رواية نفحات مضيئة الفصل الحادي عشر 11 والاخير بقلم مريم عثمان

 

رواية نفحات مضيئة الفصل الحادي عشر والاخير بقلم مريم عثمان

من أظهر تجليات البركة في القرآن الكريم ما حدث مع بني إسرائيل عندما أنزل الله عليهم "المن والسلوى"، رزقًا مباركًا جاءهم دون عناء، لكنه كان مشروطًا بالرضا عن العطاء الإلهي. وحين رفضوا هذا الرزق السماوي وطمعوا فيما هو أدنى، سُلبت عنهم البركة، قال تعالى:

"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۚ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ" (البقرة: 61).

هنا تتجلى حقيقة أن البركة ليست في تنوع الطعام وكثرته، بل في القناعة والرضا بما قسم الله، فمتى رضيت النفس، حلَّت البركة، ولو كان الطعام قليلًا، أما إذا حل الطمع والجحود، نزعت البركة، ولو كان الطعام وفيرًا.

وهذا ما نجده في قصة مريم العذراء عليها السلام، حين أنعم الله عليها برزقٍ خاص، طعامٍ يأتيها من غير تعبٍ أو جهد، فسألها زكريا عليه السلام مستغربًا:

"كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (آل عمران: 37).

إنها البركة التي تأتي لمن اصطفاهم الله، البركة التي تجعل القليل كافيًا، وتجعل الرزق يأتي دون عناء، لأن القلوب التي امتلأت بالتقوى، امتلأت بالبركة.

حين نتحدث عن البركة، يظن البعض أنها مقترنةٌ بالمال فقط، لكن أعظم صور البركة ما يكون في العمر والوقت. فمن الناس من يعيش سنواتٍ قليلة، لكن أثره يمتد إلى ما بعد وفاته، ومنهم من يعمَّر طويلًا، لكنه لا يترك بصمةً تذكر.

يقول الله تعالى عن نبيه نوحٍ عليه السلام: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًۭا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ" (العنكبوت: 14).

ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، لكنه لم يعمّر في الأرض فحسب، بل عمَّر في القلوب والعقول، فبركة عمله امتدت لتكون نموذجًا خالدًا في الصبر والدعوة إلى الله.

وكذلك نجد البركة في الزمن في قصة أهل الكهف، إذ ناموا ثلاثمائةٍ وتسع سنوات، لكن الله جعلهم آيةً للعالمين، وأبقى قصتهم خالدةً عبر العصور، فقال:

"وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا تِسْعًۭا" (الكهف: 25).

فكم من إنسانٍ عاش طويلًا ولم يُذكر، وكم من إنسانٍ عاش قليلًا لكنه بقي خالدًا في الذاكرة والتاريخ، وهذا هو الفارق بين عمرٍ باركه الله، وعمرٍ خلا من البركة.

ليس كل من أنجب ولدًا قد بورك له فيه، فكم من أبٍ ترك ذريةً ضالة، وكم من والدٍ لم يُنجب، لكنه ترك علمًا أو عملًا صالحًا كان له ذريةً ممتدة.

يقول الله تعالى عن البركة في الذرية: "وَبَٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ" (الصافات: 113).

فالبركة لا تعني كثرة الأولاد، بل صلاحهم، أن يكون الابن صالحًا، عابدًا، نافعًا، فيكون امتدادًا لأبيه وأمه في الخير حتى بعد رحيلهما.

البركة ليست شيئًا ماديًا تُمسكه اليد، لكنها سرٌّ إلهي، متى حلَّ بشيءٍ نمّاه، ومتى غاب عن شيءٍ محقه. هي ليست في الكثرة، بل في الامتداد، ليست في الأرقام، بل في الأثر، ليست في الكم، بل في النفع.

فاسأل الله البركة في رزقك، في عمرك، في وقتك، في ذريتك، في صحتك، فإنها العطية التي إن حصلت عليها، وجدت الخير كله، وإن فُقدت، ذهب كل شيءٍ بلا معنى.


تمت بحمد الله 
تعليقات