رواية المخطوطة الاخيرة الفصل الثاني 2 بقلم سما مختار


 رواية المخطوطة الاخيرة الفصل الثاني  

الرمال التي تخفي الأسرار


استيقظت ميلا على صوت المنبه الذي أطلق رنينه المتواصل في أرجاء الغرفة. نظرت إلى الساعة، كانت تشير إلى الرابعة والنصف فجرًا. مدت يدها بتثاقل لتطفئه، ثم نهضت من فراشها بتكاسل قبل أن تتذكر… اليوم هو يوم الرحلة!

ارتدت ملابسها بسرعة، ثم حملت حقيبة ظهرها المجهزة بالمستلزمات الأساسية، وتأكدت من وجود الكشاف، قوارير الماء، وبعض المعلبات. نظرت إلى هاتفها، فوجدت رسائل متتالية من الأصدقاء.

يامن: "أنا عندك تحت، بس لسه بنعافر مع النوم."
روز: "جبتوا أكل كفاية؟ إحنا في الصحرا مش هنلاقي سوبرماركت قريب!"
ساندي: "جاهزين؟ ولا لسه حد نايم؟"
مالك: "أنا تقريبا ناسي حاجة بس مش عارف هي إيه."
سليم: "أنا جبت معايا سيف… مش عشان الصحرا… بس عشان المنظر!"

ضحكت ميلا وهي تهبط الدرج، لتجد يامن يقف مستندًا إلى سيارته، عاقدًا ذراعيه وعلى وجهه نظرة نعاس واضحة. لم تكد تصل إليه حتى توقفت سيارة أخرى، ليخرج منها مالك وساندي، بينما كانت روز وسليم يصلان مشيًا على الأقدام، يبدو أن سليم أصر على إحضار "السيف" الخشبي الذي يتفاخر به في كل مناسبة.

"يلا يا أبطال المغامرات، مستعدين للصحراء؟" قال سليم بابتسامة واسعة، بينما ارتشف مالك جرعة كبيرة من قهوته وهو يتمتم: "أنا مش متأكد إذا كان ده قرار حكيم ولا كارثة منتظرة."

ركبوا السيارات وانطلقوا في الطريق، تاركين المدينة خلفهم شيئًا فشيئًا. مع مرور الساعات، تحولت المباني إلى مساحات شاسعة من الرمال، والطريق الممهد بدأ يضيق حتى انتهى عند نقطة حيث عليهم أن يكملوا رحلتهم سيرًا.

وصلوا أخيرًا إلى موقع التخييم بعد الظهر، كانت الشمس في أوجها، ترسل أشعتها الحارقة على الكثبان الرملية الممتدة بلا نهاية. نشروا الخيام، وأعدوا المكان للاستراحة.

"أنا أول واحدة هتنام لو مكناش هنبدأ مغامرات دلوقتي!" قالت روز وهي تجلس على صخرة قريبة، تحتمي من الشمس.

بعد أن أعدوا المعسكر، قرروا التجول قليلًا قبل حلول الظلام. 

تحركوا معًا نحو الجبال القريبة، الرمال الناعمة تتسلل إلى أحذيتهم، لكن الحماس دفعهم للاستمرار. لم يمر وقت طويل حتى وجدت روز نفسها تتوقف فجأة، تنظر إلى شيء غريب وسط الرمال.

"إيه ده؟" قالت بصوت منخفض، وهي تنحني لالتقاط قطعة حجرية تبدو قديمة، سطحها مغطى بنقوش غير مفهومة.

اقترب الجميع منها، يامن أمسك بالحجر بحذر. "دي مش مجرد صخرة، دي حاجة… تاريخية؟"

"أكيد أثرية." تمتم مالك وهو يمرر أصابعه على النقوش، محاولًا فك رموزها. "لكن الحاجة الغريبة… إن العلامات دي مش هيروغليفية، ولا أي حاجة أعرفها."

في تلك اللحظة، هبت رياح قوية، وكأن الصحراء استجابت لاكتشافهم. شعروا جميعًا بقشعريرة غريبة تسري في أجسادهم.

"أنا مش مرتاحة خالص." قالت ساندي وهي تتلفت حولها بقلق.

فجأة، بدأت الرمال تحتهم تهتز. لم يكن زلزالًا، بل شيء آخر… شيء كامن تحت الأرض. قبل أن يتمكنوا من استيعاب ما يحدث، انفجر الغبار حولهم، وظهر كائن عملاق من بين الصخور.

كان الوحش أشبه بكائن أسطوري، جسده مغطى بدرع حجري، وعيناه تتوهجان بلون أحمر دموي. زأر بصوت هز الأرض من تحته، مما جعلهم يتراجعون بسرعة.

"نجري؟ ولا نحاول نهديه؟" قال سليم وهو يتراجع.

"نهديه؟ أنت مجنون؟!" صاحت روز وهي تمسك بيد ساندي، مستعدة للهرب.

لكن ميلا لم تتحرك، كانت عيناها مثبتتين على الوحش، وشعور غريب اجتاحها… كما لو أن هناك قوة داخلها تستجيب لهذا التهديد. رفعت يدها لا إراديًا، وفجأة، تحركت الرمال حولها، وكأنها تمتثل لإرادتها.

"ميلا… إنتِ بتعملي إيه؟" تمتم يامن بصدمة، لكنه لم يكن الوحيد الذي بدأ يشعر بشيء غريب.

