رواية بين سطور الخديعة الفصل الخامس
بدأت هي تتألم من راسها بسبب تمسكه الشديد في شعرها وقالت بدموع:
"والله يا أبويا ما عملش حاجة تعمله معايا كده ليه؟ أنا مش فاهمة حاجة، سيبني أطمن على ابني يا أمين، ابني حرام عليك يا أمين، إنت ومين؟ أنا مش فاهمة حاجة، أنا مش عايزة حاجة غير ابني، حرام عليكم."
بدأت الدموع تنزل من عين أمين ولمساته القاسية اتحولت لمسات حنونة وهو بيقول:
أنا عارف إن لما وليد هيجي هيكون دي آخر مرة أكلمك فيها، بس عارفة؟ لا والله، أنا بحبك. أنا عملت كتير قوي عشان أحميكِ من كل حاجة، أولهم نفسي. عارفة، وليد ده أخويا من الأم، ولما كان موجود وشاف أبوكي لما قتل أبوه وأمي، اتولد جوانا الانتقام، لكن حبك لي كان أقوى من أي حاجة. أنا ما قدرتش أخدعك وأتجوزك بدافع الانتقام زي ما وليد عمل. أنا خايف أخسرك النهاردة، خايف يا سهر، مش عايز أشوفك بتروحي قدامي زي ما هي كمان راحت قدامه. وما قدرتش أني أحميها. حاولت كتير أخلي وليد يتراجع عن فكرة الانتقام، خصوصاً بعدما بقى بينكم طفل ما لهوش ذنب في غلطات الماضي، لكن كان انتقامه أكبر من أي حاجة. هي سهر، إنتِ أحلى حاجة شفتها في حياتي، وخسارة تروحي كده بسهولة.
كان بيتكلم بشرود قدامه وسرحان، كأنه شخص مريض نفسي فاقد للعقل والحياة. كانت هي بتبص له برعب، خايفة إنها تتكلم، لأن من الواضح إنه ما بقاش في وعيه. كانت لمساته الحنونة ليها منسياها الألم اللي كانت فيه، وكل اللي كان شاغل تفكيرها هو ازاي تنقذ ابنها من المرضى دول، وازاي دخلت في اللعبة الحقيرة دي، وازاي كمان وليد أخو أمين بعد ما كانت المؤامرة بينها وبين وليد على أمين.
قالت له بارتجاف وبحذر شديد:
"أمين، أنا يمكن ما أكونش حبيتك، بس احترمتك. بلاش تأذي ابني، هو ما لهوش دخل في كل اللعبة الحقيرة اللي كانت من الأول دي. أبويا كان مظلوم قبل ما يموت، حكى لي على كل حاجة وقال لي إن الموضوع كله كان غلطة و..."
قاطع حديثها وقال
"عارف إنه كان غلط، وإن حامد كان ناوي يقتل ماما. وخيانة ماما لجوزها مع أبوكي كانت في الأساس تمثيلية من حد من أعدائهم المنافسين. و الموضوع اتقلب في النهاية لجريمة. عارف إنك مالكش دخل في اللي بيحصل ده، لكن للأسف إنتي دخلتي في النص. ما فيش حد وليد هيقدر ينتقم منه غيرك. عارفه؟ هيبدأ بمراد أول حاجة، ابنه، بس ما أعتقدش إنه هيأذي مراد. أو يمكن مش هيخليه يعيش إحساس اليتيم زي ما هو حس بيه. هيخليه يحصلك قريب، بس أنا في النهاية هفضل أحميكي. كان نفس الكلام ده اللي عاوز أقوله لك في وقت مناسب أكتر من كده، لكن للأسف جه في الوقت ده. طب إنتي عارفة كمان وليد كان بيزور أي دليل يجي لك عن موت أبوكي والحادثة القديمة؟ طب إنتي عارفة كمان مين اللي قتل الراجل اللي كان معاكي في الكافيه؟ الإيد اليمين بتاعه يعني. وليد، كنت مغفلة قوي يا سهر."
دخل وليد في اللحظة دي وشاف أمين قريب من سهر لدرجة كبيرة، لكنه ما اهتمش للوضع، وقف قدامها وقال:
"شفتي قد إيه الوضع جميل؟ عشان تعرفي إن أنا هكون رحيم بيكي قوي، قوي. هريحك من العذاب وللابد كمان."
قالت بخوف وهي بتبص على ابنها وراه:
"عملت إيه في مراد يا وليد؟ ابني ده ابنك يا وليد؟ أوعى تكون أذيته. وليه؟ حرام والله. كل دي كانت مؤامرة، كل دي كانت تمثيلية ومدبرة من الأول. فوق يا وليد، قبل فوات الأوان! هحكي لك كل حاجة، ومعايا اللي يثبت كلامي. أنت فاهم الموضوع غلط!"
