رواية حين تهاجر الروح الفصل الخامس والاخير بقلم فراس النابلسى
حين تهاجر الروح
البارت الخامس
بعد مرور أيام على الحيرة والشكوك التي أصابتهم داخل تلك الغرفة الغامضة، قرر سادن ومهيار أن يتحركوا للأمام. لقد بدأوا يقتنعون أن ما يمرون به لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة أو لعبة عابرة. كانوا يتجهون الآن نحو المجهول، لكن الأمل كان يزداد مع كل خطوة.
مهيار (وهو يتنهد): "أنت مستعد؟ الطريق طويل، ومش عارفين شو رح يواجهنا."
سادن (بتفكير عميق): "ما في خيار تاني. لازم نكتشف الحقيقة، ونبدأ حياتنا من جديد، خصوصًا بعد كل اللي مرينا فيه."
وبينما كان الحديث بينهما يدور، استقلوا الطائرة المتجهة إلى أوروبا. كانت الرحلة طويلة، والشعور بالغربة يزداد مع مرور الوقت. سادن لم ينسَ تلك الصورة الغريبة التي ظهرت على الشاشة في الغرفة، وبدأ يفكر بعمق في تأثيرات هذا العالم المجهول عليهم.
عندما هبطوا في مطار برلين، أحسوا بصدمة هائلة. المكان كان مختلفًا تمامًا عن كل ما اعتادوا عليه. الهواء كان مختلفًا، والشوارع أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى. لكن ما كان أكثر إثارة للدهشة هو الشعور بالوحدة. سادن شعر وكأنه لا ينتمي هنا. كانت لغة جديدة، وجوًا مختلفًا عن كل ما عرفه.
سادن (بهمسات، وهو ينظر حوله): "هوا غير... الناس غير... بس حتى هون، عندي شعور غريب."
مهيار (يبتسم قليلًا): "كل شيء جديد، لازم نتحمل شوي لحتى نلاقي الطريق."
انطلقوا من المطار إلى أحد الفنادق الصغيرة في المدينة. كان الجو باردًا بشكل غير متوقع، والمدينة تبدو مكتظة بالحركة. بين الحين والآخر، كان سادن يتذكر كلمات الرجل الغريب: "أنتم جزء من شيء أكبر منكم."
مهيار (بحذر): "طيب، في فكرة؟ ما رح نبقى هون كتير، صح؟"
سادن (مجدداً تفكيره): "ما بعرف، في شيء مش واضح بعد. لكن هالمدينة، كل شيء فيها يوحي أنه في أسرار لازم نكتشفها."
مكثوا في الفندق لأيام، يراقبون المدينة ويحاولون إيجاد أي خيط يقودهم إلى ما كانوا يبحثون عنه. كانوا بحاجة إلى معرفة المزيد، لكن لا أحد منهم كان يعلم من أين يبدأ. وفي أحد الأيام، بينما كان سادن يتجول في الشوارع، وقع نظره على لافتة غريبة في إحدى الزوايا المظلمة.
سادن (وهو يقرأ اللافتة بصوت منخفض): "هل هي... منظمة؟"
اللافتة كانت تشير إلى "مجموعة أبحاث" مع عنوان لمكان بعيد في ضواحي المدينة. لم يتردد سادن في التوجه مباشرة إلى المكان، معتقدًا أن هذا قد يكون الدليل الذي كانوا بحاجة إليه.
في المكان، الذي كان يبدو وكأنه مركز أبحاث غريب، التقى سادن بمسؤول كبير كان يدير المكان. كان الرجل يبدو في منتصف العمر، عينيه مليئتين بالذكاء، لكنه كان غريبًا بطريقة غير مفهومة.
الرجل الغريب (بابتسامة باردة): "أهلاً بك في مركز الأبحاث، لكن حذارِ، فكل شيء هنا ليس كما يبدو."
سادن (بشك): "مركز الأبحاث؟ في أي علاقة بين هذا المكان وما مررنا فيه من قبل؟"
الرجل الغريب (بجدية): "كل شيء متصل. هناك خيوط لا تراها الآن، لكنها ستكون واضحة في الوقت المناسب."
بدأت شكوك سادن تتصاعد. هذا المكان كان مليئًا بالأسئلة أكثر من الإجابات. ومع ذلك، بقي مع مهيار هناك لأيام، يحاولان الوصول إلى شيء قد يوضح لهم الصورة كاملة. لكن في كل يوم، كانوا يواجهون تحديات جديدة، سواء كانت عقبات قانونية أو تهديدات غير مباشرة.
مهيار (مهمهمًا): "ما عم نقدر نطلع منها، في حواجز كبيرة قدامنا."
سادن (بتفكير): "يبدو أن الشخص اللي عرفنا عنه في الغرفة، هو نفسه يلي خلف هالمركز. لازم نعرف أكثر عنهم، لأن هني وراء كل شيء."
