رواية ظلي لم يغادر المكان الفصل العشرون 20 بقلم سلمى ابو ضيف


 رواية ظلي لم يغادر المكان الفصل العشرون 


رفعت الهاتف بأصابع مرتجفة، لكنها لم تكن تلك الرجفة الضعيفة المعتادة… بل ارتعاشة ممتلئة بالغضب.
ضغطت على رقمه بعزم، تنتظر صوته، تنتظر أي بادرة تُعيد لها شيئًا من حقيقتها الضائعة.

–  قال عمرو ببرود، نبرة متعجرفة: "خير؟"

وقفت الكلمات في حلقها لحظة، ثم انفجرت بصوت متهدج لكنه يفيض بالاستنكار: "خير؟ لا والله! إنت بتسألني كدا… بعد كل اللي كان؟!"

ضحكة خافتة ساخرة تسللت من طرفه، كأنها سكين يغرسها ببطء:"إنتِ لسه فاكرة نفسك حاجة؟"

قالت ريم بحشرجة ألم : "دا أنا… أنا يا عمرو! اللي حبيتُك… اللي نسيت نفسي ومبادئي عشانك… اللي كنت بسمع صوتك وأحس إن الدنيا كلها ملكي."

قاطعها بلا رحمة، صوته أشبه بصفعة:
 "وحبيتيني ليه؟ عشان أعمل إيه يعني؟ كنتي لعبة… وخلص دورها."

تساقطت أنفاسها كأنها تُطعن من الداخل.
كل كلمة منه لم تكن مجرد إهانة، بل خيانة جديدة تُضاف للجراح القديمة.
لكنها في أعماقها لم تضعف… على العكس، زاد القرار صلابة.

همست بمرارة، وعيناها تلمعان بالدموع:
"إنت فاكر إنك كسرتني… بس أنا اللي هكون النهاية اللي عمرك ما حسبتلها."

تابعت بصوت مرتجف لكنه متحدّي: "لا..! أنا هفضحك، هقول لكل الناس في الحي إنك عشمتني بالجواز وانت خطّبت واحدة غيري. هخليهم يعرفوا مين أنت بالظبط… هخليك تندم يا عمرو."

ضحك عمرو ضحكة قصيرة مقطوعة، فيها استهانة واضحة، وكأنه يسمع نكتة لا تستحق الرد قال ببرود ساخر:  "تندم؟ أنتي شكلك نسيتي نفسك. 
فاكرة إن كلامك هيفرّعني؟"

سكتت ريم للحظة، ثم جفّت كلماتها بعدما سمعته يكمل بهدوء قاتل: 
"عارفة إيه أحسن قرار؟ إن صورك اللي بعتهالي… أوريها للي يهمه الأمر. باباكِ هيشوفها، وهنشوف بقا
هو هيعمل اي "

تجمدت الدماء في وجهها. الصوت الذي كان من المفترض أن يمنحها دفءً أصبح سيفًا يقصم ظهرها.

كلماتُه لم تكن تهديدًا مبتذلًا، بل خطة واضحة. هو يمتلك شيء لم تكن تحسب حسابه: دليل يحرجها في بيتها، قد يحطم ما تبقى من كرامتها أمام أهلها.

نظرت ريم للهاتف كما لو أنه غريب خانها، ثم همست 
– "سحقًا… ما حسبتش حساب موقف زي دا."

بدأت الأسئلة تنهال داخلها كأحجارٍ صغيرة تكسر زجاج قلبها: كيف أمّنت قلبها لحد تَبين أنه يحمل سكّينًا؟ كيف وثقت في صوتٍ نجده بُنْيةً في داخله؟ كيف سلمت نفسها لاسمٍ كان قريبًا في القلب لكنه غريب في الثقة؟

كانت الإجابات مرّة وبسيطة: لأنها كانت تجرّع الحاجة فتشربها رغم أنها مُرة — لأن الحب أعمى، لأن الخوف من الوحدة يعلّمنا أن نُسلّم مفاتيحنا لمن يعدنا بالأمان، لأننا نُعطي من نحب أكثر مما نستحق نحن أنفسنا.

لكن الندم الآن تأخر الموقف اتقلب عليها. كانت تظنّ أن التهديد سلاحٌ بيدها، فكان هو الأسرع في السحب.

رنة قصيرة من طرفه كأنها إعلان انتهاء محادثة
–قال بارتياح بارد: "فاكرة إنك تلعبي عليّ؟ لو مرة حاولتي تعملِي حاجة… هتندمي فعلاً."

وقفت ريم في ظل المرآة، لا ترى صورة فتاةٍ مهزومة فقط — بل فتاةٍ تعلمت الدرس بأسوأ طريقة: أن الثقة بلا حدود قد تُحوّل سرّك إلى سلاحٍ في يد من خانك.
__________

بعد أيام قليلة، تحول تهديده من كلمات إلى لذّة يلتهمها. كان يرسل رسائل قصيرة تقطع أنفاسها: تلميح هنا بصورة مقلقة هناك، وعبارات توحي بأنه يملك مفاتيح لإذلالها أمام بيتها والشارع كله. لم تعد تكدّ حزنًا فقط، بل كانت تعيش تحت سقف من خوف متقن؛ خوفٌ يطعم عينيه نشوة، ويشعل فيه إحساس القوة حين يراقبها وهي تُقاسمه الهلع.

