رواية زهرة الفصل السادس عشر 16 بقلم رانيا عثمان البستاني


رواية زهرة الفصل السادس عشر  بقلم رانيا عثمان البستاني 


((عندما نستيقظ صباحاً ونقوم بفتح النافذة ليتسلل الضوء لغرفتنا مع نسمات الهواء الباردة التي تنعش أنفسنا ، نبدأ اليوم بنشاط وأمل أن تستمر تلك النسمة الباردة المُصاحبة للهدوء الذي يتخلله زقزقة العصافير، ولكن بعد أربع أو خمس ساعات تبدأ حرارة الشمس تنسينا متعة تلك النسمة الباردة ، وزحام الأصوات بالشارع يشتت هدوء أرواحنا، وهكذا ما حدث معي ، كنا بالطريق ذاهبون لحياة جديدة وآمال نسجتها بين أضلعي، شعرت بنسمات الهواء الباردة تلفح وجهي وتتخلل لداخل أعيني تمحي آثار ما علق بها من دموع ذرفتها في كامل ما عشت من عمر ، كنت أنظر إليكم وأنتم مستغرقين في النوم وأتخيل كم ستكون حياتنا هادئة وجميلة من الآن ، أنظر لأبيكم وهو يقود السيارة بهدوء تام محاولا أن لا يظهر الصراع بداخله وكأنه يرسم الطريق ، وأنا كطفلة أريد فقط إتباع نقشة يده ، كل تلك اللحظات أعطتني أملا ولكن كما قولت نسمات الهواء المنعشة تأتي أشعة الشمس الحارقة تزيل أثرها ))

( بعد مرور ساعتان)


تجهزت زهرة وأطفالها وجمعت كل ما يخصهم وخرجت من المنزل برفقته.


لم تعترض على قراره بعدم توديعهم.


ذهبوا معا آملين في حياة جديدة نازعين منها الآلام ، طاويين صفحات الماضي. ولكن كما يقال تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.


ومن نحن لنتحكم بالقدر.


إستمر بقيادة السيارة ساعات حتي وصل أخيرا لوجهتهم.


وصل لمنزل مكون من طابقين يحاوطه حديقة ؛ سعد الطفلان كثيرا وكانت هي أكثر سعادة منهم فها هو منزل أحلامها.... منزل يضم أهم وأغلى الأشخاص على قلبها، يعيشون معا وحدهم بعيدا عن الجميع، يبنون حياة أبناؤهم سويا.


دلفوا للداخل فوجدوا المنزل به الأثاث ولكن لم يرتب بعد ، كان الدور الأول يضم المطبخ وحجرة للطعام وحمام وحجرة إستقبال.


والدور الثاني لغرف النوم.


نظرت له بسعادة وتعجب وتساءلت:


- لحقت جهزت كل ده إمتي ؟؟!!!!


تنهد بأسى وأجاب:


- البيت ده أنا جهزته بعد ما خلصتي ثانوي على أساس نقعد فيه وتقدمي في جامعة القاهرة ، ولما حصل إل حصل إحتفظت بيه .

كان يتحدث والحزن من ذكرى مؤلمة يطارده بينما هي توسعت إبتسامتها فرحة وأردفت بتساؤل:


- طب ليه مقولتليش عليه بعدين؟؟!

إبتعد.عنها قليلا وكأنه يهرب من شبح الماضي وأجاب في عجالة :


- خفت تكرهيه لأنك مكملتيش دراسة وكان في إمكانك تدخلي طب زي ما كنتي بتتمني؛ حسيت بالذنب من ناحيتك إن حلمك ضاع بسببي، انا جهزت البيت ده على أساس نستقر فيه ، انا كنت عارف إنك مش مرتاحة هناك وكنتي بتتمني يبقالك بيت لوحدك تتحركي فيه بحرية وده حقك ، كل جزء من الفرش ده اختارته بنفسي وانا بتخيلك كنت عاوزه يطلع زي ما بتحلمي ، لكن بعد ظلمي ليكي قولت أكيد هيبقى بيت الكوابيس بدل ما يكون بيت أحلامك .