ما اهتمش لكلامها وقال:
"فات الأوان يا سهور، فات الأوان للكلام ده. دم أمي مش هيروح هدر."
قرب أمين منه وقال:
"يا ابن أمي، إيه رأيك تسيبها تتعذب وتموت هنا؟ هيكون أنسب حل."
وقف شوية وليد، فكر وابتسم ابتسامة خبيثة، وبص لامين وقال:
"تصدق فكرة حلوة، طب يلا بينا ونسيبها هنا."
وبالفعل صدق أمين وكان ماشي، لكن وقف للحظات ورجع بص لوليد اللي واقف مكانه وقال:
"هو أنت بتستهزأ بيا يا وليد ولا إيه؟ يعني برده هي ملهاش ذنب في اللي حصل زمان. إحنا نسيبها هنا تموت لوحدها وخلاص؟"
فضل وليد يضحك كثير وقال له من وسط ضحكاته:
"هو انت مفكرني عبيط ولا إيه؟ ده أنا خلصت على ابني علشان ما يكونش في حاجة تلوي ذراعي. هتيجي أنت بمجرد كلمتين هبل عشان حبيبه القلب وهتأثر عليا؟"
بمجرد ما سهر سمعت الكلمة دي، فضلت تصرخ وتعيط وتحاول إن هي تتحرك، لكن مش قادرة بسبب إيديها ورجليها المتربطين. فضلت تصرخ وتقول:
"فكني يا وليد الكلب، فكني! أنا هقتلك! أنا هشرب من دمك! إزاي وثقت في واحد زيك وسخ وزبالة! أنا بكرهك يا وليد، أنا بكرهك! موت ابنك يا وليد، موت ابنك!.
في لحظة، كان وليد بيخفي عينيه عن أمين، وأمين رش بخاخ مسيل للدموع وقرب من سهر عشان يفكها. وبالفعل فك إيديها، وقامت عدلت نفسها وبدأت تفك في رجليها وهو بيساعدها. لكن وليد كان سبقهم بخطوة، كان عارف إن أمين هيغدر بيه، وكان عامل احتياطه، ولبس عدسات لاصقة لحماية قرنية العين، وخلعها ورماها، وسحب السلاح من وسطه وصوبه عليها وقال:
قال وليد بابتسامة ساخرة:
"كنت عارف إنك كلب وهتغدر باخوك عشان واحدة، لكن دلوقتي هخليك تندم عليها. هخلص عليها وهخليك تبكي على الأطلال زي ما أبوها عمل زمان."
سحب أمين سهر وراء ظهره وقال:
"انت اتجننت يا وليد، صح؟ الانتقام عمى عينك ولا إيه؟ أذيت ابنك وأذيت كل اللي حواليك من غير ما تعرف الحقيقة. أنت اتجننت يا وليد."
قال وليد:
قال وليد بغضب شديد
"أنا فعلاً اتجننت من يوم ما شفت أمي وأبويا بيتقتلوا قدامي.
وعلى مين؟ على إيد أبو الحقيرة دي مراتي اللي كانت وراك.
إنت عارف أنا مطلقها من زمان يعني النهاردة مش بقتل مراتي، أنا بقتل واحدة حقيرة، وأقل ما فيها إنها كانت عايشة مع أخويا من غير جواز شفت بقى إن هي غلطانة."
اتكلم أمين بغضب وهو بيحاول يجرّ سهر لباب الخروج:
"عقلك مفهوش حاجة من يوم الحادثة، إنت عارف كويس إن إيهاب مظلوم وما عملش حاجة، بس إنت ورثت الحقد من أبوك. اللي ما عملوش زمان، إنت دلوقتي بتحاول تعمله. إنت عارف إن إيهاب مظلوم وبنته كمان مظلومة، وأنت لسه مكمل في الغلط."
كان وليد رافض تمامًا فكرة أنهم مظلومين، ودايمًا كان في دماغه فكرة موت أبوه وأمه. كان الحقد والانتقام هما اللي ربوه من صغره، وكل ما يشوفهم قدامه ما كانش يشوف إلا القاتل، ومفيش عنده أدلة أو دليل واضح.
صوب وليد السلاح عليهم وبدأ يلف حوالين المكان في دائرة مغلقة وقال:
طب انت عارف من البداية؟ تزوير موتي. وأحلى حاجة إن هي كانت عارفة إني مش ميت، وكانت مشتركة معايا في التمثيلية دي. عارف ليه ؟ عشان في نظرها كنت أنت القاتل. وللأسف يا عيني المسكينة، ما كانتش عارفة إنك أخويا. طب عارف كمان؟ أنا اللي قتلت إيهاب بعد موتي المزيف، طبعًا. وكل الأدلة كانت بتشير ليك إنك القاتل. وحاجات كتير عملتها وكانت كلها بتتناسب معاك في الآخر يا أخويا، عشان كنت عامل حساب لليوم ده. لحظة إنك هتوقف قدامي عشانها وتسيب حق أمك عشان واحدة تانية خلاص، دلوقتي، وصلت النهاية."
