رواية ميراث العشق والدموع الفصل الثامن 8 بقلم رضوى جاويش


 رواية ميراث العشق والدموع الفصل الثامن 

دخل الحجرة يتطلع الى أريكتها .. لكنه لم يجدها تشغلها كالمعتاد ..كانت فى الحمام ترتدى منامتها ...خرجت لتجده فى مقابلتها... اخفضت نظراتها  تحاول المرور حيث اريكتها لكنه كان يسد الطريق عليها ... وقفت بلا حراك تنتظر ان يُفسح لها الطريق بلا جدوى....انتظرت .. وانتظرت ... ولكن الجبل لا يتزحزح... انتظر ان تتطلع اليه تلك النظرات المتحدية التى تتقنها وتذهب بعقله وتثير جنونه .. لكنها حتى لم ترفع رأسها تتطلع اليه ...كان يعرف انها غاضبة لما حدث امام سليم ..لكن منذ متى يهمه غضبها   ويحاول استرضاءها..!!؟.. 

حاولت المرورعلى حين غرة فوقف فى طريقها يسده عليها فأرتطمت بذراعه المصابة .. تأوه فى صوت مكتوم جعلها تجفل وتندفع عائدة اليه تتأسف فى ندم :-انت كويس .. معلش مكنش قصدى .. 

-خلاص ... قالها وهو يمسك ذراعه .. وقد غام وجهه ألما ... محصلش حاچة .. وتوجه لفراشه فى صمت ... شعرت بندم يعتريها ... وتذكرت انه قد حان دهانه على جرحه...كما انه لا زال يرتدى ذاك الجلباب الممزق  .. ولم يبدله .. 

توجهت لخزانة ملابسه  فتحتها وتطلعت بها.. انها المرة الاولى التى ترى فيها محتوياتها ... بنظرة سريعة أمتدت يدها لقسم القمصان ... فتناولت احداها وقسم أخر للسراويل المنزلية  فتناولت واحد منهم ... ثم فتحت احد الأدراج الذى رأت ام سعيد تضع فيه بعض الملاءات فأخذت احداها ... كان يراقبها صامتا فى استمتاع ... نظرت اليه اخيرا هامسة :-بعد إذنك بس أغير فرش السرير ... 

تحرك فى هدوء للجانب الاخر للحجرة حيث اريكتها ليجلس عليها فى صمت ولازالت عينيه تتبعها كظلها وتراقب كل سكناتها حتى انتهت من تبديل أغطية الفراش ... 

ثم استدارت له ممسكة بملابسه  واضطربت وهى تقلبهم بين يديها ... فأدرك حيرتها ... فتناول السروال يحاول ارتداءه وهو جالس .. واخيرا جذبه الى وسطه ليرتديه كاملا ... وهى تدير رأسها حرجا تتصنع البحث عن شئ ما .. اخيرا وجدته عند انتهاءه... أمسكت بالمقص لتشق جلبابه وتنزعه بعيدا عن جسده ليظل عارى الصدر يشرف عليها بقامته المديدة التى تشعرها بضألتها ... امتدت يدها لتأخذ منه القميص لتساعده على ارتدائه وهى ترسل نظراتها فى كل أتجاه إلا اتجاهين صدره العارى وعينيه القاتمة... لكنه رفض اعطاءه لها مشاكسا فى مرح .. رفعت نظراتها مستفهمة .. ليشير اليها  

وابتسامة على شفتيه  .. يذكرها بأنها لم تضع دهانه على جرحه بعد ... ادركت ذلك فلقد نسيت من اضطرابها انها لم تضع دهانه على جرحه بعد ..

انه يشوشها ويفقدها تركيزها كليا وهو يحاصرها بهذا الشكل الغير عادل .. بنظراته الآسرة وصدره العارى..

تناولت الدهان واستدارت خلفه .. لتبدأ فى وضعه ونشره على مواطن الجرح التى بدأت فى الاندمال الى حد ما ..كان صامت تماما لم يتفوه بكلمة ... الا انها شعرت بتصلب عضلات كتفيه .. انتهت اخيرا فتناولت منه القميص ..ادخل يده السليمة اولا .. وضعت الطرف الاخير من القميص على كتفه المصاب وهى تشب على أطراف أصابع قدميها .. لتلاحظ ذاك الشريان الممتد بطول رقبته .. ينبض فى عنف .. هل يشكو من شئ ما ..!؟..تساءلت فى نفسها  ورفعت نظراتها لتصدم بنظرات عينيه  التى ارتجفت عندما طالعتها ... كانت تحمل مزيج غريب من المشاعر لم تستطيع تحديدها بالضبط .. مزيج لم تراه من قبل .. يختلف عن تلك النظرات التى لا تحمل فى طياتها سوى الرغبة فى الانتقام .. والتشفى..

وفجأة .. جفل كل منهما مع طرقات مسرعة على باب الغرفة ودخول أعصارى لسمية حتى قبل الإذن لها بالدخول .. تطلعت إليهما لثوان حاقدة ... ثم اندفعت لعاصم فى هلع مصطنع تتحسس ذراعه وصدره بوقاحة :-

أنت بخير يا واد عمى ... هتفت فى فجاجة... خلعت جلبى عليك... دِه انى من ساعة ما سليم جالى .. وانا ولا على حامى ولا على بارد ... تعال.. استريح فى سريرك .. وجذبته من ذراعه .. استريح .. انت ملكش الا الراحة دلوجت .. 

وقفت زهرة فى صمت تتطلع لذلك المشهد الممجوج.. تحاول على قدر استطاعتها كبح جماح رغبتها فى الامساك بسمية تلك والإلقاء بها خارج الغرفة ... 

