رواية العينة ( جميع فصول للرواية كاملة ) بقلم فتحي احمد

 

رواية العينة الفصل الاول والاخير بقلم فتحي احمد



إن كنت تقرأ هذا الآن… فاعلم أن الوقت الذي تستغرقه في القراءة، هو الوقت الذي يقترب فيه شيء ما منك…

اسمي أدم، عمري ٣٧ عامًا. أعمل فني صيانة في منشأة أبحاث محاطة بسرية تامة، مدفونة وسط صحراء الربع الخالي. كان كل ما أعرفه عن المكان أنه مخصص لتطوير الجينات وتحسينها لأغراض علمية، وكان ذلك كافيًا بالنسبة لي. لا تسألني عن التفاصيل، فكل ما كان يهمني هو عملي.

بدأ كل شيء في الساعة ٠٣:١٧ فجرًا، في الثامن عشر من أبريل عام ٢٠٢٥. كنت داخل النفق السادس، أراجع نظام التهوية كما أفعل كل يوم في نوبتي الليلية. لم يكن هناك ما يدعو للقلق، كل شيء يبدو على ما يرام. الأنابيب في مكانها، لا تسريبات، لا أصوات غير مألوفة، فقط الصمت المعتاد والضوء الأبيض الباهت الذي يغمر الممر.

النفق السادس واحد من الممرات المخصصة لفريق الصيانة، ممرات ضيقة، معزولة عن باقي المنشأة، نصعد ونعبر من خلالها دون أن نحتك بالأقسام الحساسة. كنت في طريقي إلى مكتب الصيانة الرئيسي، أريد التأكد من بعض الملفات القديمة…

حين صدرت نغمة قصيرة من الجهاز اللوحي في يدي، توقفت ونظرت. ظهر تقرير جديد عن الرطوبة على الشاشة. قرأته بسرعة...

'ارتفاع مفاجئ، شديد، وغير مبرر.'

للحظة، ظننت أن الجهاز يخطئ فكل شيء من حولي بدا طبيعيًا. لكن الأرقام كانت واضحة، لا مجال للشك… شيء ما لم يكن صحيح.

فجأة، قطع تفكيري صوت النظام الآلي: 'القطاع X-17 – تم فتح قفل الأمان الرئيسي.'

عندما سمعت ذلك الصوت، قررت أن أبحث عن المهندس المسؤول. ربما يستطيع توضيح ما يحدث. صعدت إلى الطابق العلوي بسرعة، والاحتمالات تدور في رأسي. ربما كان هناك خلل مؤقت في النظام.

الطريق كان خاليًا تمامًا، كما هو الحال دائمًا في هذا الوقت من الليل. اعتدت على هذا الصمت الثقيل، على أزيز الأجهزة في الخلفية، وعلى الممرات الخالية. فقد عملت لسنوات، وأصبحت معتادًا على الأصوات الآلية والأنظمة المشوشة التي تملأ المكان بهدوء مقلق.

عندما وصلت إلى مكتب المهندس، توقفت في مكاني… المكتب كان خاليًا تمامًا، نظرت حولي بقلق، كل شيء يبعث على الريبة. الصمت كان ثقيلاً، خانقًا، مختلفًا عن أي هدوء اعتدته من قبل. 

ولوهلة، تسللت فكرة مزعجة إلى رأسي: 'لماذا لم أقابل أحدًا حتى الآن؟'

عدت إلى النفق مرة أخرى، وأفكاري لا تزال مشوشة. لكن هذه المرة، شعرت أن هناك شيئًا مختلفًا. بمجرد أن دخلت، شعرت برطوبة عالية في الجو، كأنني دخلت غرفة دافئة مليئة بالبخار. كانت الأنابيب تصدر صوتًا منخفضًا، يشبه الأنين، وكأن شيئًا ما يضغط عليها.

وعلى الفور، أُطلقت صفارة الإنذار، وكأنها تصرخ في أذني. تبعتها أنوار حمراء شديدة اللمعان، غمرت كل زاوية في المنشأة. لم يكن هذا إنذارًا روتينيًا...

هناك شيء غير طبيعي؟ لماذا كل شيء يبدو غريبًا اليوم؟ أين الجميع؟ لماذا لا يوجد أي صوت؟ وما هذا التقرير الغريب؟ كل شيء يبدو خارجًا عن المألوف.

