رواية ظل البراق الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الرابع عشر

ما أقسى أن يخفي كل قلب وجعه خلف ابتسامة باهنة، وأن يمضي كل في طريقه مثقلا بما لا يقال، فبعض الفصول من الحياة لا تروى بالكلمات، بل تفهم من نظرة حائرة، أو تنهيدة تغادر القلب قبل أن تسمع ....

كان الصباح ما زال يتناءب فوق الحارة، والبرد يقطع أطرافها كما لو كان يريد أن يوقظها كسرا الساعة السادسة تمامًا، والجو رمادي تلونه أنفاس الناس التي تتصاعد بخارا في الهواء.

بينما الحارة لا تزال نصف نائمة، لا تسمع فيها إلا أصوات الأبواب تفتح على مهل، وخطوات رجل

يخرج ليرافق ابنته إلى المواصلات، وصوت خفيف العربة تمر حفل بالخضار

في مطعم رقية وناهد كانت رائحة الخب تمتزج بدف، مع رائحة الطعام ، وصوت الأدوات

يتصادم كانه موسيقى صباح الحارة.

كانت رقية" تقف خلف طاولة خشبية، تتوقف تغوصان في خلطة الفلافل، تضبط المقادير

بدقة وهدوء.

أما "ناهد" فكانت تتقلب في ورقة طويلة بيديها، تمسك قلقا وتراجع الطلبات بعين خبيرة.

وفي الخارج، كان محمود يضع الكراسي أمام المكان، يتنفس بخاره في البرد وهو يتمتم بكلمات

لا يسمعها أحد.

قالت "ناهد" وهي تراجع الورقة:

يا رقية، إحنا محتاجين الحاجات اللي في الورقة دي النهاردة.

ردت "رقية" وهي منهمكة في العجن دون أن ترفع رأسها:

لازم يعني النهاردة؟ ولا ممكن نستنى لبكرة ؟ أصل التهادرة اليوم بيبقي صعب أوي.

نظرت "ناهد" في الورقة من جديد

لا النهاردة مش ضروري اللي عندنا هيكفي بس بكرة كله هيبقي خلصان

ابتسمت "رقية"

خلاص، بعد ما تخلص اليوم نبقى نروح نجيبهم أنا وانت.

دخل "محمود" وكال لليدا:

طب خلوني انا اروح اجيب الحاجات يا أبلة ناهد بدل ما تتعبوا وأهو توفر وقت ."

ضحكت" ناهد" بخفة وقالت وهي تنظر له من فوق نظارتها :

الواد ما بيصدق يهرب في أي مشوار عشان ما يذاكر"

رد عليها بسرعة بصدمة وضحك خفيف :

أنا؟! أبدا، ظالماني دايما يا أبلة ، أنا عمري ما أهرب من المذاكرة"

" ناهد" بسخرية

علي يدي يا واد ، احنا اللي هنروح نجيب الطلبات برضوا ."

قال بضحك وغرور :

براحتك هتخسروا واحد بيتقي وبيفاصل كويس زيي ."

ابتسمت "رقية " بخفة وهي تجفف يديها :

نص ساعة يا خويا وتمشي عشان وتجهز وتروح مدرستك عايزين نشوف الحماس والطاقة

دي في الدراسة يقى "

انكا "محمود" على الكرسي وقال بتمثيل مصطنع :

" ليه كده بس... أنا ناوي أفضل معاكم النهاردة وماروحش المدرسة "

بادرت "ناهد " وهي تضحك:

ليه يا ضفتن؟ متحرسنا ولا ايه؟"

ضحك "محمود" وقال وهو يعدل من وضع الكرسي:

" اليوم بيبقى مضغوط، وانتوا الأثنين من متلاحقوا على الطلبات، قلت أساعدكم النهاردة

وبلاش المدرسة ."

اقتربت منه رقبة وقالت بابتسامة بها حنان الأم وسخرية الأخت الكبيرة

" ما تقلقش يا أبو قلب حنين أحدا ياما اشتغلنا لوحدنا خلص شغلك واتوكل على الله، وروح

شوف دراستك .

رفع "محمود " يده وكأنه يعلن الاستسلام وقال بضحكة

خلاص خلاص بس لو رجعتوا متأخرين النهاردة ما تجوش تقولوا قاعد تلعب وسايبنا لوحدنا ليه "

يا واد روح | روح شوف مستقبلك "

قالت ناهد الجملة بابتسامة، ثم خرج محمود ليكمل عمله.

"رقية" بمرح :

" ألا يا ناهودة مالك شيك النهاردة بزيادة كده ليه ؟"

ضحكت "ناهد "وهي تلقي طرف حجابها للخلف :

"أنا شيك طول عمري يا بت ، بس قولت اروق علي نفسي النهاردة وأعيش دور المديرة."

ضحكت "رقية "وقالت بغمزة:

احلى مديرة والله ...

لم يكملا الحديث، إذ دخل أول زيون إلى المطعم وهو يقول بصوت عال:

صباح الخير يا ملكات الحارة شغالين ولا لسه بتجهزوا ؟"

ضحكت "رقية "وقالت:

شغالين بيا حاج سليم ريحة أكلنا مش واصلاك ولا إيه؟"

قال الحاج بابتسامة:

واصلة وبتعذبنا يا ستي عايز رغيفين قول و قرصتين فلافل سخنين كده على السريع"

قالت "ناهد " بضحك وجدية مصطنعة:

لا إحنا ما ينحبش حد يستعجلنا ، على مهلنا وبراحتنا"

حقكم يا ست ناهد ، مين يعرف يعمل في أكلكم ؟"

"ناهد" يغرور "

"مافيش طبعا."

"رقية " هزت رأسها يغلب من ناهد وقالت للحاج سليم :

اقعد يا حاج ودقايق وتكون الطلبات جاهزة "

وفيما كانت تحضر طلبه، كانت ناهد تتبادل حديثا سريعا مع امرأة دخلت للتو :

صباح الخير يا مدام ناهد لو سمحتى عايزة طلبى بتاع كل يوم بس بسرعة عشان العيال

يلحقوا المدرسة ."

ابتسمت "ناهد " وقالت وهي تبدأ في تجهيز طلبها :

على عيني يا حبيبتي استني بس دقيقة رقية تخلص الطعمية وأنا هجهز ليك القول . "

ضحكت المرأة وقالت:

ربنا يبارك ريحته واصله للآخر الشارع."