وفي إحدى الليالي، بينما كان سادن ومهيار يتناقشان حول خططهم المستقبلية، تم اقتحام مركز الأبحاث من قبل مجموعة من الأشخاص المجهولين الذين كانوا يرتدون زيًا أسودًا. في تلك اللحظة، اكتشفوا أن هذه كانت بداية سلسلة جديدة من المواجهات.
الرجل الغريب (وهو ينظر إليهم بنظرة حادة): "كنتم دائمًا جزءًا من اللعبة. والآن، حان الوقت لتمشوا على دربكم."
كانت السماء ملبدة بالغيوم حين وطأت قدما سادن ومهيار أرض أوروبا لأول مرة. الجو البارد تسلل إلى عظامهم، لكن الغرابة لم تكن في الطقس، بل في الشعور العميق بأنهم خرجوا من عالم ودخلوا إلى آخر لا يعرفونه بعد.
مهيار (وهو ينظر حوله بتوتر): "وين رح نروح هلق؟ نحنا حتى ما منعرف حدا هون!"
سادن (بهدوء لكنه متوتر من الداخل): "بدنا نلاقي طريقة نبدأ فيها، سواء شغل أو مكان ننام فيه، ما عنا خيار."
بينما كانا يتبادلان الحديث، لم يلحظا الفتاة التي كانت تقف على بُعد خطوات منهما، تسترق السمع لحديثهما. كانت ترتدي معطفًا طويلًا، شعرها مغطى بوشاح خفيف، وعينيها تحملان مزيجًا من الفضول والحذر.
اقتربت الفتاة بخطوات بطيئة، قبل أن تتحدث بصوت هادئ لكن واثق:
نيروز: "ما لازم توقفوا هون كتير، الشرطة دايمًا بتراقب أماكن وصول اللاجئين الجدد."
التفت مهيار وسادن إليها بسرعة، وكأنهما لم يتوقعا أن يسمع أحد حديثهما.
سادن (بارتباك): "إنتِ... بتعرفي نحكي عربي؟"
نيروز (تبتسم بخفة): "وليش مستغرب؟ هون في عرب أكتر مما بتتخيل، بس مو الكل رح يساعدك."
كان في نبرة صوتها شيء يجذب الانتباه، خليط من الذكاء والغموض مع شيء من الحذر. نظر سادن إلى مهيار، ثم عاد ببصره إلى نيروز.
مهيار (بفضول): "ونحنا كيف فينا نعرف إذا إنتِ بدِّك تساعدينا ولا لا؟"
نيروز (بعينين ثاقبتين): "ما عندكن خيار تاني، مو هيك؟"
اصطحبتهم نيروز إلى أحد المقاهي الصغيرة في حي بعيد عن مركز المدينة، حيث لا تكثر العيون المراقبة. جلست أمامهما، أزالت وشاحها عن رأسها قليلاً وكشفت عن ملامحها الحادة. كانت شابة في منتصف العشرينات، لكن في عينيها قصة لم تُحكَ بعد.
سادن (متوجسًا): "إنتِ عايشة هون من زمان؟"
نيروز (بتنهيدة): "من خمس سنين، بس لهلق ما بحس إني وصلت عنجد."
مهيار (بفضول): "ليش؟"
نيروز (تنظر إلى الخارج حيث المطر بدأ بالتساقط): "لأن الغربة مو بس مكان جديد... الغربة أكبر بكتير من هيك."
كان في صوتها نبرة ألم حاولت إخفاءها، لكن لم يفت ذلك على سادن. لقد تعلم أن يميز متى يكون الشخص مثقلًا بشيء لا يريد البوح به.
سادن (بهدوء): "كل واحد عنده قصته، بس نحنا لازم نبدأ من مكان."
نيروز (تراقب عينيه مطولًا قبل أن تجيب): "إذا عنجد بدكن تبدأوا، لازم تكونوا مستعدين تدفعوا ثمن الغربة."
كانت نيروز تعرف طرق البقاء في هذا العالم القاسي، لكن كان عليها أن تعرف إن كانا مستعدين لسماع الحقيقة.
نيروز: "بتعرفوا شو أصعب شي بالغربة؟ مو إنك تكون غريب، بس إنك تصير واحد من الكل بس ما تحس إنك منهم أبداً."
مهيار (يهز رأسه بأسى): "يعني حتى لو تأقلمنا، رح نبقى نحس حالنا برات المكان؟"
نيروز (بنبرة جادة): "الغربة بتغيرك، بتكسر منك شغلات، وبتخليك تعيد بناء نفسك بطريقة جديدة. مو الكل بيقدر على هالشي."
نظر سادن إليها مطولًا. كان في كلامها شيء يلامس إحساسه العميق، لكنه لم يكن يريد الاستسلام لهذه الفكرة. هو لم يترك كل شيء خلفه ليجد نفسه غريبًا حتى بعد الوصول.
سادن (بإصرار): "وإذا قررنا نحارب هالإحساس؟"
نيروز (تبتسم نصف ابتسامة): "ساعتها بتكونوا استوعبتوا الدرس الأول بالغربة: ما في شي رح يكون سهل، بس إنت بتقرر إذا رح تخسر حالك أو تخلق حياة جديدة."
