![]() |
رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة واربعة بقلم بيسو وليد
أيُّ دربٍ أصبح أمسىٰ،
أين قلبي بين فُتا’ت الحطا’م،
رفيقي، وإن أصبح العالم ضدك فأنا هُنا ظِلُّك،
تجد كفي ممدودًا كطوق نجا’تك،
تظن أن البشرَ ملائكةٌ بيضُ الأجنحة،
ووحدك شيطا’نًا منبو’ذًا،
وقلبي كان كضمادٍ،
يُعانقُ جر’وحًا سطحية تشفى،
وأنتَ وحدك تُعا’ني بجر’وحٍ أعمق،
يا حبيبي وإن أُغلقت أبواب السعادة بوجهك،
فستجد صدري ملاذًا لكَ يحتوي رو’حك،
ورو’حي هي فد’اءٌ لكَ حتى وإن لَزِمَ الأمر.
_بيسو وليد.
_______________________________
مرحبًا أيُّها المجهو’ل؛
حينما تسمعني ستظن بأنكَ خطوت داخل عالمٍ لا يُشبهك، ولكن في ثغـ.ـراته ستجد نفسك هُناك، جزءًا مِن هذا العالم؛ ففيه حكاياتٌ مختلفة الأشكال والأحداث، وبكُلّ حكاية ستجد نفسُك، وكأنك خُلقت بهِ ولكنك تُنكـ.ـر ذلك، أنتَ جزءًا لا يتجزأ مِن كُلّ شخصية بتلك الحكاية، ولكنك تعيشها بأسلوبك الخاص مع أُناسٍ غير هؤلاء..
<“تلو’ثت القصة بالد’م؛ وأضحت تتوقف على نحـ.ـره.”>
كان “شـهاب” يقود سيارته يكاد يطيـ.ـرُ بها لأجله، قلبه يخـ.ـفق بجـ.ـنون في صدره وكأنه يشعُر بأ’لمه ويتأ’لم لأجله، قبـ.ـضتيه فوق مقود السيارة تشتـ.ـد عليه حتى أبيّـ.ـضت، جسـ.ـده مشد’ودٌ وعيناه إحتـ.ـدت وهي تأ’كل الطريق أمامها، لمعت بدمعةٍ لم يعلم إن كانت ناتجةً عن خو’فه لفقـ.ـده، أم أ’لمًا لأجله..
أزقةٍ ضيـ.ـقة كان يدخلها، وعيناه تبحث حوله عنهُ علّهُ يراه مِن بعيد، صدح رنين هاتفه الذي كان فوق المقعد المجاور لهُ بإسم “علي”، وكأن تلك المكالمة تحمل معها حياته بالكامل، مدّ كفه دون أن يحيد بنظره عن الطريق وأجاب دون أن يتحدث، وبتلك اللحظة جاءه جواب رفيقه الذي قال بنبرةٍ هادئة يشوبها اليأ’س:
_لقينا “شُكري” يا صاحبي، أتنقل عالمستشفى دلوقتي لو حابب ترجع وتلحقه.
تشنـ.ـجت عـ.ـضلات فكه وبُرزت عر’وق وجهه بسبب غـ.ـضبه الذي يكـ.ـبحه داخلهِ، جاوبه بنبرةٍ حا’دة مشبعةً بالحقـ.ـد، لم تخرج مِنْهُ يومًا بقوله:
_أنا قريب منكم، خَمَس دقايق بس.
أغلق المكالمة دون أن يمنحه فرصةً للإجابة ور’ماه على المقعد، بينما نظر “علي” إلى هاتفه وأخرج زفيرة طويلة وقال بقلـ.ـقٍ:
_طالما إتحو’ل كدا يبقى مش هتعدي على خير النهاردة.
ألتفت خلفه ينظر إلى المكان مِن حوله بأعينٍ متفحصة، مخز’نًا قديمًا في منطقةٍ مهجو’رة أُغلقت منذ سنواتٍ طويلة، لم يجر’ؤ أحدهم على اقتحا’مها يومًا، اقترب مِنْهُ “إقدام” وقال بنبرةٍ هادئة:
_بدأنا نر’فع البصمات ونحاول نعرف مين اللي أستد’رجه وعمل فيه كدا، بس حاسس إن القضـ.ـية دي هتكون معقـ.ـدة شويَّة.
“إقدام الوايلي” رفيقهم المقرب وهو كبير محـ.ـققي قسم جر’ائم القتـ.ـل في الشرطة، طويل القامة وبشرته سمر’اء، خصلا’ته سو’دا’ء ناعمة، عيناه حا’دة بنفس اللو’ن، يمتلك لحية خفيفة منمقة تزيد مِن وسامته، نظر إليه “علي” ثمّ قال:
_اللي عمل كدا أكيد كان مخـ.ـطط لكُلّ حاجة، فإننا نمسك عليه حاجة دلوقتي أمر صعـ.ـب وهيكلفنا وقت طويل، هو دارس كُلّ حاجة ويمكن دلوقتي ميكونش سايب د’ليل وراه.
بسمةٌ هادئة رُسمت بزاوية فم “إقدام”، ولمعت عيناه بالمكـ.ـر وكأن الأمر أضحى لُعبة غامضة تُثيـ.ـر فضوله، تحدث بنبرةٍ أعربت عن مكـ.ـره قائلًا:
_حتى لو يا رفيقي، هيتجاب هيتجاب حتى لو كان فآخر البلاد، خصوصًا لو و’قع مع “إقدام الوايلي”، نمسك بس طر’ف الخيط وهتلاقي البَكَـ.ـرة بتلـ.ـف معاك.
نظر إليه “علي” بطر’ف عينه ثمّ أبتسم بزاوية فمه ومازحه بقوله:
_أحبك وأنتَ واثق مِن نفسك يا أسمـ.ـراني.
لم يُجيبه “إقدام” بل أكتفى بابتسامة واسعة فوق فمه وتابع مساعديه والأطباء الذين كانوا حاضرين لفحص “شُكري”، كُسِـ.ـرَ هذا الصمت بإحتكا’ك إطا’رات سيارة في الأرض، ألتفتا نحوها ليُبصرا “شـهاب” الذي ترجّل مِنها واقترب منهم بخطى ثابتة وأعينٍ حا’دة تفحـ.ـص المكان بنظرةٍ سريعة، وقف أمامهما واضعًا كفيه في جيوب سترته وخرجت نبرة صوته حا’دة بقوله:
_موصلتوش لحاجة.
جاوبه “علي” بنبرةٍ هادئة مشيرًا لمَن حولهم قائلًا:
_لسه يا خويا، بنفحـ.ـص المنطقة بالكامل والأطباء أهُم كانوا هنا عشان “شُكري” لأن الإسعاف مكانتش لسه وصلت.
شمل “شـهاب” المكان بأعينٍ حا’دة تلمع بالغضـ.ـب المكتو’م، حتى سـ.ـقط بصره على بقعة د’ماءٍ واسعةٍ على مسافةٍ وجيزة مِنهم، خـ.ـفق قلبه بعنـ.ـفٍ وكأن زلز’الًا عـ.ـنيفًا أصا’به، وتلك النظرة الغا’ضبة تلا’شت في لمح البصر، أصا’به الضعـ.ـف فجأةً بعد أن رأى د’ماء أخيه تُغطي الأرض، لمعت عيناه وتز’عزع ثباته في لحظة، وكأنه لم يكُن هذا الفو’لاذي الذي حضر قبل قليل..
اضطـ.ـربت وتيرة أنفاسه وبدأ يخطو ببطءٍ نحوها، تلا’شت أصوات الجميع مِن حوله، وكأن لا وجود لهم؛ كُلّ ما يراه د’ماء أخيه فحسب، وقف أمامها وثقـ.ـلت أنفاسه وكأن الهواء أصبح عـ.ـبئًا على صدره، أر’تجف كفه بوضوحٍ وبدأ صوت أخيه يرن في أُذنيه بلا توقف، ضحكاته عليه ونبرته الساخرة حينما يخـ.ـفق في شيءٍ لا يستطيع فعله، وخو’فه مِن القادم حينما يكون وحيدًا، اقترب “إقدام” مِنْهُ وشـ.ـدّد على قبـ.ـضته برفقٍ فوق كتفه قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_مش عايزك تخا’ف يا رفيقي طول ما أنا موجود، وعد إنُه هيتجاب فأسرع وقت، كُلّ اللي محتاجينه خيـ.ـط عشان نقدر نجيبه حتى لو كان تحـ.ـت الأرض.
وقف “علي” على الجهة الأُخرى وقال بنبرةٍ هادئة:
_لو شا’كك فحد قول يمكن نلاقي الخيـ.ـط دا، أي حاجة تعرفها عن أخوك قولهالنا يا “شـهاب” يمكن “إقدام” يقدر يمسك طر’ف الخيـ.ـط.
