رواية نفحات مضيئة الفصل الخامس بقلم مريم عثمان
🔥 نفحات الحكمة 🔥
بقلمي: مريم عثمان ✍️
ليست محض كلمات تتناقلها الألسن، ولا هي أقوال تُسجَّل في صفحات الكتب فحسب، بل هي نور يتجلّى في العقول، وسراج يضيء القلوب، وميزان يزن الأمور بمقاديرها الصحيحة. هي النقاء في الفهم، والبصيرة في القرار، والرؤية النافذة التي تسبق الحدث وتدرك العواقب.
لقد كان الإسلام أعظم مدرسة للحكمة، حيث أودعها الله في جوهر النبوة، وجعلها صفة للرسل، فقال سبحانه:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269).
فما أعظم الحكمة حين تكون عطية من الله، إذ إنها تعلو فوق المعرفة، فهي ليست علمًا يُحفظ، بل فقهًا يُدرك، وإدراكًا يُمارس.
وقد تجلّت الحكمة في أفعال الأنبياء وسيرهم، فجاءت دعواتهم مبنية على التمهّل والتعقّل، فلم يكن نبيٌّ مستعجلًا في حكم، ولا متسرّعًا في أمر، بل كان لكل قول ميزان، ولكل فعل حكمة.
وها هو النبي ﷺ قد أوصى بالحكمة في الدعوة، فقال الله له:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125)، فجعل الحكمة أول أركان الدعوة، لأن القلوب تُفتح بالحكمة قبل أن تُفتح بالحجة، والأرواح تُهتدى بالرؤية الصائبة قبل أن تهتدي بالقوة.
الحكمة ليست مجرد مكافأة في الدنيا، بل هي كنز يورث سكينة في القلب، وقبولًا بين الخلق، وحسن عاقبة في الآخرة.
وقد قال أحد الحكماء:
"الحكمة ترفع منازل العبد حتى تجعله في مقام الملوك وإن لم يكن ملكًا، وفي مصافّ العلماء وإن لم يكن عالمًا، وفي منزلة الأتقياء وإن لم يكن أعبدهم."
أما في الآخرة، فإن الحكيم يسير على الصراط بثبات، لأن حكمته في الدنيا كانت نورًا يهديه إلى الحق، كما جاء في الحديث الشريف: "إن من البيان لسحرًا، وإن من العلم لحكمةً"، فمن ملك البيان الصادق، والعلم الراسخ، فقد ملك مفتاح الجنة.
الحكمة ليست هبة تُنال بلا جهد، ولا موهبة تُلقى في القلب بلا سبب، بل هي ثمرة تجارب، وزاد علم، ونور فكر،
وهي تُكتسب عبر:
العلم النافع، فبالعلم تتسع المدارك، ويستنير العقل، وتنجلي ظلمات الجهل.
والتأمل في عواقب الأمور، فالحكيم لا ينظر إلى موضع قدمه فقط، بل يمدّ بصره إلى نهاية الطريق.
والرفقة الصالح، فمن جاور الحكماء صار منهم، ومن استأنس بالجهّال وقع في الزلل.
والتريث والتفكر قبل الحكم، فالحكمة لا تكون في عجلة، ولا تنبت في أرض التسرّع.
قالوا قديمًا: "إن كلمة الحكيم تقلب موازين الدنيا أكثر مما تقلبها السيوف." فكم من حكمة أوقفت حربًا، وكم من قول عاقل أنقذ أمة، فالحكيم يُصلح حيث يفسد الجاهل، ويبني حيث يهدم المتسرّع، وينير حيث يطفئ الظالم.
فطوبى لمن وهبه الله الحكمة، فهي أغلى من الذهب، وأعلى من الجبال، وأبقى من كل سلطان.
هي المعيار الذي يُفرّق به بين التهور والتعقل، وبين الجهل والمعرفة.
فالحكيم هو من يرى النور وسط العتمة، ويُمسك بزمام نفسه حين تتقاذفها العواصف، فلا تجرفه العواطف، ولا تضلّه الشهوات.