قضوا الليلة في منزل صغير استأجرته نيروز مؤقتًا. لم يكن فاخرًا، لكنه كان كافيًا. جلس الثلاثة على طاولة الطعام المتواضعة، بينما كانت نيروز تكتب على ورقة أمامها.
نيروز (بهدوء): "في شغل ممكن تحصلوا عليه، بس مو قانوني تمامًا. إذا كنتوا مستعدين تمشوا بهالطريق، أنا فيني ساعدكن."
مهيار (بارتباك): "يعني قصدك...؟"
نيروز (تنظر إليه بجدية): "هون، يا بتعيش ضمن النظام، يا بتدور عالفرص الممنوعة. القرار إلكن."
تبادل سادن ومهيار النظرات. كان هذا الاختبار الأول الحقيقي لهم في هذه الأرض الجديدة، وكان عليهم أن يقرروا أي طريق سيسلكون.
جلس سادن ومهيار في زاوية الغرفة، بينما كانت نيروز ترسم خريطة للأيام القادمة. كان الجو مشحونًا بتوتر القرارات التي لا رجعة فيها.
مهيار (بتردد): "يعني ما في أي فرصة لشغل قانوني؟ حتى لو كان بسيط؟"
نيروز (تتنهد): "هون، بدون أوراق، ما رح تلاقي شي إلا بالأسود. مطاعم، ورشات، تنظيف... بس كله بيجي مع استغلال، رواتب ضعيفة، وما في ضمان. بس إذا بتعرف كيف تتحرك، ممكن تعمل مصاري منيحة."
سادن (بهدوء لكن بحزم): "إنتي كيف قدرتي تعيشي هون خمس سنين؟"
نيروز (تبتسم بسخرية): "تعلمت القوانين يلي ما بتكتب. تعلمت كيف أكون شفافة لما لازم، وكيف أكون قوية لما بحتاج. بس الأهم... تعلمت إنو بهي البلاد، يا بتكون جزء من اللعبة، يا بتكون الضحية."
كان كلامها قاسيًا، لكنه لم يكن بعيدًا عن الحقيقة التي بدؤوا يلمسونها بأنفسهم.
قررت نيروز أن تعرف مدى قدرة الاثنين على التأقلم. أخذتهما إلى أحد الأحياء الشعبية، حيث يعمل أغلب المهاجرين في وظائف غير رسمية.
نيروز (بهدوء وهما يدخلان إلى ورشة قديمة): "هون بيشغلوا يلي ما عندن أوراق. الشغل صعب، والراتب قليل، بس أحسن من لا شي."
قابلهم رجل خمسيني ببشرة سمراء وعينين حادتين، نظر إليهما بتقييم سريع قبل أن يقول بصوت خشن:
الرجل: "بتعرفوا تشتغلوا بإيدكن؟"
مهيار (بثقة): "بنعلم."
الرجل (يضحك بسخرية): "هون، ما في وقت للتعلم. يا بتعرف، يا بتروح."
نظرت نيروز إلى سادن، الذي تقدم وأمسك بأحد الأدوات على الطاولة، وبدأ بإصلاح قطعة ميكانيكية قديمة دون تردد. الرجل نظر إليه باهتمام، ثم التفت إلى مهيار، الذي أمسك بمطرقة وبدأ بالعمل كما لو أنه يفعل هذا منذ سنوات.
الرجل (بعد لحظات من المراقبة): "مو سيئين. بتجربوا يومين، إذا كنتوا مفيدين، بتضلوا."
التفت سادن إلى نيروز، نظراته تحمل تساؤلًا صامتًا: هل هذه هي الحياة التي سنعيشها؟
لكن نيروز لم تقل شيئًا، فقط رمقتهما بنظرة تدل على أن هذه ليست سوى البداية.
بعد يوم شاق في الورشة، جلست نيروز معهما في مقهى صغير بعيد عن أعين الشرطة. كانت تعبث بكوب قهوتها بينما يتأمل مهيار يديه المتسختين بالزيت.
مهيار (بتنهيدة): "ما كنت متخيل حياتنا هون هيك..."
نيروز (ببرود): "شو كنت مفكر؟ شغل بمكتب مكيف وراتب محترم؟ هون، اللاجئ ما بيبلش من الصفر، بيبلش من تحت الصفر."
سادن (يفكر للحظة قبل أن يسأل): "وإنتي كيف بلشتي؟"
للمرة الأولى، بدا أن نيروز تفقد توازنها قليلاً، كأنها لم تكن تتوقع السؤال. نظرت إليه بصمت للحظات، ثم قالت بصوت منخفض:
نيروز: "بلشت متل الكل... كنت عم أركض من واقع، وأدور على مستقبل. بس الفرق إني فهمت القاعدة قبل ما تكسرني."
