رواية زهرة الفصل الثالث عشر 13 بقلم رانيا عثمان البستاني


 رواية زهرة الفصل الثالث عشر بقلم رانيا عثمان البستاني

((أحياناً تجعلنا الحقائق متمردين ، وأحيانا أخرى تجعلنا خائفين ، كان هذا حالنا أنا وسمية ، نظراتها عند رؤيتها أثناء خطوبة أمير لم تكن سوى نظرات ترقب ، كانت تخشى الماضي وما هو آتٍ أيضاً ، ومنذ تلك اللحظات التي إعترفت بها معرفة كل شيء حدث معي وعلى غير المتوقع أصبحنا صديقتان مقربتان تحمي كلا منا الأخرى بقدر إستطاعتها))
وقفت زهرة مصدومة مما سمعته وبصوت مرتعش خائف تساءلت:
_ إنتي عرفتي الكلام ده منين ؟
نظرت لها بآلم ممزوج بكبرياء منكسر وأجابت بحزن مزق قلب زهرة شفقة عليها :
_ منه... من حمدي ، هو بنفسه قالي قد إيه بيتمناكي لنفسه ، هو إل حكالي كل حاجة.....
(مقتطفات ماضية)
إنتهى آذان الفجر وبدأت خيوط الصباح تظهر على إستحياء ، قامت وأدت فريضتها ونظرت لولدها القابع فوق الأريكة بحنان ، وما إن همّت عازمة العضوة للفراش مرة أخرى حتى فزعت من صوت الباب ودلوف زوجها متلصصة في حركته حتى لا يشعر به أحد وخاصة والده ، وجدها واقفة أمامه فنظر لها بإستهزاء وتحدث بقتامة :
_واقفة زي الشاويش كده ليه ، مش المفروض لما أدخل عليكي أشوفك زي الستات لابسة حاجة عدلة ومظبطة شعرك ده .
إبتلعت غصة مؤلمة وهي تستمع لحديثه اللاذع وترى قربه منها وهو في حالة سكر ولاوعي تدريجي وأمسك بذراعيها متحدثاً:
_الحلوة تموت والعِفشة تعيش .
قطبت حاجبيها بتعجب لم يلبث سوى ثوان حينما أوضح وهو يلقي بنفسه فوق الفراش :
_ كانت قمر في سماه بلبسها وشعرها ولا ريحتها.. أه راحت من إيدي .
إنتفض جسدها تقززا، تعلم أنه على علاقة بغيرها ترى أمارات علاقاته المتعددة وتسمعه في مثل تلك الحالات من اللاوعي يعترف ، ولكن تلك المرة مختلفة فها هو يهمس بإسم جعلها تشعر بالغثيان .
_زهرة... نبيل أخويا طول عمره محظوظ ، أبويا بيحبه أكتر مني ، شاطر في التعليم ، أخد شهادة كبيرة وإتوظف بيها ، إنما أنا يادوب إتعلمت أفك الخط وبشتغل تحت إيده وبيحاسبني على كل كبيرة وصغيرة ، حتى الجواز هو إختار بنفسه وأنا إتغصبت عليكي وإلا كنت دخلت السجن.
أنهى حديثه بضحكة سخرية لم تتحملها لتهتف به :
_ ياريتني مت أو كنت إنت دخلت السجن ولا إنكتبت على إسمك ولا جبت منك عيل يعيش ويشوف المُر إل عايشاها معاك ، إنت إيه يا أخي بتحسد أخوك ، طب ما تشوف هو بيعمل ايه وربنا بيكافؤه ، الصلاه إل إنت مبتركعهاش هو بيصلي الفرض بفرضه حتى في عز أزمته وحزنه على مراته، المصحف دايما في إيده ، و....
لم تكمل حديثها لتلقيها صفعة على وجهها ألقت بها أرضاً، ومن ثم بصق فوقها وأردف :
_ بقى إنتي يا خدامة تحطي راسك براسي وتردي عليا ، نسيتي نفسك ولا إيه ، إنتي حتة فلاحة كانت بتشتغل بأجرتها في أرضنا ، لولا بس أبوي وظلمه ليا لما حكم إني أتجوزك .
إنهمرت دموعها فوق خديها وأردفت ببكاء :
_ كله بسببك، لولا إنك حاولت تتهجم عليا والحاج شافك وضربك وحكم عليك تتجوزني كنت دلوقتي عايشة مرتاحة بعيد عنك .
