رواية حواديت رمضانية الفصل السابع 7 بقلم مريم عثمان


 

رواية حواديت رمضانية الفصل السابع بقلم مريم عثمان

في أزقة مكة الضيقة، وبين بيوتها العتيقة التي امتزجت جدرانها برائحة البخور وعطر الصندل، كانت تخرج أنفاس المستضعفين محملة بالآهات، وترتد في فضاء المدينة الذي اشتد فيه الحصار على أتباع محمد ﷺ. لم يكن المشهد عادياً، بل كان صراعًا محتدمًا بين النور والظلام، بين أناس أبصروا الحق وآخرين أعمته الجاهلية.


كان الصحابة في مكة يلقون من الأذى ما يعجز عن احتماله أقوى الرجال، فضُرِب بعضهم بالسياط، وسُحِب آخرون في بطحاء مكة على الحجارة الحارقة، ووُضِع الصخر الملتهب على صدورهم، وسُجِنت أرواحهم بين جدران الطغيان. لم يكن هناك مأمن، ولا ملجأ إلا لمن وجد قوة تحميه أو عشيرة تدافع عنه، أما الضعفاء فقد كانوا في قبضة قريش لا يملكون من أمرهم شيئًا.


في بيتٍ صغير في أحد أطراف مكة، كان جعفر بن أبي طالب يجلس مع زوجته أسماء بنت عميس، وبينهما حزن دفين، وفي أعينهما خوف على المستقبل المجهول. كان جعفر قد رأى ما حل بالمسلمين من بطش، وكيف اشتد التضييق عليهم، حتى صار البقاء في مكة ضربًا من المستحيل. وفي لحظة من اليقين، قرر أن يحمل همّ أصحابه، ويبحث عن منفذٍ للنجاة.


وفي أحد الأيام، جاء الصحابة إلى النبي ﷺ يشكون إليه ما يلقونه من قريش، ففاضت عيناه رحمةً بهم وقال لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه."


كانت الكلمات كالنور وسط الظلام، كالماء للظامئ، وكالهواء للمختنق. كان الأمل الوحيد الذي انتظرته قلوبهم العليلة، فبدأت العقول تتحرك، والأنفس تستعد للرحيل.


كان القرار قد اتُّخذ، والمسيرة قد بدأت، والليل يُخبئ خطاهم عن عيون الطغاة. تسللت مجموعة من المؤمنين في صمت، مستخفين عن أعين المشركين، حتى بلغوا ساحل البحر الأحمر حيث كانت تنتظرهم سفينة تقلهم إلى الضفة الأخرى، إلى أرض النجاشي.


كان عددهم أحد عشر رجلًا وأربع نساء، ومن بين الذين تقدموا في تلك الرحلة جعفر بن أبي طالب، عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، عبد الله بن مسعود، الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من خيار الصحابة.


وقفوا على الساحل، والبحر أمامهم ممتد إلى المجهول، وأمواجه تتلاطم كأنها تناجي أرواحهم القلقة. كانوا يعلمون أن هذه الرحلة ليست مجرد هروب، بل هي تضحية في سبيل الله، وامتحان لصبرهم وثباتهم.


ركبوا السفينة، وتراقصت بهم الأمواج، بينما كانت مكة تبتعد عن أنظارهم رويدًا رويدًا. كان بعضهم ينظر إلى الأفق بعين دامعة، وبعضهم يتمسك بخشب السفينة وكأنه يتمسك بحبل النجاة الأخير.


كان جعفر بن أبي طالب يقف شامخًا، يثبت قلوب أصحابه بكلماته الرزينة: "إنما نحن في سبيل الله، إن خرجنا من مكة فلنخرج بديننا، ولنكن سفراء للإسلام في كل أرض تطؤها أقدامنا."


استغرقت الرحلة أيامًا، حتى بدت لهم سواحل الحبشة، هناك حيث الأمان الذي وعدهم به النبي ﷺ، وهناك حيث سيبدأ فصل جديد من الاختبار.


عندما وصل المسلمون إلى الحبشة، وجدوا أنفسهم في بلاد غريبة، أرض تختلف عاداتها، وتتمازج ألوانها، ولكن فيها الأمان الذي افتقدوه.


كانت أرض الحبشة مملكة عظيمة يحكمها ملك يدعى النجاشي، رجلٌ عادل، لا يُظلم في مجلسه أحد، وكانت له هيبةٌ ووقارٌ يفرض احترامه على الجميع.


ولكن قريش لم تترك المسلمين وشأنهم، فقد أرسلت رجلين من دهاة العرب، عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، يحملان الهدايا النفيسة إلى بلاط النجاشي، ويطلبان منه أن يُسلم المسلمين إليهم.


