رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الاول
بعد مرور خمس سنوات على أبطالنا، نجدهم يستعدون للاحتفال بعيد ميلاد ابنتهم الوحيدة.
قالت همسة لزوجها، وهي تتابع التحضيرات:
– استنى يا وليد، اتصلت بالمحل وأكدت عليه نستلم الساعة 8 عشان ميتأخروش.
توقف وليد قبل أن يغادر، محدثًا إياها:
– كلمتهم والله، متقلقيش. هنزل أجيب شوية لعب وحاجات ناقصة، وهكلم معتز أشوفه. وانتي كلمي مي، ونعمل محاولة بينهم يمكن.
ردت همسة ببعض الحزن:
– ياريت بجد… حاضر، هكلمها.
– يلا، ولو احتاجتي حاجة كلميني.
—
هاتفت همسة مي بعد مغادرة زوجها، وبعد قليل جاءها صوتها:
– الندلة اللي مش بتسأل! وحشتيني يا بت!
– همستي حبيبتي، وانتي أكتر والله.
– لو وحشتك كنتي كلمتيني، ونشوف بعض زي الأول.
– معلش… حقك عليا، هشوفك والله ونتكلم. وسيلا كمان وحشتني أوي.
– طيب إحنا فيها، نتقابل النهاردة في النادي، عيد ميلاد بنوتي، وسيلا موجودة برضه.
ردت مي بسعادة وبصوت طفولي:
– حبيبي الصغنن! كل سنة وهي طيبة. وحشتني خالص، بس صدقيني، هجيلك يوم تاني والله ونتكلم… محتاجاكم أوي، وبوسيلي كتير، عقبال ما أشوفها.
– ليه يوم تاني؟ خليها النهاردة، هزعل منك لو مجيتيش بجد، تعالي، موحشتكيش لمتنا كلنا؟
مي بغصة ألم، تحدثت بخفوت:
– أكيد واحشني طبعًا… بس مش هينفع، بجد.
– مش هضغط عليكي، بس ضروري نتكلم.
– حاضر، هكلم سيلا وأكلمك ونتقابل، بس بلاش البيت، خلينا نخرج في أي مكان بره.
– اتفقنا. هروح أكمل شوية حاجات، وخلي بالك على نفسك.
– حاضر، مع السلامة يا حبيبتي.
—
بعد أن أغلقت مع صديقتها، أخرجت زفيرًا طويلًا حمل معه الكثير من التأوهات المؤلمة. كلمة “لمّتنا” أوجعتها، فالسعادة مرّت كلمح البصر، لكن الحزن لا يزال مخيمًا في القلب ولم ينتهِ بعد.
دخلت إليها والدتها، فمنذ طلاقها وهي حبيسة الغرفة، ذبلت كثيرًا. ربتت على كتفها بحنو:
– وبعدهالك يا مي، بقالي ست شهور على كده… حبسة نفسك ودمعتك ما نشفتش يا بنتي.
ابتسمت مي محاولة التماسك، لكن ابتسامتها كانت باهتة:
– أنا كويسة يا ماما، والله.
قالت الأم بقلة حيلة، وقد رأت نور ابنتها ينطفئ:
– اخرجي، قابلي أصحابك طيب، أو روحي النادي، انزلي اشتغلي… الهي نفسك عشان ما تفكريش فيه.
– مليش نفس أعمل أي حاجة بجد… حتى لسه همسة قافلة معايا، عيد ميلاد بنتها في النادي، بس اعتذرت.
– ليه؟ روحي يا حبيبتي وانبسطي، شوفي أصحابك. هتفضلي حابسة روحك لحد إمتى؟ عمر الزعل ما يروح بالحَبسة، ولا العياط هيرجع اللي فات.
– مش هينفع أروح… أكيد هو هناك معاهم.
قالت الأم محاولة دفعها للأمام:
– طيب ليه مش بتقابلي أصحابك؟ حتى سيلا! الصراحة ما سابتكيش، كل يوم تكلمني وانتي مسافرة تطمِّن عليكي… كلميها.
صمتت الأم لحظة ثم أردفت:
– يا بنتي، العمر لسه قدامك… مش من تجربة فشلتي فيها تيأسي وتعتزلي الناس. إللي حوالينا مش هيسيبونا في حالنا، لكن لو قوية، اتحديهم.
ردت مي والدموع تملأ عينيها، غير مصدقة:
– أنا انكسرت… جوايا وجع ونار لسه قايدة، لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل. حاسة إني في حلم، بجد.
زفرت الأم بقوة، تستجمع كلماتها لتقوي ابنتها التي لم يكتمل زواجها وطُلقت، لأسباب قاهرة. حثّتها على المثابرة في هذه المعركة التي فرضها عليها المجتمع بلقب “مطلقة” وكأنها أذنبت، فقالت:
– يا خايبة، أنتي الكسبانة… هو الخسران وهيندم عمره كله. صدقيني، ربنا نجّاكي. مش من أول وقعة تستسلمي كده. لو وقعتي، اقفي، واحمدي ربنا إنك لسه بطولك.