غمرني شعور بالارتباك الشديد وأنا أمسك بجهاز الاتصال، محاولًا التواصل مع الجهات المعنية. 'ما الذي يحدث؟' تساءلت بصوت مختنق، لكن ما تلقيته كان مجرد تشويش غير مفهوم. حاولت مرارًا وتكرارًا، لكن لم أسمع أي إجابة. فقد خيّم هدوء على المكان. حتى الأصوات الآلية المألوفة التي اعتدت سماعها اختفت فجأة.

كان عليّ أن أتحرك بسرعة، حتى لا ينفجر هذا المكان وأنا بداخله. تراجعت بحذر، متجهًا نحو غرفة التحكم الثانوية. وعندما وصلت، وجدت الباب مفتوحًا على مصراعيه. كانت اللوحات الإلكترونية تُومض بشكل غير منتظم، وكأن هناك خللًا ما قد أصاب النظام.

جلست على الكرسي وأنا ألهث، بدأت أحاول فتح قناة اتصال، أي قناة، فقط لأسمع صوتًا بشريًا يربطني بالعالم الخارجي ويثبت لي أنني لست وحدي هنا. لكن النظام لم يستجب. ظلّت الشاشة تعرض نفس الرسالة: 'فشل في الاتصال.'

حتى عندما أدخلت رمز الطوارئ، لم يحدث شيء. لم يصدر أي صوت، لم يضئ مؤشر واحد. شعرت وكأن المكان كله قرر أن يصم أذنيه عني. لا إشارات، لا تفاعل، لا شيء... فقط هذا الصمت الكثيف، كأنني صرت خارج المعادلة تمامًا.

نظرت حولي بعين قلقة، ثم لمحت شيئًا على الطاولة أمامي. جهاز صغير، كان يعرض شاشة سوداء تمامًا. لم تكن هناك صورة، فقط صوت ينبعث من الجهاز. ضغطت على زر التشغيل، وبدأ الصوت يملأ المكان.

سيدة تلهث بصعوبة: 'إذا كنتَ تسمع هذا، فأنت إما محظوظ... أو أن نهايتك قد بدأت. *العينة X2* ليست ابتكارًا بشريًا. لم نصنعها... بل وجدناها مطمورة في أعماق الأرض. ما بداخلها لا يُشبه أي شيء عرفناه من قبل. إنها تركيبة من شيء غريب، حيّ... وواعٍ. شيء لا يعرف الرحمة، ولا يعترف بالحياة... بل يحتقرها.'

ثم همست بصوت خافت: 'هو لا يراك... هو يرى ما تفكر فيه. إن فكّرتَ في الهرب... سيجدك.'

وانتهى الفيديو بتحطّم أشياء، تلاه... صراخ مدوٍ.

تجمّدت في مكاني، وكلماتها علقت في رأسي وكأنها طُبعت في عقلي. لم أستطع فهم معنى 'يرى ما تفكر به'... كيف يمكن أن يفعل ذلك؟ لكن عقلي لم يمنحني وقتًا للتفكير. شعور ثقيل بالتهديد بدأ يضغط على صدري، وكأن الهواء نفسه لم يعد آمنًا.

أردت أن أركض. أن أصرخ. أن أفعل أي شيء... لكن كلماتها كانت كالسجن: 'إن فكّرتَ في الهرب… سيجدك.'

فكرت في أن أهدأ. أُطفئ نيران الذعر التي تلتهم كياني، محاولةً إقناع نفسي أن كل شيء سيصبح أفضل إذا توقفت عن التفكير في الهروب.

لا تفكر في الهرب.

لا تفكر في الهرب.

ظللت أرددها بصوت منخفض، كأنني أحاول إقناع نفسي.

فقط فكّر بشيء عادي، شيء يُعيدني إلى الواقع. هذا هو ما كنت أحتاجه الآن، لحظة من الهدوء وسط العاصفة التي اجتاحت تفكيري.

لكن شيءًا ما جذب نظري وسط فوضى عقلي… خريطة رقمية على الشاشة، لا تزال تعمل رغم كل الأعطال. كانت تُظهر مواقع الطاقة المتبقية في المنشأة، وكأنها تهمس لي أن هناك شيئًا لم ينطفئ بعد.

نقطة واحدة فقط ما تزال نشطة على الخريطة: 'غرفة الحرق الحيوي – وحدة الإبادة الشاملة.'

