قصة الشمامة كاملة بقلم فهد حسن

قصة الشمامة كاملة بقلم فهد حسن



"لازم تغسل ايدك وبؤقك قبل ما تنام عشان الشمامة 

ماتجيش تشمك".


 برغم إني كنت طفل برئ لا يتعدى عمره عشر سنين، إلا إني كنت فاهم كويس ومستوعب مدى سذاجة الجملة دي، شمامة إيه اللي ممكن تيجي تشمني، وتشمني ليه أصلًا؟ وطبيعي هغسل إيدي وبؤقي قبل ما أنام..


كانت ستي وأمي لازم ينبهوا علينا إننا نتبع الإرشادات وإلا الشمامة هتيجي تعمل مننا بطاطس محمرة، مع كُتر استخدام اسم الشمامة، بدأ الموضوع جوايا ياخد شكل تاني، وكنت بتخيل شكل الشمامة دي، هل هي مرعبة، ولا عفريت، ولا شمامة فعلاً زي اللي بناكلها دي؟ لكن خيالي وصلني إنها حاجة شريرة جدًا، لدرجة إنها بتتبع الأطفال في نومهم وتخوفهم.


في الأول كانت فكرة الشمامة عندي لا تتعدى كونها فكرة هزلية عبيطة، حيلة أمي بتستخدمها عشان نسمع الكلام وننفذ المطلوب بدون عِناد.. لحد ما أختي الأصغر مني بسنتين لقيتها مرة بتصحيني بليل، فتحت عيني وشوفتها جمب سريري بتترعش وبتقولي:

_ أمجد.. أنا خايفة أوي، قوم بسرعة بص كده


فركت عنيا وأنا بحاول استوعب، بصيت في الأوضة اللي كانت طبيعية جدًا، ومفيش فيها حاجة تخوف، وسألتها:

_ خايفة من إيه يا فاطمة؟

_ الشمامة


قالتها وهي بتشاور لي على الشماعة المتعلقة على باب الأوضة من جوا، هي خطافات معدن كده كانت بتتسمر في الباب بيتعلق عليها ملابس البيت، مش شماعة بالمعنى الحرفي، بس إحنا كنا بنقول عليها شماعة، ولما بصيت عليها، برضه مكنش فيه حاجة غريبة، فقولتلها:

_ ما تخافيش يا فاطمة، نامي أنتي وأنا هفضل صاحي لحد ما أنتي تنامي.

وافقت ونامت، وأنا فضلت صاحي أفكر في موضوع الشمامة؛ هل هي فعلاً بجد؟ ولا فاطمة خايفة بس بسبب كلام أمي؟.

نمت من التفكير، وتاني يوم عدى عادي لحد ما رجعنا من المدرسة، ولاحظت إن فاطمة ساكتة وسرحانة، فسألتها:

_ لسه خايفة برضو؟

حركت راسها إنها خايفة، ضحكت وقولتلها: 

_ يا عبيطة،  دي ماما بتخوفنا عشان نسمع الكلام بس، هو فيه حاجة اسمها شمامة يعني؟.


بس فاطمة ماضحكتش، كانت خايفة فعلاً، ولمحت عنيها بتلمع ومحبوس فيها دموع الخوف، خدتها من إيدها ودخلنا الأوضة، فعيطت لما بقينا لوحدنا وقالت:

_ كانت واقفة هنا يا أمجد 

_ هي مين؟ ماما؟

_ الشمامة.

_ ودي بقى شكلها إيه؟

_ عنيها بيضا وبتنور، ولابسة هدوم سودا متوسخة، وشعرها منكوش، وسنانها بتنزل دم.

ضحكت:

_ وكل ده بقى شوفتيه؟ ومين قالك إن هي الشمامة؟

_ هي قالت لي على اسمها، بس مكنش الشمامة، أنا بس حسيت إن هي دي الشمامة، بس هي قالتلي على اسمها الحقيقي.


أنا فاكر ساعتها إن ماما ندهت علينا عشان ناكل، لكن فاطمة رفضت ونامت، وأنا كلت، وغيرت هدومي، وعملت الواجب واليوم عدى..

الجو في بيتنا دايمًا هادي.. مفيش أي حاجة غريبة بتحصل، صوت ساعة الحيطة اللي في الصالة بيطقطق مع كل ثانية بتعدي، لكن بعد اللي فاطمة قالته، الهدوء ده بقى مختلف، بقيت حاسس إن الشمامة دي مستخبية جوه الهدوء، وهتظهر لي في أي لحظة، بنفس الشكل اللي فاطمة أختي وصفته.