– أحنا كلنا جوّه ساقية بتمشي… في اللي بيستمر، وفي اللي يقع ويقوم ويكمل، وفي اللي يقع وما يقدرش. الحمدلله إنك بطولك، من غير عيل… فوقي لنفسك، وارمي اللي فات وراكي وابدأي حياة جديدة. أنا مش هعيش لك العمر كله، لازم توقفي على رجلك… على أرض صلبة.
ارتمت مي في أحضان والدتها، تقبلها بلهفة:
– بعد الشر عليكي، متقوليش كده.
اعتدلت الأم، وتحدثت وهي شاردة:
– والله يا ماما، هحاول أرجع من تاني… ادعيلي إنتي بس.
– قومي صلي ركعتين واشكري ربنا. “وَتَحْسَبُونَهُ شَرًّا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” دايمًا حطيها في بالك… وأنا دايمًا بدعيلك يا بنتي.
– يلا، هروح أجهز الغدا… وتعالي ساعديني، أخوكي ومراته والعيال جايين.
ابتسامة باهتة ارتسمت على وجهها، وهزّت رأسها موافقة، ثم قامت لأداء ركعتين لله.
—
مساءً – داخل أحد النوادي
في حديقة المطعم، زُيّن المكان بفروع الزينة والبالونات، ممتدة على حوض السباحة، مما أعطى مشهدًا مبهجًا للعين، وجوًا مرحًا على أنغام أعياد الميلاد. كان الأطفال يركضون ويلهون بألعاب الميلاد.
تقدمت سيلا نحو الطفلة الصغيرة، تحدثت بفرح وهي تقبّل وجنتيها:
– حبيبة خالتو يا ناس! كل سنة وانتي طيبة يا قلبي، اتفضلي هديتك.
همس، بصوت طفولي مبهور:
– الله! حلوة أوي يا خالتو.
أخذت اللعبة وركضت تلهو مع أصدقائها، ومع بنات عمها التوأم كنزي وكرما، اللتين تبلغان سبع سنوات. وأثناء اللعب، انتبهت لشيء ما، فتركت يد من كانت تمسك بها، وركضت بلهفة نحوه.
في تلك اللحظة، صُدمت سيلا من شيء ما أمامها. حزنت داخليًا لما آل إليه حالهم، لكنها صمتت… فليس هذا وقت الحديث أو العتاب.
—
ركضت الصغيرة حينما شاهدت صديقتها في المدرسة بصحبة شخصٍ ما، فهرولت إليها بفرحة واحتضنتها بسعادة، محدثةً ببراءة:
– دودو صاحبتي! أنتي جيّه عشاني، صح؟
ردّت الأخرى بسعادة لرؤيتها:
– أنا جيه مع بابي وتيتة.
ثم رفعت رأسها لأعلى، تمسك بطرف بنطاله وتتوسله:
– بابي، بابي… عاوزة أروح ألعب مع صاحبتي، بلييييز!
فهم بدر الأجواء من حوله، وما ترتديه الصغيرة من ثوب أبيض وتاج على رأسها:
– مش هينفع يا دودو… استني بس.
لكن الصغيرة شدّت يده، بينما يدها الأخرى جذبت يد صديقتها “همس”، التي همست لها:
– تعالي… ده عيد ميلادي كبير!
نظر بدر إلى والدته، طالبًا النجدة في هذا الموقف، فهم ليسوا من ضمن الضيوف. تدخل وليد سريعًا عندما لاحظ ابنته قد ابتعدت وتركت الحفل، وتحدثت ابنته إليه:
– يا بابي، دودو صاحبتي! عاوزاها معايا.
تعرّف وليد على بدر ووالدته، ورحّب بهم بلطف، عارضًا مشاركتهم الحفل. وافقوا، لتجذب الصغيرة صديقتها خلفها، يركضون بسعادة.
دخلوا سويًا إلى الحفل، وتفاجأ بدر عندما رأى عاصم أمامه. وكاد وليد أن يقدّمهم لبعض، إلا أنه فوجئ بهما يتعانقان. هتف عاصم:
– إيه المفاجأة الحلوة دي!
هتف وليد بدهشة:
– انتو تعرفوا بعض؟!
قهقه بدر، وهو يربت على كتف عاصم:
– طبعًا! ده حبيبي وأعز صديق، بس بقالنا كتير ماشفناش بعض.
ردّ عاصم بمزاح:
– الندالة ليها أصولها، عارف؟ أمال فين بنوتك؟
ردّ بدر محاولًا كتم ضحكته:
– لا وانت الصادق… الندالة ليها عنوان، وعنوانها إحنا!
ضحك وليد وهو يشير نحو الأطفال:
– ونِعم الصحاب! همس صادرت بنتك خلاص… دول طلعوا صحاب كمان في المدرسة!
