رواية انتقام الوريثة الفصل الواحد والعشرون بقلم اسماء حميدة
وعدت بيلا نفسها أن لا تعيد القفز في ذات الحفرة مرة ثانية أن لا تغريها ذاكرة صفعة مزورة أو همس زائل يقودها إلى هاوية الندم. كانت كمن يضع رباطا على جرح قديم لا لينساه بل لئلا ينفتق ثانية وينزف في وجهها.
وفي تلك الدقائق التي بدت كأنها ساعة رن هاتفها برسائل من مكتب تومسون العائلي السري رسائل تأتي كمنقوشات على أوراق الماء لا تقرأ إلا بلغة واثقة
آشر بيلا حذفت أمس كل الأخبار التشهيرية عنك كما أغلقت حسابات التواصل الاجتماعي التي بثت الشائعات.
ضاق صدرها من الدهشة ثم عاد قلبها ليخفق ليس طربا ولا ارتياحا مكتملا بل كمن يلتقط قطعة زجاج لامعة من ركام جمالها خطر لا يطمئن.
آشر جاستن هو الذي قام بكل ذلك.
الاسم نزل عليها كقطرة حبر على ورقة بيضاء تلطخ النقاء وتعيد تشكيل الصورة. قالت بسخرية هادئة ربما يستحق الشكر ثم أخذت تفكر في الامتنان الذي يباع بثمن رخيص.
درو إنه ساذج إن ظن أن حذف المنشورات سيمحو الجرح.
الكلمات كانت كسكاكين صغيرة تشهرها
الحقيقة على جلد الهدوء تذكير بأن المظهر يزول لكن الخدوش تبقى.
ديكلان بتهكم سعر سهم شركة سلفادور شهد تقلبات طفيفة عند افتتاح السوق صباح اليوم يا للأسف.
الأسهم أخبار لا ترحم تتلوى كحياتنا أمام أنظار الآخرين تتقلب وتبقى الندوب سجلا لا يمحى.
ثم جاءت رسالة من أكسل كلماتها متقدة بروح الانتقام التي لا تكل
أكسل بيلا لا يزال يتعين علينا أن ننتقم من عائلة جولد حتى لو لم نتمكن من فعل شيء الآن!
في صوت أكسل كان طيف الانتقام يمسك طرف لسانه وعد صارم كالعهد.
أجابت بيلا ونبرتها خليط من الصبر والتصميم كمن تزرع في قلبها بذرة تروى بالغضب المدروس
بيلا بالطبع سأأخذ وقتي.
لكن في أعماق تلك العبارة هبت ريح لطيفة من الحذر وعد ليس بالاندفاع بل بخطة تتكون ببطء كما الفجر بعد ليلة طويلة.
اتصلت بيلا بالهاتف الداخلي وبصوت يحمل صرامة تختبئ خلف هدوء آسر قالت
ستيف تفضل بالدخول.
فتح ستيفن الباب بخفة ووقف أمامها بانضباط يكاد يسمع صوته.
هل لديك أي أوامر يا آنسة بيلا
التفتت
إليه ببطء بينما كانت أصابعها تلامس مسندي الكرسي الجلدي وكأنها تختبر برودته ومن ثم قالت بصوت متزن لكنه مشحون بتيار خفي من الترقب
هل جمعت كل الوثائق والأدلة التي طلبت منك إعدادها
هز رأسه باحترام قائلا
جاهزة تماما يمكننا تسليمها للسلطات متى أمرت.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة باردة كحد سكين نزعت للتو من غمدها
لا لا لا داعي للعجلة بعد.
ثم عقدت ساقيها بفخامة واستقرت نظرتها على النافذة الواسعة حيث كانت أشعة الشمس تتسلل كأنها تمشط شعرها الذهبي كما انعكست خيوط الضوء على بشرتها الفاتحة فبدت كأنها تستمد من النهار سحرا خاصا تقول بنغمة تحمل رائحة المكيدة
أولا ابحث عن بعض وسائل الإعلام المقربة منا أريد أن ينشر هذا الخبر كما هو ليلتهمه الجمهور بشهية.