مع الوقت فاطمة بدأت تتغير.. بقت سرحانة طول الوقت، ومع إنها أصغر مني بسنتين، حسيتها كبرت فجأة.. زي إنها مبقتش تضحك على النكت اللي كنت بقولهالها دايمًا وتضحكها.. ومبقتش بتلعب معايا زي الأول. كنت بفضل أسألها عن السبب وأحاول أفهم منها أكتر، بس مكنتش بتتكلم.. على طول ساكتة وعينيها فيها خوف وقلق.

بعد كام يوم وأنا راجع من المدرسة، سمعت أمي بتحكي لستي حاجة وهما واقفين في المطبخ.. فوقفت قريب من باب المطبخ أسمع:

_ أنا مش عارفة يا أمي البنت حصلها إيه، بقيت أسمع فاطمة بقت تتكلم لوحدها في الأوضة، زي ما تكون بترد على حد.

_ الأطفال كلهم كده يا بنتي بيتهيأ لهم حاجات كتير، متكبريش الموضوع.. ما أنتي وأخواتك لما كنتوا صغيرين كنتوا كده برضو.


 

سمعت الكلام اللي يبان عادي، لكن أنا عارف من جوايا إن الموضوع مش بسيط ولا عادي.

في الليلة اللي بعدها، وأنا نايم، صحيت على صوت حركة في الأوضة.. فتحت عنيا لقيت فاطمة واقفة قدام الشماعة اللي على الباب من جوه. مكانتش بتتحرك، ثابتة زي التمثال، ووشها كان مرفوع لفوق. اتعدلت من على السرير وندهت عليها:

_ فاطمة؟ بتعملي إيه عندك؟

ردت من غير ما تلف:

_ اسكت، وطي صوتك يا أمجد.. هي هنا.


ردها خوفني، خلا جسمي يتخشب واتجمد في مكاني. حسيت إحساس غريب، مزيج من الخوف والفضول. قومت من مكاني بهدوء ووقفت جنبها. بصيت على الشماعة اللي قدامنا. مكنش فيه حاجة عليها غير هدومنا.. سألتها بصوت واطي:

_ شايفة إيه؟

ردت وهي بتهمس:

_ أنا مش شايفاها دلوقتي، بس سامعاها، صوتها جوه دماغي.

ساعتها حسيت بهوا خفيف بارد بيعدي على جسمي وخلاني اترعش، رغم إن الشباك مقفول. مسكت إيد فاطمة بسرعة وشديتها عشان نخرج من الأوضة، لكنها رفضت تتحرك. وشها بقى شاحب، عنيها واسعة جدًا كأنها مش بتبص عليا.


فضلنا في حالة غريبة لحد ما أمي دخلت الأوضة ولقيتنا قاعدين على الأرض جنب الشماعة. صرخت فينا واحنا متجمدين مكاننا. رجعنا للسرير من غير ما نرد عليها.. تقريبًا سمعت صوت، أو صحيت تعمل حاجة وعدت تبص علينا، في كل الأحوال دخلنا سرايرنا ونمنا، ومش عارف لما نمنا بسرعة كده كان سببه الخوف من الشمامة ولا من أمي.

عدت السنين لكن المواقف دي ما اختفتش، بالعكس، دي زادت أكتر وأكتر.. فاطمة كانت بتقول إن الشمامة مش مجرد خيال، وإنها بقت تيجي لها أكتر. وأنا من ناحيتي كنت بحاول أشيل الموضوع من دماغها بأي طريقة. إنما هي  كانت منعزلة في عالم تاني.. وفضلنا على كده سنين وسنين، بس برضو الحياة ماشية، يعني مفيش حاجة بتحصل مريبة، بمعنى أوضح؛ ماكنش فيه كارثة بسبب التخيل ده أو حالة فاطمة.. وده لحد ما كبرنا.


في يوم، بعد ما خلصت الجامعة، كنت راجع البيت متأخر ولقيتها قاعدة في الصالة لوحدها، النور مطفي، وعينيها سرحانة في سواد الضلمة وفي عالم تاني غير عالمنا، سألتها:

_ فاطمة، بتعملي إيه كده وقاعدة في الضلمة كده ليه؟

رفعت راسها بهدوء وقالت:

_  أنت مش سامعها؟

حسيت ببطني وجعتني من الخوف:

_ سامع إيه يا فاطمة؟ أنا مش سامع حاجة.

قامت وقفت، وشاورت على الشباك وقالت:

_ هي هنا، حوالينا.