لا تعرف لما سمية بالذات تثير فيها ذاك القدر من الكراهية والرغبة الحقيقية فى قتل احدهم .. لما هى بالذات يا ترى !؟.. 

ربما لأنها مدعية وتحاول إظهار ما لا تستشعره حقا و بشكل فج ايضا..!!؟. ربما ..همست فى نفسها .. هى شخصيا ليس لديها تفسير منطقى  يريحها .. 

اندفعت فى تلك اللحظة الحاجة فضيلة تنظر لذلك المشهد بعينى صقر لتهتف فى صرامة :- خلاص يا سمية .. اطمنتى على واد عمك ..اهو بخير والحمد لله .. سيبيه بجى يستريح هو ومرته ... 

وضغطت الحاجة فضيلة على تلك الكلمة الاخيرة وهى تكمل فى حنو:- المسكينة منامتش ...طوول الليل چنب عاصم  من حجها تستريح .. 

-طيب...قالتها سمية بحقد سام .. انى تحت على العموم يا واد عمى لو احتجت لأى حاچة نادم علىّ... ونهضت فى تثاقل ورشقت زهرة بنظرات مميتة وخاصة عندما رد عاصم  وهو يتطلع لزهرة التى كانت تقف على الطرف الاخر من الأحداث صامتة ولم تنبس بكلمة متعجبا لشعوره بإدراك ثورتها الداخلية على الرغم من هدوء ملامحها فقال وهو يتطلع لزهرة :- متشكرين يا سمية .. بس مظنيش هحتاچلك..ومرتى چنبى.. 

كانت تلك القشة التى قسمت ظهر البعير .. والتى جعلت سمية تندفع من الغرفة كسهم انطلق من قوسه.. .. وتمتد يد الحاجة فضيلة لتغلق خلفهما الباب وهى ترمى ولدها بابتسامة واسعة ..اما زهرة .. فكانت أشد الموجودين تعجبا .. ليس لما قاله .. ولكن لما شعرت به ...

 ما هذه الفرحة البلهاء التى تشعر بها!؟.. وما تلك السعادة التى غمرتها فجأة ..!!؟؟... 

ولما ينبض قلبها بذاك الشكل المجنون وهى تغالب ابتسامة تحاول القفز عنوة على شفتيها ..!؟؟... 

من المؤكد انه قد اصابها الجنون .. لابد وانه كذلك لتفعل بها مجرد كلمات عادية  كل تلك الافاعيل وتجلب لها ذاك الكم الهائل من الحبور و الذى لم تستشعره منذ أمد بعيد ... 

كان يتطلع إليها وإلى اضطرابها الذى تحاول مداراته ..كان يعتذر منها بطريقته الخاصة على تصرفه معها امام سليم ..

كانت لاتزال واقفة  يعتريها الخجل والتساؤل..

لكنه أدرك كل ذلك  بمهارة وشعر به فى سهولة عجيبة جعلته يتعجب من نفسه وقدرته على قراءة مشاعرها واحاسيسها بتلك الشفافية  ..

 متى استطاع ذلك ..!؟. وكيف !؟..

تمدد على الفراش يحاول قطع ذاك التواصل اللاشعوري بينهما ..فأندفعت هى فى عفوية تسحب الغطاء على جسده المسجى...

 أتتقت العيون لثوانى خاطفة...لتعود  هى تحتمى بأريكتها لعل النوم يزورها ويخلصها من تلك المشاعر الغامضة التى تتلاعب بها .. 

      *****************      تحسنت ذراعه كثيرا وعادت لطبيعتها والفضل لها ..فالحق يقال ..لم تكن تغفل عن موعد دواء او دهان لجراح كتفه.. او حتى غذاءه ... كانت تهتم بكل كبيرة وصغيرة ولا تغفل اى ما يخصه ... فترة بقائه الطويلة نسبيا  داخل السراىّ جعلته يحتك بها اكثر ويتعامل معها عن قرب .. ليكتشف عنها الكثير الذى يجهله .. والعجيب ان كل ما اكتشفه أسعده كثيرا بقدر ما اقلقه لأن ما اكتشفه جعلها تقترب اكثر وأكثر من قلبه بشكل اثار حيرته .. 

رأها ودودة مع الجميع .. ام سعيد والتى دوما ما تمازحها... امه التى تعاملها كابنة لها مما يثير تعجبه.. سهام التى تحبها كشقيقة ودوما ملتصقة بها... ابوه .. الذى ما يفتأ يذكرها بالخير وينادى عليها لتجالسه  ويأنس لها .. وكم وجده يضحك مغتبطاً على نوادرها والمواقف التى تعرضت لها من جراء مخالطتها للحيوانات اثناء عملها ..

كانت تتنازعه مشاعره ما بين امتنان لها .. وحقدا عليها ..

هل هذه ابنة الرجل الذى أراد الانتقام منه ..!؟..التى أراد إذلالها وأخضاعها له وجعلها تركع طالبة العفو والرحمة!؟.. يكاد يجن ... من فى السراىّ بأسرها لا يحبها ويأنس لوجودها حتى انت !!..قال مخاطبا نفسه ... لا .. هتف عقله بها فجأة .. انا فقط ممتن لما فعلته من أجلى أثناء فترة مرضى .. هذا مجرد شعور بالإمتنان ليس أكثر ..نعم ... أمتن لها وأشكر لها اهتمامها بى واعتنائها لأحوالى فى ساعات مرضى .. انا لا احمل لها من مشاعر سوى ذلك ... 