جذبها من شعرها بقوة لتقف بألم محاولة كتم صراخها لألا يسمعها أحد وتوبخها نبيلة كما حدث في السابق ولكنه لم يشفق عليها ولا على دموعها وشهقاتها المكتومة وألقى بها فوق الفراش ، أغمضت عيناها بألم ونفور مما سيحدث ،ولكن فتحتها مرة أخرى على مصرعيها بعدما إستمعت لحديثه:
_ كنت خلاص هاخد منه أغلى حاجة عنده لكن قدرت تهرب من تحت إيدي ، لكن إنتي مش هتقدري تهربي .
أنهى حديثه ومن ثم أخذ في صفعها عدة صفعات إلى أن غابت عن الوعي .
إنتهت سمية من سرد ما حدث لترى زهرة تشاركها البكاء ، فنظرت لها بآسف وأردفت :
_عارفة إنك لاحظتي نظراتي ليكي وبعدي عنك الأيام إل فاتت لكن كلامه عنك وعن محاولاته معاكي مش قادرة أنساها.
شهقت زهرة بألم قائلة:
_ أنا ماليش ذنب يا سمية ، الليلة دي كانت أسوأ ليلة تعدي عليا في حياتي ، يومها فقدت كل حاجة وكل شخص غالي على قلبي ، نبيل هو روحي والنفس إل عايشة بيه ليلتها ضربني وأهاني ووجعني وكسر قلبي وكان حمدي السبب، السبب في كل حاجة ، حتى إني مقولش لنبيل على أي حاجة ، الخوف مسيطر عليا ، حتى وجودي في البيت ده كأني مدفونة في قبر بالحياه.
أمسكت سمية كفها وتحدثت بشفقة:
_ عارفة إن ملكيش ذنب ومتأكدة من ده كمان ، أنا عارفة حمدي كويس وحش مخيف ،شيطان بيتلون زي الحرباية ، بس لو أنا قدري إني أستحمله وأعيش علشان إبني وأهلي إنتي مش مجبرة على ده ، إنتي عندك زوج ربنا يخليهولك يهد الدنيا علشانك ، حاولي تقنعيه تمشوا من هنا علشان تجتنبي شره وتقدري تعيشي وقلبك مطمن .
أماءت لها زهرة بموافقة وقالت:
_ أنا فعلا فكرت في كده ، لكن بابا الحج فرحان بوجودنا حواليه ، بعد فترة هكلم نبيل ونبقى كل فترة نيجي هنا يومين .
أزالت دموعها وإسترسلت:
_ ياريت نبقى أصحاب وإخوات يا سمية ، أنا إرتحتلك .
إحتضنتها سمية مردفة :
_ ربنا عالم أنا بعتبرك زي أختي ، وكلامي ده من خوفي عليكي ، أنا هبقى جمبك متخافيش .
عادت زهرة لغرفتها فوجدت نبيل قد عاد وأبدل ملابسه شعرت بالرهبة فتحدثت سريعاً:
_ كنت عند سمية والله كانت بتصرخ ولقيتها مغمى عليها و....
توقفت عن الحديث عندما وجدته ينظر لها بآلم ، وإبتعد عن مرمى عينيها وذهب بإتجاه الشرفة .
شعرت بتسرعها في الكلام وبتذكيرها له سوء ظنه بها ، ولكنها فعلت دون عمد .
ذهبت خلفه وإحتضنت ظهره متحدثة :
_ أنا آسفه .
مرت دقيقتان وكلا منهم  على نفس وضعيته والسكون هو السائد من حولهم إلى أن تحدث نبيل :
_ تعرفي أنا مستعد لده ولأكتر ، عندي إستعداد أسمع تأنيبك ليا كل ليلة ، عندي القدرة أتحمل غضبك مني ، لكن أنا أضعف من إني أشوف خوفك وأحس برهبتك مني .
سقطت دموعها فوق ملابسه فشعر بها ليجذبها لأحضانه مسترسلا حديثه :
_ مش بقولك كده علشان أشوف دموعك دي ، يا زهرة إنتي أغلى حاجة في حياتي ، أنا مش قادر أعبر عن مقدار حبي ليكي ، تعرفي لما قالوا ماتت حسيت إن روحي بتطلع ، حياتي بتنتهي ، فضلت سنين مستني لحظة الرحمة ونفسي ينتهي وأجيلك ، كنت عايش بشخصيتين ، شخصية عاوزة تموت علشان تجيلك وشخصية مؤمنة إنك عايشة وهتيجي .
