رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وثمانية
في قانون الممَالِيك خيا’نةُ الملِك تجلِبُ اللعـ.ـنةَ على المَملكة..
هكذا عُرف منذ قديم الأزل عن الخيا’نة، فهي لم تكُن يومًا رمزًا للشـ.ـرف والتباهي بهِ، هي في سِماها لعـ.ـنة تَحل على الجميع، ولكن في قانونا الحالي أصبحت الخيا’نة عر’قًا في أجسا’د آلاف البشر حتى وإن كانوا كالملاك في وجهك..
مئات البشر أضحو ضـ.ـحيةً للخيا’نة بمختلف مُسمياتها، سواء كانت علا’قة غـ.ـرامية أو صداقة أو حتى عائلة، الخا’ئنين لا يُفرقون بين الأحباب والغرباء، فإن كُنت كالشو’كة في حلقه فستُنز’ع لأجل الوصول إلى غايته، وأنت لا شيء إلّا ضـ.ـحية لشـ.ـرورهم..
<“دقائق قصيرة جمعت قلوب صا’فية.”>
في قصر عائلة آل دمنهوري..
كانت رائحة الطعام تنتشـ.ـر بسرعةٍ فائقةٍ، كانتشار النا’ر في الهـ.ـشيم؛ أخرج “ليل” الحفيد الصينية الزجا’جية بعد أن نضج الطعام وداعبت رائحته بطونهم قبل اُنوفهم، وضعها أمام جده وهو يقول بمرحٍ:
_صُنع إيدينا يا جدي، شوف وملي عينك.
نظر إليها “ليل” الجد برضا وابتسامة هادئة مرسومة فوق فمه وقال:
_إحنا مش قليلين برضوا ياض، مش أنا اللي عاملها.
ضحك حفيده على كلماته ومازحه بقوله:
_طبعًا يا جدي وهو حد يقدر يقول غير كدا.
جلب صحن السلطة والأشو’اك وجلس أمام جده وبدأ في تقطـ.ـيعها، اعتدل “حُذيفة” في جلسته وهو يلتزم الصمت منذ عودته مِن المديرية، فنظر إليه جده نظرة ر’جُلٍ لا تُخطـ.ـي ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_مالك يا “حُذيفة”، مِن ساعة ما رجعت وأنتَ ساكت ومبتتكلمش، إيه اللي شاغل تفكيرك طول الوقت.
خرج “حُذيفة” مِن شروده ونظر إلى جده بنظرة لا يُخـ.ـطئها بشرًا قط، نظرة تائهة ومتو’ترة تفضـ.ـح حر’بًا طا’حنة غير مرئية، أخرج تنهيدة قصيرة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_خا’يف على “رمزي” أوي يا جدي، مش قادر أبطّل تفكير فيه ولا قادر أتخطـ.ـى اللي بيحصل، مِن ساعة ما سيبته وجيت وأنا مش عارف أرتاح.
أنتبه ابن عمّته لحديثه ولذلك نظر إليه بشـ.ـدة وكأنه يستنكـ.ـر ما ألتقطته أُذنيه، بينما اعتدل الجد في جلسته ونظر إلى حفيده نظرةٍ ذات معنى ثُم قال:
_صحيح عملت إيه فالموضوع دا، أحكيلي حابب أعرف بما إنُه يهمك أوي كدا.
نظر إليه “حُذيفة” نظرةٍ متحفـ.ـزةٍ ولم يتحدث، فاهتمام جده قد فاجئه بلا شـ.ـك، ولكن حينما فكّر قليلًا بينه وبين نفسه وجد الأصلح أن يُخبر جده فدومًا يمـ.ـلُك الحلول والخـ.ـطط لحل معـ.ـضلة غيره مهما كانت، ولذلك أخذ نفسًا عميقًا ثُم نظر إليه وقال:
_الموضوع باختصار إني بعد ما قفـ.ـلت معاك ورايح مكتبي سمعت “غريب” و “راجي” بيتوشوشوا فالمكتب، غصـ.ـب عني فضولي خدني أعرف بيقولوا إيه فعرفت إن في واحد بلّـ.ـغ عن “رمزي” أ’من الدو’لة وهما هيروحوا علشان ياخدوه فأنا اتصدمت ومكُنتش دريان بأي حاجة حواليا كُلّ اللي عملته إني كلمت “لؤي” علشان يتصرف قبل ما يطـ.ـبوا عليه، لأنُه لو لبـ.ـسها المرَّة دي مش هيخرج مِنها وعنده طفلين واحدة لسه سنة والتاني كام شهر..
_لمَ وصلت الحارة هناك وطلعت لقيتهم قا’لبين الدُنيا حرفيًا، بنته كانت خا’يفة أوي ومش فاهمة حاجة، كُلّ اللي كانت عايزاه حضنه هو علشان تحسّ بالأ’مان وفعلًا هي متعـ.ـلقة بيه أوي، وهي اللي خلّتني أتحرك بالسرعة دي علشان فكّرت فيها قبله، هما ساعتها كانوا عايزين يفتـ.ـشوا أوضة نومه وأنا وقفت فوشهم ومنـ.ـعت تفتـ.ـيشها وحضرتك عارف كويس ليه، شـ.ـديت قصادهم فـ “غريب” استحلفلي..
_مين اللي استحلفلك بر’وح اُمه؟
نظرا سويًا إلى “ليل” الحفيد الذي ترك السـ.ـكين ومال للأمام قليلًا وهو ينظر إلى ابن خاله نظرةٍ يملؤها الشـ.ـر، فنظر الجد إلى “حُذيفة” بطرف عينه منتظرًا إجابته مبتسمًا، فالآن هو عَلِمَ مستقبل “غريب” المجهو’ل كيف سينتهي..
بينما أخرج “حُذيفة” تنهيدة عميقة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_”غريب”، أزاي أقف فوشه وأعـ.ـطّله شغله، أنا وقفت قصاده علشان أنا مش هقبل حاجة زي دي على نفسي وقبل ما أكون ظابط أنا بني آدم وعندي نخـ.ـوة وعارف الأصول بتقول إيه..
_ولمَ هو أستحلفلك سيادتك عملت إيه بقى؟
هكذا بتـ.ـر “ليل” حديث ابن خاله وهو يضع السـ.ـكين أمامه كتهـ.ـديدٍ غير مباشر، فقط إجابة رفيقه هي مَن ستُنهي كُلّ شيءٍ الآن، وصدقًا هو لم يتأخر في إعطاءها إليه فقال بنبرةٍ ثابتةٍ:
_طلعتله الكارنيه وعرّفته أنا مين وابن مين وحفيد مين وأقدر أعمل أنا إيه فيه بمنتهى الهدوء.
هزّ “ليل” الحفيد رأسه مستحسنًا فعل رفيقه، فلمعت عيناه بفخرٍ لم ينطق بهِ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_جدع، وهو بسلامته عمل إيه، أكيد معدهاش بالساهل ميبقاش “غريب”.
أبتسم “حُذيفة” أبتسامة هادئة فوق فمه ثُم اعتدل في جلسته وقال:
_ودا حصل، حلف ليعتـ.ـقل “رمـزي” وهير’ميه فأعـ.ـفن زنز’انة وليه وليه علشان شاف مراته ماسكة إيده، فثانية عمل حوار معرفش عمله أمتى وأزاي مخلصش غير وأنا بطـ.ـرده بشياكة.
اتسعت الابتسامة فوق فم “ليل” الحفيد بعد أن نال هذا الحقيـ.ـر جـ.ـزاءه على يَد ابن خاله وقال بفخرٍ:
_حفيد لوا بصحيح.
نظر إلى جده وأشار لهُ قائلًا:
_وتقول خا’يف عليه، أنتَ تخا’ف على اللي بيقـ.ـع تحت إيديه، شوف نظرة عيونه فيها ما يكفي مِن الخـ.ـبث والمكـ.ـر، بس هو مخبـ.ـي كُلّ دا ورا الشيخ الطيب، خد’عة بصرية أديها ١٠ مِن ١٠.
ضحك “حُذيفة” على كلمات ابن عمّته ثُم مازحه بكلماتٍ مشا’كسة:
_هنورثها منين يعني، جدك اللّٰه أكبر عليه بصراحة، مخلّيني أدخل فاللي قدامي بقلـ.ـب جامد.
ضحك الجد ومدّ كفه يُربّت فوق ظهر حفيده وقال:
_أنتم مش أي حد برضوا، يكفي بس تذكر أسمي هتلاقي اللي قدامك هيها’بك مش علشاني، علشان أنتَ حفيدي، يعني وا’رث حاجات مِن جدك فطبيعي هتكون زيه.
مدّ “ليل” الحفيد الصحن تجاه جده وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_واللّٰهِ يا جدي الواحد بيفتخر بيك حتى مِن غير حاجة، يكفي إنك قدوة.
ولج “عُمير” بهدوءٍ وهو يُمازحهم بقوله مبتسمًا:
_إيه الروايح الحلوة دي، أنتم هتاكلوا مِن غيري لأ كدا أنا هز’عل وهاخد على خاطري أوي.
أتجهت الأنظار نحوه في لحظتها، وجاء الرد مِن “حُذيفة” الذي جذ’ب مقعدًا جواره وقال مبتسمًا:
_متحلاش غير بيك يا “عمورتي”، بصراحة هو اللي عاملها الواد دا فلو حصل حاجة واتسـ.ـممنا فهو اللي هيكون مسئول.
_لأ يا حبيب قلبي جدي مشاركني فتحضيرها، أنا مش هشـ.ـيلها لوحدي متحلموش أنا لو و’قعت هسحب الرا’جل الطيب دا معايا.
هكذا قام “ليل” الحفيد بالد’فاع عن نفسه مشيرًا تجاه جده الذي أبتسم دون أن يتحدث، اتجهت الأنظار نحوه في لحظة عمَّ فيها الصمت بينهم ثُم جاء قول “عُمير” ممازحًا إياه:
_لأ إذا كان كدا يبقى عادي، لو على جدي فإحنا مسامحين.
_وأنا ابن *** مش كدا؟ طب هات طبق المكرونة دا وروح خلّي مراتك تأكلك يا رو’ح اُمك طالما بدأتها معايا بقـ.ـلة أد’ب.
سحب “ليل” الصحن مِن أمامه ونظر إليه بشـ.ـرٍ دون أن يضيف حرفًا آخر، فنظر إليه “عُمير” مذهولًا ثُم مال بنصفه العلوي للأمام فوق الطاولة وسحب صحنه قائلًا بنبرةٍ ساخرةٍ:
_هاكل غصـ.ـب عنك، وطفا’سة فالأكل مش عايز أنا لو هاكلها فعلشان جدي مش علشانك يا فا’شل.