انتفض ونفض عنه تلك الخواطر بسرعة عندما دخلت امه الى المضيفة حيث يجلس يتطلع من نوافذها الطويلة 

التى تكاد تصل للأرض الى جانب من الحديقة التى تحيط بالسراىّ... ابتسمت فى محبة خالصة له وجلست بقربه تربت على كتفه فى حنان وكأنها تنفض عنه ما يعتريه من فكر يؤرقه.

-اختك ومرتك استأذنونى يخرچوا لأرضنا .. وانا وافجت .. انتبه بكليته لها فتابعت :- بجالهم فترة مخرچوش بره السراىّ.. ومرتك الصراحة مش متعودة على الحبسة دى وتعبت معاك فى رجدتك.. جلت تغير چو .. أنا بعتهم مع حسان بالكارتة لغيط الموالح 

-وماله يا حاچة.. ميضرش ... اهم فى الأمان فى أرضنا مرحوش حتة غريبة... بس تعالِ جوليلى ... أنتِ ايه حكايتك بالظبط..!؟..

-حكاية أيه !!؟..بدأ الاضطراب يعترى الحاجة فضيلة ولاحظ عاصم عليها ذلك فهذه من المرات النادرة التى يرى شعور أخر غير الحزم والشدة يرتسم على وجه أمه...

-حكايتك مع بت ناچى التهامي ..دِه انتِ بتعامليها أحسن من بتك سهام ... چرى ايه بجى...!؟؟!..كتير كنت عايز استفسر عن المعاملة الملوكى اللى بتعامليها بيها دى كنك انتِ اللى نجتيها على الفرازة عشان تچوزيهالى ...

-صدجت  ... كنى انا اللى اخترتها .. قالتها بنبرات غلب عليها الحزن الدفين واللوعة.. 

-ايه الفوازير دى يا حاچة .. !؟..لأول مرة مفهمكيش .. ولا أبجى عارف جصدك أيه ..!!؟؟...

-تعال فوج على أوضتى... الحيطان ليها ودان .. قالت كلماتها وهى تنتفض من مكانها لتتوجه لأعلى الدرج حيث حجرتها و نهض فى همة يتبعها تتنازعه الحيرة من تصرف امه العجيب .. لكنه كان على يقين ان ما ستطلعه عليه هو احد اهم اسرارها.. وان لديها ما يبرر تصرفاتها ..

اغلقت خلفها باب الحجرة فى احكام وتركته يجلس على احد الآرائك فى جانب الغرفة وتوجهت لخزانة ملابسها ..فتحت احد الأدراج بواحد من تلك المفاتيح التى لا تفارق رقبتها وأخرجت أحد الصناديق المعدنية .. وتوجهت حيث يجلس فلذة كبدها وجلست فى صمت .. لثوانى .. زفرت بقوة تحاول تخفيف توترها .. قبل ان تفتح ذاك الصندوق لتلتقط منه أحدى الصور الفوتوغرافية .. تتطلع اليها فى شوق عجيب لم يره عاصم مرسوم على محيا هذه السيدة الجبارة من قبل .. واخيرا .. أطلقت سراح الصورة من بين يديها لتمررها اليه .. ببطء.. 

تناول منها الصورة وهو يتطلع لوجهها الذى تتصارع على قسماته مشاعر شتى ... ثم حول ناظريه للصورة ليدقق فيها لثوان مبهوتا.. ثم يقف من هول صدمته مأخوذاً بما يرى  ينظر للصورة لحظة .. وفى اللحظة الثانية يوجه نظره لأمه ... وهكذا عدة مرات .. حتى استعاد أخيراً رباطة جأشه وقال بصوت حاول جعله طبيعيا :- دى كنها زهرة مرتى .. بس الصورة جديمة .. وكمان متصورة چمبك... كيف دِه !؟.. 

-دى مش زهرة مرتك يا عاصم ... قررت إلقاء الحقيقة دفعة واحدة .. دى فاطنة أختى ... مرت ناجى التهامي اللى هربت معاه .. واللى انت عارف جصتهم زين ... وتبجى..

وازدردت لعابها .. تحاول الا تتوقع رده فعله المدمرة..تبجى أم زهرة ... 

جلس فجاة .. بعد ان سمع اعترافها كاملاً و الذى كان بمثابة انفجار هزه وأصاب ثباته  فى الصميم ....

ظل يتطلع للصورة الفوتغرافية كالمشدوه.. لم ينطق بحرف واحد ... انها زهرة .. كأنها هى ... سبحان الله ... نسخة أخرى منها .. وكأنهما توأمتان... وفجأة .. لمعت فى رأسه 

تداعيات الحقيقة بكل تفاصيلها فهتف غير مصدق :- يعنى انت عايزة تجولى ياما .. ان زهرة تبجى بت أختك فاطنة.. يعنى زهرة بت خالتى!؟..أومأت برأسها ايجابا

وهو لا يزال غير مصدق ما يسمع ويرى لكنه انتفض فى عنف وهو يتساءل صارخا :- عايزة تجوليلى انك مكنتيش تعرفى .. ده يُعجل !!؟؟.. متعرفيش ان اختك خلفت بت .. وسمتها زهرة !!؟.... كيف يا حاچة .. كيف !!؟؟..