ثم جاء ذلك اليوم الذي ظنّ أنه سيكسرها فعلاً. اكتشف عمرو، بالطريقة التي لا تُطَمْئِن، أن ريم لم تنكسر. بالعكس — نظمت نفسها، جمعت شجاعتها، وأعلنت في

 سرّها أنها ستفضحه في الحي، ستفشي سرّه لكل بيت وكل أم وأب. الخبر انتشر في عقلها قبل أن يخرج من فمها؛ فكرة الانتقام نشبت فيها كشرارة قد تُشعل إناءً كاملًا من الوقود. لم يسرّه هذا. الغضب أخذ مكان الاحتفال في حديثه مع نفسه؛ لم يعد يتوقع أن لعبته ستتحول إلى خصم.

وصلتها رسالته في منتصف الليل، قصيرة لكن بها وعد وابتزاز:
"هحذف كل الصور لو اتفقنا نفتح صفحة جديدة مع بعض. روحتي معايا، تبقي جنبي، محدش يعرف — وأنا هأظبط كل حاجة."

كانت الرسالة مُصاغة ببراعة: ضمان لحمايته، فخ لضميرها. عرف كيف يلوِّن الشرّ بعبارة إنقاذ. تحسّست ريم الهاتف بيد مرتجفة؛ في كل حرف شعرت بوزن المساومة. كانت تعرف أن الوقع قد يتطلب منها خطوة تسقط فيها كرامتها أمام من خانها، لكن خواء الخوف من الفضيحة كان أعمق، وصوت أهلها في رأسها أعلى.

تحت ضغط الأيام والتهديدات والتهويل الذي جمعه عمرو على صورها، وافقت في النهاية. لم تكن الموافقة علامة انتصار أو سلام داخلي، بل استسلامٌ منهك.

 ذهبت إلى اللقاء من وراء أهلها، ترتدي ثيابًا عادية كأنها تحاول أن تختبئ حتى في شكلها. كانت تفعل كل ما يطلبه، كأنها تعيد دفع ثمن خطأ وحيد — صور أرسلتها يوماً، غلطة أطلقت سلسلة رصاصات على حاضرها.

وعندما وقفت أمامه، رأت في عينيه لذة السيطرة، وفي صوته شيئا من الندم المتصنع، أو ربما مجرد مزيجٍ بارد من حسابات ومكاسب. هي الآن تدفع ثمن ثقة موحلة بالغرام؛ ثمن أن تمنح جزءًا من خصوصيتها لمن لم يقدّرها. كل خطوة كانت تذكرها بكيف دخلت الشرخ أول مرة: ثقة مبنية على كلمات، على وعدات، على حاجة للانتماء أكثر من حاجة للحذر.

في صدرها كان شيءٌ آخر أيضاً — غصة من الندم، ورسائل من الذات تهمس كيفَ كان يمكن أن تكون قوية دون أن تتخلى عن نفسها. لكن الندم لا يرجع ما فات؛ هو يعلّم بصمتٍ مرّ. وفي تلك اللحظة، وهي تسير خلف عمرو في طريقٍ معتمٍ، لم تكن تعلم إن كانت تخطو نحو خلاصٍ زائف أم نحو قعرٍ أعمق.

توقفت فجأة عند المدخل العتيق، تلمّست الحجارة الباردة التي بدت كأنها تراقبها بصمتٍ مشبوه. ارتجف قلبها، انفجر الغضب على لسانها قبل الخوف

قالت ريم بحدة : "إيه دا؟! … إنت جايبني قصرالبارون؟

 القصر اللي مليان حكايات عن أرواح وظلال؟… تشكر بصراحة، لو كنت أعرف ماكنتش جيت!"

ابتسم عمرو ابتسامة باردة، تخفي ما لا يقال. رفع يديه كمن يحاول تهدئة طفل، وصوته انخفض ليغدو أكثر إقناعًا قال بهدوء متصنّع : 

"ريم… أنا اخترت المكان دا عشان أمان. محدش يقدر يشوفنا هنا. وبعدين… خلصت كل حاجة. مسحت صورك من تليفوني، ومسحت كمان أي حاجة كنت براقبك بيها. صدقيني… خلاص، مفيش ما تقلقي منه."

كلماته تسللت إلى عقلها كما لو كانت حبل نجاة، رغم أنها كانت أضعف من أن تحملها. ترددت لحظة، ثم أغمضت عينيها كمن يقبل حكماً واقعًا، وهمست في داخلها "يمكن يكون صادق… يمكن دي آخر مرة أرتاح.
ومثل مغفلة صدّقت، خطت وراءه إلى الداخل.