تبادلت" ناهد "نظرة سريعة مع رقية وقالت بخفة:

سمعني ؟ ده احنا مشهوريين اوي يا ماما"

ضحكت" رقية " وقالت وهي ترفع أول قرص فلافل ذهبي اللون:

سمعت يا ريسة ."

دخل وقتها محمود ليخبرهم بأنه سيذهب، وبالفعل ذهب وبدأت أشعة الصباح الخافتة تتسلل إلى داخل المطعم تنعكس على الوجوه المتعبة من البرد والانتظار كان البخار يتصاعد من الطاسة، ممتزجة برائحة الفلافل الطازجة، فيما انهمكت زقية في عملها كعادتها، سريعة الحركة.

دقيقة التركيز، لا تترك شيئا إلا في مكانه.

أما ناهد فكانت تميل على الطاولة المقابلة، تمسك كوب الشاي بيديها الدافئتين، تتابع صديقتها

بنظرة فيها ألف راحة.

قطعت الصمت وقالت بابتسامة دافئة

مش هنروح نزور نادية بقى ؟ البت متجوزة بقالها فترة، وأنت كل يوم تقولي هنروح

وما بنرجش "

رفعت" رقبة" رأسها للحظة، ثم عادت لتقليب العجين بخفة وهي ترد بنغمة هادئة :

هنروح أكيد يا ناهد أنا بس مستنية جوزها ينزل الشغل بعد إجازة الجوال عشان ما يبقاش في إحراج لينا"

ضحكت "ناهد" بخفة وهي تهز رأسها:

ولا إحراج ولا حاجة دي كلمتني امبارح وزعلانة إننا مازحناش من بعد الصباحية على طول"

ثم أضافت وهي ترفع حاجبيها:

وقالت كمان إن جوزها هينزل شغله النهاردة"

ابتسمت "زفية " وهي تمسح يديها في الفوطة القريبة:

خلاص نبقى نروح بكرة ولا بعده، نتطمن عليها وتبارك وتيجي على طول ."

"ناهد" نظرت إليها بغمزة ماكرة وقالت وهي تضحك:

عقبال ما أجيلك أنا في بيتك يا اللي في باللي !"

رفعت" رقية" حاجبا بخفة، وردت بنفس النغمة:

مالت بتيجي بيتي على طول يا ناهوده، إيه الجديد؟"

فهقهت" ناهد"، ثم قالت بمغزى وهي تميل نحوها قليلاً:

لاء المرة الجاية عايزة أجي البيت الثاني.....

توقفت لحظة، وكأنها تبحث عن كلمة مناسبة، ثم أضافت بنيرة مرحة:

" أصله طراوة أكثر وحب أكثر... قصدي مريح أكثر."

ضحكت "زقية" بخفة وهي تلتقط حبة فلفل كانت أمامها وتلقيها عليها قائلة يضيق مصطنع :

ركزي في شغلك يا مدام ناهد وسيبك من الحب اللي ما جابلناش غير التعب ده."

انفجرت" ناهد "بالضحك، وضربت الطاولة بخفة وهي تقول بنغمة مرحة :

أنت اللي تعبه نفسك يا قلب مدام ناهد فكي شوية، وسيبي قلبك في حاله، وهو مش

هيتعين "

رفعت "رقية " عينيها نحوها بهدوء حدقت فيها لثوان، تم قالت بنبرة تميل إلى الجد:

" وأنت ماسبتيش قلبك في حاله ليه ؟"

ساد بينهما لحظة صمت قصيرة، لم يسمع فيها إلا صوت الزيت وهو يغلي في الطاسة.

تنهدت " ناهد " بصدق، نظرتها فقدت مرحها للحظة، وقالت بصوت خافت لكنه مليء بالوجع القديم :

بلاش تعممي تجربتي عليك يا رقية ... أنا قصتي كانت مقفولة بالضبة والمفتاح، ولو كنت

سبت قلبي وقتها.... كانت هتبقى دمار."

نظرت "رقية" إليها طويلا، ثم ناولت أحد الزبائن طلبه بابتسامة باهتة، وقالت وهي تضع الكيس في يده:

وأنا لو سبت قلبي.... هتبقى حرب يا ناهد"

ثم التفتت إليها بعين فيها ما يكفي من التلميح، واردفت بصوت منخفض:

وأنت شفتي جزء منها. "

صمتت ناهد"، وفهمت تماما ما قصدته.

نظرتها تحولت إلى شيء من الحزن، لكنها لم تعلق، فقط تنهدت بهدوء، ثم عادت لتقليب

الساندويتشات أمامها كأنها تهرب من الكلام.

أما رقية، فتابعت عملها في صمت يدها لا تتوقف. لكن ملامح وجهها تغيرت بقيت عيناها

زانغتين لتوان، كأنها تسمع صونا لا يسمعه أحد غيرها.

خارج المطعم، بدأت الحارة تدب فيها الحياة من جديد، لكن داخل المكان الصغير، ظل الصمت بين المرأتين أكثر ضجيجا من أي صوت اخر.

جلس محسن المهدي أمام قطورة بهدوء، يرتشف الشاي بنظرة ثابتة، لا يرمش إلا حين يتحدث.

جلست أمامه وفاء، ترتدي ملابس أنيقة وعيناها لا تكفان عن مراقبته بنصف ابتسامة مشدودة.

اقتربت منه قليلا، وقالت بصوت خافت يحمل حذرا مكنوها

" هتعمل ايه نكرة "

رفع رأسه ببطء، ونظر إليها بثقة باردة وهو يقول:

هنسلم في نص الليل... أنا كلمت الناس واتفقنا على المكان والمعاد "

شدت وفاء شفتيها بقلق خفيف، ثم ردت بنفس الهمس، وكأن الحيطان قد تسمعها :

" أوعي تغلط في أي حاجة الغلطة المرة دي تودي ورا الشمس يا محسن".

ترك كوب الشاي على الطاولة بقوة خفيفة، ونظر إليها بعين تشتعل غضيا:

أنا مش صغير عشان تفضلي تقوليلي الكلمتين دول في كل مرة يا وفاء.... ده أنا محسن المهدي !"