-ناجى أبوها خبى علىّ... قالتها امه صارخة  وعيونها تترقرق فيها الدموع .. انا لو كنت اعرف مكنتش سبت بت أختى تربيها ست غريبة عنيها .. عمرها ما داجت الا الجسوة على يدها ... ابوها كان خايف انى أخد بته منيه .. بت اختى ..اللى ماتت بعد الولادة... فجالى ان البت كمان ماتت بعد امها ...كنت فاكرة لما كلمتنى وانت جايبها على هنا .. ان دى بته من مرته التانية ..مكنتش أعرف انى خليتك تنتجم منيه فى أعز حاچة عِندى .... وهنا شهقت الحاجة فضيلة شهقة مكبوتة واندفعت الدموع من عينيها اندفاعا وكأن سد قد تحطم من جدار روحها ...لم يرى عاصم امه بذاك الضعف وتلك الاستكانة لم يرى ابدا دموعها تغرق وجهها ..

لم يحدث ذلك ابدا .. على الاقل أمامه .. لطالما تساءل .. هل تبكى تلك المرأة مثل باقى النساء!؟؟ ..والأن .. فى تلك اللحظة يرى ذلك بعينيه .. 

اندفع اليها متعاطفا مع ضعفها الذى لم يألفه ... يربت على كتفها ويقبل رأسها المنحنى خجلا تحاول ان تدارى دموعها التى لم تستطع منع هطولها .. 

-خلاص أهدى .. أهدى يا حاچة...

-عارف أخر حاچة جالتهالى فاطنة ايه فى چوابها الاخير ليا .. كانت ساعتها فى شهرها .. على ولادة .. جالتلى .. لو چت بت هچوزها لعاصم ولدك غصب عنه .. وابتسمت فى وهن من بين دموعها .. عرفت ليه جلتلك كنى انا اللى اخترتها .. وعرفت ليه .. انا بعاملها احسن من سهام بتى .... لانها بت الغالية .. اللى ظلمناها كلنا ومحدش حن عليها .. ابوها يوم ما خبى علىّ وچودها ..ويوم ما چاب لها مرت أب  ما عرفتش معاها طعم الحنية ..ودلوجت احنا ظلمناها .. يوم ما فكرنا ندفعها تمن غلطة ابوها بچوازها بيك غصب عنيها ....لو مكانش كل ده اسمه ظلم يا ولدى ... اومال يبچى ايه الظلم !!؟؟.. 

تداعى اما ناظريّ عاصم كثير من المواقف التى جعلت الصورة واضحة أمامه بكل تفاصيلها ... معاملة امه لها  

ابوه عندما رأها للمرة الاولى ... نادى عليها بأسم أمها ..

الدكتور ناجى ولهفته لمقابلة أمه ليلة كتب الكتاب  ليعرفها حقيقة الامر .. واخيرا ... ذاك الخوف المرضى من الظلام والذى يعتريها .. وسماعه لها  تهزى باسم زوجة ابيها ..فى احدى تلك النوبات كانت دليل واضحا .. على سوء المعاملة التى كانت تتلقاها من تلك المرأة والتى لا تعرف حتى هذه اللحظة انها ليست امها ... 

-زهرة متعرفش كل دِه طبعا..!؟..سأل وهو على يقين من الإجابة ولكن ليطمئن قلبه ... 

-أبوها جالى انها متعرفش وعايز هو اللى يجولها بنفسه..

-ليه !؟..سأل عاصم فى حيرة.. 

-معرفاش... هو جالى كِده ..

-ومنجلهاش احنا ليه !!؟؟. وبعدين احنا مبنخدوش أوامر منيه ناچى بيه دِه ... قالها عاصم نزقا فى نفاذ صبر 

-اصبر بس يا ولدى ..ناچى دِه بحوره غويطة .. مش يمكن فى حاچات تانى منعرفهاش وممكن تضر زهرة ولا حاچة عشان كده عايز هو يجلها بنفسيه!؟. 

لم يقتنع عاصم بكلام امه على الرغم من إظهاره عكس ذلك ..لكنه قرر ان يطيعها ولا يخبر زهرة بحقيقتها .. حتى يرى ما ستنطوى عليه الامور .. 

واستأذن من أمه بعد ان أعطاها وعدا بعدم اخبار زهرة بأى حرف مما دار بينهما .. مهما حدث .. حتى تعرف 

متى ينوى ابيها ابلاغها... 

لم يكن يدرك كلاهما ... عاصم وأمه .. أن هناك شخص آخركان يسترق السمع لحديثهما و يدرك الأن  سر زهرة ... وأصبح يعرف من تكون ...

        *****************************

اندفعت كالمجنونة تدخل دارهم فى عاصفة هوجاء كالعادة ... تنادى امها بأعلى صوتها وهى فى قمة الغضب لترد امها فى فزع.:-ايه ... خبر ايه يا مخبلة ... داخلة واخدة فى وشك كِده!؟..

كان ذلك رد الحاجة رتيبة على دخول ابنتها سمية الاعصارى..

-خلاااااااص .. هموت من الغيظ ياما... البت اللى اتچوزها عاصم .. كل ما أجول هجلعها من هناك ... تتبت اكتر واكتر ... 

دخل فى تلك اللحظة اخيها سليم وهو يطلق صفيرا ينم عن مزاجه الرائق وما ان رأى اخته تغلى من الغضب حتى توقف يسأل فى اهتمام :- ايه اللى حُصل تانى مخلى شكلك زى اللى غرج غيطه !؟..

-طبعا چاى ورايج ولا على بالك ... ما انت متعرفش المصيبة اللى سمعت بيها فى دار عمك...

استطاعت ان تستحوذ الان على كل اهتمامه... بينما أمهما تنظر لهما فى ضيق وكأن الامر لا يعنيها.. فقالت فى حنق:- لساكى ورا عاصم .. خليكى... والله ما تلومى الا روحك.. وخليكى عايمة ورا عوم اخوكى... ما هو لو ابوكى لساته عايش .. كنت خليته يلمك... لكن هجول ايه .. أمر ربنا  .. هتموتنى ناجصة عمر يا ولاد غسان ..