سادن (بتحليل): "يعني مرقتِ بشي أصعب من يلي عم نمر فيه؟"
نيروز (تبتسم بمرارة): "الغربة مو بس مكان، الغربة تجربة... والتجربة يا بتعلمك، يا بتدمرك."
بعد أيام، بدأ سادن ومهيار ينسجمان مع العمل، لكنهما علما أن الحياة هنا لن تكون عادلة أبدًا. أحد العمال تعرض لحادث بسيط، لكن صاحب الورشة طرده فورًا دون تعويض.
مهيار (بغضب وهم خارجون من الورشة): "يعني هيك، بس لأنو انصاب؟!"
نيروز (بهدوء قاتل): "هون، يلي بيوقع، ما حدا بيسأل عنو."
توقف سادن فجأة، نظر إلى مهيار، ثم إلى نيروز وقال بجدية:
سادن: "إذا هيك القوانين... شو لازم نعمل لننجح؟"
ابتسمت نيروز للمرة الأولى ابتسامة كاملة، وكأنها انتظرت هذا السؤال طويلًا.
نيروز: "أخيرًا... بلشت تفهم."
كانت الأيام تمضي ببطء، لكنها مليئة بالتحديات. بدأ سادن ومهيار يتأقلمان مع الحياة في الورشة، لكنهما كانا يعلمان أن الاستمرار بهذا الشكل ليس حلًا طويل الأمد.
ذات مساء، اجتمع الثلاثة في شقة نيروز الصغيرة، التي بالكاد تتسع لهم جميعًا.
مهيار (بإرهاق وهو يخلع سترته): "ما فيني أستمر هيك... تعبت!"
نيروز (ترفع حاجبها بسخرية): "تعبت بعد أسبوعين؟ وبتفكر حالك رح تصمد؟"
مهيار (بعصبية): "أنا ما هربت من الموت بس لأعيش متل العبد!"
سادن (بهدوء، لكنه حازم): "طيب، شو الخيارات؟"
التفتت نيروز إليه، نظراتها تدل على أنها كانت تنتظر منه هذا السؤال.
نيروز: "في طريقتين لتعيش هون: يا بتضل تحت، تشتغل مثل الحشرات وما حدا بيهتم إذا متت... يا بتتعلم كيف تلعب اللعبة صح."
سادن (يراقبها بتركيز): "وشو قصدك باللعبة؟"
نيروز (تغمض عينيها لوهلة ثم تتحدث ببطء): "كل بلد عنده قوانينه غير المكتوبة. هون، القانون بيقول إنو يلي عنده معارف... هو يلي بينجح."
مهيار (بتوجس): "قصديك ندخل بشي تجارة مشبوهة؟"
نيروز (تضحك ببرود): "أنا ما قلت هيك... بس في كتير طرق أسرع من الورشة إذا كنت زكي."
نظر سادن إليها مطولًا، وكأنه يحاول قراءة نواياها، لكنه كان يعلم أنها لم تكن تكذب.
بعد أيام، اصطحبتهم نيروز إلى أحد المطاعم التي تملكها عائلة مهاجرة مثلهم، لكنها كانت قد نجحت في بناء شبكة علاقات قوية.
استقبلهم رجل ضخم البنية، بملامح حادة وابتسامة نصفية لا توحي بالثقة.
الرجل (ينظر إلى نيروز): "هدول الشباب يلي حكيتي عنن؟"
نيروز (بثقة): "إيه، شاطرين وأوادم، بس بدون فرصة حقيقية."
التفت الرجل إليهما، ثم قال بلهجة عملية:
الرجل: "عنا شغل، بس بدنا ناس يعتمد عليهم. المطعم واجهتنا، بس عندنا خدمات تانية..."
مهيار (يشد حاجبيه): "شو نوع الخدمات؟"
الرجل (يبتسم ببرود): "توصيل، ترتيب أمور، مساعدات لناس مثلنا. ما في شي غير قانوني، بس لازم يكون عندك قلب قوي."
نظر سادن إلى نيروز، وكأنه يسألها هل هذا الطريق الذي سلكته؟ لكنها لم تظهر أي تعبير، فقط نظرت إليه كأنها تترك القرار لهما.
سادن (بهدوء لكنه حاسم): "رح نجرب، بس إذا حسينا إنو في شي غلط، منترك."
ابتسم الرجل، ثم مد يده للمصافحة:
الرجل: "هيك بحب الشباب يلي بيعرفوا شو بدهم."
بدأت مهامهم ببساطة: توصيل طرود لأشخاص في أماكن متفرقة داخل المدينة. في البداية، لم يطرحوا الكثير من الأسئلة، كانت العملية تبدو قانونية، أو على الأقل ليست خطرة كما كانوا يخشون.
في إحدى الليالي، بينما كان سادن ومهيار في طريقهما لتسليم طرد في حي بعيد عن وسط المدينة، لاحظ مهيار أن الرجل الذي استلم الطرد كان متوترًا بشكل مريب.
