم يضع كفه الصغير علي وجهه ويمرر فوقه كأنه يستكشف معالمه . 
نيڤين بصوت عالي سمعه الجميع : 
_ربنا يستر لو أمهم شافتهم كدا هتبقي كارثة. 
إنتبه وليد ليسأل بإهتمام: 
_ليه هما أطفال ومش مسئولين عن تصرفاتهم . 
ليتنحنح مدحت ويقول ببعض الحرج : 
_أصلها بتخاف عليهم جدا  ومش بتخليهم يختلطوا بحد ، والأولاد نفسه مبيقربوش من أي حد وخصوصا حور . 
تبسمت حورية وأردفت : 
_ربنا يخليهوملكم الأب والأم مشاعر الحب والخوف علي أولادهم تفضل طول العمر . 
كانوا يتحدثون بينما هو غارق بعالم آخر ،يسمع حديثهم ولكن عيناه في حديث آخر مع أخري شبيه له ولكن جميع حواسه تنبهت بعد أن سمع والدته تسأل : 
_أومال فين مامتهم نتعرف بيها. 
ليجيب أحمد سريعا : 
_ماما بتعمل أكل وعصير هروح أندهلها ورحل سريعا يبحث عنها.  
_ماما !!! قالتها سلوي بتعجب وإسترسلت : 
_مكنتش أعرف يا نيڤين إن ليكي إخوات غير رضوي وأحمد .
أجابها مدحت: 
_الحقيقة نيڤين ورضوي وأحمد ولادي أنا 
لكن  أم عبدالرحمن وحور هي مُرضعة أحمد هي إلى اعتنت بيه وربته لان والدته توفت بعد الولادة  . 
خفق قلبه بشدة وهو يتأمل الصغيرين ونظراتهم إليه  ، لا يعلم لما ولكن لا يريد أن يبعد عيناه عنهم وإن أراد لا يستطيع . 
لحظات وأطلت عليهم 
_السلام....... 
إنتهت الحروف ،هربت الدماء ،،إبتل الجبين ،إهتز الجسد  ،رجف القلب ،نزفت الروح  ما إن وقعت عيناها علي طفليها في أحضانه . 
نظر الجميع بإتجاه  الصوت لتخرج شهقة فزع مصدومة من مني ونبيلة جعلت سلوى تسأل بقلق : 
_في إيه يا جماعة ؟! 
_مش ..مش ممكن 
_مستحيل 
أردفت بها نبيلة ومني بكلمات زادت من حيرتها 
لتنظر لوالدتها فتجدها ممسكة بيد زوجها الباكي الرجل الجبل كبيرهم عمود العائلة يبكي كطفل صغير . 
دب الخوف بداخلها لتنظر إلي الباقية الذين لا يعرفون 
زهرة بتعجب بادلوها إياه ثم وقعت عيناها علي وليد الذي وقف مكانه بصدمة فرحة ظاهرة علي وجهه بينما نبيل الذي إنسابت دموعه ولم يستطع التحرك ولو إنشا واحدا ينظر لها تارة ولمن تجلس فوق قدمه تارة ثم لها مرة آخري ولمن يداعب وجهه تارة . 
‏لم تحملها قدماها لتجلس أرضا فالكثير من الذكريات  مرأت عليها ولم تستطع إزاحة عيناها عن خاصته 
‏لوم ،عتاب ،إشتياق ،حزن ،فرح ،حب 
((لو لم تكن موجوداً..أخبرني ما الداعي من وجودي ؟؟..لو لم تكن موجودا. كنت سأكون لا شيء أكثر من شخص إضافي في هذا العالم. 
لو لم تكن موجودا..كنت سأشعر بالضياع ..أنت لي وأنا لك .. 
فتعال ولا تفترق عني . 
قلبك هو قلبي وحالتي معروفة لك. 
لن أهرب منك بعد الآن فأنت لي وأنا لك.)) 
‏الكثير من المشاعر ترجمتها عيناها في موسوعة عشق خالص 
‏ذاب جليد ذكري جرحه عند رؤية دموعه ،شعرت بالألم عندما شاهدته يحتضن نبتتهم ويبكي بصوت مرتفع إستسلم لعاطفته من قال أن الرجال لا يسمح لهم بالبكاء أو الضعف 
‏كان يبكي وعيناه لم تترك خاصتها ثانية . 
‏كانت هائمة به وبنظراته ،غاصت بذئبيتيه 
‏إنهمرت دموعها بقوة وهي تري توأماها يزيلون دمعاته بلطف وحنان  . 
‏لا تعلم أتفرح أم تحزن ،مشاعر مضطربة . 
ولكن أكثر ما يؤلمها أنها تريد إلقاء نفسها بأحضانه ولكن كبرياؤها يمنعها . 