قالت كلماتها الناقمة واندفعت مبتعدة الى المطبخ من حيث أتت.. 

بينما تحرك سليم ليجلس ملاصقا لأخته التى سألها فى لهفة:-ايه اللى سمعتيه فى بيت عمك.. !!؟؟.. جولى.. انطجى..

-عارف بت الدكتور ناچى اللى اتچوزها عصام دى تبجى مين !؟؟

-تبجى الجمر ..البدر فى تمامه .. حظه دايما عالى جايب السما حتى فى الحريم .. ... قالها فى غل وحقد يقطر من كل حرف 

-جمر ايه ... وزفت ايه !؟..انت جاصد تشلنى مش كده ..!؟..

-جولى طيب تبجى مين ...ومتزعليش

-تبجى بت خالته.. عرفت يا خووى..

-مش بجولك مخبلة .. خالتة مين يا حزينة.. !!؟..

-خالته فاطنة مرت ناچى التهامى... وهو كان جايل للحاجة فضيلة انها ماتت ورا امها .. وعاصم لما جابها غصب واتجوزها علشان يذل ناچى التهامى كان فاكرها بته من مرته التانية ... فهمت..

-ايه الحدوتة دى ..ما تتصدجش...

-بجلك سمعتهم بودنى وعاصم وأمه بيتكلموا .. عاصم نفسه مكنش يعرف .. البت نفسها متعرفش لحد دلوجت... يعنى زنجت زنجة سودا .. كنت عايزة اخلص منها واخلعها من دار عمى .. تاريها متبتة بالجوووى .. بت ...ناچى... قالتها وهى تزفر حانقة زفرة حارقة أودعتها كل حقدها ... 

-دى شكلها اتغفلچت بچد ... وراح يفرك جبينه بسبابته وهو يفكر بعمق .. لاز بصمت شيطانى حتى تفتق ذهنه اخيرا عن فكرة جعلته يقفز فرحا...انحنى على اخته التى كانت تنتظر بفارغ صبر .. وفتحت عيونها وأذانها على مصراعيها وهو يقول فى جزل :-بصى انا لِسَّه شايف عاصم واد عمك رايح ناحية إسطبلات الخيل .. هتروحيله .. وهتجوليله اللى هجلهولك ده بالحرف ...سمعانى ... 

هزت رأسها عدة مرات موافقة فى حماس وهى تتشرب كل حرف ينطق به اخوها....

        ****************

كان يتجه لأسطبلات الخيل تتنازعه الافكار وتعبث به الخيالات بعد ذاك السر الدفين الذى قذفته امه بوجهه.... 

لقد قلب ذاك السر كل الموازين ... 

ما وضعها الان ..!؟..وما وضعه هو!؟.. .. هل سيظل يعاملها بنفس الطريقة المتأرجحة تلك !!؟.. .. وكيف وهو يدرك الان  انها  تستحق افضل معاملة .!؟.. هل من المنطقى ان ينقلب فجأة بالمعاملة للنقيض ..!؟ و كيف يمكنه ذلك ..!؟..

 انه حتى لو أراد لن يستطيع .. انها  تدفعه لتلك المعاملة الخشنة ..بنظراتها النارية التى تحمل الكثير من الندية والتحدى ..و..كذلك 

.. كذلك ماذا.!؟ .. لا يعرف .. عندما يراها أمامه .. يحدث له أمورا لم يعهدها من قبل و تعتريه مشاعر وأحاسيس لم يخبرها تجعله يريد الانتقام منها لأنها السبب فيها .. لانه لا يدرك  حاجته لمشاعر كالاهتمام والحنان .. الا بوجودها .. انها تدق حصون قلبه المنيعة بمعول من حنان ورقة لم يسبق له ان تجرعهما.. ان قلبه القاسى .. قلب الغول .. يئن لنظراتها البريئة .. ويأخذه الكبر عندما تنقلب تلك النظرات لنظرات تحدى وندية تجعله يفقد صوابه ليعود وحشا من جديد ...

انتفض من خيالاته عندما وجد شبح امرأة خلف احدى الأشجار يشير له .. نهض فى حذّر وعندما اقترب أفصحت المرأة عن نفسها ... 

-سمية ...!؟.. ايه اللى چابك هنا .. مرحتيش ليه على السرايا !؟.. قالها حانقا من ظهورها المفاجئ فى مكان يعج بالرجال التى تأتى لمقابلته من كل صوب وجهة.. 

-عيزاك ضرورى فى أمر مهم ميتأجلش .. 

-استنينى فى السرايا .. روحى .. واستدار مغادرا ليقطع عليها استرسالها فى الحديث .. لكنها استطاعت ان تجذب انتباهه مرة أخرى عندما هتفت ... موضوع بخصوص مرتك..

استدار بكليته ليواجهها وقد ضاقت عيناه وهو يسأل فى حيرة :- موضوع ايه .. !!؟؟ .. صمتت فى دهاء .. لتثير فضوله .. الا انه هتف فى نفاذ صبر .. ما تنطجى .. موضوع ايه !!

-مرتك .. بتتوالس مع واد عمها على اختك ..!؟؟..

-ايه اللى بتجوليه ده.!؟؟ .. شكلك اتجنيتى ...هتف بغضب مكتوم

-لاه .. متجنتش ولسه بعجلى يا واد عمى .. مش مصدجنى.. روح شوفهم عند غيط الفاكهة هتلاجيها واجفة مع واد عمها حسام وفى يدها سهام .. 