سكن ستيفن للحظة كمن يقف على حافة تردد داخلي ثم قال بنبرة حذرة
لكن إشراك الإعلام سيجعل الأمور معقدة للغاية أليس من الأفضل مفاجأة فريق عائلة جولد دون ضوضاء
استدارت بيلا نحوه ببطء بعينين تلمعان
بخطورة هادئة وقالت بابتسامة غامضة
لطالما أحببت الشعور بالطقوس يا ستيفن لا أقتل فريستي بحركة واحدة أفضل أن أمسك بها أولا أرى كيف تقاوم كيف تنزف شيئا فشيئا حتى يبهت بريقها أمامي.
مدت يدها برفق إلى معصمها حيث يتدلى سوار اليشم الذي أهداه لها الجد نايجل تمرر أصابعها عليه برهافة مريبة وكأنها تستمد منه طاقتها الباردة ثم قالت بصوت أقرب للهمس منه إلى الكلام
لكل ضربة إيقاع ولكل انتقام عزف خاص.
في تلك اللحظة كان العالم الخارجي يتحضر لزلزال صغير باسم بيلا فما إن كشف عن الحادثة حتى بدأت شرايين عائلة جولد تختنق بالصخب والعار.
أما زيك ووالده قد تلعثما في الصمت وعجزا عن مد جسر نحوها بينما اضطرت روزاليند التي لطالما كبرت بأنفها على الجميع إلى أن تنحني برجاء إلى جاستن لينقذ الموقف.
جلست بيلا في مكتبها شفتيها تنفرجان عن ابتسامة ناعمة تخفي نصلا لامعا تحتها وهمست لنفسها
جاستن كم أترقب لحظة قلقك على خطيبتك الغالية.
وحين أتى المساء وكان الإنترنت يغلي
كبحر ولد فيه إعصار انفجر الخبر
كقنبلة موقوتة
مجموعة KS تعلن إنهاء جميع تعاونها مع شركة جولد بسبب مشاكل خطيرة في الجودة!
ارتفعت الأصوات من كل حدب وصوب
بضائع رديئة
تقصير في العمل
جودة أثاث علياء التابعة لشركة جولد كوربوريشن باتت مثيرة للقلق!
كان وقع الخبر كصفعة على وجه الصرح الذهبي لعائلة جولد مما جعل زيك ووالده يغرقا في ذهول مشوب بالذعر كما عجز قسم العلاقات العامة المتواضع في مجموعتهما عن مجاراة العاصفة التي اشتعلت كالنار في هشيم رقمي لم يملكا خطة ولا حتى دراما بديلة يلهون بها الجمهور الغاضب.
وفي تعليقات الناس كانت السخرية تسيل كسم في العسل
شركة جولد أليست تلك عائلة خطيبة جاستن سلفادور من المعيب أن يقع هذا قبل زفافهما!
كنت أظنها من عائلة ثرية فإذا بعائلتها لا تبيع سوى الأثاث الرديء!
على الرغم من أنني لا أحب الحكم على الناس بعائلاتهم لكن يا له من مستوى متدن!
يا إلهي علي إلغاء طلبي من شركة علياء فورا لا أريد أن أشاركهم هذا الاحتيال!
في تلك الفوضى كانت بيلا تتابع
المشهد من بعيد تميل في كرسيها كملكة تراقب مملكتها وهي تحترق ليس ندما بل استمتاعا خالصا بالحرارة التي أشعلتها بنفسها فالانتقام عندها لم يكن فعلا بل فنا.