إقتربت منه تحاوط وجهه بحنان وأردفت بحب وصدق :


- هتصدقني لو قولتلك إني متحرمتش من أي حاجة وأنا معاك ، إنت مليت حياتي بكل حاجة كانت نقصاني ومحتجاها؛ حياتي معاك تتقاس بالفرح إل دخل قلبي والضحكة إل مطلعتش من جوايا غير وأنا معاك ، تتقاس بالأمان إل عمري ما حسيته غير في حضنك ، بفرحتي بولادي منك، معاك أنا بقيت طفلة وحبيبة وزوجة وأخت وإبنة وأم.


أوعي تفتكر إن فاتني حاجة بالعكس أنا أخدت كل حاجة معاك ، حتى ال حصل معانا ده كان بيقوي حبي ليك أكتر ، عمري ما زعلت منك ، كل يوم بحس إني بعشقك من أول وجديد، أنا لو كنت عاوزة بيت لوحدي فده لأني أتمني إني أقدر أحضنك في أي وقت وأي مكان جوة بيتنا وأصنع ذكريات كتير بينا في كل حتة نبقى فيها ، علشان نفسي كل حاجة تخصك أنا بس أبقى مسؤولة عنها ، علشان أفضل حواليك دايما، انت البيت بالنسبة ليا، ياعني الآمان والراحة والإستقرار، انت بالنسبة ليا كل حاجة جميلة في الحياة، أنا مخسرتش حاجة أنا فزت بكل حاجة .


شعر بتلاحق أنفاسه من قوة المشاعر ليحتضنها ويردف بحنان:


- بالعكس أنا إل أخدت كل حاجة من يوم ما شوفتك ، تعرفي بتمني ربنا يجعلك نصيبي من الجنة ، آسف على كل لحظة حزن عشتيها بسببي وعلى كل حاجة وجعتك وأنا بعيد عنك ، نفسي أعوضك ، ياريت كنت أقدر أرجع السنين وأنا كنت إحتفظت بيكي في حضني بعيد عن كل الناس .

شعرت بآلمه وتآلمت لأجله فما كان منها سوى أن شددت على أحضانه وهمست بحب :


- خلاص بقي يا حبيبي إل فات مات وإحنا ولاد إنهاردة .


إبتعدت عن أحضانه لتشير إلى نبتتيهم وهما يلهون في الحديقة وإسترسلت:


دول أهم شيء في حياتنا دلوقتي. 


أومأ لها بتأييد وأردف:


- فعلا وعلشان كده عاوزك تسمعيني كويس.


إنتبهت له ونظرته بتعجب من جديته ليضيف:


- الشنطة السودة دي فيها فلوس لتعليمهم وبإذن الله مش هيحتاجوا حاجة، وفيها كمان عقد ملكية البيت ده بإسمك، وعقود حقي في الأرض والبيت الكبير وكل ورثي من أبويا الله يرحمه كتبته بأساميهم حسب الشرع.


- نبيل إن....


وضع إصبعه على شفتيها يمنعها عن إستكمال الحديث وإسترسل:


- محدش ضامن عمره وأنا عاوزة أحمي حقهم ،ومش معني إنناهنبعد عن الكل أتنازل عن حقي لأنه في الآخر ليهم ، الورق ده في حالة موتي في أي وقت يقدروا يقدموه ويستلموا حقهم بعد خمسة وعشرين سنة من السنة دي ؛ علشان يكونوا خلصوا دراسة وعودهم نشف ويقدروا يقفوا قصاد أي حد.

ذعرت وإرتجف قلبها قبل جسدها وهي تنهيه عن إستكمال حديثه:


- نبيل بالله عليك بلاش الكلام ده إنت بتوجع قلبي ليه ؟ إن شاء الله هتكبرهم وتشوفهم وهما بيتخرجوا وكمان تجوزهم وتشوف ولادهم ، بلاش سيرة الموت دي أنا مش هستحمل والله ، إنت هتعيش في وسطنا وتفضل معانا إنت عندك تلت أطفال مش إتنين ، أنا مقدرش أتخيل حياتي من غيرك ، إنت عارف أنا نفسي أقولك بابا وحبيبي وروحي وصديقي وعمري إنت كل حاجة وكل دول بالنسبة ليا ليه توجعني بكلامك ده ، إنت المسؤل عنهم وعني إنت ال هتربيهم وتخليهم يبقوا زيك في حنانك وجمال قلبك .

