رواية تعافيت بك الفصل الرابع بقلم أيات عاطف
_يونس في ايه؟
فضلت أبص ليونس، عيني بتتعلق في الورق اللي في إيده. ملامحه اتبدلت، بقت مختلفة، فيها لمعة مش شوفتها قبل كده.
قرب منّي بخطوات سريعة، صوته كان بيتقطع وهو بينطق:
-فيروز، إنتِ خفيتِي!
سمعت الكلمة مرتين… ثلاث مرات… قلبي مش قادر يستوعب.
هو ماسك الورق وبيكرر بفرحة ودموع بتلمع في عينيه:
-إنتِ خفيتي يا فيروز… إنتِ خفيتي!
الكلمة وقعت عليّا زي حلم عمري ما توقعت أعيشه.
دموعي نزلت من غير ما أقدر أسيطر عليها، إيديا بترتعش وأنا بمسك الورق من إيده وببص عليه.
الكلمات مكتوبة قدامي بوضوح، بس عقلي مش مصدق.
لحد ما لفيت خالتو بتجري عليا و تحضني و تعيط و تقولي:
-مبروك يا حبيبتي مبروك.
همست بصوت مبحوح وانا ببصله:
_يعني خلاص؟ خلاص خلص الكابوس؟
يونس قرب أكتر، صوته مليان يقين:
-أيوه خلص، تعبك ده كله ما راحش هدر. ربنا كرمك واستجاب.
فضلت أبصله، ودموعي بتمسح كل لحظة وجع فاتت.
ابتسمت ابتسامة مهزوزة وأنا بقول:
_يونس أنا مش قادرة أصدق. أنا كنت كل يوم بنام خايفة ما أصحاش تاني. كنت بضحك قدام الناس وأنا من جوّه منهارة. كنت كل يوم أبص في المراية وأسأل نفسي: "هو أنا لسه أنا؟"…
بس دلوقتي، لأول مرة حاسة إن ربنا بيطبطب عليّا.
قعد جنبي، مسك إيدي بقوة كأنه بيطمني:
-ربنا كان معاك من الأول يا فيروز،
بس إنتِ كنتي محتاجة تصدقي إنك مش لوحدك.
بكيت أكتر وأنا بضحك في نفس الوقت:
_أنا فعلاً كنت حاسة إني لوحدي. خالد جرّحني…
والناس بعدت وأنا نفسي كنت بعد عن نفسي. حتى خالتي، خبّيت عنها، كنت خايفة أشوف عينيها وهي بتترحّم عليّا.
بس وجودك…، وجودك غير كل حاجة.
عينيه اتعلقت بعيني وهو بيقول بصدق يهز القلب:
-أنا قلتلك قبل كده إني مش هسيبك، وكنت قصدي كل كلمة. إنتِ مش مجرد مريضة بالنسبة لي…
إنتِ فيروز. الإنسانة اللي علمتني يعني إيه قوة حقيقية.
كلامه كان بيخليني أرتعش من جوايا.
همست وأنا بمسح دموعي:
_بس أنا كنت ضعيفة، كنت منهارة. إيه اللي يخليك تشوفني قوية؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يضغط على إيدي:
-القوة مش إنك ما تبكيش ولا ما تتوجعيش…
القوة إنك تفضلي واقفة رغم كل ده. إنتِ حاربتِ مرض قاسي،
وقدرتي تكسبِيه. فيروز، إنتي علمتيني إن الأمل مش كلام بيتقال…
الأمل حد زيك بيعيشه.
حسيت إن قلبي هيخرج من مكانه، نظرت له فترة طويلة وأنا عاجزة عن الرد.
كل اللي طلع مني كان همس بسيط:
_شكراً مش بس عشان كنت جمبي…
لكن عشان شفتني. شفتني بجد.
هو ابتسم ابتسامة واسعة وهو يقول بحزم:
-وهافضل أشوفك طول عمري.