كان يسمع كلماتها التى تشتعل كراهية وحقد وهو يغلى غضبا وحنقاً  ظهر فى كلماته  وهو يقول :- عارفة لو اللى بتجوليه ده مطلعش صوح ..هعمل ايه !؟..

نظرت اليه فى دلال وهى تقول فى غنج :- اعمل فيا اللى انت عاوزه انا جابلة... بس انا عمرى ما اكدب عليك ..انت بالذات يا واد عمى ... ولولا ما انت تهمنى وشرف الهوارية اللى انت رافعة دايما لفوج راس الكل يهمنى ...مكنتش جيت وجلتلك علشان فى الاخر يبچى چزاتى تعاملنى كِده ... قالت كلماتها الاخيرة وهى تقترب منه فى اغراء لم ينتبه له ورأسه تموج بالكثير من الافكار وقلبه يغلى على مرجل مشتعل .. 

دفعها عنه وهب مسرعا  ليقفز فى رشاقة ليعتلي صهوة جواده سلطان ويندفع حيث غيط الموالح ... تسرع فى أثره شياطين الدنيا ... 

       ******************

-مش يا اللاه بقى يا سهام .. الشمس حامية .. وأنا تعبت الصراحة..خلينا  نرجع السرايا ... بقالنا كتير هنا .. 

-لاااه ..شوية كمان يا زهرة ... قالتها سهام متشبثة فى ذراعها كالأطفال... هو احنا ورانا ايه لما نرچع .. ولا  اتوحشتى عاصم ..اعترفى..

على الرغم من ان زهرة تفاجأت بسؤال سهام الاخير الا انها حاولت التظاهر بثباتها على قدر المتستطاع وهى تبتسم فى هدوء :- طيب خلاص .. هنقعد كمان شوية صغيرين عشان خاطرك .. وفجأة سمعوا سلاما ...

- السلام عليكم .. نطقها حسام من خلفهما جعلهما تستديران فى سرعة لتكون سهام اول من أجاب بإشراقة غير معتادة على وجهها.. 

-وعليكم السلام يا استاذ حسام .. ثم أجابت زهرة .. 

-أزيك يا حسام وأزى عمى.!!؟ ...

-الله يسلمك يا داكتورة .. تمام ..بيسلم عليكِ.. 

كان يحدثها لكن عيونه تنصب على سهام لا تغادرها.. وهى على غير العادة مستمتعة .. تقابل نظراته بابتسامة عذبة خجول .. 

ماذا يحدث هنا !!؟؟... سألت زهرة نفسها وهى تتعجب مما ترى ..أين ذهب شجار القط والفأر والذى يبدأ عندما يجتمعا .. !!؟؟..

لا تعرف لما شعرت بالخطر فجذبت سهام من يدها وهى تقول :- طيب احنا كنّا لِسه ماشيين يا حسام عشان اتأخرنا.. 

-لسه بدرى يا زهرة .. جذبت سهام يدها .. مستعچلة ليه .. !!؟..

-ايوه صح يا بت عمى ..مستعچلة ليه!؟..سأل حسام بدوره .. 

-لا مش مستعجلة ولا حاجة .. بس اصل احنا بقالنا كتير هنا وأتأخرنا.. ولازم نرجع ... قالت زهرة بلهجة تحذيرية لسهام ..

-انا اللى اتأخرت .. قالها فى ابتسامة اعتذار وهو ينظر لسهام ..

فزاد شعورزهرة بخطر ما يحدق بهم جميعا ... ان إحساسها فى ذاك الصدد لا يكذب ابدا ... شعرت بإن برودة ما تجتاح معدتها وهى تتذكر ان ذلك كان نفس الهاتف الملح عليها .. عندما اختطفها عاصم .. لابد وان يرحلوا الان .. وفورا .. 

-ألحجينى يا داكتورة .. جاموستى بتموت .. 

قالها احد الفلاحين والذى يبدو عليه الهلع والخوف من فقدان بهيمته الغالية .. والذى ظهر فجأة من العدم أمامهم جميعا ... وقد وجدت زهرة ظهوره نجدة بعثها الله فى الوقت المناسب .. لتحجم ذاك الشعور المتناهى بالخطر والذى اعتراها منذ ظهور حسام ..

-فين يا حاج ... أهدى ودلنى على مكانها .. وانا تحت امرك .. 

وسارت زهرة خلفه تجذب فى يدها سهام التى كانت تسير خلفها مغصوبة فى ضيق واضح ..كطفلة أنهوا رحلتها المحببة فجأة رغما عنها ... لكن حسام تبعهم مصراً .. كان دار الرجل وزريبة ماشيته تقع فى الركن القريب من حقل الموالح ... فوصلت زهرة لتلتفت وتجد حسام مازال يسير خلفهما..

-تقدر تمشى يا حسام .. انا هشوف جاموسة الراجل الطيب ده وهنروح على طووول .. قالتها وهى تنظر لسهام نظرة تحذيرية كى لا تعارض كلامها .. فصمتت متزمرة.. اما حسام فقال فى ثبات ..

-لا ميهمكيش يا بت عمى .. شوفى شغلك .. وانا هستناكم...مينفعش تفضلوا هنا من غير راچل معاكم...

لم تكن تملك الوقت لتجادله وذاك الرجل الفقير يتعجلها.. 

فدخلت زريبة ماشيته  وهى تجذب سهام خلفها وتترك حسام خارجها... ولم تدرك وهى تندمج فى عملها .. بشغف كالعادة ان سهام غافلتها وخرجت متسللة  لتقف مع حسام خارجا ..