وقف عمرو بن العاص في مجلس النجاشي وقال بخبث: "أيها الملك، إن هؤلاء قوم سفهاء، خرجوا عن دين آبائهم، وفرقوا جماعتهم، وجاؤوا بدين جديد لا تعرفه العرب ولا أنتم، فجئنا نسألك أن تسلمهم إلينا لنردهم إلى قومهم."


لكن النجاشي لم يكن ليحكم على أحد دون سماعه، فاستدعى المسلمين وسألهم عن أمرهم.


وقف جعفر بن أبي طالب، ورفع رأسه في ثقة، وقال ببلاغة تهز القلوب:


"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، فدعانا إلى الله، وأمرنا بالصدق، والعفاف، والصلاة، والعدل، والإحسان، فآمنا به، فآذانا قومنا وأرادوا ردنا إلى الكفر، فلما ضاقت بنا الأرض، جئنا إلى مملكتك نطلب الأمان."


سكت النجاشي برهةً، ثم سأله: "وماذا يقول نبيكم عن عيسى ابن مريم؟"


تلا عليه جعفر آياتٍ من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى ابتلت لحيته، وقال: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة!" ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال بحزم: "اذهب، فوالله لا أسلمهم إليكم."


هكذا وجد المسلمون في الحبشة وطنًا يحميهم، وعاشوا في كنف النجاشي سنين، حتى جاء الفرج، وعاد بعضهم إلى مكة عندما خف الأذى، فيما بقي آخرون إلى أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة.


كانت هذه الرحلة أول سفارة إسلامية في التاريخ، وأول تجربة للدعوة خارج جزيرة العرب، وهي درس خالد في التضحية والصبر، ورسالة للعالم بأن الإسلام ليس دينًا يُفرض بالسيف، بل نورٌ يُضيء القلوب، ولو عبر البحار والمسافات.


حينما أعلن النجاشي حمايته للمسلمين،وكان ذلك (عام615م) انفرجت أساريرهم، وشعروا لأول مرة منذ سنوات بالطمأنينة التي حُرموا منها في مكة. كان ذلك نصراً عظيماً، ليس بالسيف، ولكن بالحجة والحق الذي استقر في قلب ملك عادل.


أقام الصحابة في الحبشة، وكانوا يذكرون دائماً وعد رسول الله ﷺ لهم: "إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد."


ولكن الحياة لم تكن سهلة تمامًا، فقد كانوا في أرض غريبة، لا يعرفون لغتها ولا عاداتها، لكنهم وجدوا فيها ملجأً مؤقتًا، حيث مارسوا حياتهم بحرية نسبية، بعيدًا عن اضطهاد قريش.


كان من بين أوائل المهاجرين جعفر بن أبي طالب قائد المهاجرين والمتحدث باسمهم. اشتهر ببلاغته وفصاحته، وكان أقرب الناس خُلقًا وهيئةً برسول الله ﷺ.


عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت محمد ﷺ أول بيت مسلم يهاجر في سبيل الله. كان عثمان ذو النورين رجلاً حليماً كريمًا، بينما كانت رقية ابنة النبي ﷺ من أعف النساء وأطهرهن.


والزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان شابًا قويًا شجاعًا،  وعبد الرحمن بن عوف التاجر الذكي، والقدوة في الكرم والعفة،  وعبد الله بن مسعود الفقيه الأول، وأحد أوائل المسلمين الذين جهروا بالقرآن في مكة.


أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب، وصاحبة الحكمة والرأي السديد.


أم سلمة هند بنت أبي أمية من أعقل النساء، وزوجة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، ثم تزوجها النبي ﷺ بعد وفاة زوجها.


وكان معهم آخرون، بلغ عددهم في أول الهجرة ١٥ شخصًا، ثم ازداد العدد في الهجرة الثانية إلى الحبشة ليصل إلى أكثر من ٨٠ رجلاً و١٨ امرأة.


عاش المسلمون حياة بسيطة في الحبشة، يعملون في بعض المهن ويختلطون بالأحباش، ولكنهم لم ينسوا هويتهم الإسلامية. كانوا يجتمعون في أماكن محددة، يقيمون الصلوات، ويعلمون بعضهم البعض القرآن، ويتدارسون أحاديث النبي ﷺ التي كانوا يحفظونها.


وكانوا يراقبون الأوضاع في مكة من بعيد، ويتلهفون لسماع أخبار رسول الله ﷺ، فكلما وصل تاجر من قريش إلى الحبشة، سارعوا إليه يسألونه عن أوضاع مكة والمسلمين هناك.