ظل يزيل دمعاتها المنسابة وقلبه يبكي من أجلها ومن خوفه عليها ولكن يجب عليه أن يتحلى بالقوة والشجاعة لألا تفقد قوتها فتحدث بتريث:


- إن شاء الله يا حبيبتي ، أنا بس بوضحلك كل حاجة، انتي عارفة أننا هنبدأ من جديد في مكان غريب علينا ، فأنا سحبت كل فلوسي من البنك لأن لو سحبنا بعد كده سهل يعرفوا مكانا وأنا عاوز أبعدكم وأحميكم عاوز أحافظ عليكم إنتوا أغلى من روحي ، المهم خلي المحمول ده معاكي ، وأنا معلهش هسيبكم دلوقتي علشان بس لازم أرجع.....


قطعت كلامه بخوف :


- ترجع ؟؟؟ترجع فين؟؟!! ...لأ خليك معانا .


شعر برعبها ليمسد فوق رأسها بحنان وقال:


- إهدي يا حبيبتي.. لازم أرجع أعرفهم إننا مشينا وأشوف ماما حورية ووليد .


أومأت له بإستسلام لتضيف:


- سلملي عليهم.

إبتسم بحنان وأردف:


- حاضر...وإن شاء الله كل فترة نروح نزورهم.


أنهي كلماته ثم جذبها لأحضانه يعتصرها بداخله يتنفس عبقها بلهفة وإشتياق....وكأن قلبه يشعر أنه الفراق .


إبتعد عنها بعد مدة بقلب ملتاع وإقترب من أطفاله وجثي لمستواهم ثم حملهم وإحتضنهم بقوة ، وطلب منها الإقتراب وفتح الهاتف وإدارته لتصبح الكاميرا في مواجهتهم وإلتقاط عدة صور.


إلتقطت صور تجمعهم أربعتهم وصورا لهم ثلاثتهم وصورا لهما معا.


لم يٓعوا أنها ستكون آخر ذكري تجمعهم ..وأن تلك الصور هي فقط ما ستبقي من سعادتهم.


لم يبتعد عنهم بل شدد من إحتضانهم ، كلما هم بتركهم شعر بروحه تختنق فيقترب أكثر .


آلمها قلبها ..شعرت أنه ليس بخير .


تلك الدموع المتحجرة بعينيه نزفتها هي دما من قلبها.


همست له بنبرة يشوبها الخوف والرجاء:


- بلاش تمشي خليك معانا.


إبتسم لها ثم أعطاها قطعتي روحه وأردف تأكيدا :


- خلي بالك من نفسك ومنهم ، حافظي عليهم وإحميهم .


لم تتمالك نفسها لتهبط دموعها ؛ فبكلماته هذه شعرت بوخزة بقلبها، وبروحها تنسحب .


إقترب منها بلهفة يمحي دمعاتها بحنان ويقتطف قبلة سريعة وذهب .


.............


((رحل كأنه لم يكن ..إبتعد ولو كنت أدري أنها النهاية لم أكن لأتركه يبتعد .. كنت لأغلق الباب مدي الحياة..ولكنه القدر.


نصيبي أن أعيش بروح جريحة طوال عمري .. وكأن الأحزان تتسابق للفوز بأكبر قدر من الدموع ، كلما مررت بألم يأتي من بعده ألماً أشد يُعلمني أن ما مررت به سابقا ما هو إلا تنزه بين الزهور فقط كانت أشواكها تخدشني برفق ولكن ما عايشته عندما تحدثت معه للمرة الأخيرة وإستمعت لصوته الذي وإلي الآن يذبح روحي ينطق الشهادة بصوت حزين ثم من بعدها إستمعت لصوت حطام سيارته كحمل تلك الأشواك وغرسها بقلبي بمنتهى القوة .