اتكلمت بخجل ودموعي لسه على خدي:
_يونس أنا كنت بدعي ربنا يرزقني سبب أعيش عشانه،
يمكن يكون ده انت.
عينيه لمعت وهو بيرد بسرعة من غير تردد:
-وإنتِ بقيتي كل أسبابي.
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها سكتت،
ما بقاش فيه مرض ولا خوف… كان فيه أنا وهو بس.
---
بعد لحظات البكاء والفرحة اللي ما قدرناش نخبيها، قعدنا كلنا في الصالة. خالتي مسحت دموعها، راحت على المطبخ بسرعة وقالت وهي بتحاول تثبت صوتها:
-لازم أعمل أكل… النهارده يوم كبير ولازم نحتفل.
ضحكت من قلبي، ضحكة حقيقية أول مرة تخرج مني من غير ما أكون بخاف إنها تختفي. ناديت عليها:
_خالتو، بلاش تتعبي نفسك… أنا مش عايزة غير أقعد جنبكم.
ردّت وهي بتطل من المطبخ مبتسمة:
-تعب إيه؟ ده فرح يا بنتي.
يونس كان قاعد جنبي على الكنبة، ساب الورق على الترابيزة وقال بهدوء:
-التحاليل خلاص اتقالت، بس الكلام مش هو اللي يثبت…
اللي هيثبت هو حياتك الجديدة يا فيروز.
بصيت له وعيني غرقانة دموع:
_أنا حاسة إن حياتي لسه بتبدأ دلوقتي. كل لحظة وجع فاتت كأنها كانت تمهيد لليوم ده.
هز راسه موافق وقال:
-وده أجمل انتصار… إنك بعد كل اللي عديتي بيه، لسه قادرة تبتسمي وتعيشي.
رجعت خالتي بكوبايات شاي وصينية فيها شوية بسكويت كانت مخبياه. حطتهم على الترابيزة وقالت وهي بتضحك بدموع:
-والله لو عندي حلاوة مولد كنت جبتها دلوقتي.
ضحكنا كلنا، ضحك صافي، والبيت اتملأ صوت فرح ما سمعناهوش من شهور.
قعدنا نشرب الشاي، وأنا بين كل رشفة والتانية عيني تروح ليونس. كان هادي، بس في عينيه كلام كتير. حسيت إني عايزة أقول قد إيه وجوده جنبي كان فارق.
قلت بخجل وأنا ببص في الكوباية:
_يونس… أنا ما كنتش لوحدي في الحرب دي. كنت معايا طول الوقت… وإنت السبب إني مصدقة النهارده إني عايشة.
بص لي بجدية قلبتني من جوا:
-أنا قلتلك قبل كده… مش هسيبك. وربنا النهارده ورّانا إن الوعد اللي بيننا مش بالكلام، ده فعل.
خالتي بصت له بعينين مليانين امتنان وقالت:
-ربنا يجازيك كل خير يا ابني… وقفت جنبها في وقت ما كانش فيه غيرك.
هو ابتسم وقال:
-هي اللي علمتني يعني إيه أتمسك بحاجة… وأنا مش ناوي أسيبها.
سكتت لحظة، وبعدين دموعي نزلت غصب عني، قمت ورحت أحضن خالتي تاني:
_خالتي… أنا رجعتلك. خلاص مش هسيبك تقلقي عليا تاني.
هي مسحت دموعي بإيدها وهي بتضحك وتعيط في نفس الوقت:
-هو أنا هصدق نفسي إنك بخير دلوقتي؟
يونس مد إيده ومسح دمعة من على خدي بهدوء، صوته واطي بس مليان دفء:
-من النهارده، دموعك كلها تبقى فرحة.
ابتسمت وأنا حاسة إني لأول مرة من سنين طويلة مش خايفة من بكرة.
كان في لحظة صمت جميلة… صمت مليان رضا.
بعد شوية، خالتي فتحت التلفزيون على قناة قرآن، صوت التلاوة ملأ البيت كله. قعدنا إحنا التلاتة ساكتين نسمع… وكنت لأول مرة أسمع القرآن من غير ما يكون في قلبي خوف. المرة دي كان في قلبي طمأنينة.
