رواية احفاد الثعلب الفصل التاسع عشر
حمدت الله أنها تمكنت أن تهرب قبل أن تقديس في تلك المصيبة حقا ...
وأي مصيبة أنها الكارثة بعينها أن يذهب إليه وتطلب له صورة !!
"يا إلهي حتما كنت سأصاب أن برعاش قوي في كامل جسدي ... وقد أسقط أرضا قبل التقوه
بحرف واحد "
من الجيد أنها تمكنت باستخدام عقلها الخروج نوعًا ما من ذلك المأزق بوعد ليس بالأكيد حتى لا تتشكك شقيقتها بطبيعة علاقتهم .. بأنها لو تمكنت أن تلتقط له صورة في أحدي الأيام حين ينتهي من أشغاله بعمق .. ستلتقطها على الفور دون تردد فقط تمهلها للأيام
هبطت الأسفل بعد أن أنهت تلك المكالمة بمباركة قدوم شهر رجب المبارك شاكرة شقيقتها التذكرها بذلك الأمر في هذا الجو المشحون بالبرود على غير عادات شوارع بلادها في مثل ذلك الوقت ...
استدارت براسها تبحث عن ذلك العجوز الصامت الذي يرمقها في الخفاء بنظرات مريبة وقلقة ...
ولكن تعجبت لعدم وجوده في البهو كحال كل يوم ... ظلت تدخل بعض الغرف المحدودة بالجوار وتخرج منها باندهاش علي تستغرب اختفائه المفاجئ ... عقدت ذراعيها أمام صدرها في ضيق إلي أن تذكرت مطبخ القصر الذي لم تخطوا إليه مرة واحدة منذ بداية قدومها إلى هنا ....
فأسرع تدخل ذلك الممر المتخفي بجانبه ... تخطوا به بنظرات متفحصة إلى أن شاهدت في وجهها غرفة شاسعة المساحة بها جميع أمكانيات الطبخ الحديثة يتوسطها طاولة كبيرة نوعًا ما لتحضير الطعام و .... .... و ذلك العجوز ساقطاً أرض بجوارها !!!
يا الهي !
قالتها بذهول وهي تهرع إليه تتفحصه بكل مشاعر القلق التي تملكها من جسدها في الحال ....
حمدت ربها انه به نبض .. لا وبدأ يفيق أيضًا من حالته المغيبة نوعًا ما ... فاسرعت تهتف على
الفور عند هبوطها بركبتيها على السطح الأملس بجواره :
هل أنت بخير )
استعد وعيه جزئيًا هاتفيًا بوهن في صوته :
من أجل أن تصبح بخير ....
- هل انت مريض ؟!
- ليس بالأمر الأكيد .....
ولكن لماذا سقط مغني عليك أنا ....
فقط بعض الأغماءات ليس أكثر، قد تكون ناتجة عن كبر العمر ...
- يبدوا أنها تكررت معك كثيرًا ... هل تفحصك طبيب من قبل ؟!
كلا ..
أذا لا تفتي أيها العجوز ولابد أن تستريح ... هل تستطيع النهوض أم أساعدك )
كلا أستطيع مساعدة نفسي ...
أذا أنهض .. وأخرج استرح بالخارج علي أحد المقاعد وأنا سأتي علي الفور ولا تقلق إذا تأخرت
راقبته بحذر وخوف ما أن نهض معتدل يعيد توازنه ببطئ إلى أن خرج وأبتعد من أمام عينيها ... فاتجهت للبراد تبحث عن ما يمكن إيجادة لمساعدتها لأعداد وجبة صحية تغذيه في حالة
هبوطه تلك ..
بعد مرور بعض الوقت خرجت عليه تحمل بين راحة يديها حامل طعام يتوسطه طبق عميق
قائلة بابتسامة هادئة :
أعدت لك بعض الشوربة الدافئة التي تعيد نشاطك .