أبعدها عن أحضانه ونظر في عينيها وتساءل :
_ من أول رجوعنا وأنا عاوزة أسألك ليه مرجعتيش؟ ليه محاولتيش تعرفيني إنك عايشة وإن ليا أولاد ؟
نظرت له بتردد وأجابت:
_ بسبب الضرب كانت حالتي متأخرة ، لما نزلت من القطر مع أم أحمد  كان معايا بس شنطة فيها الفلوس والورق ،وصلنا المستشفى إحنا الإتنين حالتنا الصحية متأخرة ، ولدت أم أحمد وأنا الدكتور كشف عليا وكتب أدوية ، في الوقت ده كان الأستاد مدحت في الطريق بعد ما أم أحمد عرفتني رقم المكتب وكلمته من المركز ، كانت كل حاجة بتحصل ورا بعض ، كنت خايفة على الطفل إل جوايا كان بالنسبة ليا آخر ذكرى منك وأملي الوحيد في الحياه ، وفي نفس الوقت كنت خايفة الست تموت قبل ما يوصل جوزها ، فضلت في المستشفى معاهم بعد ما وصل الأستاذ مدحت ، أصل أنا مكنتش أعرف هروح فين ، وقولت أكيد ربنا إختارلي طريقي ، تاني يوم إتوفت لأن حالتها كانت متأخرة ، وقبل ما تموت طلبت منه يساعدني ويقف جمبي زي ما ساعدتها ووقفت جمبها ووصتني على أحمد ،
أخدناها وبعد الدفن إتعرفت ببناتها نيڤين ورضوى ، فكروني بنفسي لما أمي ماتت وإتعلقت بيهم وبقيت مسؤؤلة عنهم ، لما عدا أسبوع حاول الأستاذ مدحت يعرف أكتر عن حياتي وخصوصا لما عرف إني حامل ، في الأول إفتكر إني مش متجوزة ، لكن أنا كنت أخدت قسيمة الجواز  وطبعا البطاقة الشخصية مثبوت فيها ، الصراحة قدملي كل ما أحتاجه، كانت الشقة إل شوفتها دي مفروشة كانت لوالدته، عشت فيها ومعايا أحمد راعيته وإهتميت بيه ، وفي يوم لقيته بيقولي إن بعد ما سأل عن حاجتنا في القطر بعد التحقيق ما خلص قالوله إن عيلتي أخدت حاجتي وإنهم أعلنوني ميتة ، كانت صدمة ليا ، لكن بعدها حسيت إن دي إشارة من ربنا علشان أبدأ من جديد بعيد عن كل حاجة، وقولت يمكن موتي فيه راحة ليكم ، عشت أيام صعبة ، كل يوم الحمل بيزيد كان الحِمل يزيد .
ناظرها بعتاب قائلا :
_ موتك فيه راحة لينا ، إنتي متعرفيش إتعذبنا قد إيه ، متعرفيش إحساس الذنب عمل إيه في وليد لأنه حمّل نفسه المسؤولية ، بعدك عني كان السبب في إني أعيش ميت ، فضلت سنة في المستشفى لا بتكلم ولا باكل ميت مش حاسس بحد ، لغاية ما جه وليد وفضل يبكي وإنهار ، كانت أول مرة يخرج من أوضته من بعد الليلة دي ،  وكأن دموعه وإنهياره أنقذوني من العالم ال كنت فيه ساعتها فضلت أصرخ بإسمك لغاية ما أغمى عليا وبعدين لما فقت عرفت كل حاجة حصلت وإني بقالي سنة في المكان ده  وإني فضلت في غيبوبة بعد ما أغمى عليا أسبوع ، يومها صممت أخرج ورفضت موتك وفضلت أسير الأوضة دي بذكرياتها ، حتى إخواتي لما إتجوزوا كان محاولة إن الحياه تمشي من مكان ما وقفت ، يمكن حياتهم إستمرت فعلا لكن أنا حياتي وقفت من لحظة ما رفعت إيدي عليكي .
ألقت بنفسها في أحضانه تبكي مرارة ما عاشه إلى أن غفت أخيراً أو تهربت من مواجهته فبأي شيء ستبرر له بعدها وهي شعرت الآن بعد ما قصه أنها كانت أنانية في إختيارها البعد .
كان يعلم بالطبع أنها تتهرب منه ولكن ما كان منه سوى أن تركها تعتقد أنه إقتنع بغفوتها وحملها بين ذراعيه واضعا إياها فوق الفراش ، وقبل أن يبتعد لجهته همس لها :
_ أنا مش زعلان منك ، إنك معايا دلوقتي بالدنيا كلها ومستعد أعمل أي حاجة علشانك وعلشان مخسركش تاني .