رفعت عيني للسقف، وقلت في سري:
"يا رب، زي ما رديتني للحياة تاني… خليني أعيشها صح."
---
قعدنا فترة طويلة في الصالة، والبيت مليان هدوء غريب… هدوء مريح. صوت التلاوة لسه شغال في الخلفية، وأنا حاسة إن قلبي لأول مرة من زمان مش مضطرب. كنت قاعدة بين خالتي ويونس، وكل لحظة عيني تقع عليه، ألاقيه بيبصلي بنظرة كلها يقين، كأنه بيقول من غير كلام: "أنا موجود".
خالتي شربت آخر رشفة من الشاي، وبصت لينا وهي تبتسم:
-النهارده يوم مش عادي… أنا حاسة إني تولدت من جديد.
ضحكت وأنا ماسكة إيدها:
_وإنتِ كنتي سندي في كل حاجة يا خالتي. من غيرك… ما كنتش عديت.
بصت ليا بدموع وهي تمسح على إيدي:
-ده واجبي يا بنتي… إنتي مش بس بنت أختي، إنتي بنتي اللي ما جبتهاش.
كلامها خلاني أبكي تاني من غير ما أحس، ويونس كان ساكت، لكن ملامحه اتغيرت. واضح إن اللحظة دي حركت حاجة جواه.
فجأة، مد إيده وحطها على الترابيزة، صوته كان واطي لكنه مليان قوة:
-خالتي… اسمحيلي أقول حاجة.
أنا وخالتي بصينا له مع بعض. قلبى بدأ يدق بسرعة، كأني حاسة إن الكلام اللي هيقوله هيغيّر حاجات كتير.
كمل بجدية وهو موجه كلامه لخالتي:
-أنا عارف إني مجرد "حد" ظهر في وقت صعب، بس الحقيقة… أنا عمري ما حسيت إن وجودي في حياة فيروز مجرد صدفة. ربنا جمعنا في وقت الكل كان بيبعد، وأنا شفت فيها قوة وأمل يخلو أي حد يتمسك بيها.
خالتي كانت بتسمع بصمت، عينيها ما بين دهشة وفضول.
كمل بصوت ثابت أكتر:
-أنا مش هنا عشان أكون مجرد طبيب وقف جنبها في مرحلة وخلاص… أنا عايز أكون معاها في كل مراحل حياتها. عايز أكون السند اللي يفضل موجود مش بس وقت الوجع، لكن كمان وقت الفرح.
قلبي وقع من مكانه… حسيت كأن الدنيا كلها سكتت علشان أسمع بس صوته.
بص لي للحظة، وبعدين رجع بعينه لخالتي:
-أنا عارف إنكم عيلة صغيرة… وإنك كنتي أمها وأبوها وكل حاجة ليها. عشان كده جاي أكلمك الأول… وأقولك قدامها: أنا ناوي أفضل في حياتها. مش مجرد حاضر دلوقتي، لكن حاضر على طول.
خالتي اتنهدت، دموعها نزلت تاني وهي بتبصلي، كأنها بتسألني من غير ما تتكلم.
أنا قلبي كان بيرتعش، بس لقيت نفسي برد عليها بابتسامة صغيرة وأنا أهمس:
_خالتي… يونس ما كانش حد عادي في حياتي. هو اللي خلاني أصدق إني لسه عايشة.
مسكت إيدها بقوة وأنا بكمل:
_لو ربنا كتبلي أبدأ بداية جديدة… نفسي يكون هو معايا فيها.
خالتي حطت إيدها على إيدينا إحنا الاتنين، وصوتها اتكسر وهي بتقول:
-أنا كنت بدعي ربنا يبعثلك حد يفرّح قلبك ويصونك… يمكن يونس هو الدعوة اللي اتقبلت.