نظر لما بين يداها بذعر وربية وعت له جيدا عندما وضعت الحامل على طاولة مباشرة لجلسته
فهمت علي الفور بما يدور بذهنه فقالت بدماء يتوارى خلف نبرة صوتها البلهاء :
ارجوك تذوقه فأنا أعددته من أجلك أم أنت خائف ....
تلجلج صوته ليخرج بتقطع أثناء نفيه بشجاعة مزيفة لجملتها :
ولما س ... اااخاف .. س ... سأتذوقه بالطبع ....
وما أن أقحم المعلقة بأطراف كفه المرتعشة في الحساء حاملا بعض منه، ومن ثم رفعها باتجاه
فمه يتردد واضح على ملامح وجهه ... حتى أطلقت " هنا " صوت قوي مرددة من بينها بذعر جلي :
لا تشرب ذلك الحساء فأنه به سم قاتل ... وقد يكون به حزام ناسف أيضا !!!!
على أثر سماع جملتها ليتأكد له ما في دهنه انتقض جسده بتوجس مريب ... ... تاركا المعلقة تسقط
على ملابسه يتعر أشد ... بل ويفوق ذعرها المصطنع آلاف المرات ....
ذلك المشهد كفيل بأن يجعلها تطلق عدة ضحكات متواصلة، وهي لا تصدق أن الخوف منها ومن
شبيهها يصل إلى ذلك الحد عند الأمريكان !!
تطلع بعد برهة لضاحكتها و لحالته مستوعباً ذلك المقلب الذي فعلته به تلك الشقية ، فجلس مرة
أخري ضاحكاً وهو لا يصدق بأن خوفه كان مكشوف لتلك الدرجة ... لكي تجعل فتاة بروحها
الطفولية تفوز عليه بعقلها صاحب الدهاء الشديد ...
إلا أنها حين تطلعت له من وسط ضحكاتها حتى بترتها مردده باندهاش :
أيها العجوز أنت تضحك مثلنا !!
هتف بنبرة ضاحكة :
- الست بشر مثلك ؟!
روت شفتاها بضيق وقالت :
بدأت أشك أن ما في ذلك القصر بشر مثلنا ...
فقال لها بإصرار :
لا تحكمي عليه قبل أن تعرفي ما يحوط به !!
تعجبت من مغزي جملته ، فاسرعت تهتف بفضول :
وهل أنت تعلم ما يحوط به ١٢
أجابها برفض مؤكد :
لا .. لا يجوز لي التحدث طالما صاحب الشأن لم يفصح به بعد !!
أصابها خيبة أمل ، ولكن إصرارها لم يجعلها تستسلم حين قالت بشغف : حدثني عنه ؟! حضرت طفولته وتعايشت مع عمي جلال فأنا لست بغريبة أنا ....
اجابها بهدوء :
ابنة عمه وزوجته !
انفرجت شفتاها يتعجب فهتفت بنيرة بلهاء :
أجابها بالإيجاب :
- هل تعلم بالامر !!
نعم ... بل وأنا من أقنعته طوال الأربع سنوات بضرورة العودة لموطنه والتواصل مع جده ...
نقد الأخير بعد عناء ولكن الأول رفضه بشدة ، إلى أن أتي لي غاضب ذات يوم وأخبرني بذلك
الزواج الأجباري الذي وضعه به جده مما ترتب عليه قطع صلته به مرة أخري .. كان حينها أقرب
ما يكون الأسد هائج .. استطاعت ترويضه ولكن لم أستطع في الأربع سنوات التالية لتلك الواقعة بأن أعدله عن قراره للتواصل معه .. إلى أن أتصل بي ذات يوم من عمله يخبرني بموته ورسالته وضرورة أحضارك ... ترجيته بقوة أقرب ما يكون إلى التوسل بأن يجعلك تحضرين ....
هفت يتعجب جلي :
لماذا ...
طاطا رأسه قائلا بحزن عميق :
لأنني كبرت وطالت سنوات عمري وسيصبح وحيداً من بعدي فأردت له رفيقا من دمه بعد موتي ...