ضغط على الزناد وقال:
"اتشهدي يا سهر."
غمضت عينيها بخوف، وانطلقت الطلقة من سلاح وليد، لكن مسارها اتغير وراحت على قلب أمين.
فله كانت لسه مغمضة عينيها بخوف حتى بعد ما الطلقة انطلقت، حسّت بحاجة بتتطاير على وشّها. غمضت عينيها أكتر من الخوف، وحسّت إن في حاجة وقعت عليها. فتحت عينيها بصدمة، ولقِت إن أمين تفادى الضربة ونزل تحت رجليها. صرخة تلتها صرخة تانية من الألم والكتمان، والقهر على سنين من العمر ضاعت في السراب مع ناس غلط. نزلت لمستوى أمين، مسكت إيده وقالت بصراخ:
"أميــــــــــــن لاااااااا!"
كان رد فعل وليد هو الضحك والسخرية. وقف قدام أمين وقال:
"كنت عارف إن ده هيحصل، وعاجلاً أو آجلاً كنت هشيلك من طريقي نهائي، عشان الخاين ملوش وجود في حياتي."
مسكت سهر في إيد أمين وبدأت تهز فيها، وتقول بصراخ:
"أمين، لا، فوق! ما تموتش يا أمين، لا! حرام عليك يا وليد! حرام عليك! أنا بكرهك! بكرهك!"
قرب وليد منها، مسكها من شعرها وبدأ يسحبها بعيد عن أمين. لكنها كانت متمسكة فيه، شدته وبتبكي. بدأ يضرب برجليه إيديها عشان تسيبه، وغلَّب الألم اللي في جسدها على قوتها اللي كانت أكبر من أي شيء. وثبتت إيدها. بدأ وليد يجرجرها من شعرها لخارج الغرفة، لكن قبل ما يخرج، اتصدم لما لقى الشرطة محوطة المكان بالكامل.
اقترب الملثم، ورفع سلاحه في وجه وليد وقال بصوت حازم:
"سلم نفسك يا وليد، المكان كله محاصر، وما فيش داعي إنك تحاول تعمل أي حركة، لأنك في النهاية هتتسلم في كل الأحوال."
ثم رفع الملثم القناع عن وجهه، وكشف عن ابتسامة واسعة شقت وجهه، وكأن السعادة تملأ قلبه:
"وصلنا للنهاية يا وليد."
نظر وليد إليه بصدمة، وقال بصوت مليء بالدهشة:
"يامن... مش أنت مت؟! إزاي... أنت لسه عايش؟"
قرب يامن منه وهو بيعدل بدلته الميري، ابتسم ببرود وقال:
"شُفت بقى الدنيا أوضه وصاله؟ كنت الإيد اليمين لأكبر زعيم عصابة... ودلوقتي بقيت الراجل اليمين للمخابرات! للأسف يا وليد، ما عرفتَش تلعب اللعبة صح، مع إنك من الأول شَكّيت فيا وعرفت إني كنت جاسوس... وبالفعل قتلتني، بس اللي انت ما كنتش فاهمه، إنك قتلت الجزء الضعيف اللي كان جوايا... إنما دلوقتي، مافضلش مني غير الجبروت!"
وليد كان بيرجع لورا بخطوات مترددة، عينه مش مصدقة اللي بيحصل، وإيده لسه ماسكة السلاح مصوبه على راس سهر اللي كانت واقفة بتبص ليامن بصدمة، عنيها بتوسع مع كل كلمة بيقولها.
تمتمت بصوت مختنق، كأن عقلها مش قادر يستوعب الحقيقة:
"معقول...؟"
كل ده وهي بتتعامل مع ظابط مخابرات وهي مش عارفة!
الرعب بدأ يدب في قلبها أكتر، كل ما كانت بتتحرك لورا وهي بتدور بعنيها حوالين المكان، يمكن تلاقي مراد... بس ماكانش له أي أثر.
سهر بصت لوليد بعينين مليانين دموع، صوتها كان بيرتعش وهي بتصرخ:
"وليد... أنا مش هسيبهم يعملوا فيك حاجة، بس قولي... ابني فين؟! ابني يا وليد!! سيبني، ابني فين؟!"
كانت بتتحرك بعشوائية، بتحاول تفلت منه، ولما نجحت، جرت بسرعة باتجاه يامن، مشاعرها كلها كانت مختلطة ما بين خوف، يأس، وأمل أخير.