وقتها حسيت للمرة الأولى إن الموضوع أكبر من مجرد خيالات طفولة.. فاطمة كبرت وبقت في ثانوية عامة، وأنا بقيت في تانية جامعة.. دلوقتي فاطمة بقت تتكلم عن حاجات بتحصل وهي في سن كبير، مش مجرد خيالات قديمة لطفلة.. فاطمة قعدتني جمبها وحكيتلي عن حاجات تانية غير اللي كانت بتحصل في الأوضة زمان، ده كمان في الشارع، وفي كل مكان بنروحه. إنها بتسمع زي صوت خطوات، وتشوف الناس بتبصلها بصات غريبة وهي ماشية في الشارع.. حاولت أهديها وأقولها إن ده مش حقيقي، فهي سكتت وماردتش، وحسيت إنها لما لقتني مش مصدقها ده أجبرها تسكت.


 

بعدها بفترة بدأنا نلاحظ حاجات غريبة بتحصل في البيت.. الشماعة اللي  فضلت زي ما هي على الباب بقت دايمًا تتحرك لوحدها. هدوم بتقع من عليها في نص الليل، أو تتنقل من مكانها

وفي يوم صحيت على صوت صراخ فاطمة، لقيتها واقعة على الأرض، وبتشد شعرها وقافلة ودانها بإيديها وبتصرخ:

_ أنا مش عايزة أسمعك تاني.. سبيني في حالي بقى.

حاولت أهديها، لكنها كانت بتبصلي بخوف، وقالت:

_ أمجد، هي قالت لي إنها هتظهرلك.


اللحظة دي غيرت كل حاجة. بدأت أشوف اللي هي كانت شايفاه. مش بعنيا، لكن بإحساسي. زي ما يكون في حد بقى معانا في البيت، كل ما أحاول أهرب من الإحساس ده، أحس إن وجود الشمامة بقى واقع، وبتشدني أكتر ليها وللتفكير فيها.

لحد ما جه يوم كنت فيه لوحدي في البيت، وسمعت في أوضتي إن في حاجة بتوقع على الأرض، لما قومت أشوف في إيه، لقيت الشماعة وقعت.. وسمعت صوت زي ما يكون في كلب ضخم بيشمشم، الصوت ده مرعب لوحده، فتخيل تبقى لوحدك في البيت وتسمعه؟

ساعتها حسيت إن الشمامة مش مجرد حكاية أطفال.


البيت بقى غريب ومرعب وكل حاجة اتغيرت، أمي كبرت، وجدتي توفت، وأبويا من زمان متجوز واحدة تانية ومش عايش معانا، الحياة مابقيتش زي الأول خالص، وبقى بيحصل حاجات غريبة، حاجات مش بتظهر لأي حد غيرنا أنا وفاطمة بس.. يمكن عشان إحنا صدقنا وجود الشمامة وكبرت معانا وبقت ساكنة في عقولنا ونفسيتنا، أو يمكن الشمامة دي حقيقية فعلاً واختارتنا إحنا بالذات.. من ساعة ما الشماعة وقعت وأنا بدأت أحس بخوف حقيقي، كل صوت طقة خشب أو هوا بارد أو خبطة خفيفة بقيت أحس إنه بقى له معنى. . أو دي طريقة الشمامة اللي بتوصلنا رسالة معينة.

وكل ما ده كان بيحصل، فاطمة بتكون في حالة أسوأ.  


فاطمة ماعدتش هي أختي اللي أعرفها. بقت دايمًا قاعدة في الأوضة، بصَّة في المراية اللي قدام سريرها، ساعات تقعد بالساعات ما تتحركش، عينها ثابتة على انعكاسها.. وساعات كانت بتهمس لنفسها، وكأنها بتتكلم مع حد جوه المراية.. في مرة دخلت عليها لما سمعت صوتها بتتكلم مع نفسها، لقيتها حاطة ايدها على. ودنها من جديد وبتقول وهي بتتألم: 

_ اسكتي بقى، ارحميني، أنا مش عايزة أسمعك.. كفاية. 

قربت منها وأنا مرعوب، وسألتها:

_ فاطمة،  أنتي بتكلمي مين؟

بصتلي وعينيها كانت واسعة ومبرقة بشكل مرعب، كأنها حفرة مليانة سواد:

_ هي.  

سألتها وأنا صوتي بيرتعش:  

_ الشمامة برضو؟ 

 بدل ما تجاوبني قامت ومسكت مرايتها الصغيرة اللي دايمًا على التسريحة، وفضلت تبص فيها وتقول:  

_ هي هنا، وأنا شايفاها.


خليتها تقوم تغسل وشها، وأنا نزلت بسرعة جيبتلها حاجات حلوة عشان تفوق من الحالة اللي هي فيها دي، وقعدنا نتفرج على فيلم أنا وهي وأمي..


وبالليل لما الكل نام، قعدت في سريري مش جايلي نوم، بفكر عشان أحاول أفهم اللي بيحصل ده، هل فاطمة كانت بتتوهم؟ يمكن محتاجة دكتور نفسي. بس في نفس الوقت، الحاجات اللي بتحصل حوالينا مش طبيعية.  

