رواية عشق بين الجدران الفصل الثالث 3 بقلم سلمي ايمن


 رواية عشق بين الجدران الفصل الثالث 

كانت رغد تجلس في غرفتها الصغيرة، تتأمل الجدار الأبيض أمامها وكأنها تبحث عن إجابة لأسئلتها التي لا تنتهي. تلك المكالمة المفاجئة من جاسر رشاد قلبت يومها رأسًا على عقب.

كانت تشعر بأن أنفاسها تضيق كلما فكرت في المكالمة. أسئلة كثيرة تدور في رأسها، أقربها إلى عقلها: كيف عرف رقمي؟ ماذا يريد مني؟ حاولت طرد تلك الأفكار، لكنها كانت تتسلل إلى عقلها مجددًا كضباب كثيف لا يمكنها تجاوزه.

"ليه عايزني؟... ليه أنا؟" همست لنفسها وهي تقف بتردد.

لم تستطع أن تبقى حبيسة تلك الأسئلة. وقفت أمام المرآة للحظة، تحاول تهدئة ارتعاش يديها. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترتدي ملابسها وتخرج بخطوات مترددة. كل خطوة كانت تجعل قلبها ينبض أسرع، وكأنها تقترب من شيء لا تفهمه، لكنها لا تستطيع التراجع.

حين وصلت إلى المطعم الفاخر الذي حدده، شعرت أن عينيها التقطت كل تفاصيل المكان دفعة واحدة. الأجواء الهادئة والموسيقى الخافتة جعلت المكان يبدو وكأنه مشهد من فيلم غامض. كانت تعلم من مكالمته أنه يجلس في زاوية هادئة قرب النافذة، فرفعت رأسها إلى هناك لتجده ينتظرها.

جلس جاسر في مكانه وكأنه في قلب مملكته، مهيبًا وواثقًا. كان يرتدي ملابس رسمية أنيقة، ونظارات شمسية عاكسة تخفي عينيه، مما جعل ملامحه أكثر غموضًا.

ابتسم بخفة عندما اقتربت منه:
"أهلاً يا رغد."

جلست رغد بتردد، وعينيها تبحثان عن أي تفسير لهذا اللقاء المفاجئ.
"كنت حاسة إن الموضوع مهم، بس مش فاهمة ليه أنا."

أسند جاسر يده على الطاولة، ونزع نظاراته بهدوء ليكشف عن عينين حادتين كأنهما تفحصان أعماقها.
"إنتي هتفهمي دلوقتي. الموضوع مش عنك أنتِ بالذات، لكن عن شخص تاني... آدم."

نظرت إليه بدهشة.
"آدم؟ زميل ريم؟ إزاي يعني؟"

"آدم بيحب ريم." صمت لوهلة، وكأنه يزن كلماته، ثم أكمل: "واللي بينه وبينها ممكن يبقى بداية لحاجة كويسة... بس الأمور مش دايمًا بالبساطة دي. عشان كده أنا محتاج مساعدتك. الجواز ده مش مجرد قصة حب، ده قرار هيحدد حاجات كتير في حياتكم."

نظرت رغد إليه بحذر. "وإيه المطلوب مني بالضبط؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه يعلم أنها لن تفهم كل شيء الآن.
"أنا مش بفرض عليكي حاجة... لكن كل خطوة بتاخديها ليها تمن، ومش دايمًا التمن بيكون بسيط."

شعرت رغد بعدم الراحة. كلمات جاسر كانت مليئة بالتلميحات، وكأنها لعبة ألغاز. لكنها حاولت أن تركز. فجأة، توقفت عين جاسر عند يدها. دبلة صغيرة كانت تلمع في إصبعها الأيمن. حدّق بها للحظة أطول مما ينبغي، وكأن شيئًا عالقًا في ذهنه. ثم سألها بصوت هادئ لكنه حاد:
"إنتي مخطوبة؟"

(لم تفهم رغد سبب نبرة صوته تلك، لكنها شعرت أن السؤال لم يكن مجرد استفسار عادي).

نظرت إليه بتردد، ثم قالت:
"أيوه."

تأمل الدبلة للحظات قبل أن يعيد عينيه إلى وجهها:
"مهم أوي أنك تكوني جاهزة للخطوات الجاية في حياتك. كل قرار هتاخديه في المرحلة دي هيكون ليه تأثير كبير عليكِ... وعلى ناس تانية كمان."

نبرة صوته ونظراته جعلتها تشعر بثقل تلك الكلمات.
"إيه اللي عايز تقوله بالظبط؟"

ابتسم مجددًا، تلك الابتسامة التي تحمل الكثير من الغموض:
"أنا مش هطول عليكِ أكتر. خدي وقتك في التفكير، لكن تذكري حاجة واحدة، القرار في إيدك، بس التمن مش هيكون بسيط. وأنا دايمًا موجود لو احتاجتي تفهمي أكتر."

شعرت رغد بأن عقلها مشوش. كلماته كانت تلمس شيئًا عميقًا داخلها، لكنها لم تفهم تمامًا ما الذي يعنيه. ومع ذلك، كان هناك شيء واحد واضح لها: حياتها على وشك أن تتغير.

نهض جاسر بهدوء، وكأنه أنهى الاجتماع على طريقته، ثم ألقى نظرة أخيرة نحوها قبل أن يغادر. تركها جالسة وحدها، تحاول استيعاب كل ما قيل وكل ما لم يُقال.