منذ لم أعُد أرى عينيه وأنا أعيش في ظلام ..ومنذ أن فقدت ضحكته وأنا أعيش في صمت قاتل ..أستمر في العيش ولكني أحتاجه..كحاجة الشجر للمطر .. أحتاجه كحاجة الظل لبذوغ للنهار...ولكن لا يُمكنني فعل شيء ..أحتاجه إلى الأبد ولكن لا يمكنني فعل شيء .. أشتاق لهمسه ولكني لا أستطيع فعل شيء ...أتوق لأحضانه ولكن لا أستطيع فعل شيء .. أتمنى الجلوس بجواره، والصلاه خلفه ، 

لم يكن رفيق دربي فقط .. بل كان هو طريقي وحياتي ..كان الشمس التي أشرقت لتمحو ظلام أيامي .


ولكني تماسكت من أجلكم ، فأنتم قطعتين من روحه كما كان يلقبكم دائما ، قد تتعجبون ولكني كنت أخشى عليكم لأنكم أمانته أكثر من أنكم أبنائي ..وكنت أحبكم أكثر لأنكم أبنائه .


والآن أتممتم الثلاثون عاما وإكتملت بنيتكم الفكرية....


عودوا...إحصلوا على حقوقكم... لا تتركوا ما تبقي من أبيكم ليفني كما فني هو.


عودوا وشدوا عضدكم ببعض وإثأروا لنا ...ولكن تذكروا أنكم أنقى من الخطأ.. فلا تهلكوا أنفسكم..إثأروا بالحق .. إثأروا لعائلتنا الممزقة.. إثأروا ممن فصل مكابح سيارته لأن لا يعود إلينا.


هكذا أنهت زهرة حكايتها بإختصار، قصت لهم ملحمة العشق والعذاب لتبدأ رحلتهم لطريق العودة الإنتقام.


..............................


الموت حقيقة مقبولة ولكن القتل ....


رحماك يا الله...قبلوا يتمهم..قبلوا حرمانهم من آمان الأب..ومن بعده فقدوا حنان الأم ..لم يعترضوا فهذه مشيئتك... .هذه سنة الحياه..رحلة يتنقل بها الجميع.....


لكن القتل ؟؟؟مؤلم يا الله ..مؤلم 


حطام..صراخ..بكاء..


هذا ما تبقي منهم بعدما أنهوا القراءة ، تحطمت شجاعتهم الزائفة ليصبحوا بقايا. 


تألموا وإنهاروا أرضا بعدما هلكت أرواحهم ونفذت قواهم. 


نظر لشقيقته ليجدها ممددة بمكانها شهقاتها ما زالت تصدر بأنين ، زحف لإتجاهها حتي وصل إليها وجذب رأسها ليضمها وأردف بصوت متهدج:


- دلوقتي عرفت ليه ماما كانت دايما بتقوينا وبتعلمنا الجدية.

نظرت لأخيه بتيه وعيناها تتسابق في ذرف الدموع قائلة:


- قلبي واجعني أوي يا عبد الرحمن ، أنا كنت بزعل منها لما نسألها عن عيلة بابا وتقولنا مش وقته ، أنا مرة صوتي علا عليها بسببهم وقولتلها كلام صعب ، أنا..أنا قولتلها إننا زي المخطوفين وإنها بتحرمنا من أهلنا ، تعرف يومها بليل جت وقالتلي إنها أكتر واحدة حاسة بالوحدة وإن مافيش حد خسر قدها دلوقتي بس فهمت .


تنهد بألم وأزال بقايا دموعها ودموعه وأردف: 


- كانت مستنيانا نخلص دراسة ونستقر ، عارفة إنها لو كانت حكت لينا كنا هندمر فحٓمٓتنا. 

إبتسمت بألم ولكن أردفت بفخر :


- ماما كبرت في نظري أوي، الأول كنت بحترمها لأنها بتفضلنا عن نفسها ومخلصة لبابا ، بس دلوقتي إحترامي ليها زاد .


إزاي قدرت تتحمل كل الوجع والألم ده؟

أرجع رأسه للخلف متنهدا وأردف:


- تعرفي كنت بحسها ضعيفة لما تهرب من الكلام عنهم ؛ بس دلوقتي عرفت قد إيه كانت قوية .