دموعي نزلت وأنا بضحك، ويونس مد إيده ومسح دمعة من على خدي، وهو يقول بصدق يهز القلب:
-وعد… عمري ما هسيب دموعك تبقى وجع تاني.
في اللحظة دي حسيت إن البيت اللي كان شاهد على مرضي وأوجاعي، بيشهد دلوقتي على بداية جديدة. كنت قاعدة بين أغلى اتنين عندي، وحسيت إن قلبي لأول مرة من سنين… مطمّن.
---
بعد ما خلصنا الكلام، قعدنا شوية في صمت مريح. الصمت المرة دي ما كانش تقيل زي زمان، بالعكس… كان مليان طمأنينة. كنت سامعة صوت التلاوة بيردد جوه قلبي، كأنه بيثبّت الكلام اللي اتقال.
يونس ما كانش بيبص بعيد، عينه كانت عليّا طول الوقت. النظرة دي بالذات… خلّتني أحس إنني مش مضطرة أشرح نفسي أو أبرر وجعي، كأنه فاهم كل حاجة من غير ما أتكلم.
خالتي قامت عشان تجهز العشاء، وقالت وهي بتضحك:
-أنا هسيبكم شوية… واضح إنكم محتاجين تتكلموا لوحدكم.
كنت هاعترض، بس يونس سبقني وقال وهو بيبتسم:
-ربنا يخليكي لينا يا ست الكل.
سابتنا ومشت، وأنا لقيت نفسي متوترة. أول مرة أقعد معاه من غير حد حوالينا.
مد إيده ومسك ايدي بهدوء، وكأنها حركة طبيعية جدًا،
وقال بصوت خافت:
-ما تخافيش، أنا مش جاي أخطفك من حياتك أو أغيّرها غصب.
أنا بس عايز أكون جزء منها… لو إنتِ عايزة.
بصيت له وأنا دموعي واقفة في عيني، وحسيت إني مترددة أرد. سنين كتيرة قضيتها خايفة أدي فرصة لأي حد يدخل حياتي… بس وجوده مختلف.
اتنهدت وقلت بصوت مرتعش:
_يونس… أنا مش سهلة. وجعي كبير، وخوفي أكبر. ممكن في يوم أصحى وأبعد من غير ما أدي سبب.
ابتسم ابتسامة كلها هدوء، وقال:
-وأنا هفضل وراك… مش عشان أضغطك، لكن عشان أفكرك إنك مش لوحدك. حتى لو بعدتي، هرجع أوعى تاني.
الكلمة دي كسرت حاجة جوايا… يمكن آخر جدار كنت مخبيه.
قرب مني أكتر وقال:
-عارفة يا فيروز… أول يوم شفتك فيه، كنت متأكّد إن ربنا بعتك لسبب. بس دلوقتي… أنا متأكد إن السبب إني أتعلم أحبك من غير شروط.
دموعي نزلت غصب عني، وأنا بحاول أخفي وشي. بس هو مد إيده ورفع دقني برفق:
-ما تخبيش دموعك عني. هي دي اللي عرفتني مين فيروز الحقيقية.
فضلنا نبص لبعض لحظة طويلة، لحظة كان فيها كل الكلام اللي ما اتقالش.
وفجأة، حسيت بدعوة خالتي وهي بتتردّد جوايا: "يمكن يونس هو الدعوة اللي اتقبلت".
ابتسمت من قلبي لأول مرة من سنين، وقلت له وأنا بصوتي بيتكسّر:
_يمكن ربنا استجاب ليا كمان… وبعتلي إنت.
هو ضحك ضحكة صغيرة، ومسح دموعي تاني وقال:
-يبقى من النهارده… نبدأ صفحة جديدة. صفحة ما فيهاش خوف، وما فيهاش وجع لوحدك.
وساعتها حسيت إني فعلًا… مشيت أول خطوة في بداية جديدة.
---
"يونس"
ما كنتش مصدق إن اليوم ده جه بالسرعة دي. لسه من أيام قليلة كنت واقف قدام خالتها بطلب إيد فيروز، وكنت حاسس إن الدنيا كلها وقفت تستناني. والنهارده… إحنا في يوم فرحنا.