- أطال الله في عمرك ...
أشكرك .. ولكن هذه هي الحياة ...
تم هتف بنيرة مرحه :
ولكني صدمت من لباسك فهذا لم يكن في الحسبان ...
ضحكت لبرهه حتي انتهت قائلة بتمعن :
يبدوا لي بأنك تحبه كثيرا !!
أكثر من نفسي فطالما هو بالنسبة لي الابن الذي ليس من صلبي ...
ثم راوده الشرود للماضي قائلا بصوت مسموع :
كريس " تلقيطه بين ذراعي من سيدي جلال وهو مبتسما مسرور حين رأه لأول وهله بعد ميلاده .. كبر ومرح في تلك اليد ... كان لا يأتمن أحد عليه إلا اذا حتى عندما يغادر المسقط رأسه في اجازته السنوية .. كان يكثر من توصياته لي أنا فقط ... تعلقت به وتعلق بي حتي في ذلك الوقت الذي واجهت فيه المصاعب وغادرت مسكنهم ... لم ينساني ... وأرجعني في ذلك القصر ولم يقوم بتوظيف أحد إلا أنا لخدمته حتى الطعام ... أنا الذي أعده له بنفسي .. فقط عاملين التنظيف يأتون كل أسبوع النظافة القصر ومن ثم المغادرة على الفور .. ويجب أن أقف فوق روسهم خلال تلك المدة !!
كل كلماته يحتويها الغموض ولكن تجاهلته جميعا قائلة باندهاش :
- من كريس 115
قال بارتباك :
هل قلت كريس ! يبدوا أنني كبرت حقاً وأصابني الخرف !!
ووالدته !!
رمقته بتعجب ثم قالت بهدوء يحتويه الفضول :
توترت ملامحه قائلا بارتباك أشد :
توفت منذ عدة سنوات .. وفي صغره كانت تنشغل كثيرا .....
في ماذا ؟!
نهض من جلسته علي الفور ما أن تحول الحوار لوالدته ، قائلاً باضطراب واضح :
لا أعلم فيجب أن أنهض حتى أعد طعام الغذاء فموعد قدومه قد اقترب ...
تفحصت حالته المفاجأة محدثه نفسها بشرود " يبدوا لى بأن ذلك العجوز مازال يحمل أسرار
في جعبته .. إذا فهذا القدر يكفي إلي حد الجيد و يجب الصبر "
قطعت شرودها قائلة بتفهم :
- ولكنك مريض !!
اجابها بإصرار :
ساحاول فهو لا يأكل إلا من يدي ....
فقالت بترجي :
لماذا لا أعده بدلا منك ....
أجابها برفض تام :
كلا سيرفض وسيغضب حتما مني ....
أصرت قائلة :
لا تخبره !
متف يتعجب :
- ماذا 11
نهضت على الفور ما أن شعرت بتردده قائلة بوضوح :
فقط لا تخبره وأنا سأعده في الخفاء، فأنا مللت الجلوس حقا غير أنك متعب جدا ولا يجوز
اجهاد نفسك في هذا العمر أكثر من ذلك ....
حل المساء وأقترب موعد قدومه في حين تم تجهيز طعامه من جانبها على أكمل وجه في ظل مراقبة وأشراف العجوز على ما تعده أثناء جلوسه على أحد المقاعد بجوارها يملي عليها ما يحبه وما لا يحبه .. ممننه له كثيرا بأنه تركها تحضر احد الاطباق الشرقية بلمسات أمريكية . متمنيه أن ينول أعجاب الغامض ....
ضحكت مع نفسها بتلك المصطلحات التي تطلقها عليه كل حين وآخر ... أو لو يعلم لكان نفخ بها
بكل قوته دون ترك أي أثر لها ...
حمدت الله أنه لم يعلم وأنه سرها ....
التهتم الآن بتحضير الطاولة ومن ثم الاختباء قبل أن يصل ....