ذلك المكان الذي صُمّم ليكون الملاذ الأخير حين يفشل كل شيء. ليس للنجاة... بل للإلغاء. مكان لا يُستخدم إلا عندما يفقد العلماء الأمل، وتُصبح السيطرة ضربًا من الخيال. والآن، أصبح ذلك المكان أملي الوحيد. لم يعد خيارًا للنجاة بقدر ما هو محاولة يائسة لإغلاق باب كارثي. 

لكن للوصول إليه، كان عليّ مغادرة غرفة التحكم وعبور المعبر العلوي… ممر ضيق ومعلّق، لكنني لا أثق بما ينتظرني على جانبيه.

وفجأة، تجمّدت عيناي على الشاشة. رأيت ظلًّا... أجل، رأيته بوضوح عبر كاميرا المراقبة. كان يتحرك ببطء، يتفحّص الجدران كما لو أنه يعرفها. مرّر أصابعه الرفيعة فوق الأسطح، بحركة أقرب إلى التأمل، كمن يستعيد ذكرى قديمة… أو يتحضّر لشيء قادم.

وفي لحظة…

استدار ببطء، كأن شيئًا ناداه من العدم، ثم نظر مباشرة نحو الكاميرا.

ابتسم — ابتسامة مخيفة. 

لم يكن وجهه واضحًا تمامًا، لكن ما كان يبرز هو أسنان كثيرة سوداء، وهو يضحك بطريقة غير طبيعية.

كنت أرتجف، وقد فقدت الإحساس بجسدي. لم أفهم كيف رآني من خلال الكاميرا... أو هل تسربت أفكاري من رأسي وفضحتني؟ لا أعلم. ما أعلمه، وما كان واضحًا هو أنني إن بقيت هنا، سأموت.

خرجت من غرفة التحكم، وكانت الأرضية مغطاة ببقع داكنة لم تكن موجودة من قبل. ولم تكن دماءً حتى، بل مادة لزجة، ذات ملمس غير مريح، تتوهج بخضرة خفيفة تحت الضوء الأحمر للطوارئ. بدا الأمر وكأن المكان نفسه بدأ يفرز شيئًا لا ينتمي إلى هذا العالم.

وصلت إلى بداية المعبر العلوي. كان ممرًا معدنيًا ضيقًا، بسقف منخفض بالكاد أستطيع الوقوف تحته. الهواء كان خانقًا، وصوت نظام التهوية القديم يملأ المكان باهتزازات مزعجة، وكأن الجدران نفسها ترتعد مع كل دَفعة هواء.

مشيت بسرعة... ثم ركضت، دون أن ألتفت. لكن شيئًا جعلني أتوقف فجأة.

خطوات.

لم تكن خطواتي.

كانت خطوات تتبعني من الخلف… ثم فوقي… ثم تحتي.

كيف؟

رفعت عيني. الصوت جاء من فوق السقف، حيث أنابيب التهوية.

سمعته.

ركض.

لا، هذا ليس صوت أقدام بشرية.

كان مثل… رفرفة. كأن أطرافه لا تلامس الأرض بانتظام. كأن الجاذبية لا تعرف كيف تتعامل مع شيء مثله.

بدأت أركض، والضوء يتقطع من حولي مثل ومضات مشوشة في حلم محموم. لم يعد إنذار الطوارئ يصدر صفيرًا واضحًا، بل تحول إلى خربشات متقطعة تندمج مع دوي انفجارات بعيدة وارتطامات معدنية مدوية، كأن شيئًا ما يتحطم في أعماق المنشأة. الهواء نفسه أصبح كثيفًا، يرتجف من شدة الأصوات.

ومن خلفي... لم يكن الصوت بشريًا تمامًا. صرخات متداخلة، مشوهة، كأن أحدهم يحاول التحدث لكن فمه لا يملك الشكل الصحيح للكلام. صوت أقرب إلى العويل منه إلى النداء. لم أفهم ما كان يقوله، ولم أجرؤ على التوقف لأحاول.

وصلت إلى البوابة المؤدية إلى 'وحدة الحرق الحيوي'، لكن البوابة لم تُفتح. كانت تظهر على الشاشة رسالة تطلب بطاقة مدير المشروع: الدكتور مارك. وقفت هناك للحظة، عاجزًا. هذا المانع كان أكثر من مجرد إجراء أمني، كان قيدًا يفصلني عن آخر أمل.