  .......
صباح اليوم التالي/
كانت زهرة تحضر طعام الإفطار مع سمية وحورية وكانت هناك إبتسامة مشرقة على وجهها أسعدت من كان يراقبها بحب .
لاحظت حورية وقوفه لتقول بمحبة :
_ واقف عندك كده ليه يا نبيل ؟ عاوز حاجه؟
نظرت له زهرة سريعاً لتراه يحادث حورية وعيناه عليها هي :
_ عاوز سلامتك يا حور ، جاي أشوفك وأطمن عليكي .
ضحكت حورية على مغذى كلامه وأردفت :
_ طب يالا يا من هنا علشان أقدر أحضر الفطار أصل وقوفك هيوترني .
خجلت زهرة منهم وإقتربت من موقد النار لترى نضج الباذنجان تزامنا مع دلوف نبيلة التي إستمعت لحديثهم وشعرت بالغيظ فهتفت:
_ ساعة واقفة قدام النار مش عارفه تخلصي الأكل البيت كله صحا.
فزعت زهرة من صوتها ودون أن تنتبه إصطدمت يدها بالقِدر الساخن أمامها وإحترقت لتصرخ بألم.
إقتربت منها سمية سريعاً وكانت الأقرب لها وهرع لها نبيل يرى ما حدث بينما نبيلة لم تهتم بل أضافت :
_ عيلة صغيرة مش عارفه تعملي أكل من غير مشاكل، لازم تلميهم حواليكي .
نظر لها نبيل بغيظ وحينما أراد أن يتحدث أمسكت حورية يده قائلة:
_يالا يا نبيل هات ولادك علشان يفطروا وقول للحج إن زهرة ربنا يبارك فيها عملت أحلى صنية مسقعة باللحمة المفرومة لما عرفت إنه بيحبها.
نظرت لها نبيلة بغيظ وذهبت من أمامهم بعنف ، بينما سمية كانت تدلك يد زهرة بأحد أكياس الخضار المثلجة ، ونبيل ينظر لها بإعتذار .
.....
على طاولة الإفطار إجتمعت العائلة كلها بناء على طلب عبد الرحمن الذي أخذ بالإشادة على الطعام فبالرغم من بساطته إلا أنه مصنوع بحب .
رأت زهرة نظرات الجميع المترقبة، وخاصة أهل البيت الآخر فجميعهم في حالة توتر ومنهم الخائف ، فمالت برأسها بإتجاه سمية الجالسة بجانبها تحمل أدهم فوق قدميها وسألتها:
_ هو في إيه ؟ حاسة إن الجو متوتر وكله مش طايق بعضه .
إبتسمت سمية على حديثها وهمست هي الأخرى:
_ومن إمتى كانوا بيطيقوا بعض ، بس إنتي معذورة مش متعودة ، ومتعرفيش حصل إيه السنين إل فاتت.
تعجبت زهرة من حديثها وجاءت لتسأل عن مقصدها فوجدت الحاج عبد الرحمن يحادثها:
_ تسلم إيدك يابنتي ، من زمان مأكلتش بنفس وإستطعمت الأكل .
سعدت زهرة كثيراً وأردفت بإحترام:
_ تسلم من كل شر يا بابا ربنا يخليك ليا .
_طبعا هي ليها الشكر والكلام الحلو وإحنا لينا القسوة .
نظرت زهرة بإتجاه فوزية بتعجب بينما الأخيرة إسترسلت غير عابئة :
_هو ده عدلك يا حج ، حياة ولادك تمشي وحياة ولادي تقف محلك سر .
نظر لها باسم بتحذير لتصرخ به :
_مش هسكت يا باسم ، أبوك مش شايف قدامه غير اتنين وليد ونبيل وأهم بقوا تلاتة لما شرفت ست زهرة ، باقي العيلة فين من حساباتك يا حج ؟
نهض الحاج عبد الرحمن من مقعده في غضب مردفا:
_ وليه متقوليش إن ده أخرة لفك ودورانك من ورايا، مش إنتي السبب في كل المصايب دي ، لو كنتي جيتي وقولتيلي أو حتى قولتي لإبنك الأول كانت كل حاجة مشت مظبوط .
ثارت ثائرتها لتهتف بغير إكتراث:
_أقول لمين يا حج ، إنت من يوم ما الست زهرة إختفت وإنت مبقتش شايف حاجة قدام عينك غير ولادك ، إنما ولاد أخوك سيبتهم ضاعوا ، حتى أدهم مقدرتش تحل مشكلته مع نسايبه.