مهيار (يتمتم وهو يعود إلى السيارة): "في شي غلط… هاد الزلمة كان عم يرجف متل الورقة!"
سادن (بهدوء وتحليل): "يمكن لأنه لاجئ متلنا، وخايف من أي مشاكل."
مهيار (ينظر إليه بجدية): "أو يمكن لأنو الطرد يلي سلمناه ما كان مجرد ورق!"
تجاهل سادن تعليقه في البداية، لكن الشك بدأ يتسلل إلى ذهنه أيضًا. قررا أنه في المرة القادمة، سيحاولان معرفة المزيد عن طبيعة ما يوصلاه.
في الليلة التالية، حصل مهيار على فرصة لتفتيش أحد الطرود عندما ابتعد الشخص الذي كان من المفترض أن يسلمه. فتحه بسرعة ليجد داخله رزمًا من الأموال، بعضها كان يبدو قديمًا ومشوهًا.
مهيار (يلتفت إلى سادن بصدمة): "هاد… هاد غسيل أموال، مو مجرد توصيلات عادية!"
سادن لم يظهر أي انفعال، لكنه شعر أن الأمور بدأت تتخذ منحى مختلفًا.
سادن (يفكر بصوت عالٍ): "إذا هاد صحيح، معناتا نحنا صرنا جزء من شبكة أكبر مما كنا مفكرين."
عندما عادوا إلى المطعم لمواجهة نيروز، وجدوا أنها كانت تتوقع هذا الحديث.
نيروز (ببرود وهي تحتسي قهوتها): "تأخرتوا لتكتشفوا الحقيقة."
مهيار (بغضب مكبوت): "كنتي بتعرفي؟!"
نيروز (تضع الكوب بهدوء على الطاولة): "طبعًا بعرف، بس كنت بدي شوف إذا رح تستوعبوا لحالكن. شو ناويين تعملوا هلأ؟"
نظر الاثنان إلى بعضهما البعض، وكأنهما يحاولان تقييم الموقف. لم يكن الأمر سهلًا، لكنهما كانا يعلمان أن اتخاذ قرار الآن أهم من أي وقت مضى.
سادن (بصوت ثابت): "ما رح نكون بيادق، بدنا نعرف أكتر."
ابتسمت نيروز، وكأنها كانت تنتظر هذا الرد.
نيروز: "إذا هيك، تعالوا معي… خليني فرجيكم الوجه الحقيقي للعالم يلي دخلتوا عليه."
قادتهما نيروز إلى أحد الأحياء الفاخرة، حيث توقفت أمام بناية زجاجية ضخمة. دخلت بثقة، تبعها سادن ومهيار بحذر.
في الداخل، كان المكان أشبه بمكتب أعمال قانوني، لكن الجو كان يحمل شيئًا آخر، شيئًا غير مرئي لكنه محسوس.
استقبلهم رجل في الأربعينات، ذو ملامح حادة وعينين تخفيان الكثير من الأسرار.
الرجل (ينظر إلى نيروز): "إذن… هدول الشباب هني يلي حكيتي عنن؟"
نيروز (تبتسم بخبث): "إيه، وبدو يعرفوا أكتر عن الشغل."
الرجل (يضحك بهدوء): "الفضول منيح، بس مرات بيكون خطير."
ثم التفت إلى سادن ومهيار، وقبل أن يتحدثا، قال بصوت ثابت:
الرجل: "هلأ إنتو دخلتوا على مرحلة ما فيها تراجع… يا بتكونوا جزء من هاد العالم، يا بتختفوا منه."
ساد الصمت، بينما شعر سادن بأنهما على وشك الدخول إلى نقطة اللاعودة.
يتبع...
#بقلم_فراس_النابلسي
حين تهاجر الروح
البارت السادس
وقف سادن ومهيار أمام الرجل الغامض، الذي بدا وكأنه يحكم شبكة كاملة من الخيوط غير المرئية. كانت كلماته الأخيرة ترن في أذهانهما:
"يا بتكونوا جزء من هاد العالم، يا بتختفوا منه."
مهيار (بغضب مكبوت): "هاد تهديد؟"
الرجل (يبتسم ببرود): "لا، هاد واقع. أنتو فتتوا عالم ما بيقبل نص خطوة… يا بتكملوا، يا بتتلاشوا."
كان القرار أصعب مما تخيلا. التراجع قد يعني مطاردتهم، والمضي قدمًا يعني الغرق في شيء لا يعرفون حدوده بعد.
سادن (بهدوء لكن بحزم): "ما رح نكون بيادق، بدنا نفهم كل شي."
نظر الرجل إليه نظرة عميقة، ثم أشار بيده لنيروز.
الرجل: "خديهم لعند 'الأب'، إذا قبل فيهم… فهنن صاروا جزء من العائلة."
تجمدت نيروز لثانية، نظراتها لمعت بشيء من القلق.
نيروز: "أكيد؟ الأب ما بيتعامل مع حدا جديد بسهولة."
الرجل (بابتسامة غامضة): "هاد اختبارهم الأخير."
