قصة روح في المشرحة كاملة بقلم حمدي المغازى
النهاردة أول يوم شغل ليا في المشرحة، بعد ما أتعينت جديد. ريحة الموت كانت محوطاني من كل ناحية. كل شوية ألاقى جثة داخلة، وجثة خارجة بعد ما أهلها أتعرفوا عليها واتعمل اللازم معاها. قلبي كان مقبوض، متخيل تشتغل في مكان تعاملك فيه مع الأموات أكثر من الأحياء. موضوع مرعب بكل معنى الكلمة.
كنت ماشي بحركة بطيئة وأنا شايف الدكاترة والممرضين رايحين جايين عليا بـ..ترولّي عليه جثث. لحد ما قابلت شخص إظاهر إنه شافني وانا ماشي سرحان عرفت ده من سؤاله:
- في ايه يابني، مالك ماشي تايه كدا ليه؟ أنت جديد هنا؟
- أيوه، دا أول يوم ليا.
- شكلك خايف، متقلقش. هتتعود وهتبقى عال العال. أنت بتتعامل مع ناس لا بتهش ولا بتنش، ناس طيبين. بكرة لما تتعود عليهم هتحبهم. بالمناسبة، أنا عمك ضاحي، شغال تمرجي هنا من ياجي أربعين سنة. عشت واتربيت في المكان دا.
- أهلًا بيك، ياعم ضاحي. أنا محمد. بس كنت عاوز أسألك عن حاجة كدة.
- ابتدينا في الاسئلة من دلوقتي. دانت لسا أول يوم، بس ومالو، انت تيجي تشرب معايا الشاي وهجاوبك على كل اللي أنت عاوز تعرفه. تعالى تعالى.
خدني وروحنا لأوضة من الأوض. بعد كدا، أداني كوبايتين وقال:
- اشطُف دول من الأزازة اللي عندك دي. عُقبال ما اغلي الماية.
غسلت الكوبايتين وأديتهمله.
- سُكرك إيه؟.
- مظبوط.
فضّى الماية المغلية في الكوبايتين، واداني واحدة منهم.مسكتها من أيده وشكرته.
- قول لي بقى، أنت كانت عاوز تسأل عن إيه؟.
خدت رشفة من كوباية الشاي وقولتله:
- هوا بجد الميتين ممكن يتحركوا !
ضحك وقال:
- مايتحركوا وفيها أيه يعني؟
بلعت ريقي ورديت عليه:
- يعني إيه؟ يعني هما ممكن يتحركوا بجد؟
- بص، يامحمد، يابني. أنت هنا عايش في دنيا غير الدنيا. ياما هتشوف وياما هتسمع. بس أنت تجمد قلبك كدا ومتخافش. بكرة هتتعود. أنا معاك لحد ماتبقى عال العال. أشرب الشاي قبل ما يبرد.
كلامه مطمنيش، ده زوّد خوفي أكتر. خلصت قعدتي مع عم ضاحي وخرجت من الأوضة عشان أشوف شغلي.
دخلت أوضة التشريح مع دكتور "منعم". كشف الغطاء الأبيض من على الجثة اللي كانت قدامنا. أول ما شوفتها، جسمي أتلبش. من النظرة الأولى للجثة، عرفت إن الشخص دا ميت غرقان، لأن الجثة كانت منفوخة وزرقا وعليها أثار تَأَكل. أعتقد الجثة دي قعدت في الماية كتير.
الدكتور بدأ شُغله وأنا فضلت أناوله الأدوات اللي يطلبها منّي، لحد ما خلص تشريح الجثة ورجع غطاها تاني وبدأ يكتب التقرير عشان يروح النيابة.
خرج من الأوضة وأنا فضلت عشان أخد الأدوات اللي أستخدمها واعقمها. مفيش لحظات وسمعت صوت خربشة جاي من ورا ضهري. لفيت بشويش، ملقتش أي حاجة غريبة. لميت الأدوات وخرجت جرى من الأوضة.
طلعت الدور التاني عقمت الأدوات ونزلت عشان وقت الراحة بتاعي جه، بس وانا ماشي، سمعت صوت حركة جاي من الأوضة اللي كنت فيها من شوية، شعور بالخوف اتملك منّي، بس فضولي كان أقوى، حطيت أيدي على مقبض الباب وفتحته،كنت شايف الجثة نايمة على الشازلونج،قربت منها ببطء لحد ما بقيت قدامها مديت أيدي وشديت الغطاء من عليها، عشان اتفاجئ إن الجثة مفتحة عينيها، حسيت برعشة مسكت جسمي كله،خرجت جري من الأوضة واتفاجئت بعمي ضاحي في وشي.
-مالك زي ما يكون شُفت عفريت.
بلعت ريقي وقولت:
-ياريت،ياريته كان عفريت،انا سمعت حركة جاية من الأوضة دخلت وكشفت الغطاء لقيت الجثة مفتحه عنيها اتفزعت وخرجت جري.
-طب ادخل قدامي.
-مستحيل ادخل الأوضة دي.
-أدخل بقولك.
وقفنا قدام الشازلونج وكشف الغطاء من على الجثة،بس الغريبة إنها كانت في حالة سكون،وعينيها مقفولة عكس منا شُفتها.
-متوهمش نفسك يا محمد،عشان تكمل معانا هنا لازم تجمد قلبك شوية.
-حاضر ياعم ضاحي،حاضر.
تمر الأيام وانا بحاول اتأقلم،لحد ماجه اليوم اللي خلاني اهرب ومرجعش المسشتفى تاني، كنت في فترة الراحة بتاعتي،عملت كوبايتين شاي ليا انا وعم ضاحي وقعدت اتكلم معاه،يمر الوقت والاقي دكتور "منعم" داخل عليا.
-أنت بتتكلم مع مين يا محمد ولمين الشاي ده ؟
-سلامة الشوف يا دكتور،ما عم ضاحي قدامك اهو،ولمين الشاي ايه بس،ده تقريبًا الكوباية خلصت.
-فوق يا محمد مفيش حد معاك والكوباية زي ما هيا.
بصيت على المكان اللي كان قاعد فيه عم ضاحي لكن ملقتوش كأن فص ملح وداب، حتى كوباية الشاي اللي كانت قربت تخلص في أيده،زي ما هيا،مبقتش عارف ارد أقول أيه لساني اتشل من الخوف وحسيت إن جسمي تلج، أبتسم الدكتور وقال:
-متخافش أوي كده، عمك ضاحي الله يرحمة كان من اشطر الممرضين في المستشفى هنا، مات من فترة في المستشفى ومحدش عرف سبب موته، ولأنة كان بيحب شُغله والمشرحة عمومًا، روحة اتعلقت بالمكان، وبيظهر علطول.متخافش هو مش مؤذي واكيد انت شُفت ده بنفسك الأيام اللي فاتت،ولما يظهرلك تاني اتعامل معاه عادي عشان هيعلمك حاجات محدش غيره هنا هيعلمهالك.
اول لما سمعت الكلام ده قلعت البالطو وجريت برا المشرحة، أقسمت بالله ما ارجع لها تاني مهما حصل، كنت مفكر الموضوع تعامل مع اموات بس،لكن تعامل مع اموات وأرواح كمان ده اللي لا يمكن اتحمله.
تمت**