-أتأخرت على فكرة وكنت همشى بچد ..قالتها سهام فى دلال 

-معلش.. غصب عنى .. ده انا چيت چرى.. وسبت كل اللى فى يدى .. عشان اشوفك لما عرفت  أنكم هنا ..

ابتسمت فى خجل وهى تتطلع اليه هائمة:- خلاص .. سماح المرة دى .. 

-تفتكرى زهرة خدت بالها !؟..سألها فى توجس

-هى حست اكيد بس مش متأكدة طبعا لأنى مچلتلهاش حاچة..

-ربنا يستر .. لأن .. وقطع استرساله عندما وجد عيونها تجحظ فجأة وتنتفض فى هلع لتجرى مسرعة ناحية الزريبة التى تتواجد بها زهرة  صارخة فى ذعر:- ألحجينى يا زهرة ... ألحجينى يا مرت اخوى .. اخوى چاى على هنا وشافنى مع حسام واد عمك ... 

كان صراخها كفيل بأن يفزع ليس زهرة وحدها بل تلك البهيمة ايضا والتى انتهت زهرة من علاجها اخيرا  لننتفض البهيمة فى ذعر متقهقرة لتصدم زهرة وتسقطها أرضا وتدهس على قدمها بحافرها الضخم ... لتتعالى صرخات زهرة هذه المرة ويندفع كلا الرجلين ..عاصم وحسام ... لداخل الزريبة بعد ان كان كل منهما يقف قبالة الاخر كليث فى سبيله للدفاع عن مملكته وصرخاتها فقط هى التى جذبت انتباههما بعيدا عن صراعهما..

اندفع عاصم فى جزع ناحية زهرة التى كانت ترقد بلا حول ولا قوة جبينها يتصبب عرقا وعيونها تغيم من دموع ألم تحاول كتمانها ... نظر لحظات لأخته فى حنق واضح وهتف بها :-روحى نادى حسان بالكارتة على هنا بسرعة .. واستنينا فيها 

سمعانى .. ودقق على الكلمة الاخيرة التى قالها من بين اسنانه .. 

اندفعت هى تنفذ فى سرعة اقرب لسرعة الضوء المهم انها تختفى من امام نظراته الان بأى ثمن .. 

وجه أنظاره لزهرة التى زاد عليها الالم .. اقترب ليضع يديه خلف ظهرها تمهيدا لحملها لكنها أبت فى اصرار .. فمد يده لتستند عليها ... وضعت كفها الرقيقة فى كفه الرجولية الضخمة فكانت كنجمة  فى احضان السماء ...سرت فى جسدها أرتعاشة وهو يطبق على كفها حتى تستطيع تحميل جسدها علي كفه .. فأرجعتها لإحساسها المتزايد بالالم ليس اكثر ... صرخت للمرة الثانية ألما عندما لامست قدمها الارض .. وتهاوت .. لثوان ظنت انها عادت للأرض من جديد .. لكنها كانت بين ذراعيه ... لماذا دوما لا تحدث لها المصائب الا وهو قريب منها ويكون نتيجتها الحتمية هى الارتكان على تلك الذراعين  والاحتماء بذاك الصدر!؟.. 

لماذا لا يدعها بمصائبها فى سلام .. 

فجأة وجدت نفسها مرفوعة إجباريا لمستوى صدره  ينظر اليها نظرات عجيبة .. مبهمة .. 

 نظرات تحمل من البغض والكراهية بقدر ما تحمله من الإشفاق  والخوف عليها ... 

ما به ..!؟..و لماذا يبدو غريبا عنها متباعدا على الرغم من انها بين ذراعيه!؟..

حملها ليتوجه بها خارجا حيث عربة حسان التى وصلت الأن  لكنها لازالت تشعر ببعده عنها  بعد المشرق عن المغرب..!؟؟..ذراعاه متصلبتان حولها وعيونه زائغة لا تريد ان تقابل نظراتها كأنما تتهرب منها وجسده متشنج يكاد يكون عودا من صلب .. وضعها بسهولة فى العربة بجوار سهام التى كانت مطأطئة الرأس لا تريد مقابلة نظراته ... اما هى  فكان يتحاشى نظراتها متعمداً بشكل عجيب تحركت العربة .. وتركت حسام خلفها يرمقه عاصم بنظرات متوعدة كادت  ان تحرقه حيّا ... لم ينطق الا بكلمة واحدة كانت موجهة لحسان ليتوجه لعيادة الطبيب ليفحص قدم زهرة المصابة والتى ألقى عليها نظرة سريعة قبل ان يبعد نظراته عنها متجاهلا إياها .. 

كانت العربة تسير بهم متأرجحة على تلك الطرق الغير ممهدة فتزيد من ألم ساقها الذى بدأ يطرد  مع كل اهتزاز للعربة ..كانت تتطلع اليه خلسة فتجده صامت متجاهل على غير عادته .. 

لماذا تشعر ان ذاك السكون ما هو الا سكون ما قبل  العاصفة ..وان خلف ذاك الصمت المريب الكثير من الافكار والخواطر التى لا يعلم مدى خطورتها الا الله ... 

هل رؤيته لحسام وسهام معا هى سبب تغيره المفاجئ هذا ..!!؟؟

نهرت نفسها فى عنف ناعتة نفسها بالغباء هاتفة بداخلها :-  طبعا لها تأثيرها .. ده أكيد ... 