رأت العجوز ينهض من جلسته فسألته على الفور بقلق :
إلى أين 15
فقال مبتسماً :
إلى غرفة " الى " .. لتحضير ملابسه ....
ثم شرع يشرح لها ما يفعله بهدوء وتمعن استغربتة هي نفسها ...
ما هي إلا نصف الساعة وحضر " على " فاستقبله العجوز بابتسامة هادئة بالتحية قبدالها " علي " بالمثل مع ابتسامة صافية لا تخرج إلا له هو فقط ...
ابتسامته جعلتها تفكر فاهها باندهاش وهي تحدث نفسها في ظل مراقبتهما من خلف ستائر الممر الجانبي لغرفة تحضير الطعام ....
" القاسي بيبتسم زيدا يا ولاد .. يا ماشاء الله يا ماشاء الله .
إلا أنها انتبهت لموقعها فاسرعت تنواری اکثر عن عينيه .. لتشاهد مغادرته للأعلى ومن ثم اقتراب العجوز لموقعها فانتظرت حتي أقترب بشدة ثم هتفت بهمس شديد : أين هو ؟!
صعد ليتسحم أولا ومن ثم تغير ملابسه فهي عادته كرياضة الصباح مثل ما أخبرتك من قبل !
ضربت جبينها براحة كفها قائلة يأسف :
- أعذرني فلقد نسيت ...
تغيرت ملامح وجهه دون أدراك مقترب منها قائلا بتحذير صارم :
لقد أخبرتك لكي تتذكري ... لا أن تنسي ... 11
اندهشت من انقلاب حالته في أقل من الثانية مع ضغطة القوى على جملته تلك ...
فتجرعت ما في حلقها باضطراب ثم قالت بلامبالاة مصطنعة :
مالي وماله .. لا شأن لي به !!
هز راسه قائلا بحزن شعرت به :
لن تدوم الأيام هكذا طويلا !!
ثم صار من أمامها للخارج لاقتراب موعد هبوطه ، في حين هي تخبتطها الحيرة من أفعاله بشدة اليوم !!
التزداد حيرتها ضاربة بها عرض الحائط عندما هبط ذلك الغامض مشيدا بتجلي لطبق اليوم في عبارته التي سمعتها جيدا :
أراك أبها العجوز تفوقت علي نفسك في الكبر .. الطعام أكثر من رائع ...
أجابه العجوز بابتسامة بشوشة :
- أشكرك بني |
من أين تعلمته ؟!
أجابه بارتباك :
- التلفاز لا يترك أحد .. وبرامج الطبخ كثيرة ....
غادر " علي " طاولة الطعام قائلا بامتنان :
على كل حال الطعام جيدا وأريد أكثارك من مشاهدة التلفاز .. فهذا سيشجعني بأن أعمل هنا
واتي بجاك المسكين يتذوقه يوماً .. وترحمه من الطعام الجاهز ...
تبادل معه الابتسامة بتوتر حقي ثم هتف على الفور :
ساحضرك لك كوب قهوتك السريعة ....
فيادره " على " يرفع كف يده ليحته على الوقوف قائلاً :
كلا .. استرح أنت فاليوم أجهدت نفسك كثيرا وأنا سأعده النفسي !!
لم تعي إلا لشهقه خرجت منها کرد صادم لجملته باحثه على مخبا من حولها ... في حين هتف
العجوز بأرتباك على عجاله وهو يخطوا بكل قوته لداخل غرفة تحضير الطعام :
كلا لم أتعب وسأعده لك بنفسي !!
تعجب " علي " من فعله فطالما كثيرا يعده ولكن لا بأس ... أخبره أنه سيتوجه لغرفته لحين الانتهاء ...
اطمئنت لدخول العجوز فخرجت من محياها من أسفل الطاولة على وقوفه أمامها مباشرة مردداً بابتسامته الصافية :
بارك الرب بك ... الآن أطمأن قلبي !!