![]() |
رواية انتقام الوريثة الفصل الثامن عشر بقلم اسماء حميدة
ارتجف وجه زيك حتى بدا فكه كصخرة على وشك الاڼهيار من شدة الصدمة… فالحقيقة التي انكشفت أمامه كصڤعة مباغتة:
تلك المرأة التي تجرّأت على تحدّيه لم تكن سوى الزوجة السابقة الغامضة لجاستن سلفادور السرّ الذي طالما حيّر العقول والظلّ الذي التفّ حول اسم سلفادور لسنوات… لم يستطع كبرياء زيك أن يمنع عينيه من الاعتراف بفتنتها فهي ببساطة أجمل بكثير من شقيقته روزاليند… جمالها لم يكن مجرّد ملامح بل هالة تسلب الأنفاس، هالة جمعت بين قسۏة الليل ودهشة الفجر ولولا أن روزاليند قد التصقت بذاكرة جاستن منذ الطفولة كتجذّر شجرة لا تُقتلع لما أمكنها أن تنافس هذه المرأة الساحرة في قلبه.
شدّ زيك قامته وتشدّق بكبرياءٍ كاذب:
ــ "سيد سلفادور حتى لو كانت زوجتك السابقة فهذا لا يمنحها الحق في أن تُهينني! إن أردت تسوية الأمر فاطلب منها أن تعتذر لي ثم لندفن
ما حدث وكأن شيئاً لم يكن."
لكن كلمات جاستن خرجت كسياطٍ تلسع الصمت:
ــ "لو وصلت متأخرًا لحظة واحدة لكان حُرّاسك قد مسّوها بأذى… حتى وإن لم يفعلوا فذلك لا يبرّئك من ذنبك… اعتذر لها!"
تجمّدت ملامح زيك وارتعشت شفتاه بخوفٍ حاول ستره خلف قناع من الصلابة فبينما قلبه يخفق كطبلٍ في معركة لكن وجهه ظل مكسوًا بطبقة باردة من التصنّع يحاول إنكار رعشة تجتاح جسده.
أما بيلا فكانت غارقة في نشوة الخمر، وجنتاها كجمرتين متقدتين، وعيناها تترنحان بين يقظةٍ وغياب وكل ما التقطته من الجدال كلماتٍ متقطعة كشظايا صوت تتردد في ذهنها:
*طليقتي... اعتذر...*
ضحكت داخل عقلها المترنّح بسخرية حادّة:
ــ "هل فقد صوابه؟ أيطلب منّي الاعتذار؟! لو لم يتدخل جاستن لكان رأسه الآن كدمية مکسورة بين يديّه ومع ذلك يتجرأ على مطالبتي بالندم؟ يا لغباء هذا الرجل!"
كانت أفكارها
مشبعة بالازدراء وعيناها اللامعتان بالسكر نطقتا بما لم تستطع الكلمات أن تحمله؛ خليط من التحدّي والڠضب وسخرية ثملة تُشعل الأجواء حولها كشرارة في هشيم.
قال رايان، وصوته يقطر استهزاءً كسيفٍ مغروس في خاصرة الكبرياء:
ــ "هذا مثير للغثيان... أظن أنّ الحل الأمثل أن نُرسله إلى مركز الشرطة أو نجرّه للخارج ونعلّمه كيف يتذوّق الطين لحساً."
ارتسمت على شفتي رايان ابتسامة واثقة… ابتسامة قائدٍ يعرف أنّ الأرض تهتز بخطواته إذ كان يسير في مقدّمة صفّين من حراسه كملكٍ يحيط به جنودٌ من العتمة… يذكّر في هيبته بزعماء الماڤيا الذين لا يخشون سوى أنفسهم.
ارتعد صوت زيك محاولًا التشبث بما تبقى له من قناع القوة:
ــ "ما الذي يدفعك لضړبي؟! نحن في دولة تحكمها القوانين!"
لكن الكلمات خرجت منه متكسّرة كصرير باب صدئ في بيت مهجور فرفع رايان إصبعه كمن يرسم حكمًا بالإعدام
في الهواء ومن خلفه أطلت تلك الفتاة التي أجبرها زيك على الشراب تختبئ بخجل وراء كتفيه كعصفور جريح يلتمس الحماية ومن ثم قال رايان بنبرة باردة تقطر تهديدًا في كل حرف:
ــ "أولًا... هؤلاء الفتيات يبعن المشروبات لكن لا أحد يجرؤ على إجبارهن على خدمة أهواء الزبائن… لقد كسرتَ قاعدتي حين أجبرتها على الشرب معك… ثانيًا الممنوعات خط أحمر في ناديّ وكل من يتجاوز قوانيني سأهشّم عظامه بيدي… كان حريًّا بك أن تشكر السيدة آنا؛ فلولا أنها منعتك من دسّ الممنوعات لموظفتي لكنت الآن چثة تُسحب خارج هذا الباب."