قادتهما نيروز إلى مكان مختلف تمامًا عن أي شيء سبق أن رأوه. هذه المرة، لم يكن مطعمًا ولا مكتبًا، بل كان قصرًا صغيرًا على أطراف المدينة، تحيط به أسوار عالية وكاميرات مراقبة في كل زاوية.
مهيار (يهمس بسخرية): "هاد بيت ولا سجن؟"
نيروز (بصوت منخفض): "هاد مقر 'الأب'… أهم شخص بهاد العالم."
عند دخولهما، قادتهما نيروز إلى غرفة ضخمة، حيث جلس رجل ستيني ذو لحية بيضاء مرتبة، مرتديًا بدلة أنيقة، لكن نظراته كانت تحمل قسوة واضحة.
الأب (بصوت هادئ لكن قوي): "سمعت إنو في شباب جدد عم يدوروا عالفرصة."
سادن (بتركيز): "عم ندور على مكان نثبت حالنا فيه… بس بدون نكون مجرد أدوات."
ضحك الأب ضحكة قصيرة، ثم أشار إليهما بالجلوس.
الأب: "كلنا كنا أدوات بوقت من الأوقات، بس السؤال… كيف فيك تصير الشخص يلي بيمسك الخيوط بدل ما يكون جزء منها؟"
مهيار: "ونحنا كيف فينا نوصل لهالمرحلة؟"
تغيرت ملامح الأب، ثم انحنى للأمام وقال بصوت خافت:
الأب: "كل شي له ثمن، وشو ما كان الطريق يلي بدك تسلكه… لازم تكون مستعد تدفعه."
ثم أشار لنيروز، التي وقفت وأخرجت ظرفًا من حقيبتها، وضعته أمامهما.
الأب: "هاد آخر اختبار… إذا نجحتوا، بتصيروا جزء من العائلة. وإذا فشلتوا…"
لم يكمل الجملة، لكنه لم يكن بحاجة لذلك. سادن ومهيار تبادلا النظرات، ثم مد سادن يده وفتح الظرف.
في الداخل، كانت هناك صورة لرجل، مع تفاصيل عنوانه ومكان عمله.
مهيار (بصدمة): "هاد… عملية تصفية؟!"
الأب (بهدوء قاتل): "خليني أوضح شي… يلي بدو يكون له مكان هون، لازم يعرف إنو العالم الحقيقي ما فيه خير وشر، فيه ناس بيعيشوا… وناس بيختفوا."
وقف مهيار بغضب، لكن سادن أمسك بذراعه، نظراته كانت متجمدة وكأن العاصفة تدور في داخله.
سادن (بصوت منخفض لكنه حاد): "وأنا إذا رفضت؟"
الأب (يبتسم بخبث): "ما في شي اسمو رفض، يا بتكون مع العائلة… يا بتصير ضدها."
مرت لحظات ثقيلة، وكأن الزمن توقف. هذه كانت لحظة القرار… لحظة اللاعودة.
ساد الصمت بعد كلمات الأب الأخيرة، لكن التوتر في الغرفة كان كفيلاً بملئها بالكامل. مهيار كان على وشك الانفجار، بينما سادن كان أكثر هدوءًا، لكنه لم يكن أقل توترًا.
مهيار (بغضب مكبوت): "عم تقلي يا منكون قتلة… يا منكون ضحايا؟"
الأب (بهدوء شديد): "لا، عم قلك يا بتكونوا ناجحين… يا بتكونوا منسيين."
نظر سادن للصورة مجددًا، كان الرجل فيها يبدو عادياً، مجرد شخص يمشي في الشارع غير مدرك أنه قد يكون المستهدف التالي.
سادن (بتفكير عميق): "ليش هاد الشخص بالذات؟"
نظر الأب إلى نيروز، التي تقدمت خطوة للأمام وتحدثت بصوت هادئ لكن جاد:
نيروز: "هاد الرجل مو بريء متل ما بتفكروا، هو كان جزء من شبكة منافسة وعم يحاول يخرب شغل العائلة. ببساطة، إذا ما تحركنا نحنا، هو رح يتحرك أول."
مهيار (بانفعال): "ونحنا شو دخلنا؟ مو شغلتنا نقتل ناس ما منعرفهم!"
ابتسم الأب ببرود، ثم وقف واتجه نحو النافذة.
الأب (بصوت ثقيل): "كل شي بحياتكم له تمن… من يوم ما طلعتوا من بلدكم، كل خطوة خطيتوها كانت خطوة تجاه هاد العالم. اليوم… لازم تقرروا إذا بدكم تكونوا مجرد لاجئين عم يركضوا من المصير… أو رجال عندهم سلطة وقرار."
التفت إليهما بحدة، عيناه كأنهما تخترقان أرواحهما.
الأب: "عندكم 24 ساعة لتقرروا. يا بتنفيذوا المهمة… يا بتنتهوا."
ثم أشار لنيروز لتأخذهما للخارج.