يقول لقمان الحكيم، الذي خلد القرآن ذكره:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ (لقمان: 12)، فجُعلت الحكمة في مقام الشكر، لأن من وهبه الله الحكمة فقد أُوتي بصيرة في دينه ودنياه، وجعلت أولى درجاتها الشكر، لأن الحكيم لا يرى النعمة إلا في موضعها، ولا ينسب الخير إلا إلى خالقه.
ليس كل صامت حكيمًا، ولا كل متحدث جاهلًا، ولكن الحكمة هي أن تعرف متى تصمت ومتى تتكلم.
فكم من كلمة أنقذت صاحبها من الهلاك، وكم من سكوت كان درعًا للمرء من الفتنة. وقد قيل:
"إذا كان الكلام من فضة، فإن الصمت من ذهب، ولكن الحكمة فوقهما كليهما، لأنها تعرف متى يكون السكوت ذهبًا، ومتى يكون الكلام تاجًا على رأس صاحبه."
وقد قال النبي ﷺ:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت."
فالحكمة ليست في كثرة الحديث، بل في وزنه، وليست في طول الخطاب، بل في معناه.
إن الحكيم لا يُعامل الناس جميعهم بمعيار واحد، بل يضع كل شخص في موضعه، ويخاطبه على قدر فهمه، ويتعامل معه بحسب ما يليق به.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عندما أُهين في مجلس النبي ﷺ، سكت أول مرة، وسكت ثاني مرة، فلما ردّ في الثالثة، قام النبي ﷺ وترك المجلس، وعندما سأله أبو بكر عن السبب، قال له:
"إنك حين كنت صامتًا كان معك ملك يرد عنك، فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس مع الشيطان."
لقد أُفردت الحكمة في القرآن كصفة لأولي الألباب، وكمفتاح للخلاص من الفتن، وكرمز للعقلاء الذين لا تجرفهم الأهواء. وجاءت في مواضع عديدة، منها قوله تعالى:
﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269)، فجعلها الله مفتاحًا للخير، ومصدرًا للعطاء، فهي تُجلب الرزق، وتُعين على الصبر، وتجعل صاحبها محبوبًا بين الناس.
كما جاءت الحكمة مقرونة بالكتاب في قوله تعالى:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: 151)، فكانت الحكمة روح العلم، ونبض الشريعة، لأن الشريعة بلا حكمة جفاء، والحكمة بلا علم ضلال.
من أخطر ما يُبتلى به الناس حاكم بلا حكمة، أو قائد لا يرى أبعد من يومه، فإنهم بذلك يسيرون نحو الهاوية دون أن يدركوا.
ولهذا كان أعظم القادة على مر التاريخ هم أولئك الذين تحلّوا بالحكمة، وكانوا يزنون الأمور بميزان العقل والبصيرة.
وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
"ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عقلك وحلمك، وأن تباري الناس في عبادة الله."
فهنا تتجلّى الحكمة في القيادة: أن يُدرك الإنسان أن المال والجاه زائل، وأن البقاء للعقل، وللصبر، وللحكمة التي تجعل الإنسان أكبر من منصبه، وأعظم من مكانته.
ثمار الحكمة في حياة الإنسان
إن للحكمة ثمارًا يانعة، لا يجنيها إلا من صبر وطلبها بصدق، ومن أعظم هذه الثمار، السلام الداخلي، فالحكيم يعيش في راحة، لا تعصف به الأحداث، ولا تهزّه العواصف.
و القدرة على حل المشكلات، فالعاقل إذا وقع في مأزق لم يضطرب، بل بحث عن الحل بأناة وبصيرة.
والاحترام والتقدير، فالناس يحبون الحكيم، ويلجأون إليه وقت الأزمات، والنجاح في الحياة، لأن الحكمة هي مفتاح اتخاذ القرارات الصائبة التي تفتح للمرء أبواب الخير.