في اللحظة دي، سحب وليد الزناد وضغط عليه، طلقته انطلقت بسرعة ناحية سهر، لكن طلقة يامن كانت أسرع... اخترقت رصاصة يامن صدر وليد في منتصفه تمامًا.
وقع وليد على الأرض، أنفاسه تقيلة، عينيه مليانة غضب ودموع، وهو بيتكلم بصوت متقطع، كل كلمة كانت بتخرج منه بصعوبة، كأنها نزيف أخير من روحه المليانة بالحقد:
"لسه ما انتهيناش... موتي مش هيغير حاجة... هيجي اللي يكمل مسيرة الانتقام من بعدي... أنا بكرهكم... بكرهك يا سهر... بكرهك... بكرهك يا أمين... بكرااااا..."
الكلمة الأخيرة طلعت مع آخر نفس ليه، جسمه ارتخى تمامًا، وروحه طلعت للخالق، لكنها ما كانتش روح هادية أو مطمئنة... كانت روح مليانة بالحقد والانتقام، نار الغضب اللي كبرت جواه سنين طويلة بسبب أفكار ومعتقدات غلط اتزرعت في عقله من العدم.
يمكن... لو كان فهم الحقيقة من الأول، ما كانش ده هيبقى مصيره... لكن في النهاية، أمر الله نفذ.
يامن لحق سهر قبل ما تقع على الأرض، سندها كويس بإيديه، لكن لحظات وبدأ جسمها يرتجف بين إيده.
رفعت وشها له بعيون مليانة دموع وخوف، مسكت إيده بقوة كأنها بتتشبث بآخر أمل وقالت بصوت متقطع:
"ابني... وليد قتل ابني... مراد...؟!"
يامن شد على إيديها بقوة، صوته كان هادي لكنه مليان ثقة وهو بيطمنها:
"ما تقلقيش، أنا وعدتك إن ابنك هيكون بخير... وبالفعل، مراد كويس دلوقتي، ما تقلقيش عليه، هو بخير. وليد ما لحقش يأذيه... لأنه في الأول وفي الآخر، ابنه."
الخوف اللي كان مسيطر عليها اتحول لابتسامة ضعيفة، كأنها لسه مش مصدقة، بس قلبها كان متعلق بكلمة واحدة…
"إنت متأكد؟! طب هو فين دلوقتي؟! رد عليا يا يامن... قلبي محروق على ابني، عايزة أشوفه!"
رد عليها يامن وهو بيسندها عشان تقف، لكن رجليها ما قدرتش تشيلها بسبب الجروح اللي عندها. اضطر يشيلها بين إيده، وبمجرد ما شالها، حست بارتخاء في كل عضلات جسمها، وعينيها غمضت بهدوء… غابت عن الوعي.
غابت لساعات محدودة… لكن الساعات تحولت لأيام، والأيام تحولت لسنين…
سنين طويلة عدت، مليانة وجع وشوق وظلم، انتهى الحزن… لكن أثره ما زال محفور جواها.
عشر سنين فاتوا، حاجات كتير اتغيرت…
سهر ما بقتش زي زمان، بقت شخصية انطوائية جدًا، نادرًا ما بتخرج من البيت، حياتها كلها بقت متمحورة حوالين ابنها، لأنه الحاجه الوحيدة اللي فضلت لها في الدنيا. كبر مراد، بقى شاب في سن الرشد، وأصبح هو الحامي الوحيد لها بعد الله. كان بيشوف في عيونها خوف دفين، خوف من الماضي، من الناس، ومن الحياة نفسها.
أما يامن… فحاول بكل الطرق إنه يقرب منها، يكسب حبها وثقتها من جديد، لكنه في كل مرة كان بيواجه برودها وبعدها، كأنها بقت حائط صلب ما بيتكسرش. رغم كل محاولاته اللي فشلت، ما فقدش الأمل… وفضل جنبها، مستمر في محاولاته، مستني اليوم اللي قلبها يلين فيه من جديد.
خرج يامن من مركز المخابرات، وفجأة لمح مراد واقف قدامه. قرب منه بسرعة، وعينه مليانة قلق ولهفة وهو بيقول:
"في إيه يا مراد؟! يا حبيبي، إنت بتعمل إيه هنا؟ إنت كويس؟ وماما كويسة؟ في حاجة؟!"
مراد ابتسم له بهدوء وقال:
"مافيش حاجة يا أونكل، أنا كنت قريب من هنا فقلت أعدي عليك، بقالنا فترة ما شفناش بعض. وبعدين... إنت عارف إن خلاص فاضل لي كام شهر وهقدم على الكلية، فمحتاج حضرتك معايا."
