رواية سيد احمد خالص التعازي في وفاة زوجتك الفصل الثالث والثمانون
في اليومين التاليين خلت أيام سارة من ظله كأن حضوره صار محرمًا على جدران غرفتها البيضاء وشعرت أن اختفاءه عن المشهد لم يكن غيابًا بل صمتًا ثقيلًا يلوّح خلف الكواليس ورغم ذلك لم تكن وحدها فقد كانت إيفرلي تملأ الفراغ بوجودها لا كممرضة فقط بل كصديقة تحمل في عينيها قلق الأم وفي لسانها سخط العاشق الغاضب.
كانت ايفرلي تجلس عند طرف السرير تلوّح بكوب الماء كأنها تقرع به على طاولة القضاء وتقول بنبرة لاذعة:
"هل تعلمين يا سارة؟ أظن أن ذاك الأحمق قد وقعت عليه لعنة! أي امرأة تلك التي سرقته منا؟ أوَ تظنينها ساحرة؟ لا تفسير آخر لهذا الجنون… بالأمس يريد الطلاق واليوم لا يحتمل رؤيتكِ مع رجلٍ آخر ثم فجأة يتهمكِ بأنكِ تدّعين المرض! أعتقد أن عليكِ البحث عن عرّاف أو شيخ طارد للأرواح ليُطهّركِ من أي أثرٍ تركه فيكِ."
لم تبتسم سارة، لم تضحك، فقط قالت بصوتٍ خافت كأن أنفاسها مشروطة بالوجع:
"هو لا مسحور ولا شيء هو فقط مجنون."
قالتها تُفرغ صدرها من خيبة ترفض أن تُشفى، تخلع عنه آخر الأعذار التي كانت تحميه من الاتهام المباشر… كلمات بسيطة لكنها خرجت محملةً بخذلانٍ عمره من الألم سنوات.
أما إيفرلي فبقيت تنظر إليها
في صمت عاجزة عن الرد وذلك بعد أن فهمت أخيرًا أن الجنون أحيانًا لا يسكن العقول بل يسكن القلوب حين تُحب أكثر مما ينبغي.
بعد يومين من السكونِ المجبولِ بالأسى بدأت سارة تستعيد ملامح عافيتها… لم يكن شفاؤها كاملاً إذ ما زالت معدتها تمارس انتقامها بصمتٍ مرير وكأنها تحتجّ على ما فُعل بجسدها من مغلّفةٍ بالعلم.
في هذه الأثناء جلس كالفن إلى جوارها يُنصت بإمعان لأنينٍ لا يُسمع ثم اقترح أن يُعيد الفحص.
هزّت سارة رأسها برفق وفي صوتها بقايا كبرياء مكسور:
"لا حاجة لذلك لقد أجريتُ فحصًا في مستشفى آخر... وأتلقى علاجًا حاليًّا."
لم يُجادل كالفن بل أومأ بجمودٍ طبيٍّ معتاد ثم غاب ليومين في خضمّ تحقيقٍ دقيق عاد بعدها يحمل في يده إجابة وفي عينيه قلقٌ من نوعٍ آخر.
دخل كالفن الغرفة بخطواتٍ واثقة وبذلته البيضاء تلمع كالثلج النقي تحت ضوء المصابيح العقيمة… قميصه الأبيض… ربطة عنقه السوداء…. وبنطاله الداكن كل هذا جعله يبدو كأنّه نسخة خيالية من فارسٍ خرج من روايةٍ طبيةٍ.
"مرحبًا إيفرلي... أنتِ هنا أيضًا؟"
قالها كالفن ببشاشة حذرة فقد كانت إيفرلي دوماً تُمطر أحمد بلعناتها في الماضي لكنها ولأول مرة تعامله بلطف إذ
توقفت وصَفّرت بإعجابٍ مصطنع وهي ترفع حاجبيها:
"يا إلهي... في العادة يرتدي الأطباء هذا الزيّ ليبدو عليهم الوقار... لكنك ترتديه وكأنك في فتاة في مشهدٍ دراميٍّ على السجادة الحمراء."
ابتسم كالفن بودّ وأشار إلى الشارة المعلقة على صدره:
"يمكنكِ الشك في مظهري لكن لا يمكنكِ الشك في وظيفتي."
ردّت ضاحكة بتهكم لكنه حافظ على ابتسامته دون أن ينكسر لهيب المهزلة ومن ثم التفت نحو سارة وقال:
"سارة... إذا لم يُظهر الفحص القادم أيّ خلل يمكنكِ الخروج."
استدارت سارة إلى إيفرلي وهمست:
"انتظريني هنا لن أتأخر."
وضعت إيفرلي حبة كرز في فمها وسألت بمرحٍ ساخر:
"ألن أرافقكِ؟"
لوّحت سارة بيدها وكأنها تدفع السؤال بعيدًا:
"لا حاجة، إنه مجرد فحص روتيني."
قالتها ثم تبعت كالفن إلى غرفة الفحص حيث خلت الغرفة من أيّ بشر سواه حتى الطبيب السابق قد غادر، ولم يبقَ سوى ظلال الأجهزة وأصواتها الميكانيكية التي تنبض بالصمت.
قال كالفن وهو يشير نحو الكرسي المقابل:
"اجلسي."
جلست سارة مترددة، وقلقها يسبق كلماتها:
"يبدو أنك وجدت شيئًا."
تلاشت ابتسامته وأجاب بجديّة تتسربل بالحزن:
"كنتِ محقّة... شخصٌ ما تلاعب بالنتائج."
تقلص جبينها
وتسللت الحيرة إلى عينيها:
"من؟"
تنهد كالفن، وقال بصوتٍ متهدج:
"في ذلك اليوم، أحضر أخي طاقمًا متخصصًا للفحص، لكن الدكتور ثورمان المسؤول عن التصوير المقطعي أُصيب فجأة بوعكة... فاضطر لتسليم المهمة لمايك، طبيبٍ متدرّب… بعد أن أنهى مايك التحضيرات استُدعي فجأةً من قبل إحدى الممرضات وخلال هذا الفراغ القصير تَسلّل شخصٌ ما إلى الغرفة وبدّل نتائج الفحص… الصور التي وُقِّعت كانت سليمة لكنها لم تكن صوركِ."
ناولها كوبًا من الماء، وأردف:
"ذلك الشخص بارع بارع حدّ الخطر فقد تمكن من تعطيل كاميرات المراقبة بالكامل لذا لم نرَ وجهه لكنّ عامل النظافة رأه."
ارتشفت سارة رشفة صغيرة وقالت بصوتٍ منخفض:
"رجل أم امرأة؟"
أجابها كالفن باسترسال:
"رجل طويل القامة مفتول العضلات يضع نظارة شمسية كبيرة تغطي ملامحه… لا شيء يُكشف سوى شامةٍ على الأذن اليمنى، ووشم نسرٍ تحت كمّه... رأى عامل النظافة الوشم عندما كاد الرجل أن ينزلق على الأرض المبلّلة."
تعمقت نظرات سارة في الكوب الزجاجي وكأنها تبحث فيه عن ملامح الجاني… ومن ثم تسائلت:
"وشم؟ هل هذا كافٍ لنعرفه؟"
ابتسم كالفن بخفوت وقال بثقة هادئة:
"اطمئني لقد أرسلتُ لقطات التعتيم
إلى خبير اختراق محترف… نأمل أن نسترجع المقطع الأصلي خلال ساعات... وسأخبرك بكل شيء حالما أراه."