نظر لها أدهم بعنف ولكنه إختار الصمت على عكس والدته التي تحدث بمكنونها :
_ لسه مش راضية تعترفي إنك السبب الأول في كل ال حصل ، متشغليش بالك بإبني هو رجل وقادر يحل مشاكله.
نظرت لها فوزية بغضب قائلة :
_ الحق عليا شايلاها جميلة لإبنك يا تفيدة إنه ضرب ودافع مع إبني .
_إبنك وإبنها وولادي إخوات يا أم أشرف ، ولما أدهم ومحمود إدخلوا كانوا بيحموا أخوهم من نتايج إختيارك الغلط .
ألقى بكلماته بعنف ثم نظر لأشرف وإسترسل:
_ إسمع يا أشرف أنا جمعتكم دلوقتي علشان أقولكم قراري النهائي ، فرحك الأسبوع الجاي كفاية تأجيل لغاية كده ، عروستك وأهلها ملهومش ذنب ، وأدهم أهو بقى معانا الحمد لله وكلها شهر ونخطبله ويتجوز هو كمان .
جاء أشرف ليتحدث لتقاطعه تفيدة :
_ إسمع يابني أنا بنت أختي ألف مين يتمناها وإنك تفضل خاطبها تلت سنين وأكتر وكل شوية تأجل ده ميرضيش ربنا ، كنت بتتحجج بأدهم وأهو الحمد لله ربنا فك كربه ، يبقى توكل على الله وتمم جوازك.
عقد أشرف حاجبيه وأردف بهدوء:
_ إل تشوفه يا عمي أنا موافق .
_طيب وبعدين ؟
نطقت بها فوزية لينظر لها الجميع بتساؤل فأكملت:
_ياعني أشرف وحددتوا ميعاد فرحه ، ونوارة هتحل مشكلتها إزاي ياحج ، عجبك قعدتها كده زي بيت الوقف لا منها متجوزة ولا من خالية .
نظرت نوارة لوالدتها بحزن لتتحدث نبيلة في إستنكار :
_ إنتي عاوزة كل حاجة في وقت واحد ، إبنك وهيتجوز خلاص لما فرحه يعدي ابقي دوري على مشكلة نوارة .
وقفت فوزية وأردفت :
_ ماشي وأهو كذلك لما نشوف ، ألقت جملتها بعنف ثم نظرت لمحمود وأردفت بخبث :
_ قول لمراتك ترجع البيت وبلاش غضب .
نظر لها بإستنكار وتحدث بغضب :
_ ومين قالك إن مراتي غضبانة ، إيه ممنوع تروح تزور أهلها وتقعد يومين معاهم ؟
صدعت ضحكاتها وتشدقت:
_مافيش داعي للكلمتين دول ، أنا عارفة إنها غضبانة وطلبت الطلاق كمان ، أصل أنا سمعتكم وإنتوا بتتخانقوا.
_فوزية إحترمي نفسك وراعي كلامك ومتدخليش بين واحد ومراته.أنهت تفيدة حديثها ثم أشارت لأبنائها ليتبعوها فإستأذنوا من الحاج عبد الرحمن وذهبوا ، بينما الأخير نظر بإتجاه فوزية مردفا:
_أنا سايبك على زمتي لخاطر وعدي لأبوي الله يرحمه ، متختبريش صبري أكتر من كده ، روحي على بيتك وجهزي لفرح إبنك ، وإنت يا باسم يالا روح على شغلك وبلاش تتأخر وإنتي يا نوارة إعملي حسابك يومين وهنروح للمحامي .
أماءت له نوارة بصمت ثم ذهبت وإنفض المجلس إلا من زهرة ونبيل وسمية ووليد .
نظر الحاج عبد الرحمن لزهرة متحدثا برفق:
_متزعليش يابنتي من الكلام ، وعاوزك تعرفي طول ما أنا موجود مافيش أي حد يقدر يزعلك حتي وليد ونبيل ، تعالى يا وليد إنت ونبيل بره عاوزكم في موضوع.
رحلوا ثلاثتهم تاركين زهرة وسمية يقومون بتنظيف الطاولة ، وبعد الإنتهاء صعدوا سويا برفقة أبنائهم للدور الأخير من المنزل للتحدث ومراعاة الاطفال أثناء اللعب .
.......