أطلقت ضحكة قصيرة، ثم أصدرت صوتا ساخرا يفمها، وقالت وهي تميل برأسها بسخرية ظاهرة:

بلاش نفخ في نفسك كثير كده يا بيبي احنا اسه خسرانين صفقة بملايين بسببك."

ارتفع حاجباه غضبا، وصوته خرج حانا وهو يرد بضيق واضح

و معوضها المرة دي ! بس خليك بعيد ألت عن الموضوع."

نظرت اليه بعينين تومضان بالتان وقالت بنبرة غاضية متماسكة

بعيد ؟! أنا في قلب أي حاجة تخصك يا محسن بيه شكلك نسيت إلي شريكتك بالنص في كل حاجة !"

ضحك بسخرية جافة، وأشار إليها بيده كأنه يستهزئ بكلماتها:

تحني اكتبلك النص الثاني يا وفاء هانم؟"

رفعت ذقبها بثقة، وردت بثيات فيه تصميم غريب

هيحصل يا محسن.... هيحصل "

تم مالت نحوه نظرتها صارت أكثر جدية وهي تضيف ببطء كمن يلقي قبيلة على الطاولة:

مالا مش هستنى اليوم اللي تيجي فيه واحدة تقوللي عايزة ورث أبويا".

تجمد وجهه لتوان نظر إليها بدهشة صريحة، وقال بنبرة منخفضة مشوية بالذهول:

ورت؟!"

وبعد لحظة صمت، ابتسم ابتسامة باهنة وهو يميل في كرسيه الخلف

انت كمان موتيني ؟ وبعدين مين اللي هتيجي تقول عايزة ورث؟ اللي ما تعرفش عني حاجة بقالها أكثر من 11 سنة ؟"

قالت "وفاء بهدوء حبيث وهي تعبت بملعقتها في طبقها دون أن ترفع عينيها نحوه

اه عادي جدا "

ثم نظرت له فجأة بعين مليئة بالدهاء، وأضافت بنبرة واثقة:

انت راجل أعمال، واسمك بيتقال كثير أكيد هي عارفة انت بقيت إيه ... ومش بعيد تيجي في

يوم تقولك عايزة ورتي "

صمت محسن لحظه، نظراته بدأت تتغير، كأنه يحاول تذكر وجها من الماضي.

اقترب منها قليلا صوته خرج منخفضا، لكنه مشدود

أنا مش فاكر شكلها أصلا يا وفاء .. هي هتفتكرني ؟!"

أمالت رأسها بخفة، وقالت وهي تضع الملعقة بهدوء على الطبق:

أنت ما تعرفش حاجة ، دي طالعة لأمها بالظبط"

نظرتها اشتدت، وكأنها تقصد أن تطعنه بالاسم، ثم قالت ببرود قاتل:

" لا أمها كانت سهلة، ولا رقية سهلة"

عيون محسن اتسعت كان الاسم أعاد له وجها من الماضي حاول طويلاً أن يدفنه.

وقبل أن ينطق اخترق صوتهما صوت ناعم وصغير من عند باب الصالة:

مين زقية دي يا بابا اللي بتتكلموا عليها وبتقولوا مش سهلة ؟"

التفت الاثنان في لحظة واحدة.

كان زين واقفا عند الباب بملابس المدرسة الأنيقة، وحقيبته على كتفه، وعيناه منينتان بالفضول الطفولي.

تبادلت وفاء ومحسن نظرات سريعة ممثلثة بالقلق.

لكن وفاء كانت أسرع كعادتها رسمت ابتسامة وادعت الهدوء، ثم قالت بصوت دافئ مصطنع وهي تشير له بالاقتراب

صباح الخير يا حبيبي تعال افطر قبل ما الباص يجي"

تقدم زين بخطوات سريعة نحو المائدة، وجلس على مقعده المعتاد، وقال وهو يمد يده إلى طبق الجبنة

" صباح النور يا ماما ... بس مين رقية دى اللي بتتكلموا عليها ؟ "

تجمد محسن مكانه، عينه انتقلت بين وجه ابنه ووجه زوجته بدا كأنه لا يجد الكلمات، ولا يملك التبرير.

لكن وفاء تناولت اللقمة من طبقها بهدوء بالغ، وقالت ببساطة باردة وهي تمضغ الطعام:

دي واحدة كده غليانة، يتيجي لأبوك تاخد اللي فيه النصيب... بس شكلها بقت استغلالية شوية ويتطلب أكثر من اللازم."

رفع محسن حاجبيه بصدمة مكتومة، ووجهه مال قليلا ناحية زوجته كأنه لا يصدق ما سمعه. لكن وفاء لم تنظر إليه، وكأنها أنهت الموقف تماما.

لم يمر سوى لحظات حتى رأى على وجه ابنه اقتناعا طفوليا خالصا ، فتنفس بارتياح خفيف دون أن يظهره.

قال زین ببساطة وبنغمة بريئة جعلت الصمت ينقل أكثر:

طب عادي يا ماما ... ادوها طالما محتاجة، إحنا عندنا كثير الحمد لله. "

ابتسم محسن يتكلف واضح، ومد يده نحو الخبز وهو يقول بهدوء مصطنع:

عشان خاطر زین ندبها يا سيدي ... أفطر بس بسرعة قبل ما الباص ييجي"

ضحك زين بخفة صغيرة، وبدأ يأكل بحماس طفولي، بينما نظرات والديه كانت تتحرك بينه

وبين بعضهما كان بينهما اتفاقا غير منطوق.

ابتسامة وفاء كانت باهتة، لكن في عينيها ظل الخوف خوف أن يعرف زين يوما الحقيقة.

أما محسن، فظل صامتا، عيناه شاردة نحو المائدة، وكأن اسم "زقية" ما زال يدوي في رأسه.

هناك رجال يجدون في عملهم راحتهم وذواتهم، وكان يوسف النجار واحدا من هؤلا.... في

وسط الحارة تقريبا، كان باب ورشة يوسف التجار يفتح على مصراعيه، محدثا صريرا مألوفا. ما إن دخل الورشة، مديده إلى الراديو الصغير المعلق على الحائط، وضبطه على إذاعة القرآن

الكريم.

صدح صوت التواشيح في الأجواء التواشيح مولاي إني ببابك قد بسطت يدي.... " يختلط مع رائحة الخشب ونشارة الصنوبر فامتلات الحارة يعبق يشبه الطمأنينة.