عدت إلى الوراء بضع خطوات… عيناي تتحركان في كل اتجاه، وعقلي يحاول التمسك بأي احتمال منطقي. الخيارات كانت محدودة، وكلها سيئة.

رفعت جهاز الاتصال مرة أخرى، تمسّكت به كما يتمسّك الغريق بقشة، وضغطت الزر في محاولة يائسة. صوتي خرج مرتجفًا، مزيج من الخوف والإصرار:

"هل من أحد يسمعني؟ أي أحد؟ الردّ، أرجوكم..."

لكن لم يأتِ الرد. الصمت كان ثقيلًا، وكأن المنشأة نفسها تحاول إخفاء أصواتي، كأنها تخشى أن تلتقطها أي أذن. ضغطت على الزر مجددًا، ولكن كل ما كان يصلني هو صوت التشويش المتقطع، كأنما الكلمات نفسها تقاوم الخروج.

'أين الجميع؟' همست في نفسي، ولكن لم يكن هنالك من يجيب. والضوء من حولي كان يقطع على نحو متسارع، كما لو أن العالم من حولي يحاول أن يتلاشى.

'إن فكرتَ في الهرب… سيجدك.'

اللعنة. لعله الآن يعرف أني هنا.

ثم تذكرت، نعم… كان هناك مكان يحتوي دائمًا على الملفات والمستندات المهمة. ربما هناك ما يمكن أن يساعدني في الوصول إلى البوابة، شيء يمكن أن يمنحني فرصة أخيرة.

وفجأة، من نهاية الممر… ظهر.

لم يكن يركض. لم يكن يزحف. لم يكن يتحرك مثل أي شيء رأيته في حياتي.  

كان 'يتكسر ويتشكل أثناء سيره'. أطرافه تلوي وتتصل وتنعزل وتلتف وتُطوى على نفسها، كأنها مصنوعة من زجاج سائل، يتنقل بحرية غير طبيعية، كما لو أن هيكله لا يتبع قوانين الحركة المعتادة.

لكن وجهه…  

'طفلة؟' 

شعرت وكأن قلبي توقف للحظة. كانت تلك الأسئلة تتردد في رأسي مثل صدى بعيد، يكاد يطحنني. لماذا كانت هناك، ولماذا كانت ملامحها مألوفة جدًا؟ كان شيء ما في عينيها، في ابتسامتها، يدفعني للاعتقاد أنني كنت قد رأيت هذا الوجه من قبل… لكن أين؟ ولماذا؟

'لحظة… لا، هذا ليس حقيقيًا، لااا!' صرخت بصوت مشوّه، مكتوم بالألم، وكأن الكلمات نفسها كانت تقاوم الخروج من حلقي، كما لو أن الصوت لم يكن ملكي، بل كان شيئًا آخر، يتسلل بصعوبة من أعماقي.

كانت تلك الطفلة، التي تلوح في الظلال، هي نفسها الوجه الذي لم أستطع نسيانه طوال سنوات. وجه 'ابنتي.' ابنتي التي توفيت عندما كانت في الخامسة من عمرها. كانت ملامحها، التي كان الزمن قد حاول محوها من ذاكرتي، تظهر أمامي الآن وكأنها نزلت من كابوس لا أستطيع الهروب منه.

كانت عيناها تتسعان بشكل غير طبيعي، وابتسامتها كانت باردة ومخيفة، لا تشبه ابتسامة الطفلة البريئة التي كنت أعرفها. شعرها الطويل كان يلتف حول وجهها، كما لو أنه يحاول إخفاء شيء أكثر ظلمة، شيء لا أريد أن أراه.

'أنت… لا تفهم، أليس كذلك؟' صرخت، لكنها لم تفتح فمها. الصوت خرج من الجدران، من الهواء، من داخلي كما لو أنه كان يتردد في أعماقي قبل أن يخرج. كان صوتها يلتف حولي، يملأ المكان، كأنه جزء مني، لا أستطيع الهروب منه.

ثم اختفت، كما لو أنها لم تكن هنا قط، تاركةً وراءها صمتًا ثقيلًا كأنها لم تُوجد أبدًا، وكأن كل ما رأيته كان مجرد وهم يتلاشى في الهواء.