ظلوا يتحدثون وينشغلون في الحوار، ثم انضم إليهم معتز وعامر. استمر عيد الميلاد حتى نهايته، وكانت النهاية مليئة بالسعادة للبعض، واللامبالاة للبعض الآخر، وبعض الشفقة في قلوب آخرين…
..
كان يقود سيارته، وكل تركيزه منصب على الطريق أمامه، في صمتٍ تام حتى قطعته سيلا قائلة:
– جميل عيد الميلاد أوي.
ردّ دون أن يلتفت إليها:
– آه… أوي.
عاد الصمت من جديد، لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير فيما رأته سابقًا؛ حين رأت معتز، شقيق زوجها، يسير بصحبة فتاة وقد تبادلا لمساتٍ حميمية وكأن بينهما علاقة حب! وكأن ما حدث مؤخرًا لم يكن على باله أصلًا.
استطردت حديثها، والحزن يعلو ملامحها:
– إيه اللي معتز عامله ده؟ ومين اللي معاه دي؟ لحق ينسى مي ويرتبط بالسرعة دي؟
أخرج عاصم زفيرًا طويلًا، ثم شدّ قبضته على المقود حتى أبيضت عروقه، وازدادت سرعته دون أن ينتبه، ثم قال بغضبٍ مكتوم، مكررًا ذات الكلمة:
– غبي… متسرع.
أحست سيلا بالخطر، فحاولت تهدئته، منادية برجاء:
– أهدي يا عاصم، خلي بالك من الطريق… هدي السرعة، أرجوك.
انتبه أخيرًا لحالته، فخفّف السرعة وتوقف بجانب الطريق، ثم اعتذر بهدوء:
– آسف… محسّتش بنفسي، أنتي كويسة؟
هزّت رأسها بالإيجاب، ثم أردفت:
– متقلقش… كويسة.
صمتت لثوانٍ، ثم تابعت بنبرة حزينة:
– هو خلاص كده؟ مفيش أمل لرجوعهم تاني؟ واللي بيعمله ده بيوصلنا إنه مش في دماغه أصلًا وبيعيش حياته… يعني ليه؟ مش قادرة أصدق إن قصتهم تنتهي كده.
قال عاصم بأسف:
– للأسف… بقى شخص تاني معرفهوش، آه لو أعرف بس السبب!
تنهدت سيلا بأسى:
– أنا حاولت أكلم مي كتير بس مفيش فايدة… ورُحتلها لاقيتها سافرت عند خالتها، حالتها مدمّرة، حرام اللي بيحصل بينهم ده.
قال عاصم وهو يدير المقود بسخرية:
– ماسك بنت معاه… مش عارف بيضحك على نفسه ولا على مين. غبي
سألته سيلا بتساؤل واضح:
– مش الدكتور كان ضمنكم آخر مرة وبقى كويس؟ ليه اتغير كده بعدها؟
أجاب عاصم بقلة حيلة، وهو يشعر بقلبه يؤلمه:
– مش عارف حاجة بجد… بعد الحادثة اتغير، رغم إن مي ما سبتوش، لكن جواه اتغير.
قالت سيلا بدعاء صادق:
– ربنا يرد ضالته ويهديه ويرجع لصوابه قبل فوات الأوان.
– يارب… – تنهد عاصم مجيبًا.
ثم حاول تغيير الأجواء قليلًا، فابتسم وقال:
– بس كنتي زي القمر النهارده يا أميرتي.
ابتسمت سيلا برقة:
– أميرتك مرة واحدة؟ بكّاش أوي على فكرة!
ضحك عاصم وهو يجذبها إليه بين ذراعيه:
– بكّاش في حب أميرتي وبنوتي… إيه بقى؟
قالت بحبٍ صادق:
– ربنا يباركلي فيك يا رب… ويفرحك زي ما بتفرحني بكلامك وحنانك عليا.
ردّ عاصم وهو يقود، ممسكًا بيدها وقبّلها:
– أنتي أول فرحة ليا… دخلتي حياتي ونوّرتيها، ومش عاوز حاجة غير كده.
فجأة، دوّى صوت من بعيد:
– روح يا بني هاتلنا جوز الكناريا دول على جنب!
نظر عاصم في المرايا الجانبية، ورأى أمين شرطة يلوّح له وهو يقود على مهل.
تمهل في القيادة، وتوقف على جانب الطريق عندما رأى لجنة أمنية أمامه. اقترب أمين الشرطة منه، وبصوتٍ أجش قال:
– تعالالي يا عم النحنوح… على جنب كده، خلّي اللي وراك يعدّي، شكلك هتأنّسنا شوية!
نظرت سيلا إلى عاصم بصدمة، ثم تبادلا النظرات، وحاول عاصم تهدئتها، مشيرًا لها بألا تخرج من السيارة. لكن لم تمضِ ثوانٍ حتى أصدر الأمين صوت طرقٍ على سقف السيارة وهو يهتف:
– يلا انزل… إنت والأمورة اللي معاك كده!
