رواية غفران القلب الفصل الثاني بقلم شهد محمد
تاني يوم الصبح، ملك واقفة قدام الشركة، ماسكة الملف الكبير بين إيديها. قلبها كان بيدق بسرعة، ومش فاهمة السبب… يمكن عشان فضولها تشوف مراد تاني، أو يمكن عشان جزء منها بدأ يتعود على وجوده.
طلعت الأسانسير وهي بتفكر:
ـ "هو ليه كل ما أشوفه بحس إن في حاجة غريبة؟ كأنه في لغز ورا نظرته."
فتحت باب المكتب، لقت مراد قاعد مركز في اللاب توب.
ملك بابتسامة خفيفة:
ـ "صباح الخير."
مراد من غير ما يرفع عينه:
ـ "صباح النور… إنتي متأخرة خمس دقايق."
ملك رفعت حواجبها وضحكت بسخرية:
ـ "يعني أنا داخل أقول صباح الخير، تقابلني بالتحقيق ده؟"
مراد رفع عينه ليها أخيرًا، وفي عينيه لمعة مش واضحة:
ـ "الوقت هنا مهم… بس برضه، صباح الخير."
ملك قعدت وبدأت تراجع الورق. بعد شوية، مدّت الملف ناحية مراد.
ملك:
ـ "دي البيانات اللي طلبتها، بس في نقطة مش واضحة في الجدول ده."
مراد أخد الملف وبص فيه:
ـ "إنتي عندك ملاحظة كويسة، فعلاً الرقم هنا ناقص. شاطرة إنك ركزتي."
ملك ضحكت بخفة:
ـ "يا سلام، عل المجامله من الأستاذ مراد؟
مراد بهدوء وهو بيحاول يخفي ابتسامة صغيرة:
ـ ما تتعوديش، مش دايمًا هتسمعي مني.
---
بعد أيام من الشغل مع بعض، اتعودوا يتكلموا أكتر. يوم طويل انتهى بمشروع مهم خلصوه بنجاح. مراد وقف وقال فجأة:
ـ "تعالي نطلع ناخد قهوة، نستاهل شوية راحة."
ملك ترددت لحظة، بعدين قالت:
ـ "ماشي… بس مش هطول."
قعدوا في كافيه هادي جنب الشركة. لأول مرة الجو بينهم مافيهوش ورق أو أرقام.
مراد:
ـ "كنتي بتحلمي بإيه وإنتي صغيرة؟"
ملك نظرت له شوية قبل ما ترد:
ـ "كنت عايزة أبقى رسامة… الألوان كانت عالمي. بس الظروف ما ساعدتش."
مراد بصوت فيه دفء غير معتاد منه:
ـ "أنا شايف إنك تقدري تعملي اللي إنتي عايزاه… حتى لو مش دلوقتي."
ملك ضحكت بخفة:
ـ "وإنت؟"
مراد ابتسم ابتسامة نادرة:
ـ "كنت بحلم أكون طيار… بس العيلة عاوزاني في الشركة."
ملك بضحكة صافية:
ـ "يعني بدل ما تطير في السما… بقيت غرقان في الأوراق."
ضحكوا هما الاتنين، والجو اتغير… بقى فيه دفء غريب، كأنهم نسوا العالم حوالين.
لكن في عيون مراد كان في حاجة مخفية، حاجة مش قادر يقولها… ولسه مش وقتها.
---
بعد أيام قليلة، التليفون رن في بيت هدى.
هدى (بصوتها العادي):
ـ "ألو؟"
عبدالله (صوته ضعيف، متردد):
ـ "السلام عليكم… أنا عبدالله. ممكن أكلم حضرتك؟"
هدى اتجمدت:
ـ "عبدالله؟! إزاي؟!"
عبدالله:
ـ "أنا عايز أشوف ملك… بعد السنين دي كلها."
هدى (مترددة، صوتها بيترعش):
ـ "ليه دلوقتي؟"
عبدالله:
ـ "المرض عذبني… والبعد كسرني… وحشاني بنتي."
هدى (بصوت مكسور):
ـ "ملك زي بنتي… وبنت الغالية. أنا خايفة عليها منك."
عبدالله:
ـ "أنا تعبت يا هدى… سامحيني… نفسي أشوفها ولو دقيقة."
هدى قفلت معاه وهي مش عارفة تعمل إيه. قلبها بيتقطع بين خوفها على ملك، ورحمتها بعبدالله اللي واضح إنه مكسور.
---
اليوم التاني.. عبدالله وقف قدام البيت، قلبه بيدق بسرعة… والذكريات هاجمته فجأة. عينه غابت للحظة، وكل اللي حواليه اختفى.
رجع بالذاكرة لليلة اللي سلّم فيها بنته.
فلاش باك...
المطر كان بينزل بغزارة، وصوت الرعد بيشق السما. عبدالله شايل ملك الصغيرة على دراعه، وهي بتبص له بعينين بريئة مش فاهمة حاجة.
وقف قدام باب دار الأيتام وخبط بقوة.
هدى فتحت الباب وهي مستغربة:
ـ "إيه ده يا عبدالله؟ بنت مين دي؟"
عبدالله صوته كان بيرتعش:
ـ "دي… بنتي. هدى، خديها… خديها عندك."