الحكمة ليست محصورة في كلام الحكماء، بل هي جزء من نسيج الكون ذاته. فكل شيء في خلق الله موزون بحكمة إلهية لا خلل فيها، قال تعالى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: 2).
فلا ورقة تسقط إلا بحكمة، ولا قطرة مطر تهطل إلا بميزان، ولا نسمة هواء تسري إلا بأمر مدبر. ولو أمعن الإنسان النظر، لرأى الحكمة تحيط به في كل تفصيلة من حياته.
حينما أراد الله أن يهب أعظم عطاياه لأنبيائه، جعل الحكمة أولها، فقال عن سيدنا داوود عليه السلام:
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص: 20).
فجمع له بين الحكمة التي بها يدرك الحق، والبيان الذي به يُظهره للناس.
وحتى في أشد المواقف ألمًا، نجد الحكمة تضيء القلوب، كما في قصة سيدنا موسى عليه السلام حين قال له الخضر بعد أن ارتاب في أفعاله:
﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 78)، فكانت الحكمة خفية، ولم تتضح إلا بعد أن انكشفت الحقائق.
ليست الحكمة أن لا يصيبك البلاء، بل أن تدرك معناه، وترى فيه حكمة الله، وتؤمن أن كل قدر يجري بميزان.
فقد سأل موسى عليه السلام ربّه عن عدله في الأرض، فأراه الله مشهدًا:
رجلٌ فقير يشرب من نهر، فيسقط منه كيسٌ فيه مال، فيمرّ بعده صبيّ صغير، فيأخذ المال ويرحل، ثم يأتي رجل آخر يبحث عن ماله فلا يجده، فيرى شيخًا يجلس على مقربة من النهر، فيظنه السارق، فيقتله في غضب.
فدهش موسى، فقال له الله:
"ذلك المال كان لأب الصبيّ، وقد سُرق منه قديمًا، فأعدناه إليه، وأما الشيخ فقد قتل والد الصبي ظلمًا، فاقتصصنا منه بيد هذا الرجل، فعدلي في الأرض يجري بحكمتي."
فهنا تتجلى الحكمة في أبهى صورها، حيث يُدرك الحكيم أن لكل شيء سببًا، وأن الأقدار تسير بميزان، وأن ما يراه الناس ظلمًا قد يكون عين العدل الإلهي.
ليست الحكمة أن تصمت دائمًا، ولا أن تتكلم دائمًا، بل أن تعرف متى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى يكون الكلام واجبًا لا يُترك.
قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، فلم يقل "قولوا الحق"، بل قال "قولوا حسنًا"، لأن الحكيم لا يقول الحقيقة بشكل جارح، بل يختار ألفاظه كما يختار المرء جوهرة نادرة، فيضعها في موضعها المناسب.
الحكيم ليس من يلين حتى يذوب، ولا من يقسو حتى ينفر منه الناس، بل هو من يوازن بين الرحمة والحزم، فلا يظلم ولكنه لا يُظلم، ولا يلين حيث يجب أن يكون صلبًا.
وقد جاء في الحديث:
"ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب."
فالحكيم لا يكون ألعوبة في يد الغضب، بل يكون سيد نفسه، يزن الأمور بعقله لا بعاطفته.
وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلًا يسير مطأطئ الرأس كأنه زاهد، فقال له:
"ارفع رأسك، فإن الزهد ليس في المظهر، بل في القلب."
فهذه حكمة عظيمة، أن لا ينخدع الإنسان بالمظاهر، وأن يعرف جوهر الأمور لا قشورها.
لو تأملت حال العظماء، لوجدت أن الحكمة كانت سرّ تفوقهم، ولو نظرت إلى المهزومين، لوجدت أن غياب الحكمة كان سبب سقوطهم.
فالحكمة تجعل الإنسان محبوبًا بين الناس، لأنهم يرون فيه عقلًك راجحًا وبصيرة نافذة وتعينه على اتخاذ القرارات الصائبة، فلا يندم على أفعاله، وتزيد من بركته، لأن الله يبارك في كل عمل مبني على الحكمة، وتجعله في مقام القادة، لأن الناس لا يتبعون الجهلاء، بل يبحثون عن العاقل الذي يرشدهم.