وقف جاستن مشدوهًا وقد اتّضحت أمامه الصورة كاملة كلوحة دمغها الضوء بعد طول غموض… لم يكن يتوقع أنّ ما جرى كلّه قد انبثق من تلك اللحظة الصغيرة التي تجرّأت فيها آنا ولهذا زاد انبهاره بها.
قهقهت بيلا وهي تُضيّق عينيها حتى تحوّلتا إلى هلالين ساحرين ثم رفعت
إبهامها لرايان:
ــ "أحسنت يا أخي... أبدعت."
أجابها رايان بابتسامة ماكرة وغمزةٍ خاطفة:
ــ "شكرًا على الثناء آنا."
في تلك اللحظة انقبض صدر جاستن بشعورٍ غامض، شعورٌ كشوكةٍ تسلّلت إلى قلبه دون إذن… لم يكن غيرةً واضحة ولا حقدًا صريحًا لكنه ضيقٌ خانقٌ أشبه بدخانٍ أسود يملأ رئتيه كلما رأى تفاعلهما العفوي.
الټفت رايان نحو جاستن وسأله بلهجة واثقة:
ــ "ما رأيك يا سيد سلفادور... أليس هذا الجزاء عادلًا؟"
أجابه جاستن بكلمة مقتضبة صلبة كحجر:
ــ "ممكن."
عندها تدحرجت كلمات زيك على لسانه مُثقلةً بالمهانة وقد ضغط على أسنانه حتى كادت أن تتفتّت:
ــ "أنا... آسف سيد سلفادور… لم أكن أعلم حقًا أنّها زوجتك السابقة... سأعتذر لها."
الټفت زيك إلى بيلا على مضض وعيناه تحترقان
بلهيب العداء:
ــ "آسف... سيدة آنا."
لكن جاستن رغم ذلك شعر بأن الاعتذار أهون بكثير من الجرم وأن الكفّة لم تعُد متوازنة فالټفت ليبحث عنها بعينيه كي يرى ما إذا كان لها رأي آخر فإذا بالفراغ يردّ عليه… لقد اختفت آنا كما الطيف في الضباب تاركة وراءها أسئلةً لا إجابة لها ورائحةً عالقة في الهواء تشبه غيابها المربك.
ابتسم رايان ابتسامة ساخرة وهو يصفر بشفتيه ثم أشار برأسه نحو المسرح:
ــ "أتبحث عن طليقتك؟... إنها هناك."
ضيّق جاستن عينيه كمن يحدّق في وهمٍ يخشى أن يتبدد بينما ارتجفت أوتار قلبه كوتر قيثارة انقطع فجأة.
تحت أضواء الستروب المتقطّعة بدت آنا ككوكبٍ ثائر يرقص خارج مداره تأرجح خصرها بخفةٍ مٹيرة والابتسامة المرسومة
على شفتيها خطفت الأضواء نفسها وجعلتها باهتة كأنها خُيّطت من ظل.
أما بيلا فقد كانت غارقة في ثُمالتها لا تدري عن جسدها شيئًا، تحركه الريح حيث تشاء… شعرت أنها تطير في فضاءٍ بلا جاذبية… حرّة من كل قيدٍ أو ۏجع.
وفجأة، اختلّت قدماها فتهاوت بجسدها إلى الخلف… انطلقت صړخة حادة من أحد الواقفين لكن القدر ألقى بها بين ذراعي رجلٍ يعرف كيف يلتقطها. ذراعان قويان، داعم احتواها قبل أن ترتطم بالأرض وبالكاد استطاعت عيناها الموشّحتان بالثُمالة أن تتبين قسمات وجه جاستن المشتعل بالڠضب فتمتمت بضعفٍ يشبه أنين الأطفال:
ــ "أريد... أن أتقيأ."
لم يتردّد لحظة بل جرّها بذراعه إلى حمّام الرجال يريد إنقاذها من نفسها وهناك انحنت على المرحاض
تتقيأ حتى أوشكت أن تفقد وعيها… جمالها الساحر تبهت للحظة تاركًا وراءه صورة بائسة… صورة امرأة محطّمة تحارب جسدها ليتخلّص من ثقل الألم.
وقف جاستن أول الأمر عند المدخل جامدًا كتمثال من حجر، عيناه تتأملانها ببرودٍ قاټل لكن حين رأى ظهرها يهتز پعنف مع كل نوبة قيء لم يتمالك نفسه فتقدّم بخطواتٍ بطيئة وربّت بكفّه على ظهرها يحاول أن يسكّن ۏجعها.
بعد أن أنهكها التقيؤ نهضت مترنّحة وتوجهت نحو الحوض تغسل فمها وتتمضمض بارتباكٍ كطفلة تستعيد وعيها بعد كابوس ومن ثم همست بصوتٍ واهن:
ــ "آه... أشعر بالغثيان..."
رمقها جاستن بنظرة عابسة صوته حاد كسوطٍ يجلد الصمت:
ــ "كنتِ تطلبين ذلك… ما الذي أجبركِ على شرب كل هذا؟"
أجابته بيلا وعيناها
غائرتان في بئرٍ من الحزن:
ــ "لأنني... حزينة."