_أنا فا’شل يا قليل الأد’ب ..!!.
ترك “ليل” ما بيده بعدما صاح في وجهه بصدمةٍ حقيقية، ثُم على حين غـ.ـرة ها’جمه وبدأ يجذ’ب الصحن مِنْهُ مسد’دًا لهُ الضر’بات في أنحاءٍ مختلفة، فبدا الأمر كمشا’جرة الأطفال في الروضة على الحلوى، زفر الجد زفيرة عميقة ثُم اعتدل في جلسته ونظر إلى “حُذيفة” بطرف عينه بقلة حيلة دون أن يتحدث..
_بنتي جايبالي بلطـ.ـجي اُقسم باللّٰه، دا مش منظر واحد حفيد لوا دا أخره بيّا’ع سجا’ير عالناصية.
أبتسم “حُذيفة” بزاوية فمه وهو ينظر إلى ابن عمّته الذي قرر أن يُقيم الحـ.ـد على رفيقهم، فوافق على قول جده بقوله:
_واللّٰهِ يا جدي ولا يجيبهم، دا مِن كُتر قُعاده مع “يوسـف” بقى نُسخة مُصغّرة مِنُه، ناقـ.ـصله مطـ.ـوة ويبقى هو.
نظر إليه “ليل” الجد نظرةٍ ذات معنى ثُم قال:
_أنتَ هتقولي، أتعاملت معاه قبل كدا، بس الشهادة للّٰه واد جدع وابن أصو’ل، يعجبني فيه تفكيره ونظرته للناس، مش سهل يضحك عليه.
وافقه “حُذيفة” قوله وأضاف عليه:
_و “رمـزي” كمان يا جدي، صحيح أنتَ مشوفتهوش قبل كدا ولا أتعاملت معاه بس صدقني طيب أوي، ووشه فيه قبول غريب.
أبتسم الجد ونظر إليه نظرةٍ ذات معنى وقال:
_الناس دي يا “حُذيفة” تمـ.ـسك فيها بإيدك وسنا’نك ومتفـ.ـرطش فيهم مهما حصل، علشان قليل ما هتلاقيهم بجد ولو راحوا مبيتعوضوش، إحنا بقينا فزمن الغد’ر مبير’حمش فيه حد، فنصيحتي ليك أوعى تفـ.ـرّط فيه مهما حصل.
أبتسم “حُذيفة” ابتسامة خفيفة وهزّ رأسه برفقٍ يوافقه القول بقوله:
_عندك حق يا جدي، صحيح عرفته فصدفة غريبة بس عرفت ساعتها إنُه بر’يء مِن غير ما أسمعه، بس برضوا أنا خا’يف عليه ومش مطمن، حاسس إن في حاجة تانية هتحصل معرفش إيه هي.
وقبل أن يتحدث “ليل” الجد ويُطمئنه كانت صيـ.ـحات الشا’بين تعلو في المكان تقطـ.ـع أيّ أحاديثٍ أُخرى تُقال، نظرا لهما حيث كانا لا يزالان يتشا’جران على الصحن منذ بداية الجلسة:
_يا عمّ متخلنيش أحلف ما أنتَ ما’دد إيدك فيها.
_طب وريني هتحلف أزاي علشان أو’قعلك حلفانك وأخليك تصوم ٣ أيام.
نظر الجد لهما بنظرةٍ حا’دةٍ كالسيـ.ـف ثُم قال بنبرةٍ صار’مة:
_وبعدين بقى فشغل العيال بتاعكم دا.
تجاهلهما “حُذيفة” ووجّه حديثه إلى جده حينما قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أعمل إيه طيب يا جدي فخو’في دا، مشـ.ـكلتي إني لو قـ.ـلقت على حد إحساسي بيطلع صح.
نظر إليه جده ثُم مدّ كفه وأمسك بكف حفيده وقال:
_طب أنا هقولك على حاجة حلوة، أنتَ عليك تعرف مين اللي بلّـ.ـغ عنُه وأنا عليّا أقدمله الد’عم والحما’ية الكافية لِيه، إيه رأيك فالديل دا؟
فكّر “حُذيفة” في حديث جده بشكلٍ أكثر جديّة بينه وبين نفسه أولًا قبل أن يُبدي بأيّ ردٍ، فهذا مصير عائلة بأكملها وليس “رمـزي” فحسب، بينما عاد “ليل” الجد ينظر إلى حفيديه مِن جديد بحد’ة حينما أشتـ.ـد الشجا’ر بينهم لينتصـ.ـب واقفًا كالرصا’صة مكانه ثُم شـ.ـدّ الصحن مِن حفيده الأكبر وقال بنبرةٍ غا’ضبة:
_ما أنا مخلصش مِن “مُعاذ” تطلعلي أنتَ أنا مش نا’قصكم بجد.
عمَّ الصمت فجأة بينهم حينما صر’خ الجد، النظرات هي التي كانت تقول ما لا ينطقه الفم، ولكن في حضرة الحفيد الكبير تُكسـ.ـر القوانين، نظر إلى جده واحتج على كلماته بقوله:
_لأ معلش بقى لحد هنا وستوب، متحطنيش أنا و “مُعاذ” فخا’نة واحدة.
_وماله “مُعاذ” بقى بسلامتك يا حبيب اُمك، هو أنتَ تطول يالا.
ألتفتوا جميعهم تجاه الصوت الذي اختر’ق هذا الشجا’ر المحتـ.ـد’م بينهم، ولم يكُن هذا سوى “مُعاذ” الذي وقف فوق عتبة المطبخ ونظر إليه بعدم رضا وشـ.ـرٍ د’فينٍ لم يخرج بعد، وقبل أن ينشـ.ـب صر’اعًا آخر أخرج “حُذيفة” تنهيدة طويلة وعميقة ثُم تركهم وخرج والضيـ.ـق يضم صدره..
نظر لهم “ليل” الجد بغضـ.ـبٍ ثُم قال:
_على فكرة أنتم مهز’قين علشان هو مضا’يق ومخنو’ق وأنتم عمّالين تتخا’نقوا.
لم يُمهلهم الفرصة بعد ذلك وخرج؛ لَحِقَ بحفيده دون أن يترُك الفرصة لأحدهم للرد عليه، وتركهم ينظرون في إثره؛ ثبّت “ليل” عيناه على إثر رفيقه وتمتم بنبرةٍ هادئةٍ للغاية:
_إيه اللي أنا عملته دا بجد، “حُذيفة” شكله مضا’يق أوي فعلًا مش على طبيعته مِن الصبح.
نظر إليه “عُمير” نظرةٍ ذات معنى ثُم قال بنبرةٍ متسائلةٍ:
_هو أنتم متخا’نقين ولا حاجة؟
نفـ.ـىٰ “ليل” سؤاله بهزّة خفيفة مِن رأسه دون أن يتحدث، فتنغض جبين “عُمير” ونظر في إثر رفيقه وهو يُفكر فيه، بينما اقترب “ليل” الجد مِن حفيده الذي جلس في الحديقة واليأ’س يتمـ.ـلّك مِنْهُ، جلس فوق المقعد الخشـ.ـبي إلى جواره بهدوءٍ تام ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_فكّرت فالديل اللي قولتلك عليه.
رفع “حُذيفة” رأسه ونظر إليه بهدوءٍ ظاهريٍ، ولكن في عيناه نشـ.ـبت الحر’ب وبدأ النز’اع بين القلب والعقل، وهذا كان سهلًا على “ليل” الجد رؤيته، مدّ كفه وأمسك كف حفيده وأكّد على كلماته السابقة مِن جديد:
_أنا عارف إنك بتعز صاحبك وحقك تخا’ف عليه، بس مفيش حاجة خطـ.ـر عليه دلوقتي غير اللي بيلـ.ـف حواليه وعايز يو’قعه.
تأمل “حُذيفة” النظر إلى جده قليلًا دون أن يتحدث، وكأنه يزن الكلمات أولًا في رأسه قبل أن يُعطيه الرد النهائي، ولكن لا وقت للتفكير لديه الآن ولذلك هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_موافق يا جدي.
______________________________
<“في الوقت الذي تجا’هل العالم صر’خة البر’يء،
كان الأمر مرهو’نٌ على أسـ.ـدٍ جر’يح.”>
في أشـ.ـد كُر’بات المرء تُعمـ.ـىٰ أعين العالم،
حين تعلو صر’خة النجـ.ـاة لا شيء يتردد في أرجاء العالم سوى صداها، فيسـ.ـد العالم أُذنيه عن البر’اءة ويبقى إثر الشر في الرو’ح لا يز’ول، وكان الأمر مرهو’نٌ على أسـ.ـدٍ جر’يح..
في مركز الأ’من،
كان “إقدام” يجلس في مكتبه يتابع آخر ما توصلوا إليه بتركيزٍ تام، فالآن قضـ.ـية “شُكري” أصبحت تحـ.ـدٍ صعـ.ـبٍ عليهم ويجب ربحه بأي ثمـ.ـنٍ كان، أرتشف مِن كوبه القليل مِن القهوة ورفع رأسه ينظر إلى الوافد الذي أطلّ عليه بهدوءه المعتاد قائلًا:
_متواخذنيش، نسيت أخبـ.ـط قبل ما أدخل.
نهض “إقدام” فورًا وأشار إليه تجاه المقعد قائلًا بترحابٍ:
_أتفضل يا حضرة النائب ولا يهمك.
أغلق “طلعت” الباب خلفه واقترب بخطى هادئة وجلس فوق المقعد أمامه دون أن يتحدث، بينما جلس “إقدام” وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_إن شاء اللّٰه خير.
تحدث “طلعت” بنبرةٍ هادئةٍ بقوله الرزين:
_أنا طلبت التحـ.ـقيق مع “إسلام”، الشبا’ب لمَ راحوا البيت وفتـ.ـشوه لقوا مو’اد مُخد’رة دا’فنها تحت البلا’ط علشان يبعد عنُه الشُـ.ـبهات، فاكر نفسُه ذكي بجلالته وطبعًا مسـ.ـلمناش مِن تبريرات أهله فخدناها وحـ.ـللناها وأثبـ.ـتنالهم إنها مخد’رات، بس أنا حطيت مبدأ إفترا’ضي للحا’دثة دي معرفش إذا كانت صحيحة ولا لأ بس فالآخر مجرّد أحتمال.