وفي أثناء ما كان يختبر من المنشار على قطعة خشب دخل شخص من العاملين معه ، وقال

بابتسامة :

صباح الخير يا معلم يوسف".

يوسف التفت له، وقال بمرح :

صباح الفل يا معلم ، جاي متأخر بس هعديها ."

الشاب ضحك وهو يقترب من الطاولة:

" والله يا معلم راحت عليا نومة ، معلش ."

"يوسف" هز راسه بابتسامة خفيفة وقال:

ولا يهمك يا سيدي، اتصل على اللي لسه نايمين دول صحيهم وكلهم يبقوا هنا عشان الشغل اللي هيطلع النهاردة ."

حاضر هكلمهم حالا "

جلس "يوسف وأخذ نفسا عميقا وضغط على زر الاتصال، وانتظر حتى جاءه صوت مهاب من

الطرف الآخر، بنبرته الهادئة المألوفة:

صباح الخير يا يوسف "

"يوسف" ابتسم تلقائيا وقال بمزح بسيط

صباح النور يا هندسة، صحبت ؟"

لسه صاحي ، أنت اللي شكلك صوتك صاحي بدري النهاردة"

ضحك "يوسف" بخفة وهو برد

ده أنا دايما كده الصبح له بركة يا أخي، وبعدين عندي فكرة كده ، ايه رأيك نفطر سوا؟"

قال "مهاب " باستعجال :

نفسي والله بس لازم انزل دلوقتي اروح المعرض، في عربيات جديدة مستلمها النهاردة ولازم أيقي موجود."

"يوسف" قال بإصرار لطيف:

" والله لو بدأت يومك بلقمة معايا، هتلاقيه ماشي زي الفل تعانى ناكل لقمة وتقعد شوية كده نحكي ."

مهاب صمت لحظة، وبعد بها قال بنبرة الخف:

طيب ساعة وأكون عندك بس لازم أعدي على المعرض الأول أستلم شحنة العربيات واظبط

الدنيا واجيلك يا صاحبي "

ماشي يا سيدي خلص شغلك وتعالى، وأنا هفضل ماسك نفسي ومش هضعف وأفطر من غيرك."

ضحك مهاب بخفة، وقال وهو يغلق المكالمة:

خليك على وضعك يا نجار الحارة ... سلام ...

بعد نحو نصف ساعة، كانت شاحنات النقل الكبيرة تقف أمام المعرض المكان يعج بالحركة.

وصوت المحركات يملأ الأجواء..

وقف مهاب أمام المدخل، مرتديا سترة سوداء أنيقة فوق قميص رمادي، وملامحه تجمع بين الجدية والاطمئنان.

اقترب منه أحد العمال وقال وهو يشير نحو الباب الخلفي:

البضاعة وصلت يا باشمهندس والمندوب جوه بيستناك"

نظر له "مهاب" باستغراب وقال :

غريبة ؟ وصلت يدري النهاردة ."

صمت تواني ثم قال وهو ينظر للعامل بجدية :

يصوا على العربيات قبل ما يدخلوا معرضنا عايز فحص كامل ومن غير غلطة ."

بدأنا بالفحص فعلا يا باشمهندس ، ماتقلقش "

أوما مهاب برأسه، ودخل بخطوات واثقة إلى داخل المعرض، حيث كان المندوب يراجع الأوراق

على مكتب صغير.

من "مهاب " يده في ترحاب مهذب وقال:

صباح الخير، أنا المهندس مهاب البراق "

ابتسم المندوب ورد:

أهلاً وسهلاً باشمهندس العربيات في أحسن حالة، ودي العقود الخاصة بالتسليم "

جلس مهاب" على المقعد، راجع الأوراق بسرعة ودقة، ثم قال بنبرة حاسمة:

تمام استلمنا، خلي الشباب يكملوا فحصهم وبعدها ينقلوا العربيات جوه المعرض، وهاتلي

الفواتير النهائية أوقعها."

خلال دقائق كان كل شيء يتم بالضباط واضح.

نظرة واحدة منه كانت كفيلة بأن يتحرك كل عامل في مكانه.

ورغم انشغاله، كانت عيناه تتابع كل التفاصيل بدقة، ويده تمسك القلم بثبات وهو يوقع.

تم التفت إلى "حمادة " وقال بهدوء:

أنا رايح مشوار صغير لو حد سأل على قول راجع بعد ساعة "

"حمادة " بابتسامة :

لحد راحتك يا هندسة ."

ارتسمت ضحكة خفيفة علي ملامح "مهاب " وقال :

عيوني يا سيدي ، همشي أنا وانتوا ما تسر حوش كثير في الشغل وتنسوا تفطروا ، اطلبوا

فطار دلوقتي ."

يا أخي دي يابختها اللي متأخدك .

توقف مهاب " ونظر له بابتسمامة وقال بعمرة :

ده با بختي أنا بيها."

تعالت ضحكات كل من بالمكان، وهو أخذ مفاتيحه، واتجه نحو سيارته ركيها ، وأدار المحرك

وانطلق خارج المعرض متجها إلى الحارة.

توقف مهاب بسيارته أمام الورشة، ونزل وهو يضم يده إلى جيبه لينقي البرد. لمح يوسف أمام الورشة يرتب الألواح الخشبية، وصوت المقرئ يملأ المكان يخشوع ابتسم " يوسف "ما إن راه

وقال بصوت مرح

طب مش كنت تقول عشان ترشلك الشارع نشارة ملونة ده الباشمهندس جاي بنفسه عشان يشوفني ."

ضحك " مهاب" بخفة وهو يقول بمرح مماثل :

" نشارة ملونة يا قديم يا بيئة ، وبعدين يا خويا انا جاي عشان القطار مش عشان اشوفك ."

نظر له "يوسف " بصدمة مصطنعه ووضع يده على قلبه وقال :

حرام عليك جرحت قلبي | بدل ما تقولي أنا سبت الدنيا كلها والشغل وجيت عشان اشوفك يا جو يا حبيبي 15 أخص على العشرة ."

رمقه" مهاب" يرفع حاجبه، وقد بدا الإتقان في أدائه كأنه يمثل مشهدا متقنا، ثم قال:

" تصدق صدقتك والدمعة هنفر من عيني !"