وأنا بفكر حسيت بحاجة باردة عدت على رجلي، زي ما حصل أول مرة عند الشماعة. نورت الأباجورة بسرعة، لكن الأوضة كانت عادية زي ما هي.. بس وأنا بتلفت عشان أطفي النور، شوفت حاجة على الحيطة قدام السرير.  

كان فيه ظل.. بس مش ظلي أنا، ولا ظل حاجة في الأوضة.. الظل كان طويل جدًا، وشكله غريب، زي حد واقف ورايا، مع إنه مافيش حد. قلبي دق بسرعة، قومت جريت على أوضة أمي، وأول ما دخلت لقيت فاطمة واقفة قدام السرير، بتهمس بحاجة مش مفهومة.. سألتها بسرعة:

_ فاطمة! أنتي بتعملي إيه هنا؟  

بصتلي بخوف، وكان وشها مخطوف لدرجة تخوف. قالت وهي عينيها بتهرب إنها تبقى في عيني:  

_ هي مش هتسيبنا يا أمجد. 


من بعدها، الأمور خرجت عن السيطرة. فاطمة بقت بتصحى من نومها مفزوعة بليل وتصرخ، وأمي كانت دايمًا بتقول إنها مجرد كوابيس.. بس أنا عارف إنها مش كوابيس.. الشمامة بقت موجودة حوالينا في كل مكان.

وفي يوم؛ فاطمة دخلت عليا الأوضة وهي شايلة مرايتها الصغيرة.. فسألتها:

_ محتاجة حاجة يا فاطمة؟

ردت بصوت هادي جدًا، ومخيف أكتر من أي صراخ:  

_ أنا مش محتاجة أخاف تاني. هي وعدتني بكده. 

_ وعدتك بإيه مش فاهم؟ 

قربت مني ووشها بقى قريب جدًا من وشي، وقالت:  

_  وعدتني إنها مش هتاخدني.. إلا لو خدتك أنت مكاني.  

اتجمدت مكاني.. حسيت بكلامها كأنه خنجر دخل في ضلوعي. هي قصدها إيه؟ أنا اللي هبقى التمن؟.. المشكلة الأكبر إن فاطمة سابتني وخرجت، ولما فوقت لنفسي وقومت وراها، لقيتها دخلت أوضتها وقفلت الباب على نفسها.. حتى ماادتنيش فرصة أسألها أو أفهم.. حتى بعد كده لما كنت بسألها ماكنتش بترد.

الأيام اللي بعدها كانت زي الكوابيس. فاطمة بقت تبعد عني أكتر وأكتر، بقت سرحانة طول الوقت، لكن المرعب أكتر إنها بقت مش بتخاف زي الأول. كأنها استسلمت. مرة وأنا براقبها وهي قاعدة في الصالة، سمعتها بتقول للفراغ:  

_ خلاص حاضر هقوله.  

فقولتلها بصوت عالي عشان أقطع الجو الكئيب اللي حوالينا: 

_ هتقولي إيه ولمين؟ 

ردت وهي بتبتسملي ابتسامة غريبة مرعبة:

_ إنك هتبقى معاها قريب. 

ساعتها حسيت إن البيت كله بيتهز، الأرضية بقت مش ثابتة تحت رجلي، والشباك اتفتح لوحده. صوت ريح غريبة دخل المكان، ومعاها سمعت صوت همسات، زي ما تكون الريح أو الهوا الجامد ده بيتكلم، لكن الكلمات ماكنتش مفهومة.. جريت قفلت الشباك كويس، ولما لفيتوشي، لقيت فاطمة دخلت أوضتها وقفلت على نفسها من جديد.


في الليلة دي قررت أواجه الموضوع. قعدت في أوضتي وقررت ما أنمش.. فضلت صاحي عينيا على الباب، وعلى الشماعة اللي على الباب. الساعة عدت نص الليل، وكل حاجة حواليا ساكتة. 

وفجأة الباب اتحرك، بس ما تفتحش، اتهز كده وسمعت صوت نفس تقيل، زي حد بيشمشم.  

الشمامة فعلاً هنا.. فاطمة مابتكدبش ولا بتتخيل.

قومت بسرعة فتحت الباب، بس ماكنش في حاجة. كل حاجة كانت في مكانها الطبيعي. 

الصالة هادية، صوت الساعة في الصالة زي ما هو، الهدوم على الشماعة، الأرضية نضيفة.. بس الإحساس جوايا مكنش طبيعي.. كنت حاسس إن في عينين بتبص عليا بتراقبني وأنا مش شايفها.. من مكان أنا مش قادر أحدده. فضلت واقف عند الباب شوية، بحاول أسمع أي حاجة، بس كل اللي سمعته كان صوت دقات قلبي وهي بتضرب كأنها طبلة، وصوتها غطى على صوت الساعة من كتر ما أنا خايف.. قفلت الباب على نفسي بسرعة، وشغلت قرآن ونمت.