جلس الحاج عبد الرحمن متوسطا أبنائه وأردف:
_ أنا عارف إني بتحامل عليكم وأشيلكم كتير ، لكن ده من ثقتي فيكم ، وأهو شايفين بنفسكم ، حمدي ولولا خاطر مراته وإبنه كنت طردته من البيت من كتر عمايله، ومحمود كلمة من مراته تمشيه وأدهم فاهم إن ظروف إعاقة رجله أخر المطاف ورابط حياته وموقف مستقبله، وأشرف بقى كنت متأمل منه بس يظهر إن أمه مش هتسيبه يعتمد على نفسه ، معدش غير باسم ربنا يهديه شاغل عقلي وخايف عليه، مافيش واحد في العيلة دي أقدر أريح بالي من ناحيته غيركم ربنا يحميكم ويباركلي فيكم .
قبل وليد رأسه بمحبة وإحترام وتحدث:
_ إحنا تحت أمرك يا حج متشغلش بالك بأي حاجه.
ربت على أقدامهم وإسترسل:
في عندي طلبين ، أول حاجة تِحٓضروا البيت إل في أول البلد عاوزه جديد كل حاجة فيه على أحدث ما يكون ، البيت ده للأستاذ ممدوح وعيلته، أنا كنت إقترحت عليه يتنقل منها إبنه يبقى جمب زهرة حرام يتحرم منها وهو ميعرفش أم غيرها ، وكمان لما بنته تتجوز يبقى جمبها وبصراحة هو كان متردد لكن قبل على أساس يقسم وقته ما بين هنا وهناك ، أنا كنت ناوي أهديه البيت جزاء وقوفه جمب زهرة السنين ال فاتت لكنه رفض ، وبصعوبة أقنعته يدفع نص تمنه بس والنص التاني هدية مني لأبنه ماهو يعتبر إبن زهرة وأنا إعتبرته حفيدي ، عاوزك يا نبيل تهتم بالموضوع ده.
أماء له نبيل بفخر من تصرف والده وتحدث:
_ طول عمرك صاحب واجب وكرم يا حج ، ال تشوفه وإن شاء الله هجهز البيت وهروح أجيبهم بنفسي وأوصلهم وأطمن إنهم مش محتاجين أي حاجة.
_وأنا يا حج تؤمرني بإيه ؟
نظر عبد الرحمن لوليد بعد أن أنهى سؤاله وبقى صامتا عدة دقائق ثم أردف :
_ عاوز أوصيك على العيلة كلها ، إنت كبيرهم وأنا واثق فيك وإنك قد المسؤلية ، وعاوزك تكلم أسامة صاحبك وتقوله إننا هنزوره بعد فرح أشرف.
قطب وليد حاجبيه بتعجب زال عندما سطعت الإجابة بعقله مع حديث نبيل:
_ طيب يا حج إنت سألت أدهم الأول ؟
_أيوة أنا عرفته الموضوع ، أهي البنية أدب وتعليم وجميلة وأسامة رجل زي أبوه الله يرحمه .
أماء وليد بموافقة وأردف:
_ على خيرة الله ، إن شاء الله أقابله وأعرفه الموضوع وربنا يقدم الخير .
..........
بالأعلى تحديدا فوق السطوح /
جالستان تتابعان الأطفال الثلاثة وهم يرمحون ويلهون من حولهم وأشعة الشمس منتشرة ببريق يعطي لروحهم إنتعاش.
نظرت زهرة لسمية وتساءلت :
_ هو إيه حصل لأدهم وأشرف ؟ وليه الجو متوتر كده ؟ 
أما كنت هتجاهل الموضوع خصوصا إنه حاجة تخص غيري وأفضل إني مدخلش ، لكن حسيت إنهم بيلوموني على حاجة أنا مش فاهمة إيه هي ؟ 
أماءت لها سمية بالإيجاب وأردفت :
_ فعلا ، هما فاهمين إن كل حاجة بسبب إختفائك وحالة نبيل ووليد من بعدك ، وطبعا إنتي عارفة الحج متعلق بيهم قد إيه فكان مش شايف غيرهم وحصل حوارات كتير بسبب تجاهله للكل ، بصي الموضوع بدأ لما الحاجة فوزية قررت تخطب لأشرف .......
(منذ سنوات)
كان المنزل في حالة تأهب ، الجميع يعمل بشكل جاد منتظم فاليوم زفاف إثنيّ من أبناء الحاج عبد الرحمن منى ووليد الذي وأخيرا إستجاب الله لدعواته وجمعه بمن تمناها إبنة عمه فيروز ، فبعد مشاكل كثيرة بين عبد الرحمن ونبيلة التي كانت ترغب في تزويج فيروز لنبيل ، أقنع نعمة بأن زواج إبنتها من ولده الأكبر فيه صالح لها وبالفعل وافقت وتمت خطبتهم.