أكمل "يوسف " وقال برقة غير مألوفة منه :

" يعني اذا ما وحشتکش ؟"

نظر له "مهاب " بقلة حيلة وقال بابتسامة :

وحشتني يا عم ، بس أسلوبك ده هيخلي اللي بيبرقوا لينا دول ياخدوا فكرة غلط عننا ."

انهى مهاب حديثه وهو يشير إلى عمال الورشة الذين تركوا عملهم ووقفوا يتابعون ما يجري.

منصتين إلى كلام مديرهم وطريقته في الحديث مع صديقه.

نظر يوسف إليهم، وتأمل تعبيرات وجوههم، ثم التفت إلى مهاب لتوان، قبل أن ينفجر الاثنان ضاحكين ويعانقان بعضهما.

قال يوسف، وهو يضحك المهاب:

طب والله وحشتني ، من صلاة الفجر مش شوفتك يا عم . "

قال "مهاب" وهو يربت على كتف يوسف:

هعمل نفسي مصدقك وهقولك وأنت كمان ، عشان بس تقطرني ."

نظر إليه "يوسف" بضيق، وقال وهو يدفعه برفق ليجلس على الكرسي:

مفطرك يا خويا، قععد بس الأول. "

جلس على الكراسي الخشبية خارج الورشة، نظر يوسف أمامه ثم قال :

اطلب يقي من مطعم ست الناس؟"

ضحك "مهاب" وهو يفهم المقصود

"اروح أنا أطلب."

تعالت ضحكات "يوسف" وهو يقول :

لاده أنت عديت وقلبك بقي جامد يا هوبا."

نظر له "مهاب" يضيق مصطنع وقال :

هويا منك يترفعلي الضغط يا أخي ، اروح أنا ولا تروح أنت؟"

اشار له "يوسف" وهو يكم ضحكاته :

روح أنت يا كبير، أنا يشوف بنت خالتي في أي وقت لكن أنت بمواعيد ..

رمقه مهاب بغيظ من كلامه، ولم يتلفت باحثا عن شيء يرميه به فلم يجد، فاكتفى بأن ركله

بقدمه وهو يهم بالانصراف متجها نحو المطعم.

دخل المطعم وهو ينظر نحوها، لكنها كانت غارقة في الميدان تمامًا.

رات ناهد، فرفعت صوتها عمدا التلفت انتباهه وتجعله يركز:

طلب تصدق وحشتني ."

انتيه "لناهد" وقال وهو يضحك :

هو أنا كل ماحد يشوفني يقولي وحشتني ؟ أنا كنت مسافر ولا إيه ؟"

عمرت له "ناهد"

مین یا باشمهندش اللي قالك وحشتني غيري ؟ معجبينك كثير مانا عارفة ..

أشار إلى نفسه قائلًا ينفي واضحًا

ابنا والله :وبعدين بلاش تولعيها الدنيا أصلا مولعة لوحدها . "

ضحكت بخفة وقالت له بهمس :

الحق عليا كنت عايزة اساعدك واخليها تولع وتبصلك بدل ما انت من أول ما دخلت وانت

عمال تبص من تحت لتحت ."

نظر لها بصدمة وقال بنفس الهمس :

أنا بيض من تحت لتحت يا ناهد ؟ "

قالت "ناهد" بضحكة خفيفة:

اه ، وبعدين اسمع مني دي يتبجي بالزن، أفضل اظهر قدامها وقول مرة واثنين وعشرة ..

أكثر من ذلك ؟ ده أنا حاسس إنها ممكن القلتني بالسكينة اللي ماسكاها دي من كثر الآن ."

قال آخر كلامه وهو يشير إلى "رقية" التي تقطع الخضار بمهارة.

وضعت ناهد يدها على فمها لتكتم ضحكتها، ثم قالت له :

كل شي جايز يا بني .. قولي عايز إيه ؟"

لم تحبها، والتفت إلى رقية قائلًا:

صباح الخير يا رقية ...

نظرت له

صباح النور يا باشمهندس ."

تم التفتت إلى الميدان مرة أخري ، فنظر لناهد بضيق وقال لها بهمس :

لو سارق ورثها متى هعمل معايا كده ."

ضحكت ناهد وهي مستسمتعة بمشاهدتهم، فقال "مهاب " الرقبة :

طب اذا جعان ."

أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا يونيوا، وابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها

باستسلام منه.

ثم التفتت إلى ناهد وقالت بجدية

شوفي طلبات الباشمهندس وحضريها يا ناهد."

نظر إليها مهاب رافعا حاجبه، ثم حول نظره إلى ناهد بنظرة تحذيرية كأنه يمنعها من قول "حاضر".

فابتلعت ناهد ريقها بتوتر تحت وقع نظراته، وقالت الرقية وهي نتجه لتقف في مكانها:

لا يصي أنا كمل يدالك هنا وأنت جهزي الطلبات."

نظرت إليها رقية بغضب، وبدأت تجهز طلبه دون أن تسأله عما يريد، فهي تعرف ذلك جيدا.

وقف مهاب محاولا أن يتجنب النظر إليها، بينما قلبه يخفق بقوة المجرد وجودهما في المكان نفسه

وفي خضم ذلك، كان يوسف قد مضى من الجلوس على الكرسي إلى الجلوس على طاولة أطول قليلا، ليتمكن من رؤياهما بوضوح

لم يكن يسمع ما يقوله، لكنه كان يبتسم متسليا بتعبيرات وجه مهاب التي تتبدل في لحظة بين الغضب، والحب، والضجر.

داخل سوبر ماركت رزق البراق الكبير كانت الإضاءة البيضاء تطع بقوة فوق الأرفف والممثلة. بالبضائع، والناس تتحرك في صمت حذر، وكان كل خطوة محسوبة خوفا من نظرات المدير نفسه: خالد البراق.

كان واقفا عند الكاشير، متكنا على الكاونتر بملامح جامدة نظرة متعالي لا تخلو من الغضب

الدائم، وصوته الجهوري يعلو فوق ضجيج المكان.

قال بحدة وهو ينظر إلى أحد العمال الصغار الذي كان يرتب الزبادي على الرف:

جنب الحليب "

يا ابني، دي تاني مرة أقولك الرف ده يبقى كله نفس النوع مش كل شوية ألاقى الفراولة

الولد ارتبك وقال يخوف

حاضر يا أستاذ خالد، كنت لسه برضهم "

"خالد" قال بسخرية:

لسه برضهم؟ يا سلام! وأنت من الصبح بتشتغل ولا جاي تتفرج علي البضاعة ؟!"