في تلك اللحظة، شعر يامن بأن الصخور تستجيب له، أما روز فقد بدأت ترى ومضات من ماضي المكان، وكأنها تتذكر أشياء لم تعشها. ساندي أحست بأن الزمن حولها يتباطأ، بينما كان مالك يلمس الحجر القديم في يده، فيبدأ بفك رموز لم يكن يعرفها من قبل. أما سليم… فقد لاحظ أن صوت كلماته أصبح له تأثير أكبر، وكأن صوته وحده قادر على زعزعة أفكار الآخرين.

الوحش تراجع ببطء، ثم أطلق زئيرًا أخيرًا قبل أن يختفي وسط الرمال، وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول روز بصوت مرتجف: "إحنا… إيه اللي حصل لنا؟"

نظر الجميع إلى بعضهم البعض، أنفاسهم متقطعة، قلوبهم تخفق بسرعة، لكن الشيء الوحيد الذي كانوا متأكدين منه… أن هذه الرحلة لم تعد مجرد مغامرة عادية، بل أصبحت بوابة لشيء أكبر بكثير مما توقعوه.

فجأة، هبت رياح قوية، وبدأت الرمال تحتهم تهتز بشكل غير طبيعي.

"إحنا لازم نرجع!" قال يامن وهو يتلفت بقلق.

لكن قبل أن يتحركوا، انشقّت الأرض فجأة تحت أقدامهم، وسقطوا في حفرة مظلمة!.

داخل المقبرة المفقوة

عندما استعادوا وعيهم، وجدوا أنفسهم في غرفة حجرية واسعة، الجدران مغطاة برسوم قديمة، والمشاعل المعلقة على الجدران تضيء بنيران خافتة، وكأنها اشتعلت من تلقاء نفسها.

"إحنا… فين؟" همست ساندي.

مالك اقترب من جدار مرسوم عليه مشهد لأشخاص يرفعون أيديهم نحو السماء، بينما كائن مظلم يقف أمامهم. أسفل الرسم، كانت هناك كتابة بلغة غير مألوفة، لكن الغريب أن مالك بدأ يفهم معناها وكأنها تنطبع في عقله مباشرة.

"بيقول… إن ده المكان اللي اتخبى فيه سر 'المخطوطة الأخيرة'."

"المخطوطة الأخيرة؟!" كررت ميلا بدهشة.

"مستحيل!" صاحت روز. "إحنا لقينا حاجة عظيمة!"

قبل أن يتمكنوا من استيعاب الأمر، انفتح ممر جانبي تلقائيًا، كأن المكان يستجيب لوجودهم. تبادلوا النظرات، ثم قرروا التقدم بحذر.
في الداخل، وجدوا منصة حجرية، فوقها صندوق قديم، مغلق بسلاسل صدئة. عندما اقترب يامن ولمس الصندوق، اهتزت الأرض بعنف، وانطلقت أصوات عميقة من الجدران، وكأن المكان يستيقظ من سباته الطويل.

"إحنا عملنا إيه؟" تمتمت ساندي.

فجأة، ظهر الوحش مجددًا، لكن هذه المرة، لم يكن وحده. بجانبه، كائنات أصغر، أشبه بتماثيل حجرية تتحرك ببطء، عيونها تتوهج بنفس اللون الأحمر المخيف.

"اهربوا!" صرخ سليم.

لكنهم لم يكونوا قادرين على الهرب بسهولة، فالممر بدأ يضيق خلفهم. شعرت ميلا بشيء غريب داخلها، كأن القوة التي أحست بها سابقًا بدأت تتفاعل مع هذا المكان. رفعت يدها، فتحركت الرمال بسرعة، كأنها درع واقٍ يمنع الكائنات من التقدم.

يامن بدوره شعر بأن الصخور تحت قدميه تستجيب له، فحاول أن يدفع الوحش بعيدًا. أما ساندي، فلاحظت أن الزمن حولها بدأ يتباطأ للحظات، مما أعطاهم فرصة للتحرك.

"مالك! الصندوق!" صرخت روز وهي تراقب الوحش يقترب.

مالك وضع يده على الصندوق، وعقله بدأ يحلل الرموز المنقوشة عليه. لم يعرف كيف، لكنه استطاع كسر الشيفرة، فانفكت السلاسل تلقائيًا.

عندما فتحوا الصندوق، وجدوا بداخله قطعة من مخطوطة قديمة، مكتوبة بحروف متوهجة. بمجرد أن لامستها ميلا، انتقل إلى ذهنها صوت غامض:

"لقد بدأتم الرحلة… ابحثوا عن الأجزاء الأخرى قبل فوات الأوان…"

بلمح البصر، بدأت الغرفة في الانهيار، والجدران تتداعى من حولهم. اضطر الأصدقاء إلى الهرب عبر ممر ضيق، بالكاد استطاعوا العبور قبل أن تنهار الحجرة بالكامل.

وجدوا أنفسهم مجددًا في الصحراء، أنفاسهم متقطعة، قلوبهم تخفق بقوة. نظروا إلى القطعة التي حصلوا عليها، وأدركوا أن هذه لم تكن النهاية… بل البداية فقط.

"دي مجرد ثاني قطعة… ولسه في أجزاء تانية؟" تمتم يامن.

"واضح إننا اتورطنا في حاجة أكبر بكتير مما كنا فاكرين." قالت ميلا وهي تشد قبضتها على المخطوط

في الأفق، بعيدًا عنهم، وقف الرجل العجوز الذي حذرهم في المقهى، يراقبهم من بعيد، عيناه تعكسان مزيجًا من القلق والترقب.

"لقد بدأ الأمر… والوقت يضيق."

تعليقات