تاني يوم الصبح؛ قومت من النوم مرهق جدًا، جسمي متكسر، زي ما أكون كنت متعلق وبضرب طول الليل. أول ما دخلت المطبخ لقيت أمي واقفة بتحضر الفطار، سألتني وهي بتبص لي بقلق: 

_ مالك يا أمجد وشك أصفر كده ليه؟ شكلك مش نايم كويس.  

_ آه.. يمكن.  

فاطمة كانت قاعدة على الترابيزة في المطبخ، لكنها سرحانة ومش معانا، وشها أصفر بشكل غريب. قربت منها وسألتها: 

_ أنتي كويسة؟  

بصتلي ومااتكلمتش.. لكن وأنا ببص في عنيها، حسيت بحاجة مريبة، كأنها مش فاطمة اللي أنا أعرفها.


في نفس اليوم، وأنا خارج أجيب شوية حاجات من السوبر ماركت، حسيت إن في حد ماشي ورايا. الصوت كان خفيف، بس واضح. خطوات بطيئة، بتتزامن مع خطواتي.. وقفت فجأة، وسمعت صوت الخطوات بيقف هو كمان. 

بصيت ورايا بسرعة لكني مالقيتش حد. الشارع كان فاضي، قلبي دق بسرعة، لكن حاولت أتماسك وأكمل طريقي.

ووأنا راجع البيت، لقيت حاجة غريبة. باب الشقة كان مفتوح على آخره، مع إن أمي دايمًا بتقفل الباب كويس. دخلت وأنا بنادي:  

_ ماما؟ فاطمة؟ 

لكن مفيش حد رد. الصالة كانت فاضية، والمطبخ كمان. كل حاجة كانت ساكتة بشكل مرعب. 

دخلت أوضة فاطمة، ولقيتها قاعدة على السرير، المرايا الصغيرة في إيدها، وبتهمس بحاجة مش مفهومة. قربت منها، فرفعت عينيها ناحيتي وهي مبتسمة، بس الابتسامة دي مكنتش طبيعية. كانت عريضة بشكل غريب، زي ما تكون مرسومة على وشها.. أو هي مغصوبة عليها، وقالت:

_ كنت مستنياك يا أمجد.  

_ مستنياني ليه؟ 

بصت في المراية اللي في إيديها وقالت:  

_ هي عايزة تتكلم معاك.

 

حسيت إن جسمي كله بيترعش.. خطفت المراية من إيدها وبصيت فيها. كنت شايف انعكاسي، بس الانعكاس كان بيتحرك بطريقة مش طبيعية. عنيا في المراية كانت بتبص لمكان تاني، مش ليا أنا ولا ناحيتي، حسيت إن المراية بتسحبني، زي ما تكون بوابة لمكان تاني.

حدفت المرايا على الأرض، واتكسرت حتت صغيرة. فاطمة صرخت، وفضلت تقول: 

_ ليه كسرتها؟ ليه؟

_ يا فاطمة فوقيبقى، اللي أنتي فيه ده مابقاش طبيعي.

مسكت وشها بين إيديا، وحاولت أخليها تبصلي، لكنها كانت مصممة تبص على الأرض، على المراية اللي اتكسرت كأنها بتدور على حاجة.. وقالت:

_ هي مش هتسيبك يا أمجد.


في الليالي اللي بعدها، الأمور بقت أسوأ. كنت بصحى على صوت حركة في الصالة، خطوات سريعة، وباب بيتفتح ويتقفل لوحده. وكل ما أنور النور مالقيش حاجة. البيت كان دايمًا في حالة غريبة، كأن في حد عايش معانا وإحنا مش شايفينه. 

مرة وأنا قاعد في أوضتي، حسيت بحاجة بتمشي على ضهري. حاجة خفيفة جدًا، زي حشرة ملمسها كان بارد لدرجة تخوف.

آخر ليلة حصل فيها شيء مريب كانت أسوأهم. صحيت على صوت فاطمة وهي بتصرخ في أوضتها. جريت بسرعة ولقيتها واقفة قدام الحيطة، بتخبط براسها فيها وهي بتصرخ: 

_ امشي بعيد عني، سيبيني في حالي بقى.

مسكتها وصرخت فيها: 

_ فاطمة، فوقي. 

بصتلي وكانت عنيها مليانة دموع، وقالت: 

_ مش راضية تسيبني يا أمجد.