كل كلمة قالها كانت تحمل في طياتها أبعادًا لا تستطيع إدراكها. عادت إلى شقتها وهي تشعر أن كلماته تطاردها، تتردد في عقلها كصدى لا ينتهي. حاولت طردها، لكنها كانت تشعر أنها أصبحت جزءًا من واقعها الجديد.

في منزل عائلة رغد:
في المساء، كانت حياة، والدة رغد، تجلس في غرفة المعيشة تشاهد التلفاز، بينما ريم، أختها التوأم، كانت تجلس بجانبها وتراجع بعض الأوراق الجامعية.

ريم: "ماما، رغد مش بترد على تليفونها ليه؟ كلمتها أكتر من مرة."
حياة: "يمكن مشغولة يا بنتي. سيبيها شوية وهترد عليكِ."

ريم: (بتذمر) "أكيد مشغولة مع خطيبها... دايمًا ما بتردش لما تكون معاه."

قاطعت حديثهما رغد وهي تدخل المنزل، تبدو شاردة الذهن. وضعت حقيبتها على الطاولة وجلست دون أن تنطق بكلمة.

حياة: "رغد، إنتي كويسة؟ شكلك مرهقة."
(نظرت حياة إلى ابنتها، تشعر بشيء غريب في ملامحها. كانت تتساءل عما إذا كانت علاقتها بخالد تسير على ما يرام، لكنها قررت ألا تضغط عليها الآن).

رغد: (محاولة أن تبدو طبيعية) "أيوه، بس كان يوم طويل شوية."

ريم: (بفضول) "إيه اللي شغلك كده؟ خرجتوا مع بعض؟"
رغد: (بسرعة) "لا... كنت بخلص شوية حاجات لوحدي."

حياة: "طب كويس إنك جيتي. إحنا كنا لسه بنقول نتعشى سوا. قومي غيري هدومك وتعالي."
رغد: (بتوتر) "لا، مش قادرة. عايزة أنام شوية."

في مكان آخر:
في مكتب مغلق داخل شركة جاسر، كان طارق يجلس خلف مكتبه، وعلى وجهه نظرة خبث واضحة. أمامه كانت تجلس هالة، الموظفة التي أرسلها لتنفيذ خطته.

طارق: "محتاجك تركزي أكتر الفترة الجاية. جاسر مش سهل، وعلينا نعرف كل خطوة بيخطط لها."
هالة: "وأنا أعمل إيه بالظبط؟ هو مش بيخليني أقرب أوي. دايمًا شاكك فيا."
طارق: "عادي، خليكي هادية. جاسر ممكن يتأخر في الثقة، بس أنا عارف إنه في الآخر هيغلط. المهم إننا نسبقه بخطوة."

فتح الباب فجأة، ودخل شخص ثالث، وجهه غامض، لكن هيئته وطريقة مشيته تدل على ثقة كبيرة بالنفس.

الشخص المجهول: (بنبرة باردة) "إيه الجديد؟"
طارق: "لسه بنرتب، بس الأمور ماشية. جاسر بدأ يركز على شغل العيلة أكتر، وده معناه إن الضغط عليه هيزيد. المهم إنت جهزت اللي طلبته منك؟"
الشخص المجهول: "كل حاجة ماشية حسب الخطة. بس أنا عندي خطوة جديدة."

طارق: (بفضول) "إيه هي؟"
الشخص المجهول: "رغد."

طارق وهالة نظرا إليه بدهشة.

هالة: "رغد؟ ليه يعني؟ هي مالها بالقصة دي؟"
الشخص المجهول: "ما تسأليش كتير. رغد جزء من خطتي. وأنا أعرف إزاي أخليها تخدم اللي إحنا عايزينه."

في شقة رغد:
كانت رغد قد استلقت أخيرًا في سريرها، تحاول أن تريح عقلها. فجأة، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة، وكان رقم خالد خطيبها.

ردت بتردد: "ألو؟"
خالد: "وحشتيني يا رغد."

رغد: (بدهشة) "وإنتَ كمان"
خالد: (بابتسامة لم ترها، لكنها شعرت بها في صوته) "عايزة اشوفك بقى."

رغد: "لي خير يا خالد؟ في حاجة؟"
خالد: "ده سؤال!! يعني واحد وعايز يشوف خطيبته عشان وحشته إيه المشكلة."

رغد: (بتردد وهي تحاول كتم ارتباكها) "تعالى بكره طيب في البيت، ماما وبابا هيكونوا موجودين."

خالد: "اتفقنا. وكويس إن عمه موجود عشان أكلمه نقرب ميعاد جوازنا بالمره."

(كانت لم تستطع رغد منع نفسها من التفكير في جاسر، وشعرت بوخزة خفيفة من الذنب لإخفاء مقابلتها عنه، لكنها سرعان ما طردت الفكرة).

رغد: (بدهشة)  "جوازنا!!".
"أنا محتاجة وقت أفكر احنا مش اتفقنا بعد ما اتخرج."

خالد: "فكري براحتك، بس متأخريش. الأمور مش دايمًا بتفضل مستقرة. ولو احتاجتي حاجة، أنا دايمًا موجود."

أغلق المكالمة قبل أن ترد. شعرت رغد بأن صوت خالد كان يحمل شيئًا غريبًا، شيئًا يجعلها تشعر بالقلق أكثر.

تعليقات