كان زواج وليد هو الحل الوحيد أمام عبد الرحمن من أجل إنتشاله من بؤرة الإحساس بالذنب وإعتبر أن زواج منى وصية واجبة بعد أن طلبت زهرة منه ذلك ، وايضا رغبة منه في تغيير تلك الأجواء الحزينة على نبيل .
جاء الليل وأسدل ستاره على الجميع بعد إنتهاء الحفل بالرغم من إهتمامه بالذبائح وتحضير الطعام ، إلا أن الزفاف إقتصر على تجمع أهل البلد من أجل تلك الوليمة وتبادل التهاني.
كان الجميع في حالة تعب وإرهاق ، بعد أن ودعوا منى لتذهب مع زوجها لتبدأ حياة جديدة ورحل معهم أهل زوجها ومن معهم من بلدتهم ، وايضا ذهب الكثير من الحضور ، طلب الحاج عبد الرحمن من ولده هو الآخر أن يأخذ زوجته:
_ خد مراتك يابني وإطلعوا ربنا يسعدكم ، وإنتي يا أم فيروز روحي على بيتك علشان تصحي من بدري تحضري أكل العرسان وتطمني على بنتك .
إحتضن نبيل شقيقه في صمت ثم صعد وتبعه وليد وزوجته  إلا أنهم توقفوا في منتصف الدرج بعد سماعهم مناداة وحديث أحد الرجال لوالدهم بعد هرولته لباب المنزل الأمامي :
_ ياحج إلحق ياحج ولاد الحاج صالح بيتخانقوا مع مع مجدي عواد .
نظرت فوزية وتفيدة لبعضهم في ترقب فأي من أبنائهم يقصد ذلك الرجل ، بينما هرول الحاج عبد الرحمن ولحق به باسم ووليد وأيضاً نبيل ليصلوا للمكان الذي تحدث عنه الرجل ليجدوا الأمر كالتالي ...
ثلاثتهم محمود وأدهم وأشرف وأيضا ذلك المدعو مجدي مُلقيين فوق الأرض وكلا منهم لديه جروح ومن حولهم أُناس تتحسر على ما حدث .
(قبل ذلك بقليل)
إنتهى أشرف من حديثه مع أصدقائه وهّم بالذهاب للمنزل ليتفاجأ بمجدي أمامه ليباشر الحديث :
_ أهلا يا أستاذ مجدي لسه فاكر تيجي ، الفرح خلص يا صاحبي .
إقترب منه مجدي وعلى حين غرة لكمه في وجهه أطاح به أرضا وهو يسبه ، تفاجأ أشرف مما يحدث وقبل أن يبدي رد فعل هبط مجدي له وأخذ يكلمه ويواصل السباب ، إستطاع أشرف بصعوبة أن يبعده ولكمه وهو يتساءل بعنف مصطحب بسباب عن سبب غضبه وما يفعله ، ليتفاجأ به يردف بغضب :
_ كنت فاكرك صاحبي معرفش إنك ندل ، إستغليت إنهم رفضوني وروحت تتقدملها لا وكمان حددت ميعاد خطوبتك ، بس إنسى أنا هخلص عليك قبل ما تتجوزها .
كانوا يتبادلون اللكمات وأشرف لا يعي مقصده فهو لم يتقدم لإحداهن ولم يحدد موعد لخطبته المزعومة وإن كان سيفعل لن يقدم على التقدم لمن يرغبها رفيقه ، حاول أن يفهمه ولكن هيهات فقد تغلب شيطانه وأمسك بسلاح أبيض وطعنه به من ظهره بعدما حاول أشرف الرحيل وعدم التمادي في هذا الأمر .
وبالصدفة كان محمود وأدهم عائدين للمنزل بعدما ودع كلا منهم أصدائهم ولظروف إعاقة أدهم تخلف قليلا عن شقيقه فرأي محمود ما حدث وهرول لشقيقه وهو يصرخ سابا مجدي الذي وبمجرد إقتراب محمود طعنه هو الآخر في كتفه دون وعي لما يفعل بسبب تلك المواد الذي يتناولها ، ولكن محمود إستطاع لكنه وإسقاطه أرضاً في نفس اللحظة تزامناً مع وصول أدهم الذي ثارت ثائرته وأخذ ذلك النصل من يده وقام بطعنه في صدره ثأرا لما حدث لأخويه ، ثم جثى أرضاً بجانب أشرف المغشى عليه يحاول بيد إفاقته واليد الأخرى يحاول إقاف نزيف محمود .