بعد الليلة دي قررت أجيب شيخ يقرأ قرآن في البيت. ولما الشيخ جه البيت كان هادي في الأول، لكن مع أول آية بدأ يقولها، حسيت إن الهوا في الشقة كله تقل والنفس اتكتم. فاطمة كانت قاعدة ومغمضة عينيها، بس ملامحها كانت متغيرة. كأن وشها مش وشها. 

الشيخ وقف فجأة وقال: 

_ في حاجة في البيت ده، ومش هتسيبكم بسهولة.  

سألته بخوف: 

_ يعني إيه؟

_ في حاجة هنا صعب تمشي بسهولة، أنا هقرأ بس أنتوا كمان لازم تقرأوا، أنتوا اللي هتقدروا تنهوا وجودها، ونصيحتي، خلي بالكم من نفسكم ومنها.


بعد المرة دي ولما أخدنا بنصيحة الشيخ، كل حاجة اتغيرت نسبيًا للأفضل.. مع مرور الشهور، كل حاجة كانت بتبان إنها رايحة في طريق النسيان، لكن الحقيقة كانت بتقول غير كده. أنا وفاطمة كبرنا، بس الذكرى الملعونة دي مافرقتناش. كل ليلة كنت بحس إن في حاجة بتطاردني في الأحلام، حاجة قريبة مني أوي، لكن مابتلمسنيش. أما فاطمة، فحالتها بقت أسوأ بعد ما كانت اتحسنت كتير، لكن كل حاجة اتغيرت فجأة.

 فاطمة بقت منطوية أكتر، ساعات تقعد بالليل وتتكلم مع نفسها، أو تبص في المراية الجديدة اللي اشتريتها بطريقة غريبة، كأنها بتدور على حاجة محدش غيرها شايفها. أنا حاولت أخرجها من الحالة دي، لكن كان دايمًا في إحساس غريب إنها مربوطة بحاجة أكبر مننا..


في يوم كنت قاعد في البيت لوحدي، وأمي كانت عند جارتنا، وفاطمة كانت في أوضتها. فجأة سمعت صوت حاجة بتتكسر. جريت بسرعة ناحية أوضتها، ولما فتحت الباب، لقيتها واقفة في نص الأوضة، حواليها كوبايات واطباق متكسرة، وعينيها غريبة، زي ما تكون مش هي:

_ في إيه مالك، إيه حصل يا فاطمة، وإيه جاب كل الأطباق والكوبايات دي هنا؟

بصتلي بنظرة جامدة وقالت: 

_ هي ليه هنا.  

_ مين اللي هنا؟  

_ الشمامة.  

الكلمة دي رجعتني لورا من جديد.. للذكريات اللي كنت بحاول أنساها. لكن قبل ما أقول أي حاجة، لقيت فاطمة بتبص على الحيطة وبتهمس: 

_ بتضحك علينا، بتلعب معانا وبينا.  

 

حاولت أهدّيها عشان أفهم منها أكتر، لكن فجأة صرخت: 

_ مش عايزاها تلمسني! مش عايزاها تدخل ولا تسكن جوايا!  

مسكتها جامد، وحاولت أهزها وأفوقها وأخرجها من الحالة دي، لكنها فضلت تصرخ وتقاومني. كانت قوية بشكل غريب، كأن في قوة مش طبيعية بتحركها. 

في اللحظة دي، حسيت إن في نسمة باردة عدت جنبي، وبرغم إن الشباك كان مقفول، كان الهوا في الأوضة مش طبيعي. الصوت اللي سمعته بعد كده خلاني أتجمد في مكاني. صوت همس قريب من ودني: 

_ مش هسيبها.

 


فاطمة بعد اللي حصل ده ما بقتش تتكلم خالص. عنيها كانت دايمًا شاردة، وكأنها عايشة في عالم تاني. لما كنت أحاول أكلمها، كانت ترد بجملة واحدة: 

_ مش راضية تسيبني. 

بدأت أحس إن في حاجة غلط في البيت كله. ورجعت من تاني كل ليلة أصحى على أصوات خطوات في الصالة، أو أبواب بتتفتح وتقفل لوحدها. والأغرب من كده، إن في كل مرة أصحى، كنت ألاقي فاطمة قاعدة في نفس المكان، على الكنبة اللي في الصالة، عنيها مفتوحة ومثبتة على الحيطة. 


قررت أجيب دكتور نفسي يشوفها بس من غير ما نقولها.. الدكتور جه وقعد يتكلم معاها ساعات، وبعد ما خلص كلامه معاها وقال لي:  

_ حالتها مش بسيطة، في حاجة جواها وظروف مرت بيها مخليها تعيش حالة خوف دايم، بس الموضوع أعمق من مجرد اضطراب نفسي.  