إعتدلت في جلستها وأردفت بجدية:


- وعلشان كده لازم ننفذ وصيتها.

إنتبه لحديثها فتحدث بعزم :


- عندك حق ، بكرة هعتذر لدكتور عبد السلام ونبدأ ندور على أهلنا .

نهت سريعاً قائلة بحدة:


- لأ طبعا. إنت لو إعتذرت يبقي ضيعت جهد السنين إل فاتت.

نظر لها وظهر الغضب جلياً عيه متحدثاً:


- أومال أعيش حياتي عادي وأسيب حق بابا !!

إحتضنته علها تخفف عنه وعنها وهمست فلم يعد بإستطاعتها الحديث:


- ومين قالك هنسيب حقه، بس مش معني كده نضيع مستقبلنا، يا عبد الرحمن فكر بعقلك مش بقلبك ، ماما تعبت كتير علشان نوصل لمكانتنا وأهو بقالنا ست سنين من بعدها بنكافح ونحققلها آملها فينا بلاش تضيع ده وإنت عارف مؤتمر زي ده هيفيدك إزاي.


تنهد بإستسلام وتشدق:


- ماشي يا حور هروح بس أول ما أرجع هناخد أجازة ونروحلهم.


- وأنا موافقة طبعا. 


أرادت حور أن تعطي لأنفسهم فرصة للتفكير بهدوء دون إندفاع حتي يتمكنوا من حصولهم على الإنتقام.


.....


إنقضى ما تبقي من الليل لتشرق الشمس وتنشر أشعتها الذهبية حاملة معاها آمال جديدة.


( في المشفى )


دلفت حور لحجرتها لتتفاجأ بمحتوياتها رأسا على عقب ، وكأنها تعرضت لغزو السارقين.


تقدمت بصدمة من المكتب بعدما لاحظت عليه ظرف مغلق لتفتحه بتعجب وقلق تحول لصدمة وهي تقرأ :


( متحاوليش تتذاكي يا دكتورة وتدخلي في شيء ميخصكش ، المرة دي إنذار بسيط ، لكن المرة الجاية متضمنيش إيه ممكن يحصلك ، ياعني مثلا شوية ماية نار يترموا على وشك الجميل ولو إنه خسارة ، أو ممكن نعيشك نفس اللحظات ال شوفتيها وأنا أتمنى عالفكرة ) 


لم يستغرق الأمر منها جهد للتفكير ومعرفة أن الطبيبان الذي سبق ورأتهم في المستودع هما المسؤلان عما حدث.


ذهبت مباشرة لمكتب مدير المشفى لتقص عليه ما حدث لتتفاجأ بمن يجلس معه بالداخل.


تحشرج الكلام داخلها ولم تستطع الكلام.


كان كلا من أدهم وعبد الرحمن يتناقشون في أمر المؤتمر مع دكتور عبد السلام. 


نظر ثلاثتهم لها بحيرة لسكوتها عن الكلام.


تقدم منها عبد الرحمن بقلق وأردف بتساؤل:


- مالك يا حور؟؟!

بلغ التوتر أقصاه لديها، فإن تحدثت الآن لن يسافر شقيقها، لذا وجدت نفسها تجيبه:


- ها...لأ مافيش .


سلط أدهم عيناه عليهم بحدة أربكتها لتعتذر عن مقاطعتهم وما إن همت بالخروج لتتفاجأ بدلوف إحدي العاملات ويبدو عليها الذعر وما إن رأت حور حتي هتفت براحة:


- دكتورة حور حضرتك كويسة ؟ الحمد لله أنا خفت لما شوفت المكتب بالشكل ده.


حاولت حور منعها عن الكلام ولكن لم تستطع. 


- إيه إل حصل للمكتب؟!!


أردف بها عبد السلام بتعجب لتجيبه:


- مقلوب وكل الكتب والأبحاث متقطعة .


صعقوا مما قالته ليهتف عبد السلام بغضب:


- إزاي ده يحصل؟؟ ....دي مستشفي ولا شارع !!


- حور...إنتي كويسة ؟ حد عملك حاجة؟ حد إتعرضلك؟ 


قالها عبد الرحمن بحنان لتومأ له بالنفي .