ركضتُ فورًا نحو غرفة المستندات. لم يكن هناك وقت للتفكير، فقط جسدي يتحرّك بوحي من غريزة الهرب. خطواتي كانت متسارعة، مرتعشة، كأن الأرض نفسها تتلوّى تحت قدميّ. أذناي ترصدان كل همسة خلفي، كل اهتزاز في الهواء، وكأنها لا تزال تلاحقني...

وكلما اقتربت، زادت نبضات قلبي حتى صارت كأنها مطرقة تدق داخل جمجمتي. دفعت الباب بعنف، فارتدّ مصطدمًا بالجدار. تجمّدت في مكاني للحظة.

ثم رأيت…

الدماء.

تتناثر في كل مكان، كلوحة مريضة رسمها عقل مختلّ. لا ترتيب، لا منطق، فقط فوضى دامية تنزّ من الجدران وكأن أحدهم حاول أن يصرخ بالألوان... وفشل، فاستعان بالدم.

الهواء كان خانقًا، مشبعًا برائحة الدم المتخثر والعفن، رائحة تسللت إلى أضلعي وعلقت هناك، كما لو أنني تنفست شيئًا لا يمكن غسله من الداخل.

أغمضت عيني للحظة، محاولة بائسة للهروب. لكن حين فتحتهما، لم يختفِ شيء.

الواقع كان أقسى من أي كابوس. فقد رأيت... جثة الدكتور مارك. كان جسده ممددًا على الأرض، لكن الجسد نفسه لم يكن كاملًا.

الأجزاء متناثرة في كل زاوية. رأسه بعيد عن جسده، يداه مفصولتان، بينما كانت الأرجل ملقاة في مكان آخر من الغرفة. كان الجلد ممزقًا، واللحم مبعثرًا، وكان يبدو وكأنه تفجر في كل زاوية من المكان.

سقطت فجأة في نوبة قصيرة من الغثيان، لكن لم يكن هناك وقت. كان شعورًا خانقًا، كأنني سأغرق في بركة من الدماء، لكنني قاومت. كان عليَّ أن أتحرك بسرعة. 

كان هناك خزنة صغيرة بجانب الجدار، هرعت إليها بعجلة، يداي ترتعشان. قلبى ينبض بسرعة، وعقلي يصرخ في وجهي أنني يجب أن أخرج من هذا المكان، لكن شيء ما دفعني لفتح الخزنة.

فككت القفل، وأطلقت الصفيحة المعدنية التي أصدرت طنينًا خافتًا وهي تنزلق جانبًا. بدت الخزنة ضيقة، مكتظة بالأوراق والأغراض المبعثرة. عبثتُ بنظري بينها، لكن لم يكن هناك ما يشير إلى وجود شيء مهم... فقط فوضى عارمة.

صرخت فجأة، كأنما أصرخ في وجه الفراغ. "لا... اللعنة مستحيل!" كان الغضب يعصف بي، لكن في نفس الوقت كان هناك شيء آخر يعتريني، شعور من اليأس القاتل. كيف يمكن أن يكون كل شيء ضاع هكذا؟

ثم خطرت لي فكرة يائسة. وضع يدي بجيب القميص الخاص بالدكتور مارك بسرعة، يدي ترتعش بشدة، كان القميص ملطخًا بالدماء، والأنسجة الملتصقة بداخله تلتصق بيدي بشكل مقزز. كان علي أن أتحمل هذا، رغم أن كل جزء من جسدي كان يصرخ من الاشمئزاز.

لكن... هناك شيء ما، شيء صغير كان داخل الجيب. شعرت بشيء بارد، زلق بين أصابعي، وسحبته بسرعة. كان شريطًا معدنيًا، ملطخًا أيضًا بدماء، لكنه كان يحمل شيء ما على سطحه.

وجدتها! أخيرًا، وجدتها! بطاقة صغيرة، مشوهة جزئيًا، لكنها واضحة بما يكفي.

لكن… صوت خطوات بدأ يقترب بشكل مفاجئ. كان يزداد قربًا بشكل مرعب، وصار الصوت مختلفًا، وكأنه يسير على *أربع أرجل*... لا، على *ثمانٍ*. لا أعلم. كانت كثيرة، تتنقل في تناغم غير طبيعي، وكأنها تنبعث من كل زاوية، تلتقي في الممر وتتشابك.