_ أعمق إزاي؟ 

_ كأنها مؤمنة بحاجة، أو بشخص.. يمكن حاجة ملهاش وجود.


بعد يومين من زيارة الدكتور، صحيت في نص الليل على صوت صريخ فاطمة. جريت على أوضتها، لقيتها مش موجودة. قلبي وقع في رجليا، وسمعت صوتها جاي من المطبخ.

لما دخلت المطبخ، لقيتها واقفة قدام الحوض، ماسكة سكينة، وعينيها مدمعة. قربت منها بهدوء وقولت:  

_ فاطمة، سيبي السكينة. 

بصتلي وهي بتترعش وقالت: 

_ أنا تعبت... هي عايزة تاخدني، وأنا مش قادرة أقاوم.  

_ مفيش حاجة هتاخدك، ولا حد يقدر ياخدك يا فاطمة، أنا هنا معاكي، ماتخافيش.  

حاولت أخد السكينة منها، لكنها قاومت بشدة. ولما أخيرًا سابت السكينة، بصتلي وقالت: 

_ أنت مش فاهم حاجة.. هي أقوى مننا كلنا. 


ليلتها كانت البداية لنهاية مختلفة. كنت عارف إن اللي جاي هيبقى أخطر، وإننا بنواجه حاجة أكبر من أي تفسير منطقي. لكن كان لازم ألاقي طريقة أوقفها، قبل ما فاطمة يحصلها حاجة ونفقدها..


 كان لازم أواجهه، عشان أفهم كل اللي حصل، وأعرف السبب. يمكن السبب ده كان من زمان، لكن في اللحظة دي، لما بدأت أشوف الصورة كاملة، بدأ كل حاجة تتكشف قدامي زي صورة قديمة بجمعها وهي متقطعة.. وحسيت إن ده الوقت اللي لازم أفهم فيه اللي حصل لنا.


لما كنا صغيرين اتربينا على الخوف، بس مش أي خوف. ده كان خوف ليه جذور جوانا، خوف من العفاريت، والحاجات الغريبة، الحكايات المتوراثة عن الشمامة وأبو رجل مسلوخة.. لما كنت صغير، كانت ستي وأمي دايمًا يقولولنا جمل غريبة عن الشمامة، وعن الكائنات اللي بتطاردنا لو ما سمعناش الكلام.. أمي كانت بتخوفنا لدرجة خلتنا نعيش كل حياتنا في حالة من القلق المستمر، وكل ما نحاول نبص على حاجة بعينينا، نلاقي نفسنا مش قادرين نصدق اللي شوفناه، وكل ما نسمع صوت غريب في البيت، نكمل نعيش في حالة من التشويش. ما كناش قادرين نفرق بين الحقيقة والخيال.


كانت الشمامة بالنسبة لنا مش مجرد أسطورة، بل كانت كائن حي، حاضر في حياتنا اليومية. وعشان تكون الصورة واضحة قدامكم، لازم أقول إن كل واحد فينا كان عنده شعور عميق بالذنب والضعف. لما فاطمة كانت طفلة، كانت بتصدق كل كلمة بتقولها ماما، كانت مصدقة إن في حاجة اسمها الشمامة، وكانت بتخاف منها لدرجة إنها مكنتش بتعرف تميز بين الخيال والواقع. وكل ما تحاول تتجاهل الخوف ده، كان عقلها الباطن بيصورلها المواقف اللي بتحصل معاها على إنها دليل قاطع على وجود الشمامة المادي، وده كان بيضعف قدرتها على التفريق بين الخيال والواقع.


أنا في الوقت ده كنت بحاول أكون عقلاني، عارف إن مفيش حاجة اسمها شمامة، بس الخوف اللى كان بيتم زراعته جوانا كان بيخلي الشكوك تكبر. كان في ضغط نفسي متواصل علينا، كأننا عايشين في عالم كله غموض. الأوامر كانت بتيجي من أمي، وكأنها قرارات لا تقبل المناقشة. لازم نخاف، لازم ننفذ. وده كان بيرسخ فينا فكرة إننا مش قادرين نكون أصحاب قراراتنا، إننا دايمًا في حالة خوف من حاجة مش واضحة بس موجودة.

 الغريب أكتر في الموضوع، إن ستي كانت دايمًا تقولنا إن الحياة لازم تكون مليانة بالخوف، وإن دي الطريقة الوحيدة عشان نعيش بأمان. يمكن ده كان السبب في إننا كنا دايمًا في حالة من الذعر والخوف والترقب، سواء كانت الشمامة موجودة ولا مش موجودة، كانت فكرة الخوف نفسها هي اللي مسيطرة علينا.