بس الغريب… إني لحد دلوقتي مش قادر أستوعب. كل حاجة ماشية بسرعة، والناس حواليّ فرحانين، وأنا قلبي بيدق بشكل مختلف، مش قلق، لكن رهبة. رهبة من اللحظة اللي هشوفها فيها… عروستي.
كنت واقف في الأوضة اللي مجهزينها لينا علشان نعمل الـ first look. الجو هادي، بس جوايا دوشة كبيرة. وشي بيحمر من التوتر، وقلبي بيجري زي طفل بيجري ورا أمانه.
ولما سمعت صوت خطواتها ورايا، كل حاجة جوايا سكتت.
استجمعت نفسي، لفيت ببطء…
ولقيتني واقف قدام مشهد عمري ما كنت أتخيله.
هي، فيروز.
بس مش زي أي مرة شفتها قبل كده.
كانت لابسة فستانها الأبيض البسيط، اللي خلاها شبه ملاك. لكن أكتر حاجة شدتني إنها اتحجبت. حجاب نقي، ملفوف بهدوء، مخلّي ملامحها نقية أكتر من أي وقت فات. والأجمل…
إنها ما خبّتش البهاق. كانت واقفة قدامي بوجهها كله،
بجلدها اللي بيحكي قصة صراع سنين، من غير ما تغطي حاجة.
وقتها حسيت إن نفسي اتسحب مني.
عيني اتغرقت بدموع ما كنتش مستعد ليها.
أنا اللي كنت جاي أهيّأ نفسي إني أقولها إنها أجمل عروسة في الدنيا… لقيتني عاجز عن الكلام.
قلت لها بصوت مهزوز وأنا ببص فيها:
-إنتِ عاملة إيه يا فيروز؟ إيه اللي خلّاكِ تاخدي الخطوة دي؟
ضحكت بخجل، ضحكة صغيرة بس مليانة شجاعة، وقالت:
_أنا طول عمري بخاف أواجه… بخاف أبين نفسي زي ما أنا. بس النهارده… حسيت إني لو ما بدأتش أتصالح مع نفسي، عمري ما هعرف أعيش.
النهارده يومنا، وكنت عايزة أبدأه من غير أقنعة،
أبدأه وأنا بحبك و معاك.
أنا فضلت أبصلها، ومخي بيرجع سنين ورا. كل لحظة كانت فيها مكسورة أو خايفة من نفسها، كل مرة كانت بتبص في المراية وما ترضاش عن شكلها. وكل اللحظات دي دلوقتي…
اتحولت لقوة واقفة قدامي.
اتقدمت منها خطوتين، ووقفت على بعد نفس قصير،
وقلت وانا مش قادر أخفي ارتجاف صوتي:
-تعرفي إنك علمتيني النهارده معنى كلمة جمال؟
مش الجمال اللي الناس بتشوفه في الصور،
لأ الجمال اللي بيطلع من جوا. إنك تبقي إنتِ،
بكل تفاصيلك، دي الشجاعة اللي أنا عمري ما شفت زيها.
دموعها نزلت وهي بتحاول تخبي ابتسامتها،
بس أنا مسكت إيدها، وضغطت عليها وأنا بكمل:
-أنا مش مصدق إني واقف قدام الست اللي حلمت بيها.
مش مصدق إن ربنا اداني فرصة أبقى معاكي في اللحظة دي.
رفعت عينيها في عيني، وقالت بخجل وصدق يهز القلب:
_يونس إنت السبب إني صدقت إني أستاهل أكون سعيدة.
إنت اللي وقفت جمبي، وإنت اللي صبرت على كل خوفي. النهارده…
كنت محتاجة رأيك أكتر من أي حاجة.