لكن ما إن تجاوزت خطواتها الأولى عتبة القصر حتى تبدّل كل شيء. الجدران بدت كأنها تُطبق عليها، وصدى أقدامهما يزداد ثقلاً. تبادلوا بضع كلمات متوترة، ثم انفجر الخلاف.

–قالت ريم بعصبية: "أنا مش مصدقة… لسه في قلبي خوف منك."
– عمرو (بغضب متصاعد): "خوف؟! بعد اللي عملته عشانك؟"

اشتعل الشجار بينهما، الكلمات صارت صرخات، والهمسات تهديدات. فجأة، تحوّل وجهه، وانكشفت وحشيته بلا قناع. اندفع نحوها، قبض على ذراعها بقسوة، ثم هوى بيده عليها وهو يصيح:

– عمرو (بصوت غاضب مدوّي): "إنتي تهدديني أنا؟! إنتي متعرفيش أنا مين!"

وقع الألم على جسدها كالصاعقة، وصدى صوته ارتطم بجدران القصر ليعود مضاعفًا، كأنه أكثر من عمرو يصرخ فيها. ارتعشت، ترنحت، لكن الكلمات ظلت معلّقة في الهواء: تهديد، سطوة، قسوة.

ثم فجأة… ساد الصمت.
ألقى نظرة أخيرة، عينيه ممتلئتين بالازدراء، ثم استدار ورحل، تاركًا الباب يئن خلفه.

ريم وجدت نفسها وحيدة، محاطة بجدران قصر مسكون، حيث كل حجرٍ فيه يتنفس حكايات الموتى. صدى أنفاسها امتزج مع همسات خفية لا تعرف مصدرها. أدركت في تلك اللحظة أنها لم تُترك وحيدة فقط… بل أُلقيت في أحضان رعب أكبر من عمرو نفسه.مرت ساعات ثقيلة، والليل يزحف ببطء على جدران القصر. ريم جلست في ركنٍ معتم، جسدها مثقل بالخذلان والخوف. فجأة، سمعت وقع خطوات تقترب، وباب القاعة يئن وهو يُفتح. دخل عمرو، يحمل في يده كيسًا صغيرًا.

ابتسم، ابتسامة لا تشبه الرحمة، ثم وضع الأكل أمامها وكأن شيئًا لم يحدث. جلس مقابلاً لها، وصوته هادئ بشكل يثير الريبة:

– عمرو (بهدوء متصنّع): "شايفة؟ أنا برجعلك… بجيبلك أكل… أنا عمري ما كنت قاسي معاكي. بس إنت السبب. كل اللي حصل… إنت السبب. عارفة ليه؟ لأني عمري ما حبيت الست القوية. الست اللي ترفع صوتها… اللي تفكر تهددني… دي مش ست. دي عدو . وأنا عمري ما هعيش مع عدو."

انحنى للأمام، يحدّق في عينيها بحدة، ثم استند للخلف ببرود وكأنه يعلن حقيقة لا جدال فيها

– قال بصوت متقلب بين الحنان والتهديد: "أنا عايز ست مطيعة… تسمع الكلام… ضعيفة… ذليلة… هنا بس أقدر أديها حناني. فاهمة يا ريم؟ أنا حنين جدًا… شوفي، جبتلك أكل بإيدي."

مدّ الكيس نحوها بابتسامة مصطنعة:
– "يلا… كلي."

رفعت ريم رأسها ببطء، عينيها محمرتين من الدموع، لكنها هذه المرة لم تُخفِ ما تشعر به. نظرت إليه نظرة ممتلئة بالقرف أكثر من الخوف، ثم قالت بصوتٍ متقطع لكنه حاد:

– "أنا… بكرهك... إنت مريض.... مش طبيعي بجد.... إنت عايز تتعالج."

تجمّد وجه عمرو لحظة، وكأن الكلمات اخترقت القناع الذي يرتديه. ثم فجأة، تبدلت ملامحه إلى عاصفة، عيناه تشتعلان غضبًا، ويده ترتجف كذئب جُرح كبرياؤه.

– قال بصوت مفجوع بالغضب: 
"إيه؟! أنا مريض؟! إنتي اللي ضيّعتِ نفسك… إنتي اللي سلمتيني مفاتيحك… وأنا… أنا اللي قررت مصيرك!"

اندفع نحوها كالبرق، الشجار اشتعل من جديد، لكنها هذه المرة لم تملك قوة للمقاومة. كان صوته يرتطم بالجدران كصرخات متوحشة، ويده تنهال عليها بلا رحمة.

وفي النهاية… سقط كل شيء. سقطت ريم، بقيت ضحية… ضحية قلب صدّق الوهم، ضحية تنازلات أحرقتها، ضحية نرجسي لا يعرف للحب معنى إلا السيطرة.

حياتها كلها، منذ بدايتها وحتى هذه اللحظة، لم تكن إلا سلسلة من البؤس… بؤس انتهى بين جدران قصرٍ مسكون، لتصبح هي روحًا جديدة في قائمة ضحاياه.

تعليقات