ولكن في تلك اللحظة كان “شـهاب” في عالمٍ آخر بعيدًا عنهم، كُلّ ما يشغل عقله بقعة الد’ماء تلك، أخرج “إقدام” تنهيدة عميقة ثمّ نظر إلى مساعده الذي اقترب منهم قائلًا:
_سيدي لقينا الإسورة دي مر’مية على الأرض تحـ.ـت عربية قديمة.
نظرا إليه سويًا ثمّ إلى قطعة الإسوار الفضي، أخرج “إقدام” القفازات وأرتداها قائلًا:
_هاتولي كيس الأد’لة يا شبا’ب.
اقترب مِنْهُ شا’بًا آخر وأعطاه إياه ليأخذه “إقدام” يفتـ.ـحه ثمّ أخذ الإسوار الفضي ووضعه بداخلها وأغلقها بإحكا’مٍ تحت أعينهم، أعطاه إلى مساعده وقال بنبرةٍ جادة:
_ودوها على القسم الجـ.ـنائي وأفحـ.ـصوها كويس عايز أعرف البصمات اللي عليها تخص “شُكري” ولا لأ ويجيلي الرد بسرعة.
_أمرك يا سيدي.
تركهم ورحل مُلبيًا أمر سيده، بينما نظر لهما “إقدام” ثمّ ثبّـ.ـت بصره على “شـهاب” الذي قال بنبرةٍ هادئة بشكلٍ يُثيـ.ـر الفضول:
_أنا أفتكرت حاجة.
تأ’هبت حواسهم وصوِّ’بت الأنظار فوقه في أنتظار سماع ما سيقوله، بينما ألتزم “شـهاب” الصمت لثوانٍ معدودة وكأنها دهرًا وكأنه يتذكّر شيئًا هامًا يبدو أنَّهُ غفـ.ـل عنهُ، وفي الأخير تحدث قائلًا:
_في كاميرا مر’اقبة صغيرة فعربية “شُكري”، العربية دي هو قالي إنُه حاطط فيها كاميرا صغيرة فوق لو’ح الإز’از مِن جوّه، أكيد صوّرت اللي حصل، خصوصًا إن محدش يعرف إن في كاميرا فيها غيري.
نظر إليه “إقدام” وكأنه وجد كنزًا مِن الذهب الخالص، لمعت عيناه وقال:
_وساكت ليه يا رفيقي كُلّ دا، طب هي فين دلوقتي.
أبدى “شـهاب” بجهـ.ـله لمكانها بهزّة صغيرة مِن رأسه ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_مش عارف بصراحة، أكيد فالمكان اللي إتهـ.ـجموا عليه فيه.
أخرج “علي” زفيرة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ يائسة:
_وطبعًا إحنا مش هنعرف نوصل للعربية إلّا عن طريق “شُكري”.
فكّر “إقدام” قليلًا بينه وبين نفسُه، ثمّ قال فجأةً:
_تا’هت ولقيناها، “شـهاب” لو فاكر نِمـ.ـرة العربية بتاعته يديهالنا وإحنا بمعرفتنا نقدر نلاقيها ونعرف المكان اللي إتاخد مِنُه.
أبدى “علي” بإعجابه الشـ.ـديد لهذه الفكرة ثمّ قال:
_فكرة حلوة أوي، أنا موافقك عليها طبعًا المهم إن “شـهاب” يكون فاكر نِمـ.ـرة العريية.
نظر لهما “شـهاب” نظرةٍ غامضة ذات معنى، يراهم يترقبان رده على السؤال بفر’اغ الصبر، لحظات وأخرج “شـهاب” هاتفه مِن جيب سترته وعبـ.ـث بهِ قليلًا ثمّ أشهره بوجههما دون أن يتحدث، بينما نظرا هما إلى شاشة الهاتف ليُبصرا رقم السيارة واضحًا كالشمس، أبدى “إقدام” عن فرحته بقوله المنتصـ.ـر:
_أيوه كدا يا رفيقي، هو دا الكلام.
أنهى حديثه وضمّه إلى د’فء أحضانه مبتسمًا، فيما بادله “شـهاب” ضمّته دون أن يتحدث، أبتعد “إقدام” بعد ثوانٍ ونظر لهُ قائلًا:
_أبعتهالي على الواتساب ومتشيلش هـ.ـم، أنا هتصرف دي لعبتي.
________________________________
<“في مكانٍ يشوبه السكون، عمّ الهر’ج والمر’ج.”>
أمام مشفى تابعة للقو’ات توقّفت سيارة الإسعاف، وبلحظاتٍ معدودةٍ أخرجوا “شُكري” الفا’قد لوعيه على فراش معد’ني مدولب، وسريعًا نقلوه للداخل؛ عمّ الهر’ج والمر’ج داخل المشفى بعد قدومه، جاء متأخرًا مهد’دًا بفقـ.ـد حياته في أيّ لحظة، أصوات الممرضين تعلو في المكان وآخرين يُهرولون تجاه غرفة العمـ.ـليات..
في الطا’بق الثاني؛
كان “عُدي” و “عبدالله” يقفان أمام غرفة أخيهما، يُرافقه “قاسم” الذي أستدعى رفيقه في العمل لإنقا’ذ أخيه فلم يكُن يمـ.ـلُك الوقت ليلحقه هو، أخرج “عُدي” زفيرة عميقة ثمّ جلس فوق المقعد المعد’ني ينتظر، بينما سار “عبدالله” في الممر بخطى هادئة وعيناه تجوب في المكان حتى وصله أصواتًا متداخلة في الطابق السُـ.ـفلي..
وقف أمام الد’رابزين ونظر للأسفل ليرى العديد مِن الممرضين في الأسفل يركضون بهلـ.ـعٍ وأصواتهم متداخلة بالعديد مِن الكلمات الغير مفهومة، ولكنهُ لمح وجه “شُكري” الشا’حب، وهذا جعله يُيقن سبب هذا الهر’ج، تصـ.ـلّب جسـ.ـده في مكانه وكأن رؤيته لهُ كانت خيالًا مِن بحا’ر أوها’مه، وبتلك اللحظة تدخّل العقل وقرر تولي الأمر..
تحرّك للأعلى حيث غرفة العمـ.ـليات مستعينًا بالدرج تحت عينان أخيه الذي تعجب مِن فعله ولَحِقَ بهِ، في اللحظة التي وصل فيها “عبدالله” توقّف مكانه وهو يراهم يهر’عون بهِ نحو الغرفة غر’يقًا في د’ماءه، جحـ.ـظت عيناه قليلًا وثقـ.ـلت أنفاسه عقب رؤيته لهُ، وكأنه إختبارًا جديدًا وُضع فيه سهـ.ـوًا كي تُبرز ردّة فعله الأولى، توقّف “عُدي” إلى جواره ونظر لهُ قائلًا:
_في إيه يا “عبدالله” طلعت تجري كدا ليه وسيبتني.
ألتفت “عبدالله” برأسه ينظر إلى أخيه بعينان يملؤهما الصدمة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة للغاية:
_”شُكري” أخو “شـهاب”، شوفته دلوقتي سا’يح فد’مه وواخدينه على العمـ.ـليات.
تنغض جبين “عُدي” الذي تعجب مِن قوله وعـ.ـلّق عليه بقوله:
_”شُكري”؟ أزاي يعني أكيد بيتهيقلك.
هزّ “عبدالله” رأسه بنفـ.ـيٍ وقال بنبرةٍ يشوبها اليقين:
_لأ أنا متأكد يا “عُدي” مِن اللي بقولهولك دا، هو “شُكري”.
ربّت “عُدي” فوق كتفه برفقٍ ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_طب أهدى وتعالى دلوقتي نشوف أخوك، وبعدين نشوف حوار “شُكري” دا إذا كان صح ولا غـ.ـلط.
ظلّ “عبدالله” يقف ساكنًا وعيناه معلّـ.ـقةً فوق باب الغرفة، ولكن تحرّك بعد أن جذ’به أخيه برفقٍ، وعقله مازال يُفكر إن كان هذا صحيحًا أم لا، فعيناه رأت وقلبه خـ.ـفق بشكلٍ أثا’ر ريبته، ولكنهُ في الأخير أستسـ.ـلم إلى ر’غبة أخيه وسار برفقتهِ عائدًا لأخيه..
وخلف تلك الأبواب كان هُناك فتى يُصا’رع المو’ت وحده، وحيدًا لا يُجاوره أحدًا مِن أفراد عائلته، لا يعلم إن كان سينجـ.ـو ويعود ليرى أخيه يثأ’ر لأجله أم سيودع الجميع دون أن يعلموا ويرحل لأبيه، فليست كُلّ الحكايات تُمنح فُرصة جديدة في الحياة، فكثيرًا أنتهت حكايتهم خلف تلك الأبواب المو’صدة، والقليل مِنها نجـ.ـا.