ألقت نظرة على سهام التى تجلس بجوارها ترتعش رعبا لا تجرؤ على رفع رأسها ومقابلة نظراته .. انها حقا تشفق عليها .. ماذا ينوى ان يفعل مع تلك المسكينة !؟؟...

لم تعرف انهم وصلوا للوحدة الا عندما بدأت العربة فى التباطئ ..

وطالعهم بناء ابيض من دور واحد يفصح عن نفسه .. 

نزل عاصم فى هدوء ولم ينتظر ان تسمح له بحملها  بل حملها فى سرعة ومهارة لتعود مرة اخرى لحصار ذراعيه المتشنجتين وقبل ان يدخل للوحدة الصحية استدار لسهام يأمرها بصوت كالفحيح :- متتحركيش من عِندك لحد ما نرچعوا...

لم تجرؤ على التفوه بكلمة بل هزت رأسها عدة مرات ايجابا..

دخل للوحدة فاستقبله الطبيب فى ترحاب متسائلا:- خير يا عاصم بيه ... المدام فيها حاجة...وهو ينظر لزهرة التى يحملها بين ذراعيه بوجه متجهم ... 

-أه يا داكتور .. يا ريت تشوفها .. كانت بتكشف على بهيمة من البهايم وداست على رجلها .. هنا جريب منك فجلنا نعدى عليك أسرع .. بدل ما نروح السرايا ونتعبك تاچى...

-الف سلامة يا هانم ... قالها الطبيب وعاصم يضع زهرة على سرير الكشف الطبى  ... واقترب من زهرة يسألها .. عن كيفية حدوث الإصابة من جديد فسردت له ما حدث دون التطرق للجزء الخاص بسهام .. وبأفزاعها لها وللبهيمة والتى كانت السبب الأساسى فيما حدث ... 

- طيب نكشف على رجليك ونشوف ... وامتدت يد الطبيب تكشف عن قدمها غطاء الكشف الأبيض .. الا انها لاحظت وقوف عصام فى مكانه لا يتزحزح ... فوضعت يدها على الغطاء لا تريد ابعاده عن قدمها ... تسمر الطبيب فى مكانه شاعراً بالإحراج ..نظرات عاصم الموجهة لها كانت لامبالية بشكل كبير لكن على الرغم من ذلك ... قال بصوت هادئ ولم يحول نظراته عنها :-اكشف من فوج الغطا يا داكتور .. 

امتثل الطبيب لأوامره وما ان امتدت يده لتلامس موضع الإصابة الذى بدأ يتورم حتى ندت عنها أهة عميقة .. جعلته ينتفض رغما عنه وكمحاولة للتستر على تلك الانتفاضة .سأل الطبيب فى اهتمام :-خير يا داكتور .. فى حاچة چامدة ...!!؟؟..

-لا متقلقش حضرتك .. هى بس كدمة شديدة شوية .. لازم لها الراحة .. وانها مدسش على رجليها المصابة .. أوتحمل عليها بتقل جسمها على قدر الإمكان .. مع رباط ضاغط وشوية أدوية .. والراحة بكتيره اسبوع هاتبقى تمام ان شاء الله ..

-تمام .. قالها عاصم وهو يهز رأسه فى تفهم ثم يستدير اليها بكليته ... ليحملها من جديد ... 

يا ليتها تستطيع السير لتبتعد عن ذراعيه مئات الاميال .. قالت لنفسها وهى تكتم انفاسها قابعة فى ذاك التجويف المسمى صدره تتسلل اليها رائحة عطره الرجولى وتنصت لتلك الدقات الصاخبة التى يصدرها ذاك القلب القاسى .. تلك النبضات التى يتردد صداها فى ذاك التجويف الذى تحتله بين ذراعيه وكأنها طبول تعلن الحرب ..

رفعت ناظريها  فى حذّر لتطالع ذاك الذقن الغير حليق والذى أعطاه مظهراً أشبه بالقراصنة وقطاع الطرق ..

ذقن متعجرف مثل صاحبه  يرفعه فى ثقة  من لا يهاب شيئا ..عند نهايته  يقبع ذاك الشريان الذى ينتفض فى قوة تنذر بالخطر ..تعلقت عيناها بذاك الشريان بشكل لاأرادى لا تحيد بعينيها عنه  ولم تدرك انه تنبه لعينيها المعلقة به الا وهو يضعها على فراشها ..

 لقد وصلت السرايّ .. ولم تشعر وقد استغرقت الطريق كله فى تأمله .. انزلها فى بطء وحرص شديدين وكأنها مصنوعة من زجاج .. وما ان سحب ذراعيه من تحتها حتى استند بهما على الوسادة التى تريح ظهرها عليها لتصبح اسيرته من جديد .. لم يتفوه بكلمة .. لم لا يتكلم .. لم لا يثور ويتوعد كعادته... كل ما نالها منه ... هى تلك النظرات المختلطة التى تربكها بحق ... تلك السهام التى يرسلها بعينيه تحمل خليط من مشاعر لا تستطيع فصلها .. وتمييزها..

انها ترتعش الأن .. وهى لا تستطيع الهرب من تلك النظرات المحاصرة لها .. تكتم انفاسها التى لا تستطيع اخراجها من صدرها و الذى بدأ يضج بتلك الدقات الصاخبة التى تمزقه..

واخيرا ... ابتعد فى بطء .. ليسير باتجاه الباب ويقول بنبرة عميقة:-   هبعت لك الدوا اللى كتبه الداكتور  مع خال.. وصمت فجأة.... ليستدرك مع الحاچة.. 

وخرج واغلق الباب فى هدوء ...

الفصل التاسع من هنا 

تعليقات



×