حاولت أن أُركز، ولكن ذهني كان مشوشًا.

ركضت في اتجاه البوابة، شعرت كما لو أن قلبي سيقفز من صدري. وضعت البطاقة على جهاز الفحص، وأخذت نفسًا عميقًا في محاولة يائسة للهدوء. كنت أعرف أن هذا كل شيء. إن لم تنجح هذه البطاقة، فإن كل ما فعلته سيكون بلا فائدة. 

الصوت الذي أصدره جهاز الفحص كان مزعجًا، مع كل نبضة من نبضات قلبي. ثم بعد لحظات طويلة... سمعت الصوت الذي طالما حلمت به. باب البوابة بدأ في الفتح ببطء، لكنه كان ثقيلًا، كما لو أن كل شيء في المكان كان يقاوم هذا القرار.

دخلت بسرعة، لكن… البوابة لم تُغلق بالكامل. كان هناك شيء ما عالق بها، شيء يعيقها.

أصابع.
 
ظهرت ببطء من بين شقوق البوابة، أصابع متوترة، متجعدة، تحاول الإمساك بي، وتمنع البوابة من إغلاقها.

رفيعة، طويلة، تتلوّى. تحاول التمدد عبر الفتحة.

ضغطت زر الإغلاق اليدوي بكل ما أوتيت من قوة.

سمعت صوت طقطقة… ثم صراخًا مخنوقًا.

ثم صمت.

داخل غرفة الحرق، كانت الجدران سوداء من آثار الاستخدام السابق، وكأنها تحتفظ بذكريات أهوال لا تُعد ولا تُحصى. كل شيء هنا كان مصممًا لإنهاء أي كائن عضوي خلال ثوانٍ، آلات حادة ومشاعل ملتهبة، كل التفاصيل تشير إلى غرض وحيد: التدمير السريع والمطلق.

وقفت أمام لوحة التحكم، يدي ترتجف من التوتر. بدأت في تجهيز النظام، وفي كل خطوة كان قلبي ينبض بقوة أكبر. أدخلت بطاقة الدكتور مارك في المكان المخصص لها، ورحت أراقب الشاشة، منتظرًا أي رد.

بعد بضع ثوانٍ، أخيرًا ظهرت رسالة على الشاشة:

'هل أنت متأكد أنك تريد تفعيل بروتوكول الإبادة الشاملة؟'

قبل أن أضغط على 'نعم'، شعرت فجأة أنني لم أكن وحدي. كان هناك شيء في الهواء، شيء غير مرئي، يراقبني، وكأن أنفاسه تلاحقني.

وفجأة، انفتح خط الاتصال الداخلي. كان الصوت مشوّشًا في البداية، ثم بدأ يتضح ببطء… صوت صغير، أنثوي، رقيق، يحمل نغمة مألوفة، كأنها تتسلل عبر الهواء، محاولة اختراق الصمت الذي كان يلف المكان.

'آدم؟'

تجمّدت في مكاني.

'آدم، هل يمكنك مساعدتي؟ أنا ضائعة... لا أجد طريقي.'  

كان الصوت كصوت ابنتي، لكنّه خرج من مكبّر الصوت المعلق على الجدار الذي يفترض أنه متّصل بغرفة المراقبة.

لحظة. كيف يمكن أن يكون؟ وكيف شعرت وكأن الصوت يأتي من وراءي؟

استدرت ببطء، مدهوشًا. لم أستطع استيعاب ما يحدث. كيف يعرف الصوت اسمي؟ ولماذا كان يُشبه صوت ابنتي إلى هذا الحد؟ هذا مستحيل.

همست، 'من أنتِ؟'

'اسمي سيلين... كنت نائمة، ثم استيقظت فجأة. الجو بارد هنا، وأنا خائفة... لماذا أنت مختبئ مني؟'

شعرت بشيء في أعماقي يصرخ بي: لا تُجبها.

لكنني فعلت.

'أين أنتِ الآن، سيلين؟'

'أنا خلف الباب... الباب الحديدي الكبير، هل يمكنك أن تفتحه؟ أرجوك... أعدك بأني لن أؤذيك.'

لم أفتح الباب، لكنه انفتح من تلقاء نفسه، دون أن ألمسه… ووراءه، كانت تقف.