لا تعرف لما ولكن وجهت نظراتها إليه لتجده يناظرها بهدوء ظاهريا ولكن عيناه تحكي الكثير. 


إقترب عبد الرحمن منها وأمسك يدها قائلا:


- دكتور عبد السلام ياريت تسمحلها تمشي إنهاردة.


- طبع....

قطعت حديثهم برفض تام مردفة بثقة:


- لأ...أنا مش همشي غير لما أخلص شغلي. 

حاول شقيقها ثنيها عن هذا القرار متحدثا:


- يا حور بلاش معاندة إنتي أصلا تعبانة وكمان التوتر بسبب إل حصل بلاش تضغطي على أعصابك أكتر من كده .

لم يستطع إقناعها لتردف بتأكيد:


- لا توتر ولا حاجة...وبعدين أنا دكتورة طوارئ والشغل تحت الضغط مهمتي.


- هتفضلي عنيدة .


إبتسمت له بهدوء وأردفت بدون أي تعبير:


- مرة تانية آسفة على المقاطعة... بعد إذنكم .


ذهبت لحجرتها وهي عازمة على عدم إخبار أحد بتلك الرسالة .


بدأت في لملمة الأشياء بنفسها بعد رفضها المساعدة من العاملات وبينما هي بصدد محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه إستمعت لطرق الباب وقبل أن تأذن للطارق بالدلوف وجدته أمامها ، نظراته كانت غاضبة أثارت حنقها فماذا فعلت ليغضب منها؟....ماذا؟؟


مهلا...لما تهتم ؟ ..يبدو أن الإرهاق بلغ منتهاه وتمكن منها فأصبح تفكيرها مشتت.


بادرت بالكلام علها تقطع سيل نظراته:


- أستاذ أدهم زي ما أنت شايف أنا مش فاضية فلو عندك كلام ياريت تأجله.

لم يهتم لحديثها بل تساءل بقوة :


- أكيد إل عمل كده سابلك رسالة.


نظرت له بصدمة فكيف عرف، كانت تريد الإنكار ولكن يبدو عليه الثقة وأنه لن يقتنع ، لذا قدمت له تلك الرسالة بإستسلام.


قرأ تلك الرسالة لتتحول عيناه لبركان ناري ليهتف بها:


- وكنت ناوية تخبي صح؟؟!!!!


- بالظبط كده.


إشتعل أكثر فكيف لها بأن لا تفكر في سلامتها ليردف بغضب:


- إيه البرود ده ؟ إنتي مش خايفة؟ حاولت تهدئة أنفاسها وأردفت بهدوء نسبي:


- أخاف من إيه! نصيبي هتحصل عليه ، ياعني مافيش داعي للشوشرة.


- الموضوع مش...


قطع جملته طرق الباب ومن ثم بدلوف عبد الرحمن. 


تعجب عبد الرحمن من وجوده ولكنه توجه بالحديث لشقيقته:


- حور أنا مسافر دلوقتي. 


صدمت وأردفت بتعجب:


- إيه؟؟ مش قولت بكرة؟!!


- دكتور عبد السلام لسه بلغني بتقديم الميعاد دلوقتي. 


نظرت له بحزن فهذه أول مرة يفترقان عن بعضهم.


فإقترب بلهفة وأردف:


- حور إحنا لسه فيها ممكن أي حد يروح مكاني.


وهنا لم يستطع السكوت أكثر من هذا ليردف بهدوء مصطنع:


- هو لعب عيال ولا إيه يا دكتور ؟ ...ده شغل وبعدين الإدارة بلغتهم بحضورك.


نظر له عبد الرحمن بغضب وأردف بعنف:


- أنا مش عيل يا أستاذ أدهم وعارف شغلي كويس جدا، بس لو كنت هختار بإني أفضل مع حور والسفر هفضل حتي لو وصلت للإستقالة .


الآن نستطيع القول أنه إذا تقدم منه سيقضي عليه تماما ، ألا يكفي مناداتها دون ألقاب والآن يقول هذا الهراء.


إشتعلت عيناه بالغيرة لم يستطع السيطرة عليها ليقول بجدية:


- المشاعر لازم تبقي منفصلة عن الحياة العملية يا دكتور.