وفي عمق غرفة المكتب حيث يختلط صمت الجدران برائحة الورق والجلد والسيجار البارد جلس جاستن كبركان مكتوم يتصاعد منه الغضب دون أن يثور بعد وأمامه كان إيان يلقي تقريره عن لقاء عائلة جولد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصوت متردد يحاول أن يبدو مهنيا بينما كانت ملامح جاستن تنذر بانفجار وشيك كان كمن يضع رأسه بين فكي كماشة نبضه يعلو حتى يكاد يسمع وأصابعه تعبث بقلقه فوق سطح المكتب الصقيل.
عائلة تومسون الاسم وحده كان كفيلا بأن يربك ميزان المدينة بأكملها تلك العائلة التي لا تسير في خط مواز للسلطة بل تقف فوقها رواد الصناعة أسياد القرار والكل حتى الكبار يتحسبون لغضبتهم كما يتحسب البحار لعاصفة تأتي من دون إنذار فلو قرر آل تومسون مقاطعة شركة عائلة جولد لن يجرؤ أحد على معارضتهم فمن يعترض طريقهم كمن يدفن
نفسه حيا في رمال السوق المتحركة.
ابتسم إيان بسخرية باردة وهو يحرك شفتيه كمن يتذوق مرارة غيره
حسنا من حسن الحظ أن شركة جولد ليست مدرجة في البورصة وإلا لرأيت أسهمها تهوي عند أول خيط من ضوء الغد كما أن والد روزاليندا المسكين يعاني من ارتفاع الضغط وأخشى أن يسقط مغشيا عليه عندما يقرأ الخبر.
رفع جاستن بصره فجأة فكانت نظرته كطعنة صامتة باردة حادة كفيلة بأن تجمد الدم في العروق فتشبث إيان إيان بأرضه وتلعثم الهواء من حوله ومن ثم صمت وهو يخفض رأسه كمن ينتظر حكما بالإعدام.
بينما قال جاستن وصوته ينضح بصلابة محكمة يخفي تحتها اضطرابا خفيا
لا يوجد دليل واضح على صحة هذا الخبر قد يكون مجرد شائعة مصنوعة بإتقان.
ثم مال قليلا إلى الأمام وضع كفه على الطاولة يطلق أنفاسا ثقيلة ببطء بينما كانت عيناه تغوصان في العتمة
لكن أخبرني يا إيان كيف نشأت مشكلة الجودة تلك من أين تسربت الشرارة الأولى
بلع إيان ريقه وقال بصوت حذر متقطع
سمعت أن فندق KS World عين مؤخرا مديرا
عاما جديدا وكانت هي من بادرت بقطع التعاون مع شركة عائلة جولد وخلال أسبوع واحد تبعتها جميع فنادق مجموعة KS واستبدلت منتجات علياء للأثاث بأخرى جديدة.
رفع جاستن رأسه ببطء كمن يستمع إلى نغمة مألوفة في أغنية نسيها منذ زمن وقال بدهشة لم تخل من الريبة
مدير عام فتاة! ألهذه الدرجة تمتلك القوة لتقود كل هذا
ابتسم إيان بخفة كمن يلقي حجرا في ماء راكد وقال
لأنها ابنة وايت تومسون بيلا تومسون.
ساد صمت حاد كأن الهواء ذاته توقف ليصغي لوقع الاسم بينما تمتم جاستن بصوت خافت متصلب
بيلا تومسون
ردد الاسم وكأنه يتذوقه على طرف لسانه بينما
شيء في داخله اهتز لا يعرف ما هو تحديدا هل إحساس خفي بالألفة
كانت عيناه تظلمان شيئا فشيئا كأن ظلا من الشك انزلق إلى أعماقه وراح يتمدد فهو لم يسمع يوما أن لعائلة تومسون ابنة تحمل هذا الاسم ومع ذلك كان ثمة ما يربكه كأن القدر يعبث به يزرع الاسم في رأسه مثل نغمة
يعرفها القلب قبل أن تعرفها الذاكرة اسم واحد فقط لكنه أيقظ
في صدره عاصفة لم يكن مستعدا لها.