_____________________________
<“لمَن قال زوجوها وستتعقـ.ـل .. ها هي الآن.”>
في روما، عاصمة إيطالية..
كان “إيثان” يجلس فوق مكتبه يُتابع خط سير العمل ويقوم بمر’اقبة الموظفين بين الحين والآخر، كان متجهـ.ـم الوجه بعد أن تلقّى خبرًا مِن أخيه بتغيُبه اليوم عن الشركة لأجل زيارة رفيقه المر’يض، فبعد أن كان يُخـ.ـطط للذهاب مبكرًا لأجل مفاجأة حبيبة الفؤاد د’مّر هو أحلامه السعيدة بغمضة عين..
أنهى توقيعه على آخر أوراق الصفقة الجديدة متأفئفًا، وقد غفـ.ـل عن هذا الجسـ.ـد الضئيـ.ـل الأسو’د الذي إتجه مباشرةً لمكتبه، أ’لقى بالقلم ورفع نصفه العلو’ي يستند على مسند المقعد خلفه، أخرج تنهيدة عميقة ومسح فوق وجهه ببطءٍ علّه يستفيق مِن نو’بة الكسل التي إجتا’حته فجأةً..
في تلك اللحظة ولجت هي بحذ’رٍ دون أن تجذ’ب أنتباهه، نظرت إليه بوجهٍ مبتسمٍ وأغلقت الباب خلفها ببطءٍ وعيناها لم تُفا’رقه لحظة، ولكنهُ لم يكُن أبلهًا فقد شَعَر بنفـ.ـسٍ آخر في الغرفة ولذلك أبعد كفيه وإحتـ.ـل الذهول وجهه، كانت تقف أمام الباب مبتسمة الوجه، ترتدي معطفًا أسو’د اللو’ن طويلًا يُخفـ.ـي جسـ.ـدها بالكامل، وحذاءًا بنفس اللو’ن، تُمسك بحقيبتها الحمر’اء والزينة النا’عمة أبر’زت معالم وجهها الهادئة..
نهض بهدوءٍ شـ.ـديدٍ وابتعد عن مكتبه دون أن يحيـ.ـد عيناه عنها، وكأنهُ يؤكد لنفسُه بأن وقوفها أمامه ليس خد’يعة أو وهـ.ـمًا، وقف أمام مكتبه وخطواتٍ معدودة تفصـ.ـلهما، تحدث بنبرةٍ هادئة أعربت عن ذهوله بقوله:
_حقًا؟ أما أراه حقيقةً بالفعل أم خيالًا فرضه عـ.ـقلي عليَّ.
اتسـ.ـعت ابتسامتها أكثر وقالت بنبرةٍ هادئة:
_نعم حقيقة، ها أنا أقف أمامك يا ر’جُل.
تركت حقيبتها فوق الأريكة ثمّ نز’عت معطفها الأسو’د وأ’لقته بأهما’لٍ جوار حقيبتها ثمّ أستدارت حول نفسها بخفةٍ وقالت بنبرةٍ يشوبها الفرح:
_ما رأيك يا عزيزي، لقد أشتريتُ هذا الفستان ليلة أمسٍ ولم تتثنى لي الفرصة لأُريكَ إياه، واليوم علمتُ بأنكَ ستتأخر عن المنزل فلم أستطع أن أنتظر طويلًا، ولذلك تركتُ “روچين” مع شقيقتي وجئتُ إليك لأجعلك ترى هذا الفستان الرائع … هيا أخبرني ما رأيك بهِ.
تجمّـ.ـد جسـ.ـده مكانه حينما رأى فستانها الجديد الذي تتحدث عنهُ بفرحةٍ وكأنها حققت كأس العالم، شملها بعيناه مِن رأسها إلى إخمـ.ـص إصبعها نظرةٍ ذات معنى، بدايةً مِن خصلا’تها الغجـ.ـرية القصيرة، إلى وجهها الهادئ الذي يُزينه القليل مِن الزينة النا’عمة التي يُحبُها، مرورًا إلى أكسسوارها الفضي إن كانت قلادة أو إسوارٍ يضمّ معـ.ـصمها، وفي الأخير فستانها الأحمـ.ـر الصا’رخ الذي يلمع بشكلٍ مستفـ.ـز، طويلًا دون أكما’مٍ؛ وفي الأخير حذائها ذو الكعـ.ـب العا’لي بنفس اللو’ن..
عاد ينظر إلى وجهها مِن جديد مذهولًا مِن أفعا’ل زوجته المجـ.ـنونة التي لم تتغيّر منذ أن تعرّف عليها، فلم يتوقّع يومًا بأن تُفاجئه بفستانٍ جديدٍ في شركته وبداخل مكتبه، وبرغم ذلك لم يستطع أن يُخفـ.ـي لمعة الإعجاب التي ظهرت بهما، ولكنهُ فجأةً استفاق مِن حُلمٍ ورد’ي متذكرًا أين هم وكيف هي تقف الآن، وبلحظة تحرّك تجاه الباب وأغلقه بخفةٍ بالمفتا’ح حتى لا يولج أحدٍ ويراها بهذا الشكل..
نظرت إليه بحما’سٍ غريب وكأنها لا تهتم لأيُ شيءٍ سِوى رأيه في فستانها الرائع، عاد إليها مِن جديد دون أن يحيـ.ـد عيناه عنها، وقف أمامها مباشرةً وأطال النظر لها قليلًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_أنتِ بالفعل مجـ.ـنونة “تكوى”.
تنغض جبينها قليلًا وابتسمت قائلة بنبرةٍ هادئة:
_لِمَ تراني مجـ.ـنونة لا أفهم.
اقترب مِنها خطوة أُخرى ثمّ قبـ.ـض على ذراعيها بكفيه ونظر في عيناها مباشرةً ثمّ قال بنبرةٍ خافتة حا’دة:
_تسأليني حقًا؟ تأتين إلى مكتبي داخل شركتي التي تضم عددًا لا حصر لهُ مِن الرجا’ل وتدخلين دون أذ’نًا مِني وأتفاجئ بكِ تنز’عين معطفكِ لتُريني هذا الفستان اللعيـ.ـن الذي دون أكما’مًا؟ كيف يُفكر هذا العقـ.ـل الأحمق الصغير يا امرأة أخبريني لأنني عمّ قريبٍ سأجـ.ـنُ على يَديكِ.
تفاجئت مِن هجو’مه وغضـ.ـبه الذي لا تجد لهُ مبررًا حتى هذه اللحظة وكأنها لا تُصدق ما تراه أمامها، أبتـ.ـلعت غصَّتها بتروٍ ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة وكأنها تعمّـ.ـدت أن تُثيـ.ـر جـ.ـنونه:
_ما بكَ عزيزي، ظننتُ بأن الفستان سينول إعجابك حينما تراه، ولكن يبدو أنَّهُ لم يكُن كذلك حقًا.
نقل بصره إلى الفستان دون إرادته بعد أن جذ’به لمعته التي أثا’رت أستفـ.ـزازه أكثر، ولكن لم يستطع أن يُنكـ.ـر إعجابه بهِ، فهو إن ما’طل أمامها لسويعاتٍ ففي الأخير سوف يرضـ.ـخ لها، عاد ينظر في عيناها البُـ.ـنيّة التي زينها الكحـ.ـل الأسو’د وفي الأخير أعلن رضو’خه أمامها بقوله الخا’فت:
_بلا إنَّهُ كذلك بالفعل، هو بالفعل قد نالَ إعجابي الشـ.ـديد بهِ.
لمعت عيناها وارتسمت بسمةٌ واسعة فوق فمها فرحةً حينما نا’لت مُرادها، فقالت بنبرةٍ هادئة:
_كُنتُ أعلم بأنَّهُ سينالُ إعجابك يا عزيزي حتى وإن أثا’ر أستفـ.ـزازك في بادئ الأمر، ولكن بحقك يا عزيزي أخبرني هل تعلم بأني أنتظر حتى تعود كي أعرض عليكَ ما أشتريته؟ لم تحدث مِن قبل ولذلك تلك المرَّة ليست مفاجئة.
ر’شقها نظرةٍ ذات معنى بعد أن لم يجد الكلمات المناسبة ليقولها، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ أبتسم في الأخير وخضـ.ـع لها قائلًا:
_حسنًا يا حبيبتي أنتِ تفوزين هذه المرَّة، لقد أعجبني فستانك وبشـ.ـدة، أهذا رائع؟.
هزّت رأسها باستحسانٍ ثمّ اقترب خطوةٌ أُخرى مِنْهُ ولثمت وجنته بحنوٍ وكأنها تُكافئه على كلماته لها بأسلوبها الخاص، وفي الأخير أستسـ.ـلم هو مبتسمًا ثمّ ضمّها لد’فء أحضانه ومنها أُخرى فوق وجنتها، أخرج زفيرة طويلة تُعبِّر عن قلة حيلته، فمهما فعل ستظل زوجته كما هي دومًا، تُفاجئه بجـ.ـنونها دون أن تهتم لأحدٍ..