خرجوا من القصر بصمت، لكن بمجرد أن ابتعدوا عن بوابته، التفت مهيار بغضب إلى نيروز.
مهيار (ينفجر غاضبًا): "كنتي بتعرفي كل هاد من الأول وما خبرتينا؟!"
نيروز (ببرود): "شو كنتوا مفكرين؟ إنو الشغل بهالمكان رح يكون مجرد توصيلات ورواتب؟ العالم مو بهالبساطة، يا بتكونوا جزء من اللعبة، يا بتكونوا ضحاياها."
سادن لم يقل شيئًا، كان يفكر… خياراتهم كانت محدودة، لكن لم يكن مستعدًا ليصبح قاتلاً مأجورًا.
سادن (بهدوء لكنه قاطع): "ما رح نقتل حدا."
نيروز ضيّقت عينيها وكأنها كانت تتوقع هذا الجواب.
نيروز: "إذا هيك، عندكم حل واحد بس… تهربوا."
مهيار (بصوت منخفض لكن مليء بالغضب): "نهرب؟ ونضل كل حياتنا هاربين؟"
نيروز: "أهون من تكونوا مطاردين من عائلة ما بتعرف الرحمة."
سادن فكر للحظة، ثم نظر إليها مباشرة.
سادن: "أنتِ… ليش عم تساعدينا؟"
ترددت نيروز للحظة، ثم تنهدت وأجابت بصوت خافت:
نيروز: "لأنو أنا كمان كنت متلكم… بس لما كان وقت قراري، ما كان عندي حدا يورجيني طريق تاني."
نظر إليها مهيار مطولًا، ثم قال بجدية:
مهيار: "إذا في طريق تاني… ورجينا ياه."
بعد ساعات طويلة من النقاش والتخطيط، قررت نيروز مساعدتهما على الهروب. كان لديها اتصال بشخص قادر على تهريبهما خارج المدينة قبل أن يكتشف الأب قرارهما.
لكن المشكلة كانت الوقت… إذا لم يتحركوا خلال الساعات القادمة، فقد لا يحصلون على فرصة أخرى.
نيروز (بحزم): "بكرة قبل الفجر… لازم تكونوا جاهزين. سيارة رح تاخدكم لمكان بعيد، بعدين بتكملوا لحالكم."
نظر سادن ومهيار إلى بعضهما البعض، كان هذا قرارهما الأخير…
إما الهروب والمجهول، أو البقاء والموت البطيء داخل هذا العالم.
الساعة كانت تقترب من الرابعة فجرًا، المدينة ما زالت نائمة، لكن قلوبهم لم تعرف النوم. وقف سادن ومهيار في الزاوية الخلفية للمبنى المهجور، حيث كانت نيروز تنتظرهما بجانب سيارة سوداء، محركها يعمل بصمت.
نيروز (بصوت منخفض): "عندكم خمس دقايق، بعدا لازم نتحرك."
كان الجو مشحونًا، يعرفون أن هذا القرار لا رجعة فيه. نظر مهيار إلى سادن، ثم إلى نيروز.
مهيار (بقلق): "إذا اكتشفوا يلي صار، رح يدوروا علينا بكل مكان."
نيروز: "لهيك لازم تضلوا خطوة قدامهم… ما توقفوا، ما ترجعوا لورا، وما توثقوا بحدا."
سادن لم يقل شيئًا، كان يشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، لكنه لم يكن قادرًا على تحديده. دخل السيارة دون تردد، تبعه مهيار بعد لحظة من التردد.
نيروز أغلقت الباب خلفهما وقالت للسائق:
نيروز: "امشي بسرعة، وما توقف لأي سبب كان."
السيارة تحركت بهدوء، تاركة خلفها المدينة التي أصبحت فخًا كبيرًا.
لم يكن الأمر بهذه السهولة… بعد أقل من عشر دقائق من التحرك، بدأت الهواتف في الرنين. نيروز نظرت إلى شاشتها، وعيناها اتسعتا.
نيروز (بصوت منخفض مليء بالتوتر): "اكتشفوا هروبكم."
قبل أن تكمل كلامها، انطلقت صافرات الإنذار في الشوارع الخلفية، وظهرت سيارتان سوداوين خلفهم بسرعة.
مهيار (بذعر): "لك شو هاد؟! كأنهم كانوا ناطرينا!"
سادن (بهدوء قاتل): "هاد يعني إنو لازم نطلع من هون بأسرع وقت."
السائق زاد السرعة، لكن السيارات الخلفية لم تكن تمزح. واحدة منهما اقتربت أكثر، وفتحت نافذتها الجانبية… كان هناك رجل يحمل مسدسًا.
نيروز (بغضب): "نزل راسك!"
قبل أن يفهم مهيار وسادن ماذا يحدث، أخرجت نيروز مسدسًا صغيرًا وأطلقت رصاصة أصابت إحدى عجلات السيارة الخلفية، مما جعلها تنحرف وتصطدم بالجدار.