في فترة المراهقة، بدأنا نكبر، وكان في حاجة بتبدأ تظهر جوه فاطمة. كانت عايشة زي المغيبين، روحها ضايعة، مبتسمة ساعات، وساعات تانية تقعد عينيها مبرقة، وكأنها مش فاهمة إيه اللي بيحصل.. والكوابيس كانت بتزيد معاها.. فاطمة كبرت وهي مرتبطة بالماضي وبس لدرجة إنها مابقيتش باصة لأي حاجة في المستقبل، ولا مدركة إنها كبرت وكل اللي فات ده بقى مجرد ذكريات طفولة.. وبتقنع نفسها إن الخوف ده هو جزء من حياتها، وإن مفيش مفر.. زي ما أمي وستي علمونا.

أنا كمان كان عندي نفس المشاعر، بس أنا كنت بحاول أهزمها، ماكنتش عايز أصدق إن التربية السيئة ممكن تبني جدار عالي بيننا وبين الحقيقة.. بقت حياتنا مليانة بالشكوك، وكأننا مش قادرين نصدق إلا لما تكون في حاجة تقدر تفسر كل حاجة بنظرة من الخوف.. أو بتفسير الخوف نفسه لأنه بيشرح المواقف.


كنت بفكر لو إن ستي كانت فاهمة إن الخوف ده مش بيحمينا، بل بيأذينا. كان المفروض يكون في طريقة تانية للتربية، طريقة تحترم عقلنا، وتدينا مساحة نفكر فيها براحتنا.. وأننا نعمل الصح لأنه صح، مش لأننا خايفين من حاجة معينة.. بحس إننا كبرنا ضحايا لأفكار مغلوطة عن الخوف.. وعن كل حاجة تقريبًا.. مافيش حد قدر ييني شخصية خاصة بيه.  كان الخوف هو المتحكم في حياتنا، وكان سبب كل ألم عشنا فيه. كان لازم نكبر في بيئة تقدر تساعدنا على تطوير أفكارنا الشخصية، على فهم نفسنا، على الخوف الطبيعي مش المبالغ فيه، مش الخوف اللي بيخلي الواحد يعتقد إن في مخلوقات مجهولة بتجري وراه وعايزة تموته أو تأذيه.


أعتقد لو كانت التربية عندنا مختلفة، لو كانت حياة فاطمة اتبنت على الفهم مش على الخوف، كان ممكن نكون ناس تانية خالص. لكن مع كل اللي مرينا بيه، في النهاية ما كنش فيه مفر من الحقيقة. الحقيقة إننا كنا عايشين مع خرافة، كنا بنخاف من شيء ما كنش موجود أصلًا، وكان الخوف هو اللي فارض سلطته.

فهمت إن الشقة مافيهاش حاجة مش طبيعية، وإن كمان مافيش حاجة اسمها شمامة، بس ممكن يبقى فيه حاجة أكبر منها، حاجة حقيقية مش مزيفة، فكرة تبدو تافهة في عقول الأهالي بينقولها للأطفال بدافع الثرثرة، أو التسلية، أو الانصياع لأوامرهم وخلاص، مع الوقت بتبقى أفكار راسخة في عقول أطفالهم، فتتحول لمرض نفسي.. أو تتحول لعادات وتقاليد متوارثة، فيتناقل الأهالي قصاد أطفالهم حكايات مرعبة، ويرسخوا جوه عقولهم أفكار مخيفة، سواء بجد أو بالهزار، ويخرج لنا جيل جبان، ضغيف، لا يملك من نفسه إلا أفكار عقيمة، ويمكن يبان الموضوع بسيط، ما كل الأهالي طلعت ولادها على كده، بس أعتقد إنك شايف النتيجة حواليك، واللي بيبدأ باستهتار، بيكبر ويتراكم ويؤدي لنتايج كارثية.. علموا عيالكوا حاجة مفيدة، علموهم يسمعوا كلامكم بالحب مش بالتخويف. وإن كان مطلوب تخويف أحيانًا، فيكون ناتج عن الاحترام مش الترهيب.

لا الشمامة كانت موجودة، ولا هتبقى موجودة، وما هي إلا مجرد خرافة. كل اللي كنا فيه كان نتيجة خوف متجذر في تربيتنا. ما كنش عندنا فرصة نتعامل مع الحقيقة، بس أكيد فيه فرصة نعلم الصح للأجيال الجديدة..


فاطمة دخلت مصحة نفسية من سنة سنين، للأسف لأن الوضع خرج عن سيطرتي وخصوصًا بعد وفاة أمي، وبقيت أخاف عليها تقعد لوحدها في البيت.. فعشان كده دخلتها مصحة نفسية، والحمد لله صحتها اتحسنت كتير، وإن شاء الله تخرج قريب ونرجع نعيش مع بعض من جديد.


تمت.


 انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم



لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا

تعليقات