لم يكن لدي وقت. ركضت نحو لوحة التشغيل، وكأن الفرار منها هو السبيل الوحيد للنجاة من شيء يتجاوز حدود فهمي… ويتعاظم على قدرتي في المواجهة.

كنت أسمع صوتها خلفي، تقترب بسرعة، وكل خطوة لها كانت تضرب الأرض بقوة، تصدر ضجيجًا كأن المكان كله يهتز معها. شعرت وكأن الزمن قد تجمّد، والمكان تغيّر، ولم أعد أرى أو أسمع سوى ذلك الخوف الذي تسلّل إلى أعماقي، وبدأ ينهشني بصمت.

صوت النظام كان يتلاشى. 10... 9... 8... كأن الزمن يضيع في ثوانٍ، وحسرتي تتسارع أكثر من أي وقت مضى.

متى سيصبح الضوء أخضر؟

'أدم...'

سمعتها تهمس، لكن الصوت لم يكن طبيعيًا. كان مشوّهًا، مزيجًا بين صوتها وصوت آخر، كأن شيئًا ما تمزّق بين عوالم مختلفة، وترك شرخًا في عقلي لا أستطيع تفسيره. 

'أنت تعرفني، أليس كذلك؟'

ثم بدأ الضوء الذي يحيط بنا يتحوّل إلى بياض ساطع، ناصع بشكل مؤلم، حتى خُيّل ليّ أن المكان من حولي يذوب تدريجيًا داخله. كل شيء كان يتلاشى، يختفي بهدوء في هذا النور الكاسح، وكأن العالم يُمحى أمام عيني.

لم أستطع التنفس. فمي جف، والهواء أصبح ثقيلًا. كنت على وشك أن أفقد الوعي، وكل شيء حولي أصبح ضبابيًا. هل ما يحدث هو مجرد هلوسة؟

هل أنا فعلاً هنا أم أنني أغرق في مكان آخر؟

هل هذا…

هل هذا هو الموت؟

وأنا في حالة من الارتباك، شعرت بشيء آخر، شيء يراقبني من كل زاوية. لم أكن وحدي.

كان صوتها لا يزال يتردد في أذنيّ بلا انقطاع: 'أبي… أنا ابنتك... التي تحبها. لا تخف، لن أؤذيك.'

نبرة صوتها كانت تحمل شيئًا غريبًا، شيئًا لم أستطع تفسيره… لم يكن صوت تهديد… بل كان أشبه بنداء من روح تائهة، ممزقة بين الحب والهاوية.

جزء مني… يريد أن يصدق، يريد أن يمدّ يده نحوها مهما كان الثمن. قلبي انكمش في صدري، وارتجف شيء ما داخلي لم يرتجف منذ سنين.

كم من الوقت مضى منذ أن سمعت كلمة 'أبي' تُقال بهذا الشكل؟
 
كم من مرة حلمتُ أن تعود، فقط لأضمّها، لأعتذر، لأقول لها كم كانت تعني لي؟

كنت على وشك الصراخ، أن أنهار، أن أبكي بصوت عالٍ، أن أقول لها: 'ابقِي... لا تختفي، أرجوكِ. أنا لم أعد أحتمل فقدك مرة أخرى.'

لكن صوتها توقّف فجأة… كما لو أن الأفق نفسه قد ابتلع كلماتها. واختفى كل شيء، وتركني وحدي مع صمتٍ كان أثقل من أي صراخ، وأبرد من أي وداع.

ثم، عاد كل شيء كما، ظهرت رسالة على شاشة لوحة التحكم: 'تم مسح البيانات. المرحلة النهائية اكتملت.'

أغمضت عينيّ.

كل شيء مظلمًا.

لا أعلم.

كل ما أذكره أنني استيقظت لاحقًا… في غرفة معتمة. الهواء فيها بارد، ومشبع برائحة بلاستيك جديد. شاشة واحدة تضيء فوقي.

'الموضوع: العينة 2X — تم استرداد الكائن جزئيًا.'

لا أستطيع أن أخبرك كيف انتهت القصة. هل أنا ميت؟ هل ما زلت حيًا؟ ربما كان كل شيء مجرد جزء من اللعبة التي ابتكرتها. تجارب أجريتها على نفسي، واختبارات لم تكتمل أبدًا، وكأنني كنت الفأر في متاهة صنعها عقلي، أركض فيها بلا نهاية.

تمت
تعليقات