_إنت بتعيط يا بوي ؟!.تعجب حمدي من بكاء والده ....حسنا يعلم سبب بكاء شقيقه وإنما والده .....!!! 
نظرت زهرة بتمني لعبدالرحمن فوجدته يفتح ذراعيه لتندفع إليه تحتضنه ليردف بفرح: 
_وفيتي بوعدك .....وفيتي بوعدك . 
إبتعدت عنه لتزيح دموعه بلطف وتقول : 
_كنت بدعي ربنا ليل نهار إنه يرزقني بولد وبنت علشان أقدر أوفي بوعدي ليك 
بدأت تتشكل الرؤية شيئا فشيئا لتهدر سلوي بصدمة : 
_إنتي زهرة !!!!؟ 
جذبها وليد لأحضانه ليردف بعتاب باكٍ: 
_ليه تحرمينا منك ؟ليه تبعدي ؟إنتي عارفة حالتنا كانت إيه لما عرفنا إنك كنتي في القطر إل  إنفجر؟ 
أبعدها عنه ليجد عيناها تطوف من يجاوره في إشتياق واضح يبادلها إياه 
فمد يديه يجذب الطفلين ولكنهم رفضوا وزاد تشبثهم بوالدهم ليقولان   بطفولية زرعت البهجة في النفوس : 
_بس يا عمو أنت عاوزة أفضل في حضن بابا . 
_إنت عاوز تاخد بابا وتمشي ؟متمشيش يا بابا تاني. 
شعرت أنها علي وشك الإنهيار فلم تعد بقادرة علي الوقوف فوجهت قدماها وخطت عدة خطوات راغبة في الإنسحاب فنفسها بدأ يثقل لتجد يد مطبقة على ذراعها بقوة لينة ،أغمضت عيناها بألم فكم إشتاقت للمسته ،لا تعلم أن إشتياقه فاق الحد فعندما رآها لم يصدق ظن أنه تخيل ظل يستمع للجميع خائفا من البوح برؤياها ليظنوا أنه جن مرة أخري ،ولكن ملمس صغيريهم أكد له حقيقتها فلم يستطع إبعادهم عن أحضانه أو ترك عيناها  ،أراد أن يؤكد لنفسه واقعيتها وما إن ابتعدت شعر بالخوف فلما المخاطرة بفقدانها مجددا أبعد الطفلين عنه برفق ليتلقاهم وليد وتقدم بقدمين مرتعشتين ليمسك ذراعها يمنعها من الذهاب ،بلطف ولكن بإصرار . 
((هل أنتي حقيقة؟أنتي تنظرين إليّ وأنا أنظر إليكي...أعيديني من غيمتي لأحضانك فهناك أكن حراً..أنا أتساءل مرة أخرى هل أنتي حقيقة؟؟ 
في هذه الحياة كيف يمكنني أن أتوقف عن حُبك ؟؟!! حاولت بشدة أن أنساكي لأريحهم ولكني أفشل في كل مرة فهُناك ما يُعيدني للوراء ويجعلني أرى أنكي جزء مني ..إذاً فكيف يمكنني أن أتوقف عن حُبك ؟؟!! أو أنسى الأحلام التى تقاسمناها؟ هيا تمسكي بي بقوة وأعلني للعالم مولدي من جديد.)) 
أدارها له ليري كاحليتها تعاتبه بإنكسار مزق روحه أشلاء مبعثره وما هي سوي لحظات وكانت بأحضانه بثها بعينيه آسفه وندمه وإشتياقه لها .. فلم تحتمل رؤية عينيه ذليلة لها ليتحول عتابها لإشتياق وفرحة برؤيته ترجمهمها كعادته وجذبها لأحضانه. 
عناق الروح أعمق من إحتضان الجسد ،كان كل شيء بهم يعانق قبيلته . 
شد من إحتضانها كما لم يفعل من قبل أقسم الجميع أنهم إستمعوا لصوت طقطقة عظامها وإحتكاك جسديهما ،بينما هي كانت تغوص بداخل صدره تلفح أنفاسها عنقه تستنشق رائحته بشوق وإحتياج . كان الجميع ينظر لهم ما بين فرح وخجل  وأيضا حاقد وكاره ولكن جميعهم فزعوا عندما سقط إثنيهم أرضا فاقدين الوعي ولكنهم لم يبتعدوا عن أحضانه بعضهم البعض 
فقدوا وعيهم فقدماهم لم تعد تحملهم وقلبيهما يهدران بقوة فأرواحهم تخشي البعد لذا ليتخلوا عن هذا الواقع المؤلم الذي عاشوا فيه بهذا العذاب وليرحبوا بتلك الغيمة ولكنها لم تكن سوداء بل بيضاء تملؤها الزهور لذا رحبوا بها بحفاوة ولكن أجسادهم أبت الإفتراق .....
تعليقات