ابتسمت غصب عني، وحسيت قلبي بيتشد أكتر ليها، وقلت وأنا بقرب إيدي ألمس خدها:
-رأيي؟!… إنتي أجمل حاجة ممكن عيني تشوفها. ومش علشان فستان أو حجاب أو إنك مخبّتش حاجة… لأ، علشان إنتي اخترتِ تكوني نفسك. وده أعظم قرار خدتيه.
وقتها ضحكت، دموعها بتنزل وهي بتقول:
_أنا مش مصدقة إنك شايفني كده.
قلت لها بجدية وأنا ما بسيبش عيني من عينيها:
-لأ… صدقي. صدقي إنك النهارده مش بس عروسة… إنتي بداية جديدة. وأنا وعد، عمري ما هسيبك تواجهِي الدنيا لوحدك.
فضلنا واقفين قدام بعض، اللحظة دي بس هي اللي كانت موجودة. حسيت إن الدنيا كلها وقفت علشان تسيبني أشوف معجزتي. فيروز… زي ما هي. نقية، قوية، وبتبدأ حياة جديدة وأنا جنبها.
---
بعد اللحظة اللي وقفت فيها قدامها وشفتها بالحجاب ومن غير ما تخبّي البهاق… حسيت إن الدنيا كلها وقفت. قلبي كان بيتخبط في صدري بشكل عمري ما حسيت بيه قبل كده، كأن ربنا بعتلي علامة إن اللي قدامي دي مش مجرد عروسة… دي نصي التاني.
مسكت إيدها بقوة، وكأنّي بأكد لنفسي ولها إننا مع بعض هنواجه أي نظرة أو أي كلمة. ابتسمتلها وقلت بصوت واطي:
-جاهزة؟
ابتسمت وهي بتمسح دموعها بسرعة:
_طول عمري بستنى اللحظة دي.
فتحوا باب القاعة… وساعتها حسيت إن كل العيون اتجمعت علينا.
الأنوار كانت عالية، والقاعة مليانة ناس من العيلة والأصحاب. أول ما دخلنا، حسيت بنظرات كتير رايحة جاية… في ناس مندهشة، في ناس ابتسمت، وفي عيون كانت بتبص باستغراب.
لكن فيروز… ما كسرتش عينيها. كانت ماشية جنبي، راسها مرفوعة، خطواتها ثابتة، كأنها أخيرًا قررت تواجه الدنيا زي ما هي.
أنا كنت حاسس بالفخر، فخر يخلي صدري يتنفّس بعمق. رفعت راسي معاها، وكأني بقول للكل: "دي عروستي… دي معجزتي".
سمعت حد من قرايبنا يهمس:
– سبحان الله… البنت دي بقت أجمل من أي يوم فات.
والكلمة دي نزلت جوايا زي البلسم.
الموسيقى بدأت تعلى، والناس بدأت تصقف. أنا ما كنتش شايف حد، عيني كلها على فيروز. كنت بشوفها وهي بتبتسم رغم ارتباكها، والدموع محبوسة جوا عينيها.
قربت منها وقلت بهمس مسموع ليها بس:
-شايفة؟ حتى وهم مش فاهمين… مبهورين بيكي.
ضحكت بخجل، وبصتلي بعينيها اللي بتلمع زي النجوم وقالت:
_طول ما إنت جنبي… مش فارقني حد.
في اللحظة دي حسيت إن الوجع اللي شالته السنين،
والدموع اللي غرقت وسادتها، اتغسلت كلها. الليلة دي مش بس فرح،
دي شهادة ميلاد جديدة لفيروز.
وقفت أنا وهي قدام الكل، وقلبي بيقول قبل لساني:
-اللهم بارك لنا وعلينا، واجمع بيننا في خير.
وهي واقفة جنبي، محجبة، قوية، مبتسمة…
حسيت إن الليلة دي هتفضل محفورة جوايا طول العمر.
وأنا بحكي دلوقتي، عارف إن اللحظة دي مش مجرد بداية جوازنا.
دي اللحظة اللي فيروز ولدت فيها من جديد…
وأنا كنت الشاهد الوحيد اللي شاف المعجزة بعينه.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