لكن السيارة الثانية لم تتوقف، بل زادت سرعتها أكثر، حتى أصبحت على بعد أمتار منهم.
سادن (بحزم): "لازم نغير الطريق، إذا ضلينا بهالمكان رح يلحقونا بسهولة."
نيروز: "في نفق تحت المدينة، إذا وصلنا له قبلهم… فينا نضيعهم!"
لكن كان هناك مشكلة… المدخل كان يبعد عنهم دقيقتين فقط، ولكن
مهيار (بصوت مرتجف): "بس كيف رح نوصل؟ هنن أقرب مننا!"
كان الطريق أمامهم شبه فارغ، لكن السيارة السوداء التي تلاحقهم بدأت تقترب أكثر، وأصبح واضحًا أنهم لن يتمكنوا من الوصول إلى النفق قبل أن يلحقوا بهم.
نيروز (بحزم): "إذا استمرينا بهاي السرعة، رح يلحقونا… لازم نعمل شي غير متوقع!"
سادن (بتفكير سريع): "إذا كان النفق تحتنا، لازم نلاقي طريق موازي… شي يبعدهم عننا قبل ما ندخل."
نيروز نظرت حولها بسرعة، ثم صاحت:
نيروز: "الشارع الجانبي… لفّ بسرعة!"
السائق انحرف بقوة نحو شارع ضيق بين المباني، لكن السيارة المطاردة لحقت بهم مباشرة. هنا، ضغطت نيروز على زر بجانبها، وفجأة، انفجرت عبوة دخانية صغيرة من خلف سيارتهم، محجبة الرؤية تمامًا للمطاردين.
مهيار (بذهول): "من وين جبتي هاد؟!"
نيروز (بابتسامة جانبية): "تعلمت شي من البقاء بهالعالم."
السيارة المطاردة تباطأت قليلاً بسبب الدخان، وهذا منحهم بضع ثوانٍ كانت كافية ليصلوا إلى مدخل النفق.
النفق كان طويلاً ومظلماً، الإضاءة فيه كانت شبه معدومة، لكنه كان طريقهم الوحيد للخلاص.
سادن (بصوت منخفض): "إذا تجاوزنا النفق بدون ما يلحقونا… رح نقدر نختفي تمامًا."
مهيار (بتوتر): "وإذا سبقونا للجهة التانية؟"
نيروز: "لازم نكون أسرع، وإذا اضطرينا… رح نقاتل."
السيارة تحركت بسرعة داخل النفق، والصوت الوحيد الذي يُسمع كان صدى محركها.
لكن فجأة، ظهر ضوء في آخر النفق… لم يكن الضوء الطبيعي، بل أضواء سيارات أخرى تنتظرهم هناك!
مهيار (بصدمة): "هاد فخ!!"
نيروز (بغضب): "كانوا متوقعين خطوتنا…"
السيارة توقفت بسرعة قبل أن تصل للنهاية، وكان عليهم الآن أن يتخذوا قرارًا مستحيلًا:
• المتابعة نحو الفخ، والمخاطرة بالمواجهة.
• العودة للخلف، حيث لا يعرفون إن كان المطاردون ما زالوا هناك.
• إيجاد مخرج سري داخل النفق.
سادن كان أول من تحدث:
سادن (بهدوء مفاجئ): "لازم نخرج من هون… بس مو من المدخل الرئيسي."
نيروز نظرت حولها بسرعة، ثم لاحظت فتحة تهوية على جانب الجدار.
نيروز: "هديك الفتحة… بس كيف رح نطلع عليها؟"
مهيار (ينظر لسيارتهم): "إذا صعدنا فوق السيارة، ممكن نوصل لها!"
لم يكن هناك وقت للتفكير، بدأوا التحرك بسرعة، فتحوا باب السيارة وصعدوا فوقها، ثم تمكن سادن من الإمساك بحافة الفتحة وسحب نفسه للأعلى. مد يده لمهيار، الذي تبعه مباشرة، وأخيرًا نيروز صعدت بعدهم بلحظات، قبل أن تقتحم السيارات السوداء المكان.
خرجوا من فتحة التهوية إلى سطح مبنى قديم، كانت الشمس بدأت تُشرق، معلنة عن بداية يوم جديد… لكن بالنسبة لهم، كانت هذه بداية حياة جديدة تمامًا.
مهيار (وهو يلهث): "ما بصدق إنو طلعنا من هاد كله أحياء…"
نيروز (تبتسم بهدوء): "لسا ما انتهى شي… هاد بس أول خطوة."
سادن نظر إلى الأفق، أوروبا كانت هنا… كانوا قريبين من الحياة التي حلموا بها، لكنهم كانوا يعلمون جيدًا أن كل شيء قد تغير.
لم يعودوا مجرد لاجئين… لم يعودوا مجرد هاربين…
كانوا الآن أناسًا بلا وطن، بلا ماضٍ، وبلا ضمان للمستقبل.
لكنهم كانوا أحياء.
وكان هذا أكثر مما حلموا به يومًا.
تمت