تعالت أصوات الطرقات فوق الباب فجأةً تنتشـ.ـلهم مِن لحظتهم الهادئة تلك بكُلّ وقا’حة، ثمّ أتبعها صوته الرجو’لي قائلًا:
_”إيثان” هل أنت بالداخل؟.
تفاجئ “إيثان” حينما أستمع لنبرة صوته وسريعًا تذكّر آخر مقابلة جمعت هذا الو’قح بزوجته التي لم تسلـ.ـم حينها مِن نظراته الما’كرة وتغزله بها، فقط ذِكرى أشـ.ـعلت الغضـ.ـب بداخله؛ أبعدها عنهُ وقال بنبرةٍ جادة:
_يجب أن تختبـ.ـئي الآن “تكوى”.
رفعت رأسها بعد أن أبعدها وشمل مكتبه بنظرةٍ سريعةٍ فاحصةٍ حتى وجد مُراده، بينما سألته هي متعجبةً تحوله المفاجئ ذاك قائلة:
_ماذا حدث “إيثان”؟ لِمَ تُريد أن تخبئـ.ـني.
انحنى قليلًا نحو الأريكة وألتقط حقيبتها ومعطفها ثمّ استقام في وقفته وأعطاها أغراضها قائلًا:
_تحرّكي معي الآن.
أخذت هي أغراضها وقبل أن تعتر’ض سـ.ـحبها هو خلفه وقام بفتح الباب المجاور لمكتبه ثمّ د’فعها برفقٍ للداخل، نظرت هي حولها بذهولٍ وقالت:
_ستجعلني داخل المرحاض حقًا “إيثان” ..!!.
نظر لها وعيناه كشفت عن غـ.ـضبه في تلك اللحظة، فخرجت نبرة صوته حا’دة يشوبها الغيرة قائلًا:
_حقًا “تكوى”، لا أُريد أن أسمع صوتكِ حتي أأتي أنا وأفتح الباب وإن خا’لفتي كلمتي فسأجعلكِ تبكين أسبوعًا على هذا الفستان اللعيـ.ـن.
لم يمنحها فرصة الرد والاستفسار عمّ يحدث، أغلق الباب خلفه بالمفتا’ح وابتعدت خطواته، زفرت هي بضيـ.ـقٍ وأ’لقت بمعطفها وحقيبتها ثمّ وقفت أمام المرآة تنظر إلى إنعكاس صورتها بها قليلًا، تتأمل الفستان وابتسامة واسعة رُسمت فوق فمها في غضون ثوانٍ..
بينما اقترب “إيثان” مِن الباب وقام بفتحه مِن جديد، نظر إلى الوافد وحينها ظهر البرود فجأةً وكأنه غير مُرحبٍ بالوافد، كان يقف أمامه شا’بًا يُرافقه في العُمر يرتدي حُلَّة كحـ.ـلية وقميصًا أبيـ.ـض، يصفف خضلا’ته الشقر’اء النا’عمة للخلف ويرتدي نظارة شمسية سو’دا’ء اللو’ن أ’خفت نظرته الخـ.ـبيثة خلفها..
رُسمت بسمةٌ مستفـ.ـزة فوق فمه ثمّ رفع كفه ونز’ع نظارته الشمسية دون أن يحيـ.ـد عيناه عنهُ، فجاءهُ قوله الما’كر:
_مرحبًا عزيزي “إيثان”، أشتقتُ إليك كثيرًا يا ر’جُل ..!!.
______________________________
<“بدأت الحكاية بنطـ.ـفة صغيرة، وأصبحت ثمرة صا’لحة.”>
داخل قصر العائلة المخضرم..
بدأت الحكاية داخل إحدى الغرف المغلقة، تلك الغرفة التي سادها السكون طويلًا أصبحت اليوم مغمورة بالفرح والأصوات الصغيرة المفعمة بالحياة، نا’فسها ضحكات رجو’لية عالية وصيـ.ـحات أنثو’ية غير راضية..
كان “حُذيفة” يجلس فوق الأرض بعد أن أنهى صلاته، وأمامه صغيره “عدنان” الذي كان ينظر لهُ مبتسمًا بعد أن أجلسه أبيه أمامه بإصرارٍ، ضمّ شفتيه الصغيرة في محاولةٍ ميئو’سٌ مِنها، نظر إليه “حُذيفة” نظرةٍ ذات معنى ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_هتسمّع سورة الكا’فرون ولو لغـ.ـبطت بين الآيات تاني أنتَ حُـ.ـر.
ألتفت “عدنان” برأسه تجاه والدته التي كانت تجلس فوق المقعد المجاور للنافذة وبين ذراعيها أخيه الصغير، نظرته وكأنه يستـ.ـغيث بها سـ.ـرًا، ولكن “حُذيفة” أمسك ذ’قنه وأدار رأسه إليه قائلًا:
_ملكش دعوة بماما مش هتنفعك دلوقتي ركّز معايا، يلّا استعيذ بالله وأبدأ سمّع عشان ندخل مع بعض على سورة الكوثر.
أصبح الأمر واقعًا لا مفـ.ـر مِنْهُ، أخرج تنهيدة صغيرة وقبل أن يبدأ رأى أبيه يُمسك بذراعيه يضمهما ببعضهما قائلًا بنبرةٍ جادة:
_مننساش دي قبل ما نبدأ قولنا مليون مرَّة قبل كدا.
لم يستطع الصغير أن يمـ.ـنع ابتسامته مِن الظهور تلك المرَّة وهو ينظر إلى أبيه، ولكن حينما رأى الجدية في عيناه أخـ.ـفاها سريعًا ثمّ قام بالتسمية وبدأ يتلو عليه ما تيّسر مِن آيات الذِكر الحكيم، وها هو يُعيد خـ.ـطأه مِن جديد والتبديل بين الآيتين، نظر إلى أبيه الذي ر’شقه بنظرةٍ غير راضية ليُسرع هو ويُصحح مساره بتلاوتها كما هي، رُسمت ابتسامة الرضا فوق فمه وحينما أنتهى صفق لهُ “حُذيفة” وقال بفخرٍ:
_شطور، طب ما أنتَ حلو أهو وشاطر أومال كُنت بتتلـ.ـغبط فيها ليه كُلّ شويَّة.
أبتسم “عدنان” بفرحة ونظر إلى “أيسل” بعد أن لمعت عيناه بحما’سٍ طفولي، أر’تمى بأحضان أبيه الذي أستقبله بالحُبّ والحنان، مسّد فوق ظهره برفقٍ ثمّ قال مبتسمًا:
_يلّا بينا عشان ناخد سورة الكوثر، دي بقى أسهل مِن الكا’فرون ٣ آيات بس.
أبتعد عنهُ وجلس مكانه مِن جديد، أخذ مصحفه الصغير مفتو’حًا على السورة الجديدة، وبدأ يُردد خلف أبيه؛ ينظر إلى حركة شفتيه بتركيزٍ ويُحاول نُطقها مثله، كان لا يمـ.ـل مِن التكرار؛ فحما’سه للسورة الجديدة كان أكبر مِن أن يمـ.ـل، بينما كانت “أيسل” تنظر إليه مبتسمة الوجه وعيناها تغمرها الحُبّ والحنان في نفس الوقت، فهكذا كانت تتمنى أن ترى في زواجها، وها هي قد تحققت أُمنيتها..
وبعد مرور رُبع ساعة..
كان “حُذيفة” يستند بظهره على الجدار مِن خلفه، ذراعيه القو’يتين يضمّان جسـ.ـد “عدنان” الصغير إلى صدره غافيًا بعد أن أنهى تحفيظه، كان شاردًا؛ عيناه مثبـ.ـتتان في سـ.ـقف الغرفة لوقتٍ ليس بطويلٍ، وبالقرب مِن الفراش كانت “أيسل” تجوب جيئة وذهابًا تهـ.ـز صغيرها برفقٍ حتى يخلد تمامًا للنوم..
كانت الغرفة د’افئة بشكلٍ لا يوصف، ليس فقط لد’فء الهواء فيها، بل بد’فء هذا الحُبّ الذي يغمر قلوبهم، فها هو “حُذيفة” قد حقق لها أُمنيتها كما وعدها مِن قبل، منزلًا صغيرًا يغمره الحُبّ والد’فء، وذريةً صا’لحة يفخرون بها بين الجميع، كان كُلّ شيءٍ يبدو طبيعيًا حتى آخر لحظة..
صدح رنين هاتفه يعلو في أرجاء الغرفة، كان قريبًا مِن “أيسل” التي اقتربت مِنْهُ وأ’لقت نظرة عليه، نظرت إلى زوجها وقالت:
_دا “علي”.
جاوبها بنبرةٍ هادئة دون أن يتحرّك إنشًا قائلًا:
_رُدي عليه وقوليله لمَ أفوق هبقى أكلمه أنا عشان مش قا’در دلوقتي.