تأمله.. .هذا فقط ما فعله. 


تأمل نظراته المشتعلة بالغضب لها والغيرة والترقب له.


فطن ما يحدث بعقلية شاب في مثل عمره ، شاب مرء بهذا الأمر أيضا.


وعلى ذكر ذلك تذكر ذؤبته..نعم أضاف ملكيتها لنفسه ليشتعل داخله غضبا من هذا الأدهم.


عاد بنظره لحور الواقفة لا تدري عن حرب العيون شيئا فلقد كانت تفكر في أمر ما.


أشار بيده أمام وجهها لتنتبه إليه ليقول بخبث وهو يتابع نظرات أدهم:


- روحتي فين؟

أجابته بتشتت:


- هه... لا أبدا بس بفكر في حاجة كده ، هقولك عليها لو إتأكدت.

إبتسم لها وأردف بحنان :


- ماشي يا حبيبتي هروح أنا أجهز شنطتي وأتوكل على الله. 


عبست ملامحها لتعلو ضحكته وإسترسل بمرح:


- يا عبيطة المفروض متزعليش هتروحي تاكلي البانيه لوحدك.


إبتسمت بمرح مجارية له وتشدقت :


- تصدق صح.


قبل جبينها وهمس بصوت مسموع:


- لا إله إلا الله .


- محمد رسول الله. 


إقترب عبد الرحمن من أدهم لينظر لعينيه بإبتسامة بعدما رأي غضبه قد بلغ منتهاه وهمس بالقرب من أذنه:


- عندك حق مينفعش ندخل المشاعر في الحياه العملية.


كور أدهم يديه بغضب وما إن رحل عبد الرحمن حتي إنفجر غضبه:


- كنت فاكرك محترمة وشخصية نضيفة بس يظهر إني كنت غلطان، واقفة تتكلمي معاه بضحكات وهمسات وسيباه يمسك إيدك لأ ويبوسك وبيقولك يا حبيبتي عادي كده.


صفعة كانت إجابتها عن إهانته بعدما إقتربت منه بغضب ؛ثم تقدمت من الباب وفتحته وأشارت له وهدرت بغضب:


- إطلع بره.


تقدم منها وبقبضة نارية أغلق الباب وهمس لها بفحيح:


- لو كنتي فاكرة إني هعديلك إل حصل ده تبقي غلطانة، إل حصل قبل كده كان بمزاجي ، بس مش معني إني سكتلك تتمادي فيها.


نظرت له بقوة أدهشته ولكن حازت على إستحسانه لتهمس بنفس النبرة:


- ولو إنت فاهم إني هسيبك تغلط فيا عادي تبقي مجنون ومحتاج إل يفوقك. 


- وإنتي بقي إل هتفوقيني. 


قالها بسخرية أغضبتها ولكنها شعرت بالدوار؛ فيبدو أن أثار الضغط العصبي المار بها تمكن منها.


أغمضت عيناها بقوة علها تزن نفسها.


شعر بها ليقول بنبرة قلقة لم يستطع إخفائها :


- مالك؟


تنهدت بإرهاق وإبتعدت حتي تجلس فوق المقعد الخاص بها وأردفت بتعب:


- لو سمحت تمشي.


لم يرد مجادلتها أكثر من هذا لذا إستمع لمطلبها ورحل...ولكن لم يرحل كاملا فقد ترك قلبه الملتاع معها..قلبه البكري الذي لم يعرف الحب قبلا...


وجاءت هي لتقتحم داخله...لا يعرف لما هي؟!!... أو بماذا يصف شعوره ؟ ولكن يعلم أنها غير جميع النساء.


ربما لو يعلم أن رابطة الدم تجمعهم لفهم حقيقة شعوره بأنها منه.. وتعمقت أمنياته أن تكون له.


(بعد خروجه) 


هبطت دموعها وهمست بصوت مسموع:


-أدهم حمدي الدمنهوري..إزاي ما أخدتش بالي قبل كده!!


تمت اللي اللقاء في الجزء الثاني

الفصل السابع عشر من هنا 

غير معرف
غير معرف
تعليقات