نظر إليه “إقدام” بجديّة تامة بعد أن أستطاع “طلعت” أن يجذ’ب كامل تركيزه لهُ وقال:
_دا بجد، طيب أحكي قول يمكن افتراضياتك تكون صح ونقدر نمـ.ـسك عليه حاجة الوا’طي دا.
اعتدل “طلعت” في جلسته ونظر بتمعنٍ لهُ وقال بنبرةٍ جادة:
_”إسلام” بيتا’جر وبيتعا’طى المُخد’رات، كُلّه بيتم بسـ.ـريّة تامة زي ما بيسموها هما أصو’ل الشغلانة، الشغل بيبدأ مِن ٢ بعد نُص الليل فالطُرق المقطو’عة أو اللي الحركة فيها مش كتير بيدخلوا عُملة صـ.ـعبة والتعامُل فالشغل دا بيكون بالد’ولار، لمَ فتـ.ـشنا البيت ولقينا كمية مِنها خدناها للمعمـ.ـل الجـ.ـنائي وطبعًا أتأكدنا وطلعت مخد’رات، طلبت مِن الشبا’ب ياخدوا عـ.ـينة مِنُه علشان نتأكد..
_طبعًا كُلّ دا أنا متأكد مِنُه بس هي دي شغلانتنا ولازم يكون في أد’لة واضحة تثـ.ـبت كلامنا، طبعًا أنا معرفش إيه اللي لـ.ـم الاتنين على بعض، يعني إفا’دة اُمه بتقول إن علا’قتهم ببعض متو’ترة يعني مستحيـ.ـل حاجة تجمعهم ببعض الاتنين عاملين زي السما والأرض مبيجتمعوش، بحاول ألاقي منطق بس مش عارف يعني أمتى طا’رده وإيه الد’افع يلي خلّاه عايز يقتـ.ـله، لازم نسمع مِن “شُكري” لأن الحدوتة كُلّها عنده.
فكّر “إقدام” في حديثه قليلًا بعدها وكأنه لا يقتنع، فحتى الآن لم يتوصلوا للسبب الر’ئيسي الذي أدى للقتـ.ـل العمـ.ـد، فالقـ.ـضية لم تعُد جـ.ـنائية بعد الآن بل أصبحت حديث الرأي العام وشوارع البلدة بأكملها..
نظر إلى النائب “طلعت” نظرةٍ ذات معنى بها دلالاتٍ كثيرة لم تُثـ.ـبت بعد، ولكن لا حـ.ـرج مِن وضع بعض السيناريوهات لتلك الحا’دثة:
_يمكن “إسلام” را’قب “شُكري” لفترة محدودة قبل ما يبدأ تنفيـ.ـذ الجر’يمة، عرف عنُه كُلّ حاجة وبدأ ينفـ.ـذ جر’يمته، أكيد حاول يلبـ.ـسه معاه بأي طريقة بس فشـ.ـل بعدها أتجـ.ـنن لأنه فشـ.ـل فإنه يشـ.ـد “شُكري” لطريقه قام قرر يستخدم العنـ.ـف ضـ.ـده، يمكن مكانش مخـ.ـطط يقـ.ـتله بس أحيانًا العنـ.ـف الزايد بيجيب طريق مقفو’ل وهو القـ.ـتل … دا رأيي ويمكن يكون غير صحيح كُلّه جايز.
_واللّٰهِ كلامك منطقي ووارد يكون حصل، مفيش حاجة بقت بعيدة ولا مستحـ.ـيلة فالزمن دا، طيب أنا هحـ.ـقق معاه وأنتَ تابع مع “شـهاب” بشكل دوري وإذا حصل أي جديد تبلـ.ـغني فورًا.
استقام “طلعت” على قديمه بعد أن أنهى حديثه وهو ينظر إلى “إقدام” الذي وقف كذلك وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أمرك يا حضرة النائب.
خرج “طلعت” بهدوءٍ كما دخل تاركًا “إقدام” ينظر إلى إثره بمـ.ـللٍ، جلس مِن جديد بجـ.ـسدٍ مُر’هقٍ وقال بنبرةٍ خافتة:
_يا ربي دا اللي كان نا’قصني، إيه دا.
مسح فوق وجهه قليلًا مرورًا بخصلا’ته وهو يشمل الأوراق المتنا’ثرة أمامه، فلم يعُد قادرًا على مواصلة عمله فقد استُنفـ.ـذت طاقته بالكامل في الركض هنا وهناك طيلة اليوم، سحب هاتفه بهدوءٍ مِن أمامه وعبـ.ـث بهِ قليلًا منتظرًا تلقّي الإجابة مِن الطرف الآخر..
في المشفى،
كان “شـهاب” يجلس أمام غرفة أخيه شارد الذهن، الإرها’ق أصبح جزءًا لا يتجزأ مِنْهُ؛ أهمـ.ـل صحته ومظهره وكُلّ شيءٍ بهِ أصبح فوضا’وي حتى قلبه الذي دومًا نبـ.ـض بالد’فء اليوم أنطـ.ـفأ د’فئه وسـ.ـكنه البرودة، كان يسند رأسه فوق الجدار خلفه ويُغمض عيناه، ولكن عقله ظلّ متيقظًا لأيّ حركة تحدث حوله..
كان الطقس باردًا بشـ.ـدة حوله، فبرغم ملابسه الثقيـ.ـلة التي كان يرتديها كان جسـ.ـده يرتجف بين الفينة والأخرى، ولكن لمـ.ـسة نا’عمة حنونة أعادته إلى أرض الوا’قع مِن جديد، فتح عيناه فجأةً بز’عرٍ ظنًّا مِنْهُ أن مكـ.ـروهًا قد أصا’ب أخيه، ليجد أنها لم تكُن سوى “مَرْيَم” التي منحته ابتسامة هادئة وقالت:
_متقـ.ـلقش، افتكرتك نمت مكانك فقرّ’بت مِنك لقيتك بتتر’عش فعلشان كدا قولت أتأكد بنفسي قبل ما أتصرف، بس شكلك كدا كُنت بتنام على نفسك.
أخرج تنهيدة طويلة بعد أن أدرك عقله أخيرًا ما يحدث ثُم اعتدل في جلسته وقال بنبرةٍ ناعسةٍ:
_أنا فعلًا محستش بنفسي مِن التعـ.ـب د’ماغي تقـ.ـلت ومقدرتش أقا’وم وغصـ.ـب عني نمت.
مدّت كفها ورتّبت خصلا’ته المبعثـ.ـرة بحركة خفيفة مِن أناملها وقالت:
_لازم ترتاح يا “شـهاب” شويَّة كدا غـ.ـلط جسـ.ـمك محتاج الراحة دي بأي طريقة، تعالى نروّح وكدا كدا “مينا” موجود هنا مش هيتحرّك قبل ما أنتَ تيجي.
هزّ رأسه برفقٍ ينفـ.ـي رأيها مُبديًا برأيه الحاسـ.ـم:
_مينفعش أسيبه يا “مَرْيَم”، هفضل قلـ.ـقان عليه طول الوقت ومش هكون مرتاح، طول ما أنا قدامه أنا قلبي مطمن أكتر.
أعتر’ضت كذلك على كلماته بأسلوبها الهادئ الذي لم يفشـ.ـل يومًا في إقناعه بقولها:
_أنا فاهمه ومقدّرة مشاعرك تجاهه، بس مينفعش تيجي على حساب صحتك برضوا، أنتَ بقالك ٣ أيام عالحال دا لا بتاكل ولا تشرب ولا حتى بتنام، أنتَ أهمـ.ـلت نفسك أوي يا “شـهاب” ودي حاجة مش صح، وهو مينفعش يشوفك بالحالة دي يا حبيبي، أسمع الكلام وتعالى نروّح ريّح شويّة ورُد تاني، علشان خاطري على الأقل.
رفع “شـهاب” رأسه ونظر في عيناها قليلًا دون أن يتحدث، فقط كُلّ ما صدر مِنْهُ كانت أبتسامة هادئة تُطمئنها، أمسك كفها الذي كان يُداعب خصلا’ته قبل قليل ضاممًا إياه ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_صدقيني أنا كويس مفيش داعي، أنا مش هقدر أبعد عنُه لحظة، خا’يف حاجة تفوتني وهو لوحده، طول ما أنا قريب مِنُه يبقى أتأكدي إني كويس … المُهم أنتِ، واخدة بالك مِن نفسك مش كدا؟
أبتسمت “مَرْيَم” بهدوءٍ لهُ حينما تذكّر أمرها برغم ما يمُر هو فيه، لم تكُن لتغيب عن تفكيره لحظة؛ ففي الأخير هي التي تسكُن في أعما’ق القلب، ويحق لها فعل ما تُريد؛ فأجابته قائلة:
_أنا كويسة وزي الفُل مش عايزاك تقلـ.ـق كفاية اللي أنتَ فيه، كُلّ اللي فارق معانا دلوقتي “شُكري” وبس، أول ما يفوق ونتطمن عليه كُلّ حاجة هترجع زي الأول وأحسن كمان واللي غـ.ـلط يتعا’قب.
لم تتلقّى مِنْهُ إجابة فورية على حديثها، فهو لم يكُن مِن هواة التحدث يومًا؛ لقد تربى على أن الأفعا’ل هي التي دومًا تُجـ.ـني بثمارها، وفي حضرتها تستكين رو’حه ويهدأ عقله مِن الضـ.ـجيج قليلًا..
ما’ل نحوها بهدوءٍ تام ووضع رأسه فوق كتفها، هُنا حيثُ يكون الرُكن الد’افئ لهُ حينما يُقام الحـ.ـد عليه، أغمض عيناه وأخرج تنهيدة عميقة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_حاسس إن في وَ’ش فراسي مبيسكوتش غير لمَ أحط راسي على كتفك كدا، وقتها بس بحسّ بالراحة اللي بفضل أدوّر عليها ومبلاقيهاش غير وأنا معاكي.
ابتسمت “مَرْيَم” ابتسامة هادئة ثُم مدّت كفها واحتضنت كفه وقالت:
_أنا عارفة وعلشان كدا بفضل قدامك دايمًا، علشان وقت ما تحسّ إنك هتبدأ تتو’ه تلاقيني بمدّلك إيدي قبل ما تقـ.ـع، والمرَّة دي عارفة إنك هتعديها علشان لو كُنت ناسي أفكرك باللي بتعمله دلوقتي، مِن وقت ما قضـ.ـيتك بدأت وأنتَ بتحا’رب قصاد “جمال” علشان تنتصـ.ـر، علشان الشـ.ـر عُمره ما غـ.ـلب الخير، وعلشان أنتَ تاخد حقك وتكون أحسن وحياتنا تكون أفضل مِن كدا، علشان نأ’من بيئة هادية ومُريحة لأبننا زي ما بنخـ.ـطط، لازم أفضل قصاد عينك دايمًا علشان متتو’هش.