مدّ يَدها وأخذت الهاتف بهدوءٍ وأجابت بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
_مساء الخير يا “علي”، بخير الحمدلله … “حُذيفة” بس مش قا’در يتكلم دلوقتي، إيه اللي حصل؟.
نظر لها “حُذيفة” بعد أن جذ’بت كلماتها الأخيرة أنتباهه، ترقّب قولها بفر’اغ الصبر؛ ولكن جاءه الفعل أولًا حينما جحـ.ـظت عيناها بصدمةٍ واضحة تبعها قولها:
_أزاي دا حصل، لا حول ولا قوة إلا بالله..
هُنا أدرك “حُذيفة” بأن ثمة مكـ.ـروهًا حدث واتصل بهِ رفيقه ليُخبره كما أعتادوا، استقام في وقفته ضاممًا صغيره ثمّ اقترب مِنها، عيناه لم تُفا’رق خاصتها للحظة، رأى بهما حزنًا وهلـ.ـعًا غير منطوقٍ، مدّت هي الهاتف لهُ بحز’نٍ واضحٍ وعينين لامعتين ليأخذه هو دون تفكير مجيبًا إياه بقوله متحفـ.ـزًا:
_في إيه يا “علي”، إيه اللي حصل؟.
ألتزم الصمت مستمعًا إلى كلمات رفيقه التي سـ.ـقطت فوق رأسه كالعـ.ـصا الحـ.ـديدية المثقـ.ـلة، ثقـ.ـلت أنفا’سه فور سماعه لِمَ أصا’ب شقيق رفيقهم وجهـ.ـلهم حتى الآن في العثور على الجا’ني، وفي الأخير تما’لك هو نفسه وقال بنبرةٍ ثا’بتة:
_متوقفوش وأنا هتحرّك دلوقتي هحاول أتصرّف، أسمع مِني بس عارف بس مش هينفع أسيب صاحبي كدا حير’ان، متقـ.ـلقش أنا هتصرّف دلوقتي.
أنهى حديثه ثمّ أ’لقى هاتفه بأهما’لٍ واقترب مِن الفراش بخطى خفيفة، وضع صغيره فوقه ثمّ شـ.ـدّ الغطاء الثقيـ.ـل وغمر جسـ.ـده بهِ ليحمـ.ـيه مِن البرد وتحرّك بعدها سريعًا ليأخذ ثيابه ويذهب إليهم، بينما جلست “أيسل” مكانها والخو’ف يرتسم فوقه ملامحها بعد أن تلقّت هذا الخبر الصاد’م، ضاممةً الصغير لصد’رها بحركةٍ غير مقصو’دة وكأنها تحتـ.ـمي بهِ مِن شـ.ـرور البشر في الخارج.
_______________________________
<“إن أردت قتـ.ـل اُمًا فاضر’ب أعمـ.ـق نقطة ضعـ.ـفٍ بها.”>
الممر الفارغ أصبح يضم المقربين مِنْهُ، كانت “نُهىٰ” تجلس فوق المقعد المعد’ني البا’رد منذ قرابة النصف ساعة، سترة ولدها تضمّها؛ وكنزته السُكّـ.ـرية المغمو’رة بد’ماءه داخل أحضانها، عبراتها تتسا’قط كالمطر المتسا’قط في فصل الشتاء يروي أرضًا عـ.ـطشة، كفها المر’تجف أنامله تُلا’مس بقعة الد’ماء الد’اكنة فيه، وقلبها يحتر’ق أ’لمًا عليه..
إلى جوارها “مَرْيَم” التي كانت تواسيها قدر أستطاعتها، فحينما رأت الورقة ووصلها مكالمة “شـهاب” بما حدث لم تتأخر لحظة، كانت تُحاول أن تظل متما’سكة برغم عد’م أرتياحها وآلا’مها، بينما والديها كانا يجلسان مقابلًا لها، وفي الأخير “أحمد” الذي كان يجاورها ويطمئن عليها بين الفينة والأخرى، كان الصمت مخيـ.ـمًا عليهم ولكن صوت بُكاء “نُهىٰ” كان هو الشيء الوحيد المسموع، قبـ.ـضتها تشتـ.ـد أكثر على كنزته وكأنها آخر شيءٍ تملُـ.ـكه إليه..
في آخر الرواق سار “شـهاب” بخطى ثا’بتة وعلى يمينه “إقدام” وإلى يساره “علي”، نظر إلى والدته مِن بعيد ليراها تحتضن شيئًا لا يتضح إليه، ولذلك شـ.ـدّ خطواته نحوها وبلحظة تصـ.ـلّب جسـ.ـده محله حينما رأى كنزة أخيه المغمو’رة بد’ماءه في أحضانها، د’ماء أخيه تُحطيه مِن كُلّ جانب وكأنها تلو’مه بصمتٍ..
ثقـ.ـلت أنفاسه فجأةً وثُبـ.ـتت عيناه فوق كنزته، في ظل محاولاته المُستمـ.ـيتة تأتي د’ماء أخيه وتضر’ب أعمـ.ـق نقطة بهِ، نظر إليه “إقدام” وشـ.ـدّد قبـ.ـضته فوق كتفه برفقٍ قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_أهدى يا رفيقي، مينفعش تضعـ.ـف دلوقتي لازم الجا’ني يتجا’ب عشان حق أخوك يرجع.
اقتربت “مَرْيَم” مِنْهُ بخطى خفيفة، ودون أن تنطق بكلمة ار’تمت في أحضانه، لـ.ـفّت ذراعيها حول خصره ووضعت رأسها فوق صدره، لا تعلم إن كانت تواسيه أم هي مَن تحتاج إليه الآن، ولكن ربما يكون هذا العناق المنقـ.ـذ لكليهما، رفع ذراعيه ببطءٍ وضمّها أكثر لصدره، وكأنه رآها الغوث الوحيد لهُ وسط بحو’رٍ مِن الأ’لم، قبـ.ـضت على معطفه الأسو’د ود’سّت وجهها بهِ، فوحدها رائحته مَن ستُنقـ.ـذها مِن نو’بة الغثـ.ـيان التي تُطا’ردها كالو’حش..
تحرّك “علي” مقتربًا مِن “أحمد” بعد أن رأى حالة رفيقه لا تسـ.ـمح لقول كلمة واحدة حتى، وقف أمامه لا يفصـ.ـلهما سِوى خطوة، نظر إليه وقال بنبرةٍ خافتة:
_مفيش أي جديد لحد دلوقتي؟.
هزّ “أحمد” رأسه بقلة حيلة ثمّ جاوبه بنبرةٍ مماثلة:
_مفيش حاجة، طلعوا سلـ.ـمونا الچاكت بتاعه والبلوڤر ودخلوا تاني، بس حاسس إن الوضع ميطـ.ـمنش.
تنغض جبين “علي” وقال متسائلًا:
_إيه اللي خلاك تقول كدا؟.
أخرج “أحمد” تنهيدة عميقة ثمّ شملهم جميعًا بنظرةٍ سريعة ثمّ نظر إليه مِن جديد واقترب الخطوة الفا’صلة بينهما مجيبًا إياه بنبرةٍ خافتة:
_سمعت مِن ممرضة إنُه خسـ.ـر د’م كتير أوي، وعـ.ـضلة القـ.ـلب ضعـ.ـفت، حالته متطـ.ـمنش نها’ئي بس أنا ساكت عشان والدته مينفعش تسمع الكلام دا وهي بالحالة دي، و “شـهاب” نفس الكلام محتاج اللي يسنـ.ـده دلوقتي.
شرد “علي” قليلًا يُفكر في كلماته دون أن يُعـ.ـلّق عليها، وألتفت نحوهم ينظر إليهم بهدوءٍ تام ووجهٍ جا’مد، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ تركه وعاد إلى مكانه بجوار رفيقه بصمتٍ تام، ولكن لم يستطع أن يُخـ.ـفي نظرة الخو’ف في عيناه، فالأمر خطـ.ـيرًا للغاية الآن ولا أحد يعلم ما الذي يحدث معهُ في الداخل..
دقائق مرّت عليهم في هذا الصمت حتى كسـ.ـره صوت أقدامٍ فوق الأرض الرخا’مية تقترب مِنهم، نظروا الشبا’ب لآخر الرواق ليبصروا مَن جاء خصيصًا لأجل العائلة، وقفوا أمامهم مِن بينهم الحفيدين والجد، ألتفت “شـهاب” نحوهم ولم يتحدث، فقط أكتفى بالنظر لهم..
نظر “ليل” إلى “إقدام” الذي تفهَّم نظرته، نظّـ.ـف حـ.ـلقه وبا’در هو بالكلام قائلًا:
_سيادة اللوا “ليل” وصله الخبر، وحضرة النائب “طلعت حامد” عنده عِلم بالحا’دثة وأصـ.ـر إنُه ييجي ويطمن على “شُكري”.