ضحك عامل ثاني بخفوت فالتفت خالد ناحيته بسرعة وقال بصوت حاد:

ايه اللي بيضحكك يا أستاذ؟ في نكتة وأنا مش واخد بالي؟ ولا الشغل عندنا بقى هزار؟"

الراجل رد بخوف:

"لا يا أستاذ خالد، والله كنت بس ......

قاطعة خالد بنظرة حادة وقال:

خلاص بس ديبقى آخر مرة اسمع صوت غير صوت الزبون هنا، مفهوم؟"

سادت لحظة صمت في المكان الكل عاد يعمل في توتر واضح.

دخل رجل كبير في السن من الزبائن ، وقال بابتسامة طيبة

صباح الخير يا خالد بيه كنت عايز الطلبات اللي في الورقة دي عقبال ما اقبض المعاش بكرة

وأجي أدفع حسابهم... أنتوا عارفيني وأنا يأخد من عندكم على طول ."

رد خالد "ببرود دون أن ينظر إليه:

ما فيشر طلبات بتطلع من غير فلوس ، ادفع الأول الفلوس وبعدين حد اللي أنت عايزة . "

الرجل قال بتردد:

بس أنا محتاج الطلبات دي ضروري والمعاش لسه مانزلش ...."

قاطعه "خالد" بحدة وهو يحي بيده

يا عم الحاج ما تصدعش دماغي ، أنا قولت اللي عندي ، ووسع المكان في ناس وراك عايزة تحاسب ."

الراجل هل قرر في إحراج وقال بهدوء:

خلاص يا ابني هامشي، ربنا يسامحنه"

وغادر ببطء، فيما نظر العمال لبعضهم بامتعاض خفي

لكن لم يجرؤ أحد على الكلام.

وبعد دقيقة واحدة، دخل بدات من العمال الجدد يحمل كرتونة بين يديه وقال بخوف

استاذ خالد الكرتونة دي لسه جت من المورد، نحطها فين؟

"خالد" رد وهو يرفع حاجبه باستعلام

" هو أنا اللي شغال هنا ولا أنت؟ يعني محتاج تسألني تحطها فين ؟ متن المفروض تبقي عارف شفاك ايه ؟

الشاب قال بخجل:

كنت بس بتأكد عشان المرة اللي فاتت حضرتك ...

قاطعه " خالد" وهو يلوح بيده في الهواء:

المرة اللي فاتت والمرة دي والمرة الجاية، الشغل يتعمل من غير فلسفة "

رمى نظرة حادة على الجميع ثم قال بصوت مرتفع كأنه يوجه خطبة:

اللي مش قادر يشتغل بنظام البزاق، الباب أوسع من السوق"

وبينما ساد الصمت التام، رفع خالد كوب القهوة الخاص به ورشف منه بهدوء متعجرف، تم

أكمل:

" أنا ما بحبش الغلط، وما يغلطش، ومش هستحمل غلطة من حد"

وبينما يمر بين الممرات، كان كل عامل بهم بإصلاح وضعه أو ترتيب الرف بسرعة، حتى لا يقع

تحت نظرة خالد الباردة.

ورغم كل هذا الجمود، ابتسم بخفوت وهو يرى صورة والده المعلقة عند الكاشير وقال في سره

بصوت منخفض لا يسمعه أحد:

لازم أفضل كده عشان أستحق اسم البزاق فعلا"

عاد خالد إلى مكتبه بخطوات محسوبة، وأغلق الباب خلفه بقوة، كانه يعلق على عالم يخضه وحدة.

جلس على مقعده الجلدي وألقى بجسده للخلف، من يده إلى فنجان القهوة الموضوع أمامه.

رشفة صغيرة فقط، تم وضعه على المكتب بتأقف.

رن الهاتف، فمد يده إليه بكسل، أجاب بنبرة باردة متعالية:

او مش جايبلي أخبار حلوة، اقفل "

جاءه صوت إيهاب من الطرف الآخر مرتبكا، مترددا، يحمل في نبرته مزيجا من التوتر والرجاء

لیه کده یا باشا؟ ده الزبون استوى على الآخر خلاص هيفضل في حضننا "

ارتسمت على وجه" خالد ابتسامة ساخرة خالية من الدفء، وقال ببطء فيه استهزاء:

أستوی؟ آخر مين بابو آخر؟ مانا شايفه امبارح، ومش ظاهر عليه حاجة، مرحلة عملية شوية "

ساد صمت لثوان، قبل أن يرد إيهاب بصوت مضطرب:

بس كده ممكن يتعب مننا ......

قاطعة" خالد "فجأة صوته ارتفع كالسوط :

انت هنرغي معايا يا روح أمك؟ نقذ كلامي من سكات، فاهم؟"

ارتبك "إيهاب " أكثر، وقال بخضوع كلي:

حاضر يا باشا، بس كله يتمنه طبعا."

ضحك خالد ضحكة قصيرة جافة، وقال ببرود ساخر

ماتخافش هروق عليك.... بس خلي بالك اللعب ده او باظ هتبقى أول واحد يتشال من على الخريطة "

تم أنهى المكالمة دون أن ينتظر رده، وألقى الهاتف على المكتب بقسوة، واتكأ على الكرسى

متلهذا، يحدق في اللاشيء بعينين ضيقتين كمن يفكر في خطة جديدة.

خارج الزجاج، كانت الحياة تمضي في السوبر ماركت كالمعتاد، لكن داخل المكتب... كان الهدوء

يخفي شيئا أكثر خلافا من مجرد مكالمة .

جلس مهاب ويوسف أمام الورشة، فوق ترابيزة خشبية قديمة لامستها الشمس فصارت دافئة.

وضع مهاب الأطباق بعناية أمامهما، وقال مبتسما وهو يمد الخبز لصاحبه:

كل يا عم. فطار ملوكي أهو "

ايتم يوسف ابتسامة خفيفة، بدأ يأكل بصمت بينما مهاب أخرج هاتفه لينفقد شيئا.