إلتف الناس حول أصواتهم وبدأت النساء فالصراخ بينما هرول أحد الرجال لإخبار الحاج عبد الرحمن.
منذ وصولهم حاول نبيل ووليد إفاقة أبناء عمهم بينما أشرف ساند والده الذي عندما وقعت عيناه على دماء أمانة أخيه إختل توازنه.
(عودة)
فزعت زهرة مما سمعت وتحدثت بصدمة :
_ليه ده كله ؟
أجابتها سمية بضيق :
_السبب في ده كله الحاجة فوزية كانت عاوزة تجوز أشرف ، وكانت تقول ليه نبيل إتجوز وإبني لأ وهما نفس السن تقريباً وطبعا بعد ال حصل معاكم الحج أجل أي حاجة تانية وإهتم بس بنبيل ووليد ، ولما قرر يعمل فرح منى وكمان وليد كان بركان الغضب جواها بيزيد ويكبر .
عقدت زهرة حاجبيها وتساءلت:
_ علشان كده معتبراني السبب في كل حاجة ، طيب برده مفهمتش إيه سبب المشكلة مع مجدي ده ؟
تناولت سمية بعض من بذور عباد الشمس وإسترسلت :
_تعرفي منار مرات محمود ليها أخت إسمها مريم ، الحاجة فوزية زارتهم وطلبتها لأشرف وده من غير ما تعرف أي حد حتى أشرف نفسه ، وطبعا الناس رحبت .
أماءت زهرة بتفهم وأردفت:
_وهو مجدي كان عاوز يتقدملها ؟
أماءت لها مؤيدة لحديثها قائلة:
_ هو فعلا إتقدم لها ، ووالدها سأل عليه أدهم لأنه معاه في الشغل ، وأدهم قاله بلاش لأن مجدي بيشرب وسلوكه مش كويس وهو أصلا حاول مع أشرف كتير يبعد عنه ، وفعلا أبو مريم أخد بنصيحة أدهم ورفض مجدي ، ومجدي يوم الفرح عرف موضوع الخطوبة لما قرر طلبه تاني وطبعاً مشفش قدامه غير إن صاحبه خاين وحصل ال حصل وكانت قضية وأشرف رفض الصلح وإتحكم على مجدي بعشر سنين وطبعاً وأدهم دخل السجن هو كمان وخرج من مدة لأن كان محكوم عليه بتلت سنين .
حزنت زهرة لما حدث وتأثرت وظهر هذا على نبرتها المتساءلة :
_ وأشرف خطب مريم بعدها ؟
ربتت على يدها مجيبة:
_ أيوة طبعا الحاج بعد ال حصل والبلد كلها كانت بتتكلم إن على مريم مقدرش يرجع في كلام الحاجة فوزية وحكم على أشرف يكمل الجوازة لكن أشرف إشترط إن كل حاجة تقف لغاية ما أدهم يخرج من السجن .
تنهدت بعمق ثم ظهر سؤال بعقلها فتساءلت سريعاً:
_طيب ليه لغاية دلوقتى متمش الفرح طالما أدهم خرج من مدة ؟
إبتسمت سمية وأجابتها:
_ أدهم كان خاطب بنت خاله ، لكن رفضوا يستنوه لما يطلع من السجن وجت عروسته هنا مع أمها وقالت إنها قبلته مع إنه معاق كمان يبقى رد سجون وسابتله الشبكة والكلام وصل لأدهم لما زاروه في السجن ، فطبعا نفسيته متأثرة ورفض يخطب وأشرف حاسس بالذنب إن حياة أخوه إدمرت بسببه فرفص يتم فرحه .
كانتان منغمستان في الحديث إلى أن توقفتا فجأة عندما وجدتا حمدي أمامهم.
كانت كلا منهم تشعر بالرهبة ، نظرت زهرة لسمية بإستنجاد لتطمئنها بعينيها رغم قلقلها وتحدثت :
_ يالا انتي يا زهرة إنزلي خلصي الغدا مع الحاجة حورية وأنا هخلي بالي من العيال .
أماءت لها وهرولت سريعا من أمامهم بينما سمية تجتذب الحديث مع حمدي الذي أخذ يدخن لفافة متصنع الإستماع لها بينما عيناه على أطفال أخيه .
أما بالنسبة لزهرة كانت تهرول على الدرج خائفة وفجأة شعرت بأحد خلفها يحاول إمساكها لتصرخ فزعة وتضع قدمها في الفراغ بغير إتزان لتسقط فوق الدرج .
تعليقات