هدى شهقت:
ـ "إنت اتجننت؟! تسيبها هنا إزاي؟"
عبدالله دموعه نزلت وهو بيبوس إيد بنته الصغيرة:
ـ "أنا مش قادر… الظروف أقوى مني. بس أوعي، أوعي يا هدى، تحكيلها عني أي حاجة. عايزها تكبر من غير ما تعرف وجع اللي حصل."
هدى بصت له بصدمة:
ـ "يعني عايزني أربيها على إنها يتيمة؟!"
عبدالله هز راسه وهو بيبكي:
ـ "أيوه… أحسن ما تكبر وهي شايلة وجعي وغلطاتي."
هدى مدت إيديها وخدت ملك الصغيرة وهي بتترعش.
عبدالله رجع خطوة ورا، عينه آخر مرة وقعت على بنته اللي بتمد إيديها له وهي بتعيط:
ـ "بابا… ما تسيبنيش."
صوته اتخنق وهو بيهمس:
ـ "سامحيني يا بنتي. بس في يوم هتشكريني"
وبسرعة اختفى في ظلمة المطر، سايب هدى وملك قدام الباب.
باك...
هدى خرجت له، وقفت قصاده:
ـ "إيه اللي رجّعك بعد السنين دي؟"
عبدالله بصوت متقطع:
ـ "أنا اتوجعت … اتعذبت في الغربة… وبنتي وحشاني. كنت فاكر إني بحميها بس طلعت بضيّعها."
هدى دمعت:
ـ "وإنت فاكر إنك تقدر تمسح السنين دي بكلمتين؟"
عبدالله:
ـ "أنا مش طالب غير أشوفها… وأقول لها الحقيقة."
وفجأة، صوت ملك جه من وراهم:
ـ "مين ده يا هدى؟"
هدى اتلخبطت، قلبها وقع:
ـ "ده… ده عبدالله."
عبدالله قام واقف بسرعة، ودموعه نازلة:
ـ "أنا أبوكي يا بنتي."
ملك اتجمدت مكانها، صوتها حاد:
ـ "أب لمين ؟! أنا معنديش أب."
عبدالله مد إيده، صوته بيرتعش:
ـ "اسمعيني يا ملك… كنت مجبور. كان في أسباب… من ضمنها عمّك محمد."
ملك اتجمدت مكانها، قلبها وقع:
ـ "محمد… تقصد صاحب شركة الاستثمارات؟"
عبدالله أومأ برأسه ببطء:
ـ "أيوه… هو أخويا.
ملك فتحت عينيها بصدمة:
ـ "يعني إيه؟ مراد يبقى ابن عمي؟! والبنت اللي حكالي عنها تبقى أنا؟!"
بصت بسرعة لِهدى، صوتها مكسور:
ـ "وإنتِ… كنتي عارفة كل ده؟! وبتخدعيني طول السنين دي؟!"
هدى بصوت مرتعش:
ـ "كنت بخاف عليك… ماكنتش عايزة أوجعك."
ملك عينيها دمعت وهي بتصرخ:
ـ "أنا مش عايزة أشوف حد… أبعدوا عني كلكم!"
عبدالله وقع على ركبته:
ـ "بنتي… اسمعيني بس، مرة واحدة."
هدى حاولت تقرب منها:
ـ "جربي تسمعيه يا ملك… يمكن تقدري تسامحيه."
ملك بصوت موجوع وهي بتبكي:
ـ "أسمحه؟! مستحيل!"
جريت برا وهي بتنهج، قلبها بيخبط في صدرها كأنه بيطارده شبح. الشوارع قدامها مهزوزة في عنيها من كتر الدموع، وأصوات حواليها اتلاشت… ماكانش في غير كلمة واحدة بتدوي جواها: "بابا".
الكلمة اللي كانت بتحلم تسمعها وهي صغيرة… دلوقتي بقت زي خنجر في روحها. حلم عمرها اتحول لكابوس.
وقفت فجأة، خدودها غرقانة دموع، وهي مش عارفة تهرب من إيه: من الحقيقة ولا من قلبها.
---
برة، لقت مراد واقف مستنيها من بعيد، كأنه حاسس بيها. حاول يقرب منها:
مراد:
ـ "ملك… استني."
ملك مسحت دموعها بسرعة:
ـ "سيبني يا مراد… إنت كمان عرفت الحقيقة."
مراد (يمسك إيدها برفق):
ـ "أنا عرفت الحقيقة من عمي النهارده… وعرفت إنك إنتي ملك اللي بشتغل معاها، إنتي بنت عمي… و عرفت كل الحكاية. بس برضه… محتاجه تسمعيه يملك تعرفي عمل كدي ليه ."
ملك شدت إيدها منه:
ـ "أنا مش عايزة أسمع حاجة. وجع السنين مش هيتشال بكلمتين."
مراد بصوت ثابت، فيه إصرار:
ـ "أنا هنا… مش كمدير، ولا كابن عم. أنا هنا كحد مش هيسيبك مهما حصل."
ملك بصوت مكسور، همست:
ـ "إبعد عني… إبعدوا كلكم."
وسابته ومشيت، تاركة وراه صراع كبير بين عقلها وقلبها، وبين الماضي اللي راجع يهدم حاضرها.
يا ترى… هل قلب ملك يقدر يفتح باب الغفران بعد كل السنين دي؟
ولا الماضي هيكون أقوى من أي محاولة للرجوع؟
---
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