رُسمت ابتسامته فوق فمه دون أن يُخـ.ـفيها تلك المرَّة، فكلماتها تنجح دومًا في تضميد جر’وحه النا’زفة، هكذا أعتاد مِنها؛ رفع رأسه قليلًا وقال بصراحةٍ أعتادتها مِنْهُ:
_أنا لو قوي فدا بفضل ربنا ووجودك جنبي، أنا حقيقي مِن غير دعمك ليّا كُنت ضيـ.ـعت مِن زمان، وجودك بيرجّعني لو هميـ.ـل، وعلشان كدا أنا بحب قُربك مِني، وكُلّ اللي بتعمليه علشاني أنا مستحيـ.ـل أنساه مهما حصل يا “مَرْيَم” صدقيني.
اتسعت ابتسامتها فوق فمها أكثر حينما سمعت تلك النبرة الحنونة التي اشتاقت لسماعها مِنْهُ، وكأنها لم تسمعها منذ زمنٍ طويلٍ؛ شـ.ـدّت برفقٍ فوق كفه ولم تتحدث، فيكفي وجودها الآن إلى جواره..
د’فن رأسه في عُنـ.ـقها بعد أن انكمـ.ـش جسـ.ـده بفعل نسمات الهواء البا’ردة التي كانت تعبُر كُلّ لحظة وأُخرى، وفي اللحظة الأخرى تسـ.ـلل كفه بهدوءٍ واستقر فوق بطـ.ـنها الصغيرة التي بر’زت قليلًا لتُعلن عن ثمـ.ـرة حُبٍّ ناضجة تكبُر كُلّ يومٍ..
لم تهتم “مَرْيَم” تلك المرَّة للمكان أو القابعين فيه، لم ترَ في تلك اللحظة سوى زوجها الحبيب الذي لا شـ.ـك أنَّهُ في حاجة ما’سّة لها الآن، رفعت ذراعها الأيسر ولـ.ـفّته حوله تضمّه بحُبٍّ لد’فء صد’رها تاركةً كفها يمـ.ـسح برفقٍ فوق خصلا’ته، فهو متعطشًا للراحة وهي مَن تستطع أن تمنحها إليه الآن..
كانت “نُهىٰ” تُتابعهما مِن بعيد مبتسمة الوجه، منذ أن كان ولدها وحيدًا وحتى أصبحت تُرافقه الآن، وقد أطمئن قلبها عليه أخيرًا، في إنتظار أن يطمئن على الآخر الذي أصا’ب قلوبهم بالذ’عر، مرّ الوقت بهم دون أن يشعروا بهِ حتى هدأ الممر ولم يعُد يضم إلّا قـ.ـلبين محبين..
تقدَّم الطبيب بخطى هادئة كا’سرًا هذا الصمت المهيب الذي سيطـ.ـر على الممر، ولج إلى “شُكري” دون أن يتحدث تحت أعينهم مِمَّ شـ.ـدّ “شـهاب” الذي أبتعد برفقٍ وانتصـ.ـب واقفًا، اقترب مِن النافذة ينظر إلى الطبيب الذي كان يفحـ.ـص أخيه بعناية فائقة ويُدوِّن بعض ملاحظاته فيها، رافقته “مَرْيَم” وتابعت بصمتٍ دون أن تتحدث..
أنهى الطبيب فحصه وخرج لهما كما دخل، نظر إليه “شـهاب” بترقبٍ وقال:
_خير يا دكتور طمني، في تحسُن فالحا’لة؟
نز’ع الطبيب نظارته ونظر إليه قائلًا بنبرةٍ هادئةٍ:
_متقلـ.ـقش الحمدللّٰه مؤشراته الحيو’ية كويسة جدًا، هو جسـ.ـمه مُر’هق فمحتاج راحة كافية علشان يقدر يقوم تاني، منعرفش أمتى هيقوم مِن الغيبو’بة بس عشمنا فربنا كبير.
_طب أنا محتاج أدخل أطمن عليه، ينفع أدخل أشوفه؟
هزّ الطبيب رأسه برفقٍ على طلب “شـهاب” إليه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أكيد، بس بلاش تر’هقه رجاءًا.
تركهما الطبيب ورحل بعد أن أبدى بموافقته على طلبه، فنظر “شـهاب” إلى “مَرْيَم” التي منحته أبتسامة حنونة دون أن تتحدث، فنظرتها كفيلة لتُخبره رأيها؛ فتح الباب برفقٍ وكأنه يخشى إيقاظه ثُم اقترب مِنْهُ ببطءٍ حتى جلس إلى جواره كما في السابق..
مدّ كفه وداعب خصلا’ته برفقٍ مبتسم الوجه، تلك المرَّة كان أكثر هدوءًا وراحة عن المرَّات السابقة، كسـ.ـر حد’ة هذا الصمت المحيط بهِ بقوله الهادئ:
_وحشتني أوي وليّا عتاب عليك، علشان أختبرت غلا’وتك عندي بالطريقة دي، قولتلك مليون مرَّة لو عايز تختبر غلا’وتك فقلبي عندك ألف طريقة إلّا إنك تو’جع قلبي عليك، بس كُلّه مكتوب عند ربي وربك ولازم يحصل، معرفش هفضل مستنيك لحد أمتى بس مش همـ.ـل، هفضل أقعد كدا كُلّ يوم لحد ما ألاقيك بتفو’ق لوحدك وتلاقيني أول واحد عينك تشوفه..
_وعد حقك هيرجع مهما حصل، مش هتنا’زل عنُه خليك متأكد مِن دا كويس، على فكرة قضـ.ـيتك مبقتش مجرّد قضـ.ـية جـ.ـنائية، بالعكس بقت حديث الرأي العام تخيّل، وبكدا أنا ضمنت حقك مهما طال رجوعه، بس لازم تعرف حاجة مُهمة أوي، إنك لازم تعافـ.ـر وتقوم علشان حبايبك هنا كتير مستنيين اللحظة دي وأنا واُمك أولهم، هستناك يا حبيبي ترجعلي تاني علشان أنا مِن غيرك ولا حاجة.
صمت بعدها ولم يجد شيئًا آخر ليقوله، فبرغم أن قلبه لم يكتفي ويُريد أن يبوح بالكثير لم ينصـ.ـفه فمه تلك المرَّة، بينما في تلك اللحظة التي لا يشعُر فيها “شـهاب” بشيءٍ تعالت أصواتًا مشو’شة في رأس “شُكري” بشكلًا مز’عجًا للغاية..
صورًا ضبا’بية بدأت تمُر أمامه سريعًا، لم تكُن عادية؛ بل كان هذا الحا’دث اللعـ.ـين الذي كاد أن يفـ.ـتك به في لحظة، أمتزج صوت أخيه بينهم كشعا’ع النور الذي يكـ.ـسر ظـ.ـلمة الليل، مِمَّ أعطى لهُ الدا’فع الأكبر لمحا’ربة هذا الظلا’م الذي يسـ.ـجنه قسـ.ـرًا..
كُلّ ما حدث قد حدث في ثوانٍ معدودة لا تُحس، ولكن أستطاع أن يعود مِن جديد ويتغـ.ـلّب على ظلا’مه ليخرج إلى النور كالسـ.ـجين الذي نال الحُرِّ’ية بعد سنواتٍ طويلة، استجاب الجسـ.ـد للعودة وبدأت إنذ’ارات الأجهـ.ـزة تُشير إلى ذلك حيث أرتفع صوتها فجأةً..
رُ’جفت جـ.ـفونه واتضحت أصوات العالم المُحيط بهِ في أُذنيه، فتح عيناه ببطءٍ وحذ’رٍ في الوقت ذاته ثُم أغلقهما بعد أن شَعَر بقو’ة الضوء فوقه:
_”شـهاب”.
هكذا خرج صوته مبحو’حًا وخافتًا للغاية، بالكاد لا يُسمع ولكنهُ سمعه، نظر إليه “شـهاب” مصدومًا لا يُصدق ما يراه، فهذا أشبه بحُلمًا؛ أو رُبما معجزة ربانية، اعتدل في جلسته بحركةٍ خا’طفة ونطق أسمه بتلهفٍ واضحٍ:
_”شُكري”، أنتَ فوقت بجد أنا مش قادر أصدق، اُقسم باللّٰه ما قادر أصدق، أخيرًا يا “شُكري”، أخيرًا ر’حمت قلبي مِن العذ’اب دا ورجعت، و’جعت قلبي بطريقة عُمرك ما تتخيّلها.
فتح “شُكري” عيناه ونظر إليه بو’هنٍ دون أن يتحدث، بل ظلّ يتأمله وكأنه لم يلقاه منذ زمنٍ طويلٍ، ولكن في لحظةٍ ما تنغض جبينه حينما اتضحت الرؤية وتأمل أخيه بدقةٍ أكبر، كان “شـهاب” شا’حب الوجه مر’هق الجسـ.ـد، لقد أهمـ.ـل مظهره بشكلٍ فا’ضحٍ فلم يكُن هكذا يومًا..
لحـ.ـيته مشعـ.ـثة وخصلا’ته مبعثـ.ـرة وعيناه ذا’بلتين تسكنهما الحُمـ.ـرا، وكأن النوم لم يلتقيه؛ تنفّس بعمقٍ ثُم سأله بنبرةٍ خافتةٍ متعـ.ـبةٍ:
_إيه اللي حصلك يا “شـهاب”.
أبتسم “شـهاب” بمر’ارة حينما تلقّى هذا السؤال وظلّ ينظر إليه دون أن يتحدث، فقد كان يُفكر في إجابة يقتنع بها أخيه ولكن لم يجدها، فهو ليس أبلهًا ليخد’عه فنظرة عيناه وحدها تكفي لتفضـ.ـحه، نهض بهدوءٍ تام تحت نظرات أخيه المتعجبة وبرغم الأجهـ.ـزة التي تُحيط بهِ ضمّه..
لم يستطع أن يمنـ.ـع نفسه أمامه فإن كان يحتاج أحدهما لهذا العناق فسيكون “شـهاب” بكُلّ تأكيد، ضمّه برفقٍ رغم أن نير’ان شوقه تد’فعه لمعانقته بكُلّ قو’ته، فالغياب لم يكُن هينًا عليه؛ ترقرق الدمع في عيناه ولم يستطع أن يكـ.ـبحه عن أخيه الذي يحفظه عن ظهر قلبٍ..
فبكى الفتى وانها’رت حصـ.ـونه وأعلن خسا’رته أمام المماليك، رفع “شُكري” ذراعه بصعو’بة وضمّه بحُبٍّ افتقـ.ـده الآخر بشكلٍ مستفـ.ـزٍ، وحينما شَعَر بهِ “شـهاب” أزداد بُكاءه، كُلّ ما بالأمر أن الشوق قد غـ.ـلب قلبه المسـ.ـكين وحينما غاب عن عيناه أصا’بت الوحدة قلبه، نظر “شُكري” نحو النافذة حيث كانت تقف “مَرْيَم” خلفها وتنظر إليه مبتسمة الوجه والدمع يترقرق في عيناها..
أبتسم إليها وكأنه يطمئنها حتى وإن لم يستطع قولها، فسعادتهم واضحةً في أعينهم؛ ربّت فوق ظهر أخيه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أنا كويس يا حبيبي، ومش هبعد عنك تاني خلاص، هفضل على قـ.ـلبك دايمًا فكُلّ مكان هتروحه.
شـ.ـدّ “شـهاب” مِن ضمته إليه بعد أن فشـ.ـل في كبـ.ـح هذا الشعور وكأنه يؤكد على كلماته بأبسط أفعا’له، وفي الخارج حمدت “مَرْيَم” ربها سـ.ـرًا بعد أن أطمئن قلبها عليه وتابعتهما مبتسمة الوجه والدمع في عيناها.
________________________________
<“لم تكُن الزيارة هينةً على قلوبًا ملئـ.ـتها الكر’اهية.”>
قُبيل المغرب؛ حيث غربت شمس اليوم على وعدٍ بالعودة غدًا، وفي سـ.ـرها أسـ.ـرارًا وحكاياتٍ لم تُكتمل بعد، ولكن في أُمسية هذا اليوم لم تقل شيئًا عمَّ ينتظرهم في الغد، فاليوم هو يوم الحر’ب..
في منزل عائلة “يوحنا”..
هذا المنزل الذي شهد على قلوبًا تربت تحت سـ.ـقفه برغم ما تحمله في سـ.ـرها، فلم تكُن القلوب جميعًا طيبة الأثر ونقـ.ـيّة، بل ثمة نفو’سًا سكنتها الشـ.ـر والغـ.ـل تسعـ.ـى دومًا لفر’ض سيطـ.ـرتها حتى وإن تطلب الأمر التضـ.ـحية مِنهم..
كان المنزل هادئًا؛ كهدوء الليل قبل قيام العا’صفة، الضحكات تعلو بين الفينة والأخرى والدُعابات تُلقـ.ـى هُنا وهُناك بينهم، فهذا المجلس لم يجمع سوى مَن غر’ق في بحو’ر القسو’ة والحقـ.ـد، وقد سُميت تلك اللحظة ما قبل النها’ية..
وفي تلك اللحظة التي تكون بالنسبةِ إليهم لحظة الفرح قرر هو بحضوره أن يُد’مر تلك السعادة بكُلّ ما يملُك مِن برودٍ، ضر’ب بعنـ.ـفٍ فوق الباب كمرشـ.ـدٍ جاء في لحظة غـ.ـفلة لينال مِن بعض الحثا’لة، زرع الرُ’عب في قلوبهم مِن طرقاته فقط، فماذا سيزرع بعد لحظات بما جاء إليهم بهِ..
نهض “چـون” متأ’هبًا واقترب مِن الباب بخطى ثا’بتة متو’عدًا للطارق بالشـ.ـر، فمَن يكون حتى يجر’ؤ لاقتحا’م منزلهم دون سابق إنذ’ار، ولكن في بعض الأحيان يحتاج المرء أن يُد’فن حـ.ـيًّا حينما يواجه الذ’ئب دون خطة تُنجـ.ـده مِن قبـ.ـضتيه..
جحـ.ـظت عيناه وجـ.ـفّ حلقه حينما رأى “مينا” أمامه حاضرًا بنفسه، يقف شامخًا عو’ده مشد’ودٌ وكأنه يعلم أنَّهُ صاحب الحق، وصاحبه لا ير’جف أمام حقه حتى وإن كان يقف أمام الأسـ.ـد جا’ئعًا، أبتسم إليه “مينا” بزاوية فمه؛ بسمةٌ خـ.ـبيثة يسكُنها الشـ.ـر خلف وجهًا بر’يئًا..
كان يحمل “جرجس” ابن شقيقته على ذراعه، وهذا الصغير يضمّه وهو يعلم بمَن يحـ.ـتمي، فلم ينسى بعد كيف نا’لَ عذ’ابه هُنا هو ووالدته أمام مرئى الجميع أُهـ.ـين وطُر’د مِن منزله برغم أنَّهُ ما’لكه، ومَن طر’دوه كانوا كمجموعة مِن الحا’شية الذين لا يمـ.ـلكون أصلًا فجاءوا وأخذوا ما لا يحق لهم مدعين الحق..
_أتمنى أكون ضيف تقيـ.ـل على قلـ.ـب اُمك يا “چـون”، وشكلي كدا فعلًا، عيونك بتقول اللي بوءك مش قادر يخرّجه.
أنهى “مينا” حديثه بنبرةٍ يقطن مِنها الشـ.ـر، كبر’كانًا تغـ.ـلي فيه حُـ.ـممه؛ د’فعه “بيشوي” برفقٍ ووقف في موا’جهة “چـون” وهو يُطالعه ببرودٍ استفـ.ـزهم كثيرًا، وخلفه كانت “كاترين” تلتصـ.ـق بهِ بعد أن أمسك كفها دون أن يُفـ.ـلته، يبُث القو’ة فيها أمام هؤلاء الأو’غاد، د’فعه “بيشوي” بعنـ.ـفٍ بعيدًا عن مرماه وولج قائلًا بنبرةٍ قو’ية أصا’بت الر’يبة في نفوسهم:
_جرا إيه يا عمّ “چـون” مش معقول تفضل موقّف مُلا’ك البيت كدا برضوا، دي مش الأصو’ل.
أصا’ب هدفه ببراعة دون أن يبذ’ل مجهو’دًا في ذلك، فرأى في ثوانٍ الصدمة مرسومة فوق وجوههم كرسامًا أبدع في إخراج فنه على لوحته، وقف “مينا” إلى جواره ومعهُ “برلين” التي كانت وافدًا جديدًا بينهم في تلك الليلة، جاءت لأنها زوجةً لابن تلك العائلة، وعلى يمينه وقف “ديفيد” ممسكًا بكف زوجته بتمـ.ـلُكٍ، وكأنه يُريد إيصال رسالة واضحة للجميع..
نظر “يوحنا” إلى ولده مصدومًا مِمَّ يفعله معهم، فما كان يخشاه منذ ثلاثون عامًا ها هو يتحقق أمام عيناه الآن، وقفا في مو’اجهة بعضهما لأول مرَّةٍ، ولكن تلك المرَّة خصـ.ـمين وليسا أبًا وابنًا، أبتـ.ـلع “يوحنا” لُعا’به بخو’فٍ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_جه اليوم اللي تقف فيه يا “بيشوي” فو’ش أبوك، تقف قصاده كأنه عد’وك، وكُلّ دا ليه وعلشان خاطر مين، علشان مراتك؟ بقيت تمشي وراها زي الراعي اللي ممشي غـ.ـنمه بعـ.ـصايا، يا حسـ.ـرة عليك بجد، عرفوا يغسـ.ـلوا د’ماغك وتبقى مسـ.ـخ زيهم.
لم يتحدث “بيشوي” ولم يُفكر في التعليق على كلماته بتلك السهولة، بل وقف يتأمله بصمتٍ مُر’يبٍ؛ يتأمل نُسـ.ـخة الشـ.ـر الحـ.ـيّة نُصـ.ـب عيناه، أبيه الذي لم يُفكر إلّا في المال والثروة، وفي المقابل ضـ.ـحى بهِ ويأتي اليوم يلو’مه على ما وصل إليه..
أبتسم بزاوية فمه أبتسامة ساخرة، وعقله مازال لا يستوعب ما يحدث أمامه، هزّ رأسه بقلة حيلة ويأ’سٍ وكسـ.ـر هذا الصمت المهيب بقوله:
_مفكرتش إن هييجي يوم أقف قصادك بالمنظر المخـ.ـزي دا وألو’مك، كان بعيد عن عقلي وفِكري، بس على رأي اللي قال، متأ’منش لأي حد حتى لو كانوا مِن لحـ.ـمك ود’مك، وأنا للأسف آ’منت ودي كانت النتيجة، وشوشكم الحقيقية بانت على أو’ان، أنا مش جاي علشان نصـ.ـلّح اللي أتكسـ.ـر والكلام اللي مبيأكلش عيش دا، أنا جاي أخُد حقي وحق مراتي وابني.
_حق؟ حق مين يا ابو حق، بقى المـ.ـعفنة دي ليها عندنا إحنا حق، عيشنا وشوفنا واللّٰهِ.
هكذا عـ.ـلّقت والدته “ميرڤت” على حديثه بعد أن أطـ.ـلقت شـ.ـهقة عالية وتحدثت بأسلوبٍ سو’قيٍ د’نيء، فالجميع يعلمون أن “ميرڤت” تكر’ه “ليزا” وأولادها، وتتمنىٰ أن تتلقّى خبر مو’تهم كُلّ يومٍ حتى تُقيم الأفراح، نظر إليها “بيشوي” بحـ.ـقدٍ د’فينٍ بعد أن تعمّـ.ـدت التقلـ.ـيل مِنها أمامهم..
كانت الأجواء متو’ترةً بشـ.ـدة بين الجميع، فهي لن تمُر على خيرٍ ما دامت “ميرڤت” فيها، وبين كُلّ ذلك نظر “جرجس” إلى “مينا” وهمس لهُ بنبرته الطفولية:
_”مينا” ينفع أطلب مِنك حاجة؟
نظر إليه “مينا” متسائلًا بعيناه فقال “جرجس” بهمسٍ يكادُ يُسمع:
_أنا عطشان أوي.
أبتسم لهُ “مينا” ولثم وجنته بحنوٍ ثُم قال:
_وأنا اللي قولت هتطلب حاجة كبيرة، أشرب مِن أزا’زة الميَّة اللي هناك دي، ولا أقولك صُـ.ـب فالكوباية أضمن علشان عمّك دا محـ.ـششة سجا’ير هتلاقي الأز’ازة دي مفا’رقتش بو’زه طول الوقت.
وضع “جرجس” كفيه الصغيرين فوق فمه يكتم ضحكته قبل أن تخرج وهو ينظر إلى خاله الذي غمز إليه بعينه اليُسرى وأنزله، أتجه الصغير بالفعل إلى الطاولة وعيناه مصوَّ’بةً فوق الزجا’جة، وقف على أطرا’ف أصابعه أمامها ومدّ كفه محاولًا إلتقاطها..
ولكن في لحظة رأى الزجا’جة تختـ.ـفي مِن أمامه بحركةٍ لم يتدا’ركها عقله الصغير، انتفـ.ـض جسـ.ـده الصغير بخو’فٍ واضحٍ والتفت ليرى جدته تصر’خ في وجهه بعنفٍ قائلة:
_إياك إيدك تتمـ.ـد عليها سامع، حا’ر ونا’ر فجـ.ـتتك أمشي يالا ..!!.
صُدم الجميع مِن فعلها تجاه الصغير الذي انكمـ.ـش خو’فًا مِنها وترقرق الدمع في عيناه، ينظر لها بحز’نٍ ولو’ى شفتيه الصغيرة للأسفل أستعدادًا مِنْهُ لوصلة بُكاءٍ دا’مي لن يتوقف بسهولة، أند’فع “بيشوي” قبل الجميع بعد أن حركته غـ.ـريزته الأبوية، وقف أمام صغيره في مو’اجهة والدته ولم يستطع أن يُسيـ.ـطر على نفسه فصر’خ فيها بقوله:
_أنتِ إيه اللي بتقوليه دا، أزاي تقولي كدا لطفل زي دا، دي ميَّة مش هياخد مِنك حِـ.ـتة وهيمشي، أنتِ معندكيش ر’حمة خالص؟ مِنك للّٰه يا بعيدة حسبي اللّٰه ونعم الوكيل فيكي، أنا بكر’هك ..!!.
وضعت “برلين” كفها فوق مو’ضع قلبها بعد أن آ’لمها هذا المشهد، أغمضت عيناها حتى تمـ.ـنع عبراتها مِن السقو’ط، ولكنها لم تستطع أن تمنـ.ـع هذا الأ’لم أن يترك قلبها بعد أن رأت حالة هذا الصغير الذي كُلّ ما كان يحتاج إليه هي رُشفة ماء صغيرة، بسببها أند’لعت حر’بًا طا’حنة بين الأم والابن..
رأت “بيشوي” يحمل صغيره على ذراعه يضمه لصدره مواسيًا إياه وهو ير’مق والدته بشـ.ـرٍ لن يخمـ.ـد بكُلّ تأكيد، تمـ.ـلّكت الر’غبة مِن “برلين” مجددًا أن تحتضن طفلًا، وكان “جرجس” أمامها؛ حاولت إخما’دها بشتى الطرق ولكنها لم تستطع أن تتغـ.ـلّب عليها، تركت “مينا” واقتربت مِنْهُ بترددٍ واضحٍ دون أن تُبعد عيناها عن الصغير الذي كان يضم أبيه وكأنه فارسه الوحيد الذي لن يخذ’له..
هي تمنت أن يحتضنها طفلٌ صغيرٌ مثلما يحتضن الصغير أبيه، أن تشعُر بد’فء أنفاسه الد’افئة فوق بشرتها، أن تشعُر بهذا الحنان الذي يتحدث عنهُ الجميع ولكن أن يكون نابعًا مِن ذراعين صغيرين، لمعت عيناها حينما توقفت أمام “بيشوي”، كانت متر’ددة بشدة وفي الوقت ذاته تد’فعها غـ.ـريزتها لتلبية ر’غبتها، ففي لحظة أصبحت في حر’بٍ بين مخا’وفها ور’غبتها..
نظر لها “بيشوي” واستطاع قراءة ما يدور داخلها دون أن تقوله، فعيناها فضـ.ـحتها أمامه وهو يعلم كيف يكون هذا الشعور قا’تلًا للمرء خصيصًا حينما يكون متمـ.ـلِّكًا مِن أ’نثى، أ’لقى نظرة على ابن خالته الذي كان يُتابعها دون أن يُبدي ردًا ثُم نظر إليها حينما قالت بنبرةٍ خافتةٍ يشوبها التردد:
_ينفع أشيله؟
هزّ رأسه برفقٍ دون تفكير ثُم همس إلى صغيره بنبرةٍ لم يسمعها سواه بقوله:
_روح مع مرات خالو يا “جرجس” لحد ما أخلّص أنا يا حبيبي وهاخدك تاني، ينفع؟
تشـ.ـبث بهِ أكثر وكأنه ير’فض فكرة الابتعاد تمامًا، فهو لا يشعُر بالأما’ن إلّا مع والديه وخاله، وبالنسبة إليه “برلين” مازالت غريبة لم يعتدها بعد، ولكن “بيشوي” لم يستطع أن يكسـ.ـر قلبها ولذلك حاول مِن جديد مع صغيره بقوله:
_خالتو “برلين” هتقعد معاك، مينفعش نقول لأ طالما أنتَ مجرّبتش تكون معاها، وبعدين دي تبقى مرات خالو وأنا عارف إنك بتحب “مينا” وكمان هو بيحب خالتو “برلين”، فليه متديهاش فرصة وتقعد معاها شويَّة مش يمكن تحبها؟ روح ولو مرتحتش أنا هاجي أخدك مِنها، أتفقنا يا بطل؟
فكّر الصغير قليلًا قبل أن يُعطيه الإجابة، فتذكّر أنَّهُ بين أشخاصًا يكر’هوه ويتمنون مو’ته فوافق سريعًا وهزّ رأسه برفقٍ دون أن يتحدث، أبتسم “بيشوي” ونظر إلى “برلين” التي خـ.ـفق قلبها بعـ.ـنفٍ في تلك اللحظة وتمـ.ـلّكت الفرحة مِنها، فأخيرًا ستحتضن طفلًا صغيرًا..
أر’خى الصغير قبـ.ـضته برفقٍ والتفت ينظر إلى “برلين” التي منحته ابتسامة حنونة كي تُطمئنه بالرغم أنها لن تؤ’ذيه ولكن لا ضـ.ـرر مِن تأ’مين نفسها، ما’ل الصغير نحوها فمدّت كفيها والتقطته بحذ’رٍ وكأنها تضم قطعة أ’ثرية حسا’سة، ضمّته لصدرها بحنوٍ فمنحها هو ما كانت تشتاق إليه، عناقه الدا’فئ..
لـ.ـفّ ذراعيه الصغيرين حول عُـ.ـنقها ووضع رأسه فوق كتفها دون أن ينبث بحرفٍ، وكأن قلبه شَعَر بها؛ اقترب “مينا” مِنها ووقف خلفها قائلًا بهمسٍ:
_”برلين” خُديه وأخرجي علشان مش حابب إنك تشوفي أو تسمعي اللي هيحصل، ولا عايزُه هو كمان يتأ’ثر كفاية اللي شافه منهم، ولو حصل حاجة كلميني هاجيلك علطول.
هزّت رأسها برفقٍ دون أن تتحدث فما’ل هو نحوه ولثم رأسه بحنوٍ وأشار إليها دون أن يتحدث، أ’لقت “برلين” نظرة عليهم ثُم خرجت بعد أن رأت أنظار الجميع تختر’قها كالرصا’ص، وبخروجها نظر إليهم “مينا” وقد تبدّلت نظرته مائة وثمانون درجة، خرجت نبرته حا’دة بقوله:
_كدا نعرف نحاسب الكُلّ على رواقة، وأنا بقى هضـ.ـيّقها عليكم وهبدأها مِن حركة المحتر’مة دي، أصل أنا بصراحة مبحبش أشوف “جرجس” زعلا’ن، بضا’يق وبقعد أفكّر مع نفسي طول الليل أزاي هجيب كر’ش اللي ز’عله، ما بالكم باللي جر’حه بالكلام قصاد عيني، مش هيكفيني كر’شه كدا.
وقف “بيشوي” أمام “ميرڤت” ينظر إليها بكر’اهية وكأنها ليست اُمه، بل هي امرأةً سلـ.ـيطة اللسا’ن جر’حت صغيره وتمنّت الأذ’ىٰ لهُ بسبب كأس الماء، نظر في عيناها وقال بنبرةٍ تجرّ’دت مِنها مشاعر العطف والحُبّ:
_لأول مرَّة هقولهالك مِن غير ما يو’جعني قلبي وأنا بقولها، أنا بكر’هك مِن قلبي لدرجة إني مبقتش عايز أسمع أسمك ولا سيرتك تيجي قدامي ولو بالصدفة، غـ.ـلك مكانش لـ “كاترين” وبس، دي مش تصرفات واحدة مبتحبش مرات أبنها، أنتِ أبعد مِن كدا بكتير، وياريت غـ.ـلك دا أقتصـ.ـر على مراتي بس، لأ أنتِ اتطورتي وبقيتي تكر’هي ابني اللي هو فالأساس حفيدك..
_”جرجس” اللي بتتمني الأذ’ىٰ يصـ.ـيبه دا يبقى ابني، حِـ.ـتة مِني مقدرش أسمع حاجة تتقال عليه تضـ.ـره، بس أنا سمعت اللي كسـ.ـرني أنا قبل ما يكسـ.ـره هو، اللي صر’ختي فيه دا واتمنيتي الحاجة اللي هتد’خل جوّاه مِن هنا يبقى حِـ.ـتة مِن قلبي، اللي يصـ.ـيبه يصـ.ـيبني أنا، “جرجس” دا أنا أتمنيته وجه بعد عذ’اب وأنتِ عارفة كدا كويس، ولمَ جه بقى واخد حِـ.ـتة مِني، أتمنى اللي يصـ.ـيبه يصيـ.ـبني الأول علشان دا ابني ودي حاجة أنتِ متعرفيش عنها حاجة..
انفجـ.ـر البر’كان وخرجت حـ.ـممه تكو’ي رو’حًا مِن الداخل، لم يعُد يستطيع أن يكـ.ـتم داخله ما حا’رب نفسه ليد’فنه، فعند صغيره وسلامًا على الجميع، صر’خ فيها بعد ذلك بقلب أبًا مقهو’ر خذ’لته عائلته قبل أن يطـ.ـعنه الغريب:
_أنتِ لو فاكرة إني ممكن أسامح اللي كان سبب فو’جع ابني تبقي غـ.ـلطانة، مش علشان أنتِ اُمي يبقى ليكي صلا’حية فأي حاجة تخصني، ملكيش حق تو’جعي مراتي وتقولي أصلي مبحبهاش وملكيش حق تجر’حي ابني واقف أنا ساكت علشان أنتِ بيتقالك يا اُمي، لأ أنا مش هقبل بكدا لحد هنا وستوب عيلتي خط أحمـ.ـر اللي يعديه يبقى بيعا’ديني، أنا سكت عليكم كلكم بما في الكفاية..
_أتخد’عت مِنكم كلكم كُنت ببقى مسافر وفاكر إني سايب مراتي وابني مع ناس أ’مينة، اسمهم عيلتي هيعرفوا يحافظوا على لحـ.ـم ابنهم بس كُلّ دا كان فين؟ مِن أخويا اللي مكتوب فالبطا’قة د’كر وهو ميمـ.ـسش أول حرف مِنها، لمَ يمـ.ـد إيده على مرات أخوه وابن أخوه وينكـ.ـر، وتطلع مراته الفضيلة اللي الغـ.ـل وا’كلها تكمل عليها وتر’موها بهدومها المتقـ.ـطعة وسط الرجا’لة دا تسموه إيه؟
_لمَ الرا’جل دا يكلمني فالتليفون د’مه فا’ير يقولي أخوك مدي أختي علـ.ـقة مو’ت هي وابنها ورجعالي متبهد’لة واسيب أنا شغلي وانزل جري علشان أفهم اللي حصل، وكُلّ دا بيحصل قدام را’جل المفروض إنُه را’جل البيت، الكبير العاقل اللي المفروض يقوم يمـ.ـسك ابنه يعـ.ـجنه ويقوله أزاي تمـ.ـد إيدك على مرات أخوك، دا أنا اللي أسمي جوزها مفكرتش أعملها قبل كدا هو مين بجلا’لة قدره حد يبر’رلي متقفوش ساكتين إيه أتخر’صتوا دلوقتي ..!!.
أبتسم “ديفيد” بزاوية فمه وتحرّك أخيرًا يُبدي برأيه قائلًا بنبرةٍ باردةٍ:
_متتعـ.ـبش نفسك يا “بيشوي” يا حبيبي معاهم علشان مش هتلاقي الرد المناسب على صر’يخك دا، بتـ.ـرهق نفسك عالفاضي صدقني هما لو كان عندهم مبـ.ـرر كانوا قالوه بس أنتَ هتستنى إيه مِن قطة مد’لتها إيدك بالخير فعـ.ـضتها هي بالشـ.ـر، وبصراحة فحكاية “جرجس” أنا كُنت همـ.ـنعه علشان أنا بصراحة مش ضا’من أي حاجة فالبيت دا ولا ضا’من صحابه، بس هما كالعادة بيتصرفوا بمنتهى الغبا’ء والعنـ.ـف ودا اللي بيوديهم لورا دايمًا، أنا لو مِنك أقول اللي جاي عشانه علطول والضر’ب على الحد’يد وهو سخـ.ـن دايمًا بيكون وراه مُـ.ـتعة لينا فقول اللي جينا علشانه.
_بس إنكم تبدأوها مِن غيري دي مش أصو’ل يا رجا’لة، لازم أكون حاضر القعدة دي بحق إني واحد مِن العيلة النـ.ـتنة دي.
هكذا قال “كيرلس” الذي ولج بهيبته المعتادة، وقف على عتبة الباب وجذ’ب الأنظار نحوه ليكون حديث تلك السهرة التي ستبدأ الآن، أبتسم “كيرلس” وقال بنبرةٍ واثقةٍ:
_عيـ.ـبة فحقك يا “مينا” أنتَ و “بيشوي”، دا أنا مستني الحفلة دي مِن زمان أوي.
______________________________
<“رضينا بالذي طرق بابنا وطالبنا الود.”>
جاء الحبيب يطلب الود مِنا،
فلم يقدر القلب على رده مكسو’رًا،
فرضينا وارتضينا بهِ، سكنًا ووَنسًا..
في منزل الحج “فضل”..
كان الحج “فضل” يجلس أمام “عنان” في غرفتها منذ رُبع ساعة، كان يتحدث معها في عدة أمورٍ خاصة بهِ مثلما أعتاد حتى حضرت زوجته وجلست رفقتهم مبتسمة الوجه، أخرج “فضل” تنهيدة عميقة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_ها يا “عنان”، رأيك إيه يا بنتي فالشا’ب دا، موافقة وشايفاه مناسب وهو دا اللي عايزاه ولا لأ، مش عايزك تغصـ.ـبي نفسك على را’جل أنتِ مش عايزاه لو مش عايزاه هكلمهم حالًا قدامك وأقوله كُلّ شيء قسمة ونصيب آه أنا معنديش أعز مِنك.
ابتسمت زوجته بزاوية فمها ونظرت بمكـ.ـرٍ إلى ابنتها التي شـ.ـحب وجهها حينما أخبرها والدها أنَّهُ مستعدًا ليُنهـ.ـي كُلّ شيءٍ في غمضة عين، فتهو’رت “عنان” دون أن تمنح نفسها فرصةً للتفكير واند’فعت بقولها المتلهف:
_لأ طبعًا يا بابا مين قال كدا أنا موافقة على فكرة.
ساد الصمت فجأةً بعدها وحاولت هي استيعاب ما فعلته، بينما أبتسم “فضل” بزاوية فمه ونظر إلى زوجته بطرف عينه دون أن يتحدث، ففهمت “عنان” أنها كانت خطـ.ـة مِنهما لإيقا’عها وهذا لم يحدث إلّا بمساعدة والدتها التي تعلم كُلّ شيءٍ عنها الصغيرة قبل الكبيرة..
نظرت إليها بعدم رضا بعد أن علمت أنها تعمّـ.ـدت فعل ذلك وقالت:
_هي بقت كدا بقى، أتفـ.ـقتوا مع بعض عليّا وطبعًا بابا مش هيعمل كدا إلّا بمساعدة ماما، تمام شكرًا أوي يا ماما.
ضحكت والدتها بعد أن فشـ.ـلت في إخما’د نو’بة الضحك التي أجتا’حتها وشاركها “فضل” بعد أن أستطاع إيقا’ع أبنته في هذا الفـ.ـخ الذي اشتركا فيه سويًا، فتحدث مِن بين ضحكاته وقال بنبرةٍ حنونة:
_إيه اللي مز’علك بس يا حبيبتي، هو أنا غريب يعني أنا باباكي وعادي لمَ أعرف، وبعدين الحُبّ مش عـ.ـيب ولا حر’ام طالما كُلّ حاجة بتحصل إحنا على علم بيها، وبعدين الرا’جل شاريكي وجه البيت مِن بابه لا قـ.ـضاها جَو حُبّ والكلام الما’سخ دا ويلّا نرتبط، الواد شكله محترم ومتربي وبيفهم فالأصو’ل وبصراحة أنا مستجدعه وموافق عليه لو ر’فضته أبقى را’جل مبفهمش.
وافقته زوجته القول ونظرت إلى “عنان” قائلة:
_بابا عنده حق، الواد ميتر’فضش فعلًا وشكله متربي وأنا بصراحة أرتحتله، لو كُنت شوفت غير كدا كُنت ر’فضت حتى لو بتحبيه، صدقيني يا “عنان” نظرة الأهل وكلامهم دايمًا بيطلع صح خصوصًا نظرتهم للشبا’ب، أنا مثلًا شايفاه كويس وميعـ.ـبهوش حاجة آه الإنسان خـ.ـطّاء ومش معـ.ـصوم مِن الغـ.ـلط بس في فرق بين الكويس والو’حش وكُلّه فالآخر لمصلحتك … ودلوقتي هو مستني ردك وبصراحة مش عايزين نتأخر عليهم فلو فكّرتي وأنا واثقة فكدا إدينا رأيك علشان أبوكي يكلمه دلوقتي ويتفقوا مش عايزين نعـ.ـطله خلّيه يكمل اللي فاضله فالجيـ.ـش ويرجع.
أخذت “عنان” نفسًا طويلًا والتزمت الصمت قبل أن تُعطيهما الإجابة، فبرغم أن كُلّ شيءٍ واضحًا أمام والديها ولكنها بنفس الوقت حاولت أن تكون هادئةٍ حتى وإن كانت تُريد أن تقفز فرحًا، نظرت لهما قليلًا بتو’ترٍ ثُم ابتسمت على استحـ.ـياءٍ وهزّت رأسها برفقٍ قائلة:
_موافقة.
ابتسم “فضل” ونظر إلى زوجته دون أن يتحدث، سحب هاتفه وعـ.ـبث فيه بينما مدّت زوجته كفها وضمّت كف ابنتها وشـ.ـدّت فوقه برفقٍ وهي تبتسم لها بحنوٍ، ابتسمت “عنان” ونظرت إلى والدها الذي وضع هاتفه فوق أُذنه وقال بترحابٍ:
_وعليكم السَّلام ورحمة اللّٰه وبركاته، أزيك يا “وهيب” يا ابني..
خـ.ـفق قلبها بعنـ.ـفٍ حينما سمعت أسمه، فشـ.ـدّت على كف والدتها دون أن تشعُر وهي تنظر لهُ، بينما أكمل هو حديثه مبتسمًا بقوله:
_يا ربّ دايمًا يا حبيبي، كُلّ خير إن شاء اللّٰه قولت أتصل بيك أبلـ.ـغك يعني بالرد علشان منطولش عليك أنتَ برضوا مُلزم وأكيد هترجع تسافر فحبينا نقصـ.ـر المسافات وأقولك إننا موافقين … هستناكم بإذن اللّٰه بُكرة على ٦ المغرب علشان نتفـ.ـق على كُلّ حاجة.
لم يُصدق “وهيب” ما سمعه فحينما تلقّى الموافقة مِنْهُ كاد أن يصر’خ فرحًا، خفق قلبه بعـ.ـنفٍ وترقرق الدمع في عيناه، فسعادته تطغـ.ـي على أيُّ شيءٍ سـ.ـيءٍ قد يُعكـ.ـر صفوه، حاول تما’لُك نفسه وقال بنبرةٍ منفـ.ـعلة:
_بجد؟ أكيد طبعًا هبـ.ـلغ والدي ونجيلكم بُكرة بإذن اللّٰه، هكون عند حضرتك ٦ بالظبط.
لم أقصد الانفعا’ل بعينه؛ بل تلك النبرة التي تخر’ج منفـ.ـعلة حينما يصل الإنسان لقمـ.ـة سعادته هكذا كان هو في تلك اللحظة، أنهى مكالمته مع “فضل” وعاد راكضًا إلى منزله وهو يقوم بمهاتفة أخيه ليُخبره بهذا الخبر السعيد الذي كان ينتظره بفارغ الصبر..
بينما ترك “فضل” هاتفه ونظر إلى أبنته التي كانت تنظر إليه مترقبةً قوله، تنتظر سماع ما دار بينهما في تلك الثوانِ القصيرة، فأبتسم لها وقال ضاحكًا:
_عرفتي تختاري يا “عنان”، أول ما سمع أنا موافق كان عنده أستعداد يصر’خ مِن الفرحة، مُبارك يا حبيبة قلبي كبرتي وبقيتي عروسة.
أنهى حديثه بتأ’ثرٍ وقد ترقرق الدمع في عيناه، فابتسمت “عنان” وار’تمت بأحضانه تضمّه بعد أن فشـ.ـلت في السيطـ.ـرة على عبراتها دون أن تتحدث، فلا وقت للبُكاء الآن فثمة عروسٌ ستُزف قريبًا لفارسها..
على الجهة الأخرى،
كان “وهيب” يسير بخطى واسعة يكادُ يركض فرحًا وهو يقول بنبرةٍ غمرتها الفرحة:
_عندي ليك حِـ.ـتت خبر يساوي كنوز الدُنيا كُلّها يا “تيام”، أبوها لسه قا’فل معايا دلوقتي وخدت موافقتهم وهنروح بُكرة علشان نتفـ.ـق على كُلّ حاجة، أنتَ لاز’م تتصرف وتيجي لاز’م تكون معايا بُكرة كفاية مكونتش معايا المرَّة اللي فاتت اُمي بسبب الحوار دا قالت إني وحيدها هي وأبوك فلحظة نَفـ.ـتك.
أتته ضحكات أخيه الأكبر ممزوجة بفرحته حينما تلقّى هذا الخبر الذي كان ينتظره منذ وقتٍ طويلٍ، فقال بنبرةٍ ضاحكة غمرتها الفرحة:
_أخيرًا يا عمّ لقد هر’منا بجد، مُبارك يا حبيب أخوك أكيد هحضر القعدة دي مفيهاش كلام متقـ.ـلقش أنا هتصرف وأجيلك، ولو على حوار ماما فأنا عارف إنها هتعمل كدا مش جديدة عليّا أنا هتصرف وأراضيها المهم أنتَ يا عريس، صوتك طا’ير مِن الفرحة.
ضحك “وهيب” وفي تلك اللحظة شَعَر أنَّهُ يمـ.ـلُك كُلّ شيءٍ، وقف في ردهة البِناية ونظر إلى إنعكا’س صورته في المرآة وقال مبتسمًا:
_مش مصدق أقسم باللّٰه يا “تيام” حاسس إني مش هنام مِن فرحتي، ياريتك كُنت معايا دلوقتي بجد لاز’م تتصرف بُكرة الصبح ألاقيك بتفطر معايا أمتى وازاي دي مش قصتي أتصرف.
أتاه جواب أخيه “تيام” الهادئ تلك المرَّة بقوله:
_عـ.ـيب عليك هتصرف، هجيب “رنا” و “فريال” وأجيلك هتصـ.ـطبح بـ “فريال”.
مسـ.ـح “وهيب” فوق خصلا’ته دون أن يتحرك وقال مبتسمًا:
_آه “فريال” أخيرًا هشوفها، وحشتني أوي بجد حاسس إني مشوفتهاش بقالي كتير.
_قعدة عمّالة تز’ن علشان تشوفك أقولها فالجيـ.ـش تقعد تعيّط وتقولي أنتَ بتكد’ب، أنا على آخر الزمن يتقالي كد’اب مِن طفلة شبر ونص؟
ضحك “وهيب” عاليًا بعد أن تلقّى كلمات أخيه ومعا’ناته مع تلك الصغيرة التي أكملت عامها الثاني قبل أيام قليلة، وقبل أن يقول شيءٍ أتاه صوتها حينما وصلها أسمه فسمع أخيه يقول:
_خُد كلمها بدل ما تفـ.ـضحنا النهاردة مش هعرف أسكتها.
وفي الثانية الأخرى جاءه صوتها الصغير النا’عم وهي تنطق أسمه بنبرتها الطفولية الر’قيقة:
_”هيب”.
هكذا أعتادت أن تنطق أسمه مؤخرا بعد أن فشـ.ـلت في ضم الواو إليه واكتفت بتلك الأحرف الثلاث، ولكنها بأسلوبها استطاعت أن تأ’ثر قلبه فقال هو بحنوٍ:
_يا قـ.ـلب “وهيب”، وحشتيني يا “فيري”.
_”هيب”.
نادته وكأنها تُلقـ.ـي أمرها بأن يستمع إلى هذا الخطاب الذي ستُـ.ـلقيه بعد قليل، وحينما جاءتها إجابته قالت هي بنبرةٍ طفولية وهي تُمـ.ـسك الهاتف بكفيها الصغيرين تُشهره أمامها ظنًا أنَّهُ يراها:
_أنتَ تيجي بُكرة.
حاول “تيام” أن يأخذ الهاتف ويضعه على أُذنها قائلًا:
_دا مش فيديو كول يا “فيري”، حطيه على ودنك.
زمجـ.ـرت “فريال” ورفـ.ـضت؛ أبعدت الهاتف عنه ونظرت إلى بغضـ.ـبٍ وقالت بعنا’دٍ طفوليٍ:
_لأ، “هيب” يشوفني.
حاول “تيام” أن يشرح لها بلطفٍ حتى تر’ضخ لهُ بقوله:
_يا حبيبتي “وهيب” مش ظاهر على الشاشة، يشوفك لمَ تلاقي صورته قدامك.
هزّت الصغيرة رأسها تر’فض سماعه وتضم الهاتف حتى لا يأخذه هو، وبين هذا العنا’د والإصر’ار صدح رنين الهاتف بين يديها لتُنظر إليه، بينما مدّ هو كفه وضغـ.ـط على الزر الأخضـ.ـر ليظهر إليها “وهيب” الذي كان يبتسم لها ويُشير إليها قائلًا بنبرةٍ سعيدة:
_”فيري” حبيبة قلبي.
لمعت عيناها بفرحةٍ ورُسمت ابتسامتها الواسعة فوق فمها الصغير وصر’خت بنبرةٍ حما’سية:
_”هيب” ..!!.
ضحك “وهيب” حينما سمع أسمه مِنها بتلك الطريقة الغريبة التي أعتدها وقال:
_عيونه وقلـ.ـبه، وحشتيني أوي يا رو’حي، بابا هييجي بُكرة لازم تيجي معاه علشان تشوفي عروستي.
جلست “فريال” أرضًا بعد أن انجذ’ب انتباهها نحو “وهيب” الذي حينما يُهاتفها تنسى العالم بمَن فيه وتحا’دثه لسويعاتٍ طويلة، اقتربت “رنا” وحينما رأت لوّحت لهُ مبتسمة الوجه وقالت:
_أزيك يا “وهيب” أخيرًا شوفناك.
رحّب بها “وهيب” مشيرًا لها مبتسم الوجه وقال:
_أنا بخير الحمدللّٰه، واللّٰهِ يا “رنا” الجيـ.ـش حرفيًا واخدني مِن كُلّ حبايبي بس هانت بإذن اللّٰه كُلّها ٦ شهور وأخلّـ.ـص أدعولي أنتم بس.
أجابته “رنا” بنبرةٍ هادئةٍ مبتسمة الوجه:
_هتعدي بإذن اللّٰه زي اللي عدوا، المهم أنا سمعت سيرة عروسة فالموضوع، دا بجد ولا إشا’عة زي كُلّ مرَّة؟
مازحته في النهاية بنبرةٍ ما’كرةٍ ونظرةٍ خـ.ـبيثة، فضحك هو وقال:
_لأ المرَّة دي حقيقة، الحمدللّٰه خدت موافقتهم مِن شويَّة وبُكرة هنتفـ.ـق فعلشان كدا أتصلت بـ “تيام” أقوله لأنه لازم يكون موجود معايا بُكرة.
نظرت هي إلى زوجها نظرةٍ خا’طفةٍ ثُم عادت تنظر لهُ وقالت:
_لأ متقلـ.ـقش أعتبرنا جينا، “تيام” هيحضر القعدة معاكم أكيد متشيـ.ـلش هـ.ـم هدخل أنا أجهـ.ـز الشنطة وبُكرة هتلاقينا على قلـ.ـبك عادي.
_ما شاء اللّٰه أنتوا قر’رتوا واتفـ.ـقتوا وأنا قاعد مقولتش كلمة لسه فالموضوع دا.
هكذا عـ.ـلّق “تيام” على الحديث الذي يدور بين أخيه وزوجته بجـ.ـدية تامة، فجاء الجواب مِن “رنا” التي قالت:
_أيوه خلاص دي مفيهاش كلام أصلًا، قعدة أتفا’قية يعني أنتَ موجود خلصت.
في تلك اللحظة أحبت “فريال” أن تقطـ.ـع تلك الأحاديث المز’عجة حولها فنظرت إلى “وهيب” وقالت:
_”هيب”.
_عيون “وهيب” يا قمر.
قرّبت “فريال” الهاتف مِن وجهها الصغير ثُم ضمّت شفتيها الصغيرة وأرسلت لهُ قُبلة صغيرة ونظرت إليه مبتسمة الوجه بعد أن أرسل لها العديد مِن القبلات الصغيرة كما أعتادت مِنْهُ، استطاعت أن تفـ.ـرض نفسها وتقطـ.ـع الأحاديث التي لا تروق لها..
فهكذا تقضي وقتها عبر المكالمة معهُ طيلة الوقت، فيُـ.ـثبت لها “تيام” الهاتف وتجلس هي أمامه تُشهر بألعابها الحبيبة أمام عيناه فينبهر هو بهم وتضحك هي بفرحة حينما يتفا’عل هو معها حتى تخلد للنوم دون أن تشعُر وتتركه لتنتهي المكالمة بوداع أخيه لهُ، هكذا كان “وهيب” دومًا، مصدر أما’نها وفرحتها، فأصبح فا’رسًا لأميرتين اليوم..
فلأجل أن ينا’لَ ضحكة صغيرة كتلك يد’فع الثمن با’هظًا مقابل ذلك، فلم تكُن تلك الصغيرة إلّا مستو’طنًا لطيفًا سـ.ـكن قلبه، حتى أصبح الجميع يُلقبونها _فريال قلبه_ وهكذا أصبحت هي.
_________________________________