وقد ورد في الحديث الشريف:
"الكلمة الحكيمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها."
فاجعل الحكمة ضالتك، وابحث عنها في كل موقف، وكن في أقوالك وأفعالك حكيمًا، فإنها أعظم نعمة، وأرفع منزلة، وأبقى أثرًا.
أورد الله الحكمة في مواضع عدة في كتابه الكريم، وأكد أنها أعظم ما يُمكن أن يُعطى للإنسان. فقال عز وجل:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، وهذا الاستخلاف لا يكون إلا بالحكمة التي بها يُعمر الكون ويُقام العدل.
وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يدعو إلى سبيله بالحكمة، فقال:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).
فهنا جعل الله الحكمة في الدعوة أولى من الموعظة، لأن الدعوة بلا حكمة قد تضلّ السامع بدل أن تهديه.
كما جعل الله الحكمة أساس النبوة، فقال عن نبيه عيسى عليه السلام:
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ (آل عمران: 48).
فالنبوة ليست مجرد وحي، بل تحتاج إلى حكمة تدبير الأمور والتمييز بين الحق والباطل.
وأوصى الله عباده أن يتخذوا الحكمة منهجًا، فقال:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: 5)، فلو أن الإنسان لم يتحرَّ الحكمة في توزيع ماله، فإن المال قد يصبح سببًا في فساده، بدل أن يكون وسيلة لإقامة حياته.
الحكمة ليست أن تُدرك ما يحدث فقط، بل أن تفهم لماذا يحدث، وأن تؤمن أن وراء كل أمرٍ حكمة لا تراها عينك ولكن يدركها قلبك. وقد أخبر الله عن حكمته في أقداره
فقال:﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).
ليس كل إنسان قادرًا على كظم غيظه أو الصبر على الظلم، لكن الحكماء لا ينساقون وراء الغضب، بل يعرفون متى يكون الحلم أولى من الانتقام. قال تعالى:
﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43).
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل: 90).
فالحكمة لا تكتمل إلا بتحقيق العدل، فالظلم أعظم ما يفسد القلوب، وقد نهى الله عنه حتى على نفسه فقال في الحديث القدسي:
"يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا."
الحكيم لا يتسرع في اتخاذ القرار، بل يزن الأمور بعقله وقلبه. وقد قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).
وهنا يعلمنا الله أن الحكمة ليست فقط في قول الحق، بل في التثبت منه قبل النطق به.
التبذير والإسراف دليلان على قلة الحكمة، فقد قال الله
تعالى:﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: 26-27).
فالحكيم هو من يضع المال في موضعه الصحيح، فلا يبخل حتى يُلام، ولا يسرف حتى يُذم.
قال الله تعالى:﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46).
وهذا أصل من أصول الحكمة، أن يكون النقاش بالحسنى، فلا يكون الغضب سبيلًا لإقناع الآخرين، بل يكون العقل واللين هما السبيل إلى ذلك.
قال الله تعالى:﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63).
فالحكيم لا يرد الإساءة بإساءة، بل يحسن التصرف حتى مع الجهّال، لأن الجاهل يرفع صوته، والحكيم يرفع فكره.
كلمة أخيرة
متى تكون حكيمًا؟
كن حكيمًا عندما يغضبك الجاهل، فلا تجاريه في جهله.
كن حكيمًا عندما تواجه الفتنة، فلا تغوص في مستنقعها.
كن حكيمًا عندما يكون الصمت أبلغ من الكلام، والكلام أعدل من الصمت.
كن حكيمًا لأن الحكمة هي الباقية، والجاهل هو الذي يرحل ولا يُذكر.
فطوبى لمن سعى وراء الحكمة، وجعلها زاده ورفيقه، فإنها كنز لا يفنى، ونور لا يخبو، وسراج لا ينطفئ أبدًا.