النائب “طلعت حامد”، ر’جُلًا يُحب النظام ويعمل دومًا وفق القو’انين، مُنظّـ.ـم وعلى علا’قة ودو’دة مع الأحفاد وعائلاتهم، طويل القامة جسـ.ـده متناسق، بشرته فا’تحة وعيناه حا’دة، خصلا’ته طويلة ونا’عمة سو’د’اء اللو’ن، يمشطها للخلف دومًا لتُعطيه هيبته الكاملة، يرتدي حُلَّة كحـ.ـيلة اللو’ن ور’بطة عـ.ـنقٍ بنفس اللو’ن..
نظر مباشرةً إلى “شـهاب” قليلًا ثمّ قال بنبرةٍ رجو’لية هادئة:
_أولًا أنا مهما أقول فالكلام عُمره ما هيقدر يواسيكم، إن شاء الله “شُكري” هيقوم وهيبقى كويس ويحكيلنا اللي حصل عشان اللي عمل كدا يتجا’ب فأسرع وقت ممكن، لكن لاز’م نشتغل دلوقتي عشان نعرف نجيبه قبل ما يهر’ب أو يحاول يبعد التُهـ.ـمة عنُه.
تو’لى “إقدام” التحدث نيابةً عن رفيقه بقوله الهادئ:
_سيدي إحنا فعلًا شغالين، لقينا إسورة فضي مكان الوا’قعة وبعتناها على المعمل الجـ.ـنائي لفحصها ودلوقتي بيتم مسـ.ـح كاميرات الطر’ق بالكامل عشان نقدر نلقـ.ـط العربية ونعرف مكانها لأن عربية “شُكري” فيها كاميرا مر’اقبة وأكيد الكاميرا عليها كُلّ حاجة حصلت وهتساعدنا إننا نعرف إيه اللي حصل معاه.
هزّ “طلعت” رأسه برفقٍ مستحسنًا سرعة تحركهم ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_مفيش حاجة تغيـ.ـب عنكم حتى لو كانت صغيرة، كُلّ حاجة تتعرف يا شبا’ب وأي حد مشـ.ـكوك فأمره أو قريب مِن الجا’ني يتجا’ب بعد ما يتعرف … آه حاجة كمان عارف إن الوقت ميسمحش بس دا شغل، عايزك يا “إقدام” تاخد إفا’دة العيلة، القريب مِن “شُكري” لحد ما يظهر طر’ف تاني فالقصة.
هزّ “إقدام” رأسه برفقٍ وقال بتهذ’بٍ:
_أمرك حضرة النائب.
صوت حذاء أنثو’ي ضر’ب الأرض الرُخا’مية على مسافةٍ وجيزة مِنهم، تلقائيًا إتجهت جميع الأعينِ نحوها وكأنها وافدًا يحمل في بسمتهِ الشـ.ـر بعينه، ولكن في الحقيقة لم يكُن الأمر كذلك، وقفت بينهم بوجهٍ مبتسمٍ ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة:
_مساء الخير عليكم جميعًا، أنا المحامية “چيچي الدالي”، موكلة “شُكري العطار”.
نظر إليها “شـهاب” متعجبًا دون أن يتحدث، فهو يتذكّر بأنه لم يقم بتعيين محامية لأجل أخيه، طافَ بعيناه في أوجه الجميع حتى جاءته الإجابة مِن “حُذيفة” الذي قال بنبرةٍ هادئة:
_أنا وكلتها محامية لـ “شُكري”، “چيچي” تبقى بـ.ـنت عمّ “لؤي” وهو رشحهالي، “چيچي” شاطرة جدًا ومِن بداية مسيرتها كسبت ٧٥ قضـ.ـية.
“چيچي الدالي” محامية، فتا’ةً في أواخر العشرينات، متوسطة الطول خصلا’تها بُنـ.ـيّة نا’عمة، جمعتهم في شكل ذ’يل الحصان، الزينة النا’عمة تكاد تكون مرئية، عيناها زيتونية؛ ، وفي الأخير ترتدي حُلَّة نسا’ئية كحـ.ـيلة وحذاء نسا’ئي كـ.ـعبه متوسط الطول..
شملت الجميع بنظرة سريعة ثمّ نظرت إلى “شـهاب” وقالت بنبرةٍ هادئة:
_أيوه، هو عامل إيه دلوقتي.
جاوبها “شـهاب” بنبرةٍ هادئة للغاية ينفـ.ـي معرفته بالأمر قائلًا:
_لسه منعرفش عنُه حاجة، داخل عالساعة ومحدش لسه طمنا.
أخرجت تنهيدة عميقة ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة:
_تمام مفيش مشـ.ـكلة، وصلتوا لإيه دلوقتي، في جديد؟.
شرح “إقدام” الأمر لها بأختصارٍ شـ.ـديدٍ حتى لا يزيد مِن و’جع رفيقه ووالدته، وصمت بعدها دون أن ينبُث حرفًا آخر، بينما تحدثت هي بنبرةٍ هادئة تشرح الأمر لهُ قائلة:
_تمام، دلوقتي محتاجين نعرف مكان العربية لأن أكيد فيها د’ليل، والإسورة دي أكيد تخص الجا’ني بما إن چاكت “شُكري” مفيهوش إكسسوارات، أول ما ير’فعوا البصمات مِن عليها بنقدر نمـ.ـسك طر’ف الخيـ.ـط وكمان كاميرات المر’اقبة بتاعت العربية هتساعدنا.
في تلك اللحظة رن هاتف “إقدام”، أخرجه بهدوءٍ وأجاب مستمعًا إلى حديث الطر’ف الآخر، عيناه تشمل الجميع بنظرةٍ سريعة حتى استقر على “شـهاب”، لحظات وأغلق المكالمة، نظرت إليه “چيچي” بتحفـ.ـزٍ دون أن تتحدث، فقال هو بنبرةٍ هادئة:
_البصمات اللي عالإسورة تخـ.ـص “شُكري”، تقريبًا كان بيقا’وم وشـ.ـدّها، وكمان قدروا يوصلوا لمكان العربية.
نظر إليه “شـهاب” وكأنه استفاق مِن حالة الضعـ.ـف التي أنتا’بته، عاد لصر’امته وجمو’ده المتعارف عليه في العمل، فقال بنبرةٍ لا تقبـ.ـل النقاش:
_حلو أوي، لازم نتحرّك دلوقتي.
_________________________________
<“قادته نير’ان العشـ.ـق والغيرة معًا.”>
في روما الجميلة؛
كان “إيثان” يجلس فوق مقعده المتحرك يتأرجح عليه يمينًا ويسارًا، ينظر إلى “إيثان” الشا’ب الأمر’يكي الذي أضحى مفسـ.ـدًا للحظاته السعيدة مع زوجته، ينظر لهُ ببرو’دٍ ظاهري؛ ولكن قلبه كان يغـ.ـلي شو’قًا لتلك التي تمكث في المرحاض قرابة النصف ساعة..
_”إيثان”، منذ أن جئتُ إلى هُنا وأنا أشُم رائحة طيبة، لا تمـ.ـث الرجا’ل بتاتًا، رائحة أنثو’ية فو’احة … هل تجلب نسا’ءًا إلى مكتبك يا ر’جُل؟.
أنهى حديثه الو’قحة تبعه غمزة عا’بثة بطر’ف عينه اليُسرى، رمقه “إيثان” نظرةٍ حا’دة ثمّ قال بنبرةٍ غا’ضبة:
_تأد’ب في حديثك أيُّها الوغد حتى لا أقتـ.ـلك، فأنا لستُ مثلك عا’شقًا للنسا’ء، قـ.ـلبي لا يسع إلّا لأ’نثى واحدة فقط.
اتسعت أبتسامة خـ.ـبيثة فوق فم “إيثان” الأمر’يكي ثمّ انحنى نحوه بنصفه العلو’ي وقال بنبرةٍ خافتة:
_أعلم ذلك، ورائحة هذا العطر الجميل يخص زوجتك أليس كذلك؟.
لمعت عينان “إيثان” بالغيرة بعد أن تفهَّم مقصده ورأى تلك اللمعة الما’كرة تضم عيناه، انحنى قليلًا نحوه وهمس إليه بنبرةٍ حا’دة يشوبها التحذ’ير:
_فكر ولو لثانية واحدة فقط بها في عـ.ـقلك وستراني أكسـ.ـر عظا’مك دون أن يرمُش لي جـ.ـفنٌ … وهذا ليس عطرًا نسا’ئي، إنها رائحة إحدى منتجات العناية الخاصة بالنسا’ء، لستُ أنا مَن يجعل امرأته تضع عطرٌ نسا’ئي حتى يهيـ.ـم بها أمثالك.
قهقه “إيثان” الأمر’يكي عاليًا بنصـ.ـرٍ بعد أن أستطاع إثا’رة غضـ.ـبه في غمضة عين، تاركًا عينان الآخر تأ’كله حـ.ـيًا؛ نظر لهُ “إيثان” الأمر’يكي بوجهٍ مبتسمٍ ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_حسنًا يا ر’جُل لِمَ الغضـ.ـب الآن، أنا أمزح فحسب، وعلى ذِكرها علمتُ أنكَ قد تزوجتها وأيضًا جلـ.ـبت مِنها طفلة جميلة مثلها، ماذا كان أسمها؟.
أنهى حديثه مدعيًا التفكير، ولكن الو’حش الماكث أمامه لم يمنحه الفرصة ليُفكر، قبـ.ـض على ياقة قميصه وزمجـ.ـر بغضـ.ـبٍ جام:
_لا تجعلني أقتـ.ـلك الآن أيها الوغد، لا تتجـ.ـرأ مرَّةٍ أُخرى وتُفكر بها، صدقني سأُ’نهي كُلّ شيءٍ ير’بطنا في غمضة عين، ولن أند’م على ذلك بعدها، أتفهمني يا حقيـ.ـر.
رفع “إيثان” الأمر’يكي ذراعيه للأعلى مستسـ.ـلمًا أمام زو’بعة غـ.ـضبه ثمّ قال:
_حسنًا حسنًا أهدأ يا ر’جُل، دعنا إذًا نتحدث عن العمل.
د’فعه “إيثان” بغضـ.ـبٍ وقال بنبرةٍ حا’دة:
_لا أُريد لقد أنتهى وقتي معك “إيثان”، فلتذهب الآن.
رمقه الآخر نظرةٍ ذات معنى ثمّ قال باستنكارٍ تام:
_ماذا؟ ماذا تعني بحديثك ذاك “إيثان”؟!.
_أنتهيت، فلتذهب الآن فلا أتحمّل أن أرى هذا الوجه المستفـ.ـز أمامي الآن حتى لا أفقـ.ـد السيطـ.ـرة على نفسي وأجعلك تخرُج مِن هُنا إلى المشفى.
استشعر “إيثان” الأمر’يكي خطو’رة كلماته ولذلك نهض واقفًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_حسنًا حسنًا سأذهب الآن، لا تغضـ.ـب.
بدأ يعود للخلف بخطى خـ.ـفيفة وعيناه مـ.ـثبتتان فوق “إيثان”، وحينما وصل إلى الباب أ’ختفى خلفه وكأنه لم يظهر، أخرج “إيثان” تنهيدة عميقة ونظر إلى باب المرحاض المغلق قليلًا، هدأ بعد مرور دقائق على ذهاب هذا الوغد ولذلك تحرّك نحوه بخطى ثابتة، فتح الباب ليُبصرها تجلس فوق المر’حاض وتُحرّك قدميها كالطفلة في الهو’اء بمـ.ـللٍ واضحٍ..
اقترب مِنها بخطى هادئة حتى توقّف أمامها مباشرةً دون أن يحيد بعيناه بعيدًا عنها، وقف أمامها ليس كر’جُلٍ يُفضّل أعماله، بل كر’جُلٍ عا’شقٍ؛ وتيرة أنفاسه صارت أهدأ ونظرة عيناه لا’نت بشكلٍ ملحوظ، رفعت هي حاجبها تر’شقه نظرةٍ مغتا’ظة ثمّ قالت بنبرةٍ حا’دة:
_تر’ميني نصف ساعة كالحمقاء داخل المرحاض “إيثان”، حقًا يا ر’جُل؟ لا أعلم كيف أشكرك على هذا الكرم حقًا.
لم يتحرّك إنشًا مِن مكانه، وكلماتها لم تؤ’ثر عليه أو على هذا القـ.ـلب الذي يلـ.ـين أمامها حتى وإن كان في أشـ.ـد الأوقات قسو’ة، مدّ ذراعيه وحاوط خصرها ثمّ أنزلها بخفةٍ، وقبل أن يفعل شيءٍ أبتعدت هي عنهُ بوجهٍ متجهـ.ـم وكأنه أر’تكب الجُر’م المشهود في حقها، تركته وخرجت دون أن تلتفت؛ وصوت حذاءها يضر’ب الأرض بعنـ.ـفٍ تحتها..
نظر هو إلى إثرها ثمّ أخرج تنهيدة طويلة، أخذ أغراضها التي ألقـ.ـتها بعدم أهتمامٍ ولَحِقَ بها، خرج ليراها تجلس فوق الأريكة الجـ.ـلدية تهز قدمها بعـ.ـنفٍ، تحرّك بهدوءٍ تجاه مكتبه يترك معطفها وحقيبتها فوق المقعد ثمّ اقترب مِنها بهدوءٍ وجلس أمامها القرفصاء، مدّ كفه وضمّ كفها الصغير دون أن يتحدث، وكأنه يستعد ليدخُل معر’كةً يعلم أنَّهُ سيخرُج مِنها خاسـ.ـرًا..
أخذ نفسًا طويلًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة، في محاولةٍ مِنْهُ ليشرح لها الأمر مِن وجهته هو هذه المرَّة:
_أعلم بأنكِ لا تُطـ.ـيقين النظر بوجهي الآن، وأن ما فعلته أغـ.ـضبكِ دون أن أشرح لكِ شيئًا، ولكن كُلّ ما سأقوله الآن لن يحتاج إلى الشرح، فقط سترينهُ في عيناي … “تكوى” أنا فعلتُ ذلك لأجل أن أُحافظ عليكِ مِن أعينٍ لا تعرف معنى المر’وءة ولا الر’حمة، مَن جاء هو نفسُه هذا الحقيـ.ـر، حينما ألتقيتما في المصـ.ـعد وبدأ هو يُغازلكِ، هو مَن كان يجلس أمامي قبل دقائق وقمتُ أنا بطـ.ـرده بعد أن بدأ يقول ويتخيّلكِ بكُلّ وقا’حة، هذا العطر الذي تضعينه … الخاص بتلك العـ.ـينات الخاصة بالنسا’ء، تلك الرائحة جعلته يُهـ.ـيم لثوانٍ وهو أمامي أتُدركين ما أقوله، وأنا لم أحتمل لحظة وبدأتُ أوبخه بعد أن تمـ.ـلّك مِني غضـ.ـبي، بحق الله كيف تُريديني أن أكون هادئًا الآن..
أخرج تنهيدة عميقة مخـ.ـتنقة بعد أن بدأ غـ.ـضبه يتمـ.ـلّك مِنْهُ مجددًا، أغمض عيناه وحاول السيطـ.ـرةُ على نفسه قبل أن يفعل شيئًا قد يند’م عليه فيما بعد، نظر إليها بنظرةٍ حملت مشاعر متخبـ.ـطةً ثمّ شـ.ـدّ على قبضته برفقٍ وقال:
_وأنتِ جئتي لتُريني فستانكِ الجديد، وهو في الخارج ينتظر فقط أن أفتح الباب حتى تجوب عيناه في أنحاء المكتب وتلتقط أنفه رائحة أ’نثى، حتى يبدأ في توا’قحه معي كما هو المعتاد، أنظري لنفسك قليلًا “تكوى”، هذا الفستان لا ينبغي لأحدٍ أن يراه سواي، وحدي أنا مَن يمـ.ـلُك الحق في ذلك لا غيري، فأنتِ زوجتي؛ وإن كُنتي حزينة لأنني جعلتكِ تجلسين في المرحاض فهذا لأنني أُحبك يا امرأة، ولا أطيـ.ـق أن تراكِ عينان أُخرى بأعجابٍ غيري، أنا أغار وبشـ.ـدة “تكوى”، وتلك الغيرة هي جزءٌ منا، وأنا كقو’س و’تر؛ أهيـ.ـم في حُبك كأرضٍ ترويها الأمطار، وأحتر’ق مِن شـ.ـدة غيرتي عليكِ، فلا أحد يمـ.ـلُك الحق في التمعن بجمالكِ غيري.
لا’نت نبرته في الأخير حتى أصبحت نبرة ر’جُلٍ عا’شقٍ، لمعة حُبّه لها كانت واضحةً في مُقلتيه وكأنهُ يُعلنها صراحةً، رفع كفها ولثمه بحنوٍ ثمّ أبتسم دون أن يتحدث ويحيـ.ـد عيناه بعيدًا عنها، بينما شـ.ـدّت هي فوق كفه وكأنها تتعـ.ـلّق بطو’ق نجا’تها، ترقرق الدمع في عيناها وخـ.ـفق قلبها بعنـ.ـفٍ في صد’رها عشـ.ـقًا لهُ..
ارتسمت بسمتُها فوق فمها ولم تستطع أن تمنـ.ـع نفسها مِن ضمِّه، ار’تمت بأحضانه تلـ.ـف ذراعيها حول عُنـ.ـقه مبتسمة الوجه، بينما استقبلها هو بترحابٍ شـ.ـديدٍ مبتسمًا دون أن يتحدث، فقط ترك نفسُه يلُـ.ـذ بتلك اللحظة الهادئة بينهما، ففي الأخير أنتصـ.ـر هو عليها كما يفعل دومًا.
_______________________________
<“لم يكُن الطريق سهلًا عليهم البتة.”>
كانت طرقات المدينة تعـ.ـج بالسيارات، أصوات أبواقها يعلـ.ـو بشكلٍ مستفـ.ـزٍ يُثيـ.ـر غضـ.ـب بعض السائقين، ولكن حينما ترى تكد’س طرقات المدينة بتلك السيارات، فلا تستطيع أن ترى مشاعر مرءٍ يُصا’رع ذاته كي يظل جا’مدًا أمام الجميع..
توقّفت سيارة سو’دا’ء ذات ماركة شهيرة بالقرب مِن محيط سيارة أُخرى حمـ.ـراء اللو’ن، ترجّل “إقدام” أولًا يليه “چيچي”، بينما ظلّ “شـهاب” في مكانه ساكنًا، عيناه مـ.ـثبتتةً فوق سيارة أخيه، وقـ.ـلبه يخـ.ـفق بجـ.ـنونٍ داخل صدره وكأن طبو’ل حر’بٍ تُطرق، لم يتحرّك؛ في حين أن “إقدام” ألتفت إليه بعد أن شَعَر بهِ..
ببطءٍ ترجّل “شـهاب” مِن سيارته، حالة مِن الهدوء القا’تل هي مَن تُسيطـ.ـر عليه وكأنه يُقدم على تفجيـ.ـر لغـ.ـمٍ لا أكثر، بدأ يقترب مِن سيارة أخيه بخطى بطيئة وعيناه تشملها بنظرةٍ متحفظة، وكأنه يقترب مِن و’حشٍ سيقـ.ـضي عليه في أي لحظة، بينما لم تهتم “چيچي” بذلك بل دارت حول السيارة تشملها بنظرةٍ سريعة حتى توقّفت أمام الباب الخاص بالمقعد المجاور لمقعد السائق، رأت جر’حًا واضحًا يظهر بجوار الباب وفوقه..
_أوه، العربية متجر’حة، شكلها مخبو’طة.
هكذا استطاعت كلماتها أن تجذ’ب إنتباههم، تقدّم “إقدام” مِنها وعيناه مـ.ـثبتتةً فوق هذا الجر’ح الواضح، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_كدا الموضوع أتعقـ.ـد أكتر، حصل بينه وبين الطر’ف التاني مطا’ردة عـ.ـنيفة، لحد ما وقف بيه الحال للمكان دا.
نظرت “چيچي” إلى “شـهاب” الذي كان يقف جا’مدًا في مكانه لا يظهر عليع أيّ تأ’ثرٍ، ثمّ اقتربت مِنْهُ وقالت بنبرةٍ هادئة تمُد إليه كفها:
_مِن بعد إذنك، المفتاح.
أخرج المفتاح بهدوءٍ مُـ.ـريب يُثيـ.ـر شـ.ـكوك مَن حوله وأعطاه إليها، بينما اقتربت هي مِن السيارة ثمّ فتحتها، جلست فوق مقعد السائق وأ’لقت بحقيبتها فوق المقعد المجاور وبدأت تفحـ.ـصها بد’قةٍ با’لغة تُحسـ.ـد عليها، بينما كان “إقدام” يقف بجانب رفيقه ينظران إليها بهدوءٍ، لم تترك “چيچي” إنشًا بها إلّا وفحـ.ـصتها، حتى ألتفتت وو’قعت عيناها فوق الكاميرا الصغيرة المُر’كّبة فوق اللو’ح الزجا’جي..
نظرت لها قليلًا ثمّ ترجّلت مِن السيارة وقالت بنبرةٍ هادئة مشيرةً نحوها:
_الكاميرا … الكاميرا لسه بتصوّر، دا معناه إنها صوّرت كُلّ حاجة حصلت، لاز’م نعرف اللي جوّ’اها دلوقتي حالًا.
وضع “إقدام” كفه فوق كتف رفيقه ثمّ شـ.ـدّ عليه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_يلّا يا “شـهاب”، تما’سك لأجل أخوك لاز’م الجا’ني يتجا’ب.
أغمض “شـهاب” عيناه بعنـ.ـفٍ وقبـ.ـض على كفه مشد’دًا عليها وكأنه يُصا’رع أصواتًا دا’خلية عالية لا تتوقّف، أخرج زفيرة بطـ.ـيئة مثقـ.ـلةً بالأ’لم ثمّ خطّ بهدوءٍ نحوها، فتح الباب الخلفي وجلس فوق الأريكة بهدوءٍ، أ’لقى نظرة سريعة على الكاميرا فوقه ليرى بها مسـ.ـح الكود يجب إدخا’له أولًا، أخرج هاتفه ثمّ قام بفتح التطبيق الخاص بالكاميرا وأشهره فوق الرسمة المعقـ.ـدة ليرى الكاميرا تمسـ.ـح الكود بهدوءٍ..
بينما كان “إقدام” و “چيچي” يُتابعانه بترقبٍ وحذ’رٍ شـ.ـديدين، ولكن لم يفلح الأمر مع “شـهاب” ليُعيد تكرار الأمر ولكنها كذلك باءت بالفشـ.ـل، تنغض جبين “شـهاب” بتعجبٍ ثمّ بدأ يبحث عن نوع الكاميرا لمعرفة كيف يتم إختر’اقها، دقائق فقط كان يحتاجها ليُطلق زفيرة طويلة يا’ئسة، ترقّب “إقدام” أفعاله حينما مسح فوق وجهه بضيـ.ـقٍ، فقال متحفـ.ـزًا:
_في إيه يا رفيقي، الكاميرا با’ظت ولا إيه؟.
لحظات قليلة ورفع “شـهاب” رأسه ينظر إلى “إقدام” قائلًا بيأ’سٍ:
_للأسف، لاز’م موبايل “شُكري” نفسُه … محتاج الإيميـ.ـل والباسو’رد بتاعه عشان أقدر أدخل أنا عليها وأشوف الد’اتا المتخز’نة فيها.
بدأ كُلًّا مِنهما يُبدي عن يا’ئسه بعد أن اضحت تتعقّـ.ـد أمامهم أكثر فأكثر، زفرت “چيچي” وقالت بنبرةٍ حا’دة:
_دا اللي كان نا’قصنا، وأكيد أنتَ متعرفش الباسو’رد بتاع أخوك، إيه الحظ دا … يا اللّٰه.
ألتزم “شـهاب” الصمت وعقله مازال يُفكر في الأمر، في محاولةٍ مِنْهُ لتذكُر أيُّ شيءٍ يتعلّـ.ـق بأخيه، بينما صدح رنين هاتف “إقدام” بمكالمةٍ مِن مساعده المقرّب، جاوبه بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_قول أخبارك يا “أسامة”.
أستمع “إقدام” إلى مساعده الذي أملى عليه آخر الأخبار التي توّصلوا لها، نظر إلى “شـهاب” متجمـ.ـدًا؛ عيناه لمعت ببر’يقٍ مِن الأمل ولذلك أبتسم وشكره، نظرت لهُ “چيچي” مترقبةً بينما شملهم هو بعيناه ثمّ قال بنبرةٍ يشوبها الأمل:
_قدرنا نحدد خط سيره يا رفيقي، عرفنا “شُكري” أتحرّك منين وراح فين كاميرات الطر’ق لقـ.ـطته ولقـ.ـطت نِمـ.ـرة العربية اللي كانت بتلا’حقه، تفائل يا رفيقي الجا’ني بيقـ.ـع فالمصيـ.ـدة واحدة واحدة.
تحدثت “چيچي” بفرحةٍ لم تستطع إخفا’ءها قائلةً:
_حلو أوي، نقدر نتحرّك دلوقتي؟.
نظر إليها “إقدام” وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_أكيد طبعًا، هخلّي الشبا’ب ياخدوا العربية ويتحـ.ـفظوا عليها لحد ما نعرف طريق نقدر مِن خلاله نوصل لد’اتا الكاميرا، دلوقتي هنتحرّك على مركز الأ’من عشان نشوف خط السير بدأ منين بالظبط وإيه اللي حصل مع “شُكري”.
في تلك اللحظة ابتسمت “چيچي” ولمعت عيناها بالأمل، وبتلقائية نظرت إلى “شـهاب” الذي رفع رأسه بهدوءٍ شـ.ـديدٍ ونظر في عينان رفيقه دون أن يتحدث، ولكنهُ لم يستطع أن يُخـ.ـفي تلك اللمـ.ـعة البرّ’اقة التي نبـ.ـضت بالفرح والأمل، فمهما أشتـ.ـدت الصعا’ب فستجد اللّٰه معكَ دومًا.