وفي هذه الفترة، نزل قول الله تعالى يثني على صنيع النجاشي وأتباعه الذين لم يعادوا المسلمين:


"وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" (المائدة: 83)


وقد قيل إن هذه الآية نزلت في النجاشي ورجاله الذين بكوا حين سمعوا تلاوة جعفر بن أبي طالب لسورة مريم.

 

لم يكن كفار قريش ليسمحوا للمسلمين بالراحة، فقد أرادوا استئصال هذا الدين من جذوره. بعد فشل عمرو بن العاص في المرة الأولى، عاد إلى مكة يفكر في خطة جديدة أكثر مكراً.


لم يكن عمرو رجلاً عاديًا، فقد كان من أدهى العرب، وعرف كيف يتلاعب بالسياسة والدبلوماسية، فقرر أن يعود إلى الحبشة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بحيلة مختلفة.


جمع هدايا عظيمة، وجاء ومعه عبد الله بن أبي ربيعة، واتجها إلى قصر النجاشي، فلما دخلا عليه قال عمرو:


"أيها الملك، لقد جئناك بأمر خطير، هؤلاء القوم الذين استضفتهم في أرضك يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عجيبًا، لا يرضيك ولا يرضي قومك"


اهتز مجلس النجاشي، فهذه مسألة تمس عقيدته وعقيدة شعبه، فنظر إلى المسلمين وقال:


"ما تقولون في عيسى؟"


وقف جعفر بن أبي طالب بثبات، لم يتردد ولم يغير كلامه، بل قال:


"نقول فيه ما قاله نبينا ﷺ، هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه."


كانت الكلمات قوية وصريحة، لا خوف فيها ولا مراوغة، فأخذ النجاشي عودًا صغيرًا من الأرض وقال:


"والله، ما زاد قولكم على قول عيسى مقدار هذا العود"


ثم التفت إلى عمرو بن العاص غاضبًا وقال:


"والله، لا أسلمهم إليك أبدًا"


ثم أعاد للمهاجرين الأمان، وأمر برد الهدايا إلى عمرو بن العاص، فخرج من عنده خائبًا ذليلًا.


كان هذا انتصارًا آخر للمسلمين، ودليلًا على أن الله يرعى عباده المؤمنين.


ظل المسلمون في الحبشة سنوات طويلة، وكانت الأخبار تصل إليهم متقطعة عن أحوال مكة.


وفي هذه الفترة، حدثت حادثة غريبة؛ فقد شاع بين الناس أن قريشًا قد أسلمت بعد أن قرأ النبي ﷺ سورة النجم في المسجد الحرام وسجد عند آية السجدة، فسجد معه المشركون تأثرًا بعظمة القرآن.


وصلت هذه الأخبار إلى الحبشة، فظن بعض المسلمين أن مكة أصبحت آمنة، فقرر بعضهم العودة، ولكنهم فوجئوا عند وصولهم بأن قريشًا لم تسلم، بل زاد اضطهادها للمسلمين.


اضطر بعضهم إلى العودة إلى الحبشة مرة أخرى، بينما بقي آخرون في مكة مختبئين عن أنظار قريش.


ظل النجاشي يحمي المسلمين طوال حياته، وكان على علاقة قوية بالنبي ﷺ، حتى إنه عندما توفي، نعاه النبي ﷺ وهو في المدينة، وقال للصحابة:


"مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا عليه."


فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، وهي المرة الوحيدة التي صلى فيها النبي على ميت لم يكن أمامه.


ظل المسلمون في الحبشة حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ثم عاد معظمهم لاحقًا إلى بلاد الإسلام، وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب، الذي استُشهد في غزوة مؤتة.


أما النجاشي، فقد مات على الإسلام، وكان من أعظم ملوك الأرض الذين آمنوا برسالة محمد ﷺ دون أن يروه.


كانت الهجرة إلى الحبشة أول اختبار عملي للمسلمين في كيفية التعامل مع غير المسلمين بعدل وإحسان، وكانت أول تجربة للدعوة خارج جزيرة العرب.


تعلم المسلمون الصبر والثبات، وتعلموا كيف تكون السياسة الحكيمة في التعامل مع الملوك، وكيف يكون الإيمان طريق النجاة ولو كان البحر حاجزًا بينهم وبين الأمن.


قال الله تعالى:"وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً" (النساء: 100)


وهكذا كان، فقد وجد المسلمون في الحبشة سعةً وأمانًا حتى جاءهم نصر الله بعد سنوات.




تعليقات