رن الهاتف فجأة نظر إلى الشاشة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال وهو يجيب:

ايه يا حبيبة أخوك؟"

جاء صوت نادين عادلا متزنا كالعادة:

" مهاب، أنا هخلص شغل بدري ساعة النهاردة، بس كنت عايزة أقولك إني اتصلت على مازن

عشان يبقى عارف ويجيلي، يس تليفونه مقفول "

قال " مهاب " وهو ينظر في ساعته بهدوه معتاد:

مازن في محاضرة دلوقتي، ولسه بدري ما تقلقيش، أنا هكلمه بعد شوية، وهو أول ما يشوف مكالمتك هيرجع يتصل عليك "

ماشي هقفل بالي عشان الشغل. "

ماشي يا حبيبتي، سلام"

أغلق الهاتف ووضعه بجانبه، ثم رفع نظره نحو يوسف الذي ظل يأكل في صمت دون أن يعلق بكلمة.

راقيه مهاب "للحظة، ثم قال بصوت هادئ يشوبه شيء من الفضول:

تادین بدأت شغل من فترة "

رفع "يوسف "رأسه قليلا، رد بیرود وقال:

مهى كانت بتشتغل فعلاً يا مهاب ايه الجديد؟"

اجابه" مهاب " بنفس الهدوء، تبرته أقرب للتفكير

الجديد إنها بدل ما كانت بتشتغل من البيت بقت بتشتغل في شركة "

قال " يوسف" ببساطة وهو يعيد نظره للطعام:

- "ربنا يوفقها "

ظل "مهاب" ينظر إليه بنيات بعين تلتقط الصمت أكثر مما تلتقط الكلمات، ثم قال بنبرة هادئة

لكنها عميقة:

انت مش مهتم فعلاً يا صاحبي، ولا بتحاول تيان كده؟"

رفع " يوسف " عينيه نحوه ببطء، ونبرة صوته خرجت صادقة صافية كأنه يكتشف الحقيقة

للمرة الأولى:

هتصدقني لو قلتلك إن ما بقاش جوابا أي إحساس ليها؟ ولا حب ولا كره، ولا حاجة خالص..... هي بالنسبالي أختك وبس "

أوماً "مهاب" برأسه يتفهم، عيناه ما زالت تراقبانه باهتمام، وقال بعد لحظة صمت:

" يعني لو جت فرصة ترجعوا لبعض.... مش هتقبل ؟"

ضحك يوسف ضحكة قصيرة، فيها مرارة وسخرية مغا، وقال بهدوء متعب

" تقبلها عليا بعد اللي حصل منها ؟ "

ظل "مهاب" صامنا للحظات، ثم مديده وربت على كتف صاحبه في حنان صادق، وقال بصوت دافئ مائل للشجن

" أنت تستاهل كل خير يا صاحبي.... وأنا ما أقبلش ليك غير اللي يحافظ على قلبك اللي زي الدهيد"

ضحك يوسف بخفة وهو يتأمل صديقه، ثم التفت نحو المطعم الذي بدأ يهدأ من الزبائن، وارتفع صوته بمرح واضح قائلا:

كوباية شاي وحياة خالتك يا رقية!"

رفعت رقية حاجبها وهي تمسح يديها في المريلة، ونظرت إليه بنظرة تجمع بين الدعابة والصرامة. ثم ردت بشيرة خفيفة

الشاي في القهوة يا خويا روح هاتلك كوباية من هناك "

ابتسم "يوسف" في مكر طفولي وقال متصنغا الرجاء:

بس أنا بحب أشربه من عندكم يا سني اكسبي فيا ثواب واعملي كوبايتين لينا أنا والغلبان

اللي جنبي ده"

كانت ناهد تراقبهما فابتسمت أولا، ثم قالت بسخرية وهي تلوح بالمعلقة في يدها:

تفتحلكم أوضة اقامة في المطعم يا خويا أنت وهو؟ أكل وشرب وصداع كمان ؟ اسكنوا بقى.

وجعتوا دماغنا على الصبح !"

تبادل مهاب ويوسف نظرات الدهشة، وكان ردها فاجأهما، فقال "مهاب " بنبرة هادئة يغلب عليها

التعجب:

الا جرى ايه يا ناهد؟ ما إحنا كنا حلوين، إيه اللي جرالك؟"

لم ترد ناهد بل لغت و جهها بسرعة ودخلت إلى داخل المطعم وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة.

ظل "يوسف" صامنا لحظة، ثم التفت إلى مهاب ونظر إليه نظرة شبه جادة وقال ساخرا:

انت هيبت ايه لما كنت عندهم؟"

ضحك مهاب بخفة وهو يرفع حاجبه قائلا:

والله ما عملت حاجة يا بني هما السنات كده بيقلبوا في ثانية "

انفجر" يوسف" ضاحكا، ثم قال وهو يهز رأسه:

يا عم ربنا يسترها منهم ، أنت بتمشي لكن أنا يفضل في وشهم يا خويا ."

ابتسم مهاب بخفوت ونظر نحو باب المطعم الذي اختفت خلفه رقية، وقال :

طب ماتيجي تبدل "

ضحك يوسف مجددا ولكن صمت عندما لمح رقية وهي تضع الشاي على طاولة أمام المطعم

ونظرت له لكي ياخذها واختفت مرة أخري بداخل المطعم .

نظر "يوسف " لهاب وعمر له وهو ينهض متجها نحو باب المطعم، ثم عاد يحمل كوبين من

الشاي، فوضع أحدهما أمام مهاب وقال بخفة:

أهو الشاي وصل يا بيه بس المرات الجاية أنت اللي تطليه ، عشان طلباتك مجابه ."

أخذ " مهاب " الشاي وابتسم يحب وقال بهمس:

أنا عايز طلب واحد بس هو اللي يبقى مجاب ."

سمع يوسف جملة مهاب الأخيرة، فضحك بصوت مرتفع وهو يهز رأسه في مرح، بينما اكتفى

مهاب بابتسامة خافتة ارتسمت على وجهه.

ادار نظره بعيدا نحو الشارع، وكأنه يهرب من سخرية صديقه، ثم رفع كوب الشاي إلى شفتيه واحتسى منه بهدوء.

وهكذا انتهى الصباح على دقة شاي زقية وضحكة يوسف وصمت مهاب، الذي ظل ينظر إلى الفراغ وكأنه يرى فيه ما لا يرى.

في نهاية اليوم، كانت رقية تجلس مع أختيها كعادتها كل مساء، بينما خلا المقعد من سيف الذي

تأخر في درسه.

تنهدت بضيق وهي تنظر إليهما قائلة:

أنا مش عارفة درس إيه اللي بعد العشاء ده يعني المدرسين فاضيين طول اليوم، وما يلاقوش وقت غير دلوقتي ؟! وكمان احنا في الشتا والوقت بيبقى متأخر."

ابتسمت " نور" بهدوء وقالت محاولة تهدئتها:

الساعة لسه ثمانية يا رقية، وبعدين المكان قريب يعني بلاش تقلقي كده على سيفه

تابعت "هنا " وهي تربت على كتف أختها بحنان

المدرسين بيحبوا يخلوا دروس الثانوية في وقت هادي بعيد عن الزحمة والدوشة

فما تقلقيش... سيف بقى راجل مش صغير "

نظرت إليهما رقية بهدوء، وقد هذا انفعالها قليلا، ثم سألت:

والتوا؟ عاملين ايه في كلياتكم؟ حد فيكم محتاج حاجة ؟"

اتسمت "هنا "واحتضنتها بحب قائلة:

انا زي الفل الحمد لله ... ومش محتاجة حاجة خالص "

ضحكت "نور"

وأنا طول الأسبوع امتحانات دي آخر سنة اللي قالولي سهلة طلعت أصعب من كل السنين.

اللي قبلها. "

ضحكت "رقية "وقالت مشجعة:

هانت ومتخلصي، استحملي الشوية اللي باقيين "

قالت "نور" ممازحة وهي تمسك بطنها:

ممكن استحمل أو العشا النهاردة صينية جلاش محشية تشكيلة جين "

انفجرت" هنا "ضاحكة وقالت:

وكوباية سحلب في الجوده... تبقى عظمة ! "

ضحكت "رقية " وهي تزيحهما بمرح:

قوموا اعملوا اللي عايزينه، أنا مش هقوم "

وقفت هنا ونور معا، وتبادلا نظرة ماكرة، ثم قالنا بصوت مسرحي مضحك

حقت با ملكة خليك قاعدة، واحنا هننفذ الأوامرا"

ضحكت رقية وهما تتحركان نحو المطبخ، ثم تنهد وابتسمت وهي تلتقط هاتفها وتتصل بالطبيب

انتظرت بضه توان حتى جاءها صوته الهادئ قائلًا:

بنت حلال، كنت لسه هكلمك "

قالت بتوتر واضح

عرفت النتيجة يا دكتور ؟

صحك برفق وقال مطمئنًا:

براحة يا ستي مافيش داعي للقلق ده. دى حياة صداع عادية جدًا "

زفرت "رقية" بارتياح وهي تغمض عينيها للحظة وقالت بامتنان

الحمد لله ... أصل شكلها كان غريب وصغيرة قوي كده "

قال الطبيب مطمئلا:

عادي يا رقية، صدقي، مفيش أي خطر"

قالت بشكر صادق

شكرا جدا يا دكتور أنا عارفة إلى دوخت حضرتك وصنعتك معايا."

رد بابتسامة مسموعة:

عيب يا رقية، إحنا أهل .... تحت أمرك في أي وقت."

أغلقت المكالمة، وأسندت رأسها إلى الخلف، تهمس بحمد خافت

"الحمد لله .."

ثم نظرت إلى الفراغ بنظرة نادمة، تعاتب نفسها بصمت على كل الأفكار السيئة التي دارت في رأسها تجاه أخيها، قبل أن تنهض لتلحق بأختيها في المطبخ، وصوت ضحكهما بملأ البيت دفلا

في ليل بارد.

في زاوية معلمة من المقهى الصغير كان ذلك الذي تشعر اخته بالقدم تجاهه جالسًا منحني الرأس، كفاه تضغطان على صدقيه بقوة، والأنفس تخرج متقطعة كأنها تتن من وجع داخلي. حوله ضجيج الشباب وضحكاتهم العالية، بينما هو بدا كان العالم كله انكمش داخل وجع راسه فقط

رفع عينيه نحو إيهاب بصوت مبحوح قال وهو يضغط على كلماته كمن يحاول انتزاعها من بين أنيابه

دماغي هننفرتك يا ايهاب... الحباية اللي باخدها بقت ما يتعملش أي حاجة

ابتسم "إيهاب" ابتسامتها فيها مزيج من التظاهر بالشفقة والدهاء، ومد يده بهدوء وريت على

كيف سيف قائل بصوت خفيض يشبه الهمس

ليه كده يا حبيب أخوك؟ طب اسمعني... في نوع ثاني أهدى وأربح بكثير بس أنا ... والله

خايف عليك "

رفع "سيف" رأسه ببطء عيناه حمراوان من الشهر، وصوته خرج مبحوحا ومتعنا:

وخايف ليه طالما بيريح ؟ "

ابتسم إيهاب هذه المرة ابتسامة واهنة، وقال بجدية زائفة:

أصله تقيل شوية .... مش أي حد يستحمله "

مزر "سيف" يده على وجهه كأنما يحاول طرد الألم، ثم ضرب رأسه بخفة وقال بعصبية:

مش مهم... مش مهم..... المهم يربح الصداع اللي في دماغي ده.

تنهد "إيهاب"، ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطونة بعناية، فتحها أمامه، فاتبعت منها رداد بودرة بيضاء خفيفة، كأنها رماد حلم محترق. نظر إلى سيف وقال بصوت خافت فيه اغواء

خد دي... جربها بس، وهتحس إنك طاير فوق التعب"

نظر سيف إلى الورقة بعينين شاردتين فيهما خوف غامض وشوق خفي للراحة.

مد يده المرتعشة نحوها ببطى، تردد لحظة، كأنه يسمع صوتا داخليا يصرخ: ارجع.

لكن الصداع كان أقوى من النداء.

أمسك الورقة أخيرا، وأغمض عينيه قليلا، بينما إيهاب ابتسم ابتسامة نصر حقي وهو يراقبه.

لحظة صمت ثقيلة مزت، ثم تنفس سيف بعمق و ارتخت ملامحه كأنما استسلم للفرق.

خارج المقهى، كانت الأضواء الخافتة تتكسر على زجاج النوافذ، والبرد يزحف في الشوارع ... داخلها، كان فتى في السابعة عشرة يخطو خطوة نحو هاوية لا